← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

١٠٧ ـ المبادرة إلى التوبة والنصح فيها تقدَّم الحديثُ عن التوبةِ إلى الله وأهميَّتِها، وشدِّةِ حاجة العبد إليها ليتحقَّقَ فلاحُه، وليظفرَ بسعادة الدنيا والآخرة، وحقيقةُ التوبة الرجوعُ إلى الله بالتزام ما يُحبُّ وتركِ ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروه إلى محبوبٍ، فهي تتضمَّنُ أمرين: تركٌ للذنوب وندمٌ على فعلها وعزمٌ على عدم العودة إليها، وإقبالٌ على الطاعة، والتزامٌ بها، وعزمٌ على الاستقامة عليها، ولهذا علَّق الله سبحانه الفلاحَ المطلقَ على فعل ذلك بقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١، فكلُّ تائبٍ مفلحٌ، ولا يكون مفلحاً إلاَّ إذا أتى بالأمرين معاً، فإن أخَلَّ بذلك بأن ارتكب المحظور أو ترَكَ المأمور نقص حظُّه ونصيبُه من الفلاح بحسب ذلك، وكان بتركِه للمأمور وفعلِه للمحظور ظالماً لنفسه بحسب ذلك، والله يقول: ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢، فتاركُ المأمور ظالمٌ لنفسه، كما أنَّ فاعلَ المحظورِ ظالمٌ لها، وزوال اسم الظلمِ عنه إنَّما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين. ولهذا فإنَّ التوبةَ جامعةٌ لشرائعِ الإسلام وحقائقِ الإيمانِ، والدِّينُ كلُّه داخلٌ في مسمَّاها، وبهذا استحقَّ التائبُ أن يكون حبيبَ الله، فإنَّ اللهَ يُحبُّ التوَّابين ويُحبُّ المتطَّهرين٣، بل لقد ثبت في الحديث عن النبيِّ

стр. 562

صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: " لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيِس منها، فأتى شجرةً، فاضطجع في ظلِّها، قد أيِسَ من راحلتِه، فبينما هو كذلك، إذ هو بها قائمةً عنده، فأخذ بِخِطامها، ثمَّ قال ـ من شدَّةِ الفرَح ـ: اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شدَّةِ الفرح "، رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه١. ولا ينبغي للمسلم أن يُؤخِّرَ التوبةَ ويُؤجِّلَها ويسوِّف فيها، بل الواجبُ المبادرةُ والمسارعةُ، فإنَّ المرءَ لا يدري ما يَعرِضُ له في هذه الحياة، ولا يزالُ بابُ التوبةِ مفتوحاً للعبدِ ما لَم يُغرْغِر، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ٢، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ يقول رسول الله ﷺ : " إنَّ اللهَ تعالى يقبلُ توبةَ العبدِ ما لَم يُغَرْغِر " ٣، أي: ما لَم تبلغ روحُه حلقومَه. وكذلك لا يقبل الله توبةَ العبد إذا طلعت الشمس من مغربِها، ففي المسند للإمام أحمد وسنن أبي داود عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها "٤.

стр. 563

وروى الطبراني عن صفوان بن عسَّال ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " إنَّ للتوبةِ باباً عرضُ ما بين مِصراعَيْه ما بين المشرق والمغرب، لا يُغلقُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها "، حسَّنه الألباني رحمه الله١. ولهذا فإنَّ الواجبَ على الإنسانِ أن يُبادر إلى التوبةِ قبل فواتِ أوانها، وقبل أن يُحال بينه وبينها، ولا يجوز له تأخيرُها في أيِّ حال من الأحوال، بل إنَّ تأخيرها يُعدُّ معصيةً ينبغي أن يُتاب منها. قال العلاَّمةُ ابنُ القيِّم ﵀: " إنَّ المبادرةَ إلى التوبةِ من الذنب فرضٌ على الفَور، ولا يجوز تأخيرُها، فمتى أخَّرَها عصى اللهَ بالتأخيرِ، فإذا تاب من الذنب بقيَ عليه توبةٌ أخرى، وهي توبتُه من تأخير التوبةِ، وقلَّ أن تخطُرَ هذه ببالِ التائبِ، بل عنده أنَّه إذا تاب من الذنب لَم يبق عليه شيءٌ آخر، وقد بقيَ عليه التوبةُ من تأخير التوبةِ، ولا يُنجي مِن هذا إلاَّ توبةٌ عامة، مِمَّا يَعلَمُ من ذنوبه ومِمَّا لا يَعلَم، فإنَّ ما لا يَعلمه العبدُ من ذنوبه أكثرُ مِمَّا يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهلُه إذا كان مُتمكِّناً من العلمِ، فإنَّه عاصٍ بترك العلمِ والعمل، فالمعصيةُ في حقِّه أشدُّ، وفي المسند للإمام أحمد، والأدب المفرد للبخاري أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " الشركُ في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: فكيف الخلاصُ منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أُشركَ بك وأنا أعلمُ، وأستغفرُك لِما لا أعلم "٢، فهذا طلب

стр. 564

الاستغفار مِمَّا يعلمه الله أنَّه ذنبٌ، ولا يعلمه العبدُ. وفي الصحيح عنه ﷺ : " أنَّه كان يدعو في صلاته: اللَّهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي، اللَّهمَّ اغفر لي جدِّي وهزلِي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنتَ إلهي لا إله إلاَّ أنتَ " ١. وفي الحديث الآخر: " اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجلَّه، خطأَه وعمدَه، سِرَّه وعلانيتَه، أولَه وآخرَه "٢. فهذا التعميم وهذا الشمولُ؛ لتأتي التوبةُ على ما علمَه العبدُ مِن ذنوبِه وما لَم يعلمه "٣. اهـ. ولا ريبَ أنَّ هذا من النصحِ في التوبة المأمورِ به في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سِيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٤، وقد بيَّن ابن القيم ﵀ أنَّ النصحَ في التوبةِ يتضمَّن ثلاثةَ أشياء: الأول: تعميمُ جميعَ الذنوب واستغراقُها بها، بحيث لا تَدَعُ ذنباً إلاَّ تناولتْه.

стр. 565

والثاني: إجماع العزم والصدق بكليَّته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تلوُّمٌ ولا انتظارٌ، بل يجمع عليها كلَّ إرادته وعزيمتِه مبادراً بها. الثالث: تخليصُها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصِها، ووقوعُها لمحضِ الخوفِ من الله وخشيتِه والرغبة فيما لديه والرهبة ممَّا عنده، لا كمَن يتوب لحِفظ جاهه وحُرمتِه ومنصِبه ورياستِه، ولحفظ حاله، أو لحفظ قوَّته وماله، أو استدعاء حمدِ الناس، أو الهربِ من ذمِّهم، أو لئلاَّ يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسِه وعجزه، ونحوِ ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصِها لله . فالأول يتعلَّق بما يتوب منه، والثالث يتعلَّق بمَن يتوب إليه، والأوسطُ يتعلَّق بذات التائبِ ونفسِه١، وبهذه الأمورِ الثلاثة يكون العبدُ قد أتى بأكمل ما يكون من التوبةِ، والتوفيق بيد الله وحده، فنسأله أن يَمُنَّ علينا بالتوبة النصوح، وأن يهدينا سواء السبيل.

стр. 566

١٠٨ ـ قرن التوبة بالاستغفار، وقرن الاستغفار بالتوحيد لقد كان حديثُنا السابق عن التوبةِ وبيانِ فضلِها وعِظمِ شأنِها وشدَّةِ احتياجِ العبد إليها، وعن بعضِ الأحكام المتعلِّقةِ بها، وكثيراً ما تأتي التوبةُ في النصوصِ مقرونةً بالاستغفار، كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ١، وقول هود لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ٢، وقول صالح لقومه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ٣، وقول شعيب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٤. وفي هذا دلالةٌ على عِظم التلازم بين الاستغفار والتوبة، وشدَّةِ احتياج العبد إليهما للوقاية من شرور الذنوب وغوائلها، والذنوب نوعان: " ذنبٌ قد مضى، فالاستغفار منه: طلبُ وقايةِ شرِّه، وذنبٌ يُخاف وقوعُه، فالتوبة: العزمُ على أن لا يفعله، والرجوعُ إلى الله يتناول النوعين، رجوعٌ إليه ليقيَه شرَّ ما مضى، ورجوعٌ إليه ليقيَه شرَّ ما

стр. 567

يستقبل من نفسه وسيِّئات أعماله. وأيضاً فإنَّ المذنبَ بمنزلةِ مَن ركب طريقاً تؤدِّيه إلى هلاكه، ولا توصله إلى المقصود، فهو مأمور أن يولِّيها ظهره، ويرجع إلى الطريقِ التي فيها نجاته، والتي توصله إلى مقصوده، وفيها فلاحه، فههنا أمران لا بدَّ منهما: مفارقة شيء والرجوع إلى غيره، فخُصَّت التوبةُ بالرجوعِ، والاستغفارُ بالمفارقةِ ... "١. أمَّا إذا أُفردت التوبةُ بالذِّكر أو أُفرد الاستغفار، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يتناول معنى الآخر. والاستغفار له شأنٌ عظيم ومكانةٌ عاليةٌ، فهو كما بيَّن شيخ الإسلام " يُخرج العبدَ من الفعلِ المكروه إلى الفِعلِ المحبوبِ، ومن العمل الناقصِ إلى العمل التامِّ، ويرفعُ العبدَ من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإنَّ العابدَ لله، والعارفَ بالله في كلِّ يوم، بل في كلِّ ساعة، بل في كلِّ لحظة يزدادُ علماً بالله وبصيرةً في دينه وعبوديَّتِه، بحيث يجدُ ذلك في طعامه وشرابه ونومِه ويَقَظتِه وقولِه وفعلِه، ويرى تقصيرَه في حضورِ قلبِه في المقامات العالية وإعطائِها حقّها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطَّرٌ إليه دائماً في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد؛ لِما فيه من المصالحِ وجلب الخيرات ودفعِ المضرَّات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية "٢.

стр. 568

وممَّا يُبيِّن عِظَمَ شأن الاستغفار ورفيع مكانته أنَّه كثيراً ما يأتي في النصوص مقروناً مع كلمة التوحيد لا إله إلاَّ الله التي هي خيرُ الكلمات وأفضلُها وأجلُّها على الإطلاق، كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، وقوله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ٤، وكقوله ﷺ في كفَّارة المجلس: " سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلاَّ أنت أستغفرك وأتوب إليك "٥، وكقوله ﷺ عقِب الانتهاء من الوضوء: " أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، اللَّهمَّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين "٦، وكقوله ﷺ في دعائه الذي كان يختم به الصلاةَ: " اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر

стр. 569

لا إله إلاَّ أنت "١، والنصوصُ في هذا المعنى كثيرة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، مِن أولِّهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أوَّلِهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلِّهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكلِّ عاملٍ مقامٌ معلوم، فشهادةُ أن لا إله إلاَّ الله بصِدق ويقين تُذهبُ الشركَ كلَّه، دقَّه وجلَّه خطأه وعمده، أوَّلَه وآخرَه، سِرَّه وعلانيتَه، وتأتي على جميع صفاتِه وخفاياه ودقائِقه، والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته، ويَمحو الذنبَ الذي هو من شُعب الشرك، فإنَّ الذنوبَ كلَّها من شعب الشرك، فالتوحيد يُذهبُ أصلَ الشرك، والاستغفار يمحو فروعَه، فأبلغ الثناء قولُ لا إله إلاَّ الله، وأبلغُ الدعاء قول أستغفر الله "٢. وقد جمع النبيُّ ﷺ بين التوحيد والاستغفار في حديث أنس بن مالك ﵁ المخرَّج في سنن الترمذي يقول ﷺ : " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنَّك ما دعوتَني ورَجوتَني غفرتُ لك ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبُك عنانَ السماء ثمَّ استغفرتني غفرتُ لك، يا ابن آدم إنَّك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثمَّ لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتُك بقُرابِها مغفرة "٣.

стр. 570

وهو حديث عظيمٌ جامعٌ لأهمِّ وأعظم أسباب مغفرة الذنوب، حيث تضمَّن الحديثُ ثلاثةَ أسباب عظيمةٍ يحصُلُ بها مغفرةُ الذنوب: أحدها: دعاءُ الله مع رجائه، فمِن أعظم أسباب المغفرة أنَّ العبدَ إذا أذنبَ ذنباً لَم يرج مغفرته من غير ربِّه، ويعلم أنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ الله. الثاني: الاستغفار، فإنَّ الذنوبَ ولو عظُمت وبلغت من الكثرةِ عنانَ السماء، فإنَّ اللهَ يغفرُها إذا طلبَ العبدُ من ربِّه المغفرةَ. الثالث: التوحيد، وهو السببُ الأعظمُ للمغفرة، فمَن فقده فقد المغفرة، ومَن جاء به فقد أتى بأعظمِ أسباب المغفرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ١، فمَن جاء يوم القيامة موحِّداً فقد أتى بأعظمِ أسباب المغفرةِ٢. فهذه أبوابُ الخير مفتوحةٌ، ومداخلُه مشرعةٌ، ومناراته ظاهرةٌ، فنسأله سبحانه الهداية إليها والتوفيق لتحقيقها.

стр. 571

١٠٩ ـ مكانة الاستغفار وحال المستغفرين إنَّ للاستغفار مكانةً في الدِّين عظيمة، وللمستغفرين عند الله أجوراً كريمة، وثمارُ الاستغفار ونتائجُه الحميدةُ في الدنيا والآخرة لا يحصيها إلاَّ الله، ولهذا كثرت النصوصُ القرآنية والأحاديثُ النبويةُ المرشدةُ إلى الاستغفار، والحاثَّةُ عليه، والمبيِّنةُ لفضله وعظيمِ أجرِه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنَينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٤، والآياتُ في هذا المعنى كثيرة، وهي دالَّةٌ على عظيم شأن الاستغفار وتنوُّع فوائده وثمراته. جاء في الأثر عن الحسن البصري ﵀: " أنَّ رجلاً شكى إليه الجدبَ، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، وشكى إليه آخر الفقرَ، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، وشكى إليه آخر جفاف بُستانه، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، وشكى إليه آخر

стр. 572

عدم الولد، فقال: اسْتَغْفِرِ الله، ثمَّ تلا عليهم قول الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنَينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ "١، " أي إذا تُبتُم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدر لكم الضرع، وأمدَّكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنَّات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها "٢، وفي هذا دلالةٌ على عِظم فوائد الاستغفار وكثرة خيراته وتعدُّد ثمراته. وهذه الثمرات المذكورة هنا هي مِمَّا يناله العبدُ في دنياه من الخيرات العميمة والعطايا الكريمة والثمرات المتنوِّعة، وأمَّا ما يناله المستغفرون يوم القيامة من الثواب الجزيلِ والأجرِ العظيمِ والرحمةِ والمغفرةِ والعِتقِ من النار والسلامة من العذاب، فأمرٌ لا يُحصيه إلاَّ الله تعالى. روى ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن بُسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " طوبى لِمَن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً "، وسنده صحيح٣. وروى الطبراني في الأوسط والضياء المقدسي في الأحايث المختارة

стр. 573

عن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن أحبَّ أن تسرَّه صحيفتُه فليُكثر فيها من الاستغفار "١. وروى أبو داود والترمذي وغيرُهما عن بلال بن يسار بن زيد، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: " مَن قال: أستغفر الله الذي لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيوم وأتوب إليه، غفر له، وإن كان فرَّ من الزحفِ "٢. وفي هذا الحديث دلالةٌ على أنَّ الاستغفارَ يمحو الذنوبَ سواء كانت كبائر أو صغائرَ، فإنَّ الفرارَ من الزحفِ من الكبائر. لكن ممَّا ينبغي أن يُعلم هنا أنَّ المرادَ بالاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، فهو حينئذ يُعدُّ توبةً نصوحاً تجُبُّ ما قبلَها، أما إن قال المرءُ بلسانه: أستغفر الله، وهو غير مقلعٍ عن ذنب، فهو داعٍ لله بالمغفرة، كما يقول: اللَّهمَّ اغفر لي، وهذا طلبٌ من الله المغفرةَ ودعاءٌ بها، فيكون حكمُه حكمَ سائر الدعاء لله، ويُرجى له الإجابة. وقد ذكر أهلُ العلم أنَّ القائلَ: أستغفر الله وأتوب إليه له حالتان: الأولى: أن يقول ذلك وهو مصِرٌّ بقلبه على الذنب، فهذا كاذبٌ في قوله: وأتوب إليه؛ لأنَّه غير تائب، فإنَّ التوبةَ لا تكون مع الإصرار من العبدِ على الذنب.

стр. 574

والحالة الثانية: أن يقول ذلك وهو مقلعٌ بقلبه وعزمه ونيَّته عن المعصية، وجمهور أهل العلم على جواز قول التائب: أتوب إلى الله، وعلى جواز أن يُعاهد العبدُ ربَّه على أن لا يعود إلى المعصية أبداً، فإنَّ العزمَ على ذلك واجبٌ عليه، فهو مخبرٌ بما عزم عليه في الحال، وقد تقدَّم أنَّ من شروط قبول التوبة العزمَ من العبد على عدم العودةِ إلى الذنب، فإن صحَّ منه العزمُ على ذلك قُبلت توبتُه، فإن عاد إلى الذنب مرَّة ثانية احتاج إلى توبةٍ أخرى ليغفر له ذنبه، ولهذا فإنَّ العبدَ ما دام كذلك كلَّما أذنب تاب وكلَّما أخطأ استغفر فهو حريٌّ بالمغفرة وإن تكرَّر الذنب والتوبة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ فيما يحكي عن ربِّه : قال: " أذنب عبدٌ ذنباً، فقال: اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثمَّ عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنباً فعلِمَ أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثمَّ عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلِمَ أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك "١. أي: ما دُمتَ تائباً أوَّاهاً منيباً. فهذه توبةٌ مقبولةٌ وإن تكرَّر الذنبُ، فإنَّه كلَّما كرَّر العبدُ التوبةَ مستوفياً شروطها قُبلت منه، أما الاستغفار بدون توبة فلا يستلزم

стр. 575

المغفرةَ، بل هو سببٌ من الأسباب التي ترجى بها المغفرة. ولا ينبغي للعبدِ أن يقنَطَ من رحمة الله وإن عظُمت ذنوبُه وكثرت وتنوَّعت، فإنَّ بابَ التوبةِ والمغفرَةِ والرحمةِ واسعٌ، فالله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١. قال ابن عباس ﵄: " مَنْ آيس عبادَ الله من التوبة بعد هذا فقد جَحَدَ كتاب الله "٢. ويقول سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ٣، ويقول: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٤، وقال الله تعالى في حقِّ المنافقين: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٥، وقال في شأن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وِإِن لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦، وقال في شأن الكُفَّار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 576

١١٠ ـ مُلازمة النبيِّ ﷺ للاستغفار لقد كان إمامُ المرسَلين، وقدوةُ الموحِّدين، وقائدُ الغُرِّ المُحجَّلين الرسولُ الكريم ﷺ كثيرَ الاستغفار والتوبةِ إلى الله، مع أنَّه ﷺ قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ١، وفي الصحيح عن عائشة ﵁ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى قام حتى تتفطَّر رجلاه، فقلت له يا رسول الله: أتصنَعُ هذا وقد غفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً "٢. قال ابن كثير ﵀: " هذا من خصائصه صلواتُ الله وسلامه عليه التي لا يشاركه فيها غيرُه، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريفٌ عظيمٌ للرسول ﷺ ، وهو صلوات الله وسلامه عليه في جميع أموره على الطاعةِ والبِرِّ والاستقامة التي لَم ينلها بشرٌ سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكملُ البشر على الإطلاق، وسيِّدُهم في الدنيا والآخرة "٣.

стр. 577

ومع ذلك كلِّه فقد كان صلواتُ الله وسلامه عليه يُكثر في جميع أوقاته من الاستغفارِ، وكان الصحابةُ ﵃ يُحصون له في مجالسه الاستغفارَ الكثيرَ. روى مسلم في صحيحه عن الأغر المزنيّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إنَّه ليُغان على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرَّة "١. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " والله إنِّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة "٢. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: " كنَّا نعُدُّ لرسول الله ﷺ في المجلسِ الواحدِ مائةَ مرة: ربِّ اغفر لي، وتُب عليَّ، إنَّك أنت التواب الرحيم "٣. وأخرج النسائي عن أبي هريرة ﵁: " أنَّ رسول الله ﷺ جمع الناسَ فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإنِّي أتوب إليه في اليوم مائة مرة "٤.

стр. 578

وقد ثبت عنه ﷺ في الاستغفار صيغٌ عديدة، منها قوله: " أستغفر الله وأتوب إليه "، قال أبو هريرة ﵁: " ما رأيتُ أحداً أكثر من أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه مِن رسول الله ﷺ "١. ومنها قوله: " ربِّ اغفر لي، وتُب عليَّ إنَّك أنت التواب الرحيم "، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر ﵄. ومنها ما ثبت في الصحيحين: أنَّ أبا بكر قال للنبيِّ ﷺ : " عَلِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي؟ قال: قل: اللَّهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم "٢. ومنها ما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يدعو بهذا الدعاء: " اللَّهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي، اللَّهمَّ اغفر لي جدِّي وهزلِي، وخطأي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنتَ المقدِّم وأنت المُؤخِّر، وأنتَ على كلِّ شيء قدير "٣. ومنها ما ثبت في صحيح مسلم أنَّه كان من آخر ما يقوله ﷺ بين التشهد والتسليم: " اللَّهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أَسررتُ

стр. 579

وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنتَ أعلم به منِّي، أنتَ المقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلاَّ أنت " ١. ومنها، وهو أتَمُّها وأكملُها ما ثبت في صحيح البخاري عن شدَّاد ابن أوس ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبدُ: اللَّهمَّ أنت ربِّي لا إله إلاَّ أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمَتِك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلاَّ أنتَ "٢. فهذا الحديث لَمَّا كان جامعاً لمعاني التوبة، مشتملاً على حقائقِ الإيمان، مُتضمِّناً لمحضِ العبودية، وتمام الذُّلِّ والافتقار فاق سائرَ صِيَغِ الاستغفار في الفضيلة وارتفع عليها. قال ابن القيم ﵀: " فتضمَّن هذا الاستغفار الاعترافَ من العبد بربوبيَّة الله وإلهيَّته وتوحيده، والاعتراف بأنَّه خالقُه، العالمُ به؛ إذ أنشأه نشأةً تستلزمُ عجزَه عن أداء حقِّه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنَّه عبدُه الذي ناصيتُه بيده وفي قبضتِه، لا مهربَ له منه، ولا ولِيَّ له سواه، ثمَّ التزامُ الدخول تحت عهده ـ وهو أمره ونهيه ـ الذي عَهدَه إليه على لسان رسوله، وأنَّ ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب أداء حقِّك، فإنَّه غير مقدور للبشر، وإنَّما هو جهد المقلِّ، وقدر الطاقة، ومع ذلك فأنا مصدِّقٌ بوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب، ولأهلِ معصيتك بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدِك مُصدِّقٌ بوعدِك، ثمَّ أفزع إلى الاستعاذة

стр. 580

والاعتصام بك من شرِّ ما فرطتُ فيه من أمركَ ونهيكَ، فإنَّك إن لَم تعِذْني من شرِّه، وإلاَّ أحاطت بي الهلكة، فإنَّ إضاعةَ حقِّك سببُ الهلاكِ، وأنا أُقرُّ لك وألتزم بنعمتك عليَّ، وأقِرُّ وألتزم وأنجع بذنبي، فمنك النعمةُ والإحسانُ والفضلُ، ومنِّي الذنبُ والإساءةُ، فأسألكَ أن تغفر لي بمحوِ ذنبي، وأن تُعفيني من شرِّه، إنَّه لا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنتَ، فلهذا كان هذا الدعاءُ سيِّدَ الاستغفار "١. ومِن صِيَغ الاستغفار التي وردت عنه ﷺ ما رواه البخاري عن عائشة ﵁: أنَّها سمعت رسول الله ﷺ وأصْغَت إليه قبل أن يموت وهو مسنِدٌ إليها ظهرَه يقول: اللَّهمَّ اغفر لي وارحمني وألحِقني بالرفيق الأعلى "٢. وفي هذا إشارةٌ إلى ملازمتِه ﷺ للاستغفار في كلِّ أوقاته وجميع أحيانه إلى آخر لحظات حياته الكريمة صلواتُ الله وسلامه عليه، وكما أنَّه ﷺ كان يختم أعماله الصالحة، كالصلاة والحج وقيام الليل وسائر مجالسِه بالاستغفار فقد ختم حياتَه كلَّها به، رزقنا الله حسنَ الاقتداء به والاتِّباع لنهجه، ونسأله سبحانه أن يرزقنا الخاتمة الحسنة، إنَّه سميع مُجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ويليه القسم الثالث إن شاء الله، وهو في شرح الأذكار المتعلقة بعمل اليوم والليلة.

стр. 581

عَلَيْنَا﴾ ١، وقد بيّن ﵀ في سياق رده عليهم: أنَّ القبلةَ هي ما يستقبله الإنسان بوجهه، والاستقبال ضد الاستدبار، فالقبلةُ ما يستقبله الإنسان ولا يستدبره، فأما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره فهذا باتّفاق الناس لا يسمّى قبلةً؛ لأنَّ الإنسان لَم يستقبله كما لا يستدبر الجهةَ التي تقابلُه، ومن استقبل شيئاً فقد استدبر ما يقابله كما أنَّ من استقبل الكعبة فقد استدبر ما يقابلها، ومعلومٌ أنَّ الداعي لا يكون مستقبلاً للسماء ومستدبراً للأرض، بل يكون مستقبلاً لبعض الجهات إمّا القبلة أو غيرها، مستدبراً لما يقابلُها كالمصلي، فظهر أنَّ جعل ذلك قبلةً باطلٌ في العقل واللغة والشرع بطلاناً ظاهراً لكلِّ أحد٢. والمقصود أنَّ قبلةَ المسلمين في الدعاء هي قبلتهم في الصلاة، أمّا رفعهم لأيديهم عند الدعاء إلى السماء فلأنَّ ربَّهم الذي يدعونه ويسألونه ويرجونه ويطمعون في نيل ثوابه ورحمته ويخافونه في سمائه مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، يسمع دعاءَهم ويُجيب نداءَهم، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٣.

стр. 582

المجلد الثالث مقدمة ... فقه الأدعية والأذكار (عمل اليوم والليلة) بقلم: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتَّقين، والصلاةُ والسَّلام على إمام المرسلين نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد: فهذا القسم الثالث من فقه الأدعية والأذكار، تناولتُ فيه بيانَ الأذكار والأدعية المتعلِّقة بعمل المسلم في يومه وليلته، كأذكار الصباح والمساء والنوم وأذكار الصلوات وأدبارها، وأذكار الدخول والخروج، والركوب والسفر، والطعام والشراب، إلى غير ذلك من الأذكار العظيمة والدعوات المباركة، التي تصحب المسلم في أيامه ولياليه مع بيان معانيها ودلالاتها. وما من شكٍّ أنَّ في المواظبةِ على هذه الأذكار والمحافظة عليها خيراتٍ متوالية ونعماً متتالية في الدنيا والآخرة، لا سيما إن وُفِّق المحافظ عليها إلى التأمُّل في دلالاتها، والتفكُّر في مقاصدها وغايتها، والتحقيق لأهدافها ومقتضياتها. وإنِّي لأُؤَمِّل أن يُحقِّق هذا الكتاب شيئاً من ذلك بتوفيق الله ، وقد أفدت فيه من كلام أهل العلم في شروحات كتب الحديث عموماً، وكتب الأذكار على وجه الخصوص، وكتب اللغة، وكتب غريب الحديث وغيرها، مع اعترافي بقصور باعي وضعف علمي وقلَّة اطِّلاعي وكثرة تقصيري، أسال اللهَ أن يعفوَ عنِّي ويغفر لي بِمَنِّه وفضله، إنَّه غفور رحيم.

стр. 583

وهو في الأصل حلقات إذاعيةٌ تَمَّ تقديمُها عبر الإذاعة المباركة إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية تحت عنوان: "عمل اليوم والليلة". وهو يتكوَّن من خمس وستين حلقة متماثلة في الحجم، ولكلِّ حلقة عنوانٌ خاصٌّ يُرشد إلى مضمونها. ولا يفوتُنِي هنا أن أُسجِّل شكري وتقديري للقائمين على هذه الإذاعة على ما لقيتُه منهم من اهتمام وتعاون يُذكرُ فيُشكر، ومن لا يشكر الناسَ لا يشكر الله، فنسألُ الله أن يجزيهم خيرَ الجزاء، وأن يُبارك في جهودهم، وأن يُوفِّقهم لخدمة دين الله ونشره في أرجاء المعمورة بِمنِّه وكرَمه، كما أشكر كلَّ من قدَّم لي أيَّ نوع من أنواع المساعدة في هذا القسم أو في القسمين السابقين اللَّذين قبله؛ سواءً بحث وتشجيع، أو تصحيح ومراجعة، أو إبداء وجهة نظر أو ملحوظة، ومَن قام بصفِّه وتنضيده وعزو الآيات والأحاديث الواردة فيه، ومَن تبرَّع لطبعه وساهم في نشره، وأسأل الله أن يثيب الجميع أعظم الثواب، وأن يجزيهم خير الجزاء. وأسأله سبحانه أن يتقبَّل منِّي عملِي هذا وسائرَ أعمالِي، وأن يجعله لوجهه خالصاً، ولسُنَّة نبيِّه ﷺ موافقاً، ولعباده نافعاً، وأن لا يجعل لأحد فيه شيئاً، إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريب، وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا وعلى آله وصحبه. وكتبه عبد الرزاق البدر غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

стр. 584

١١١ / فضل الأذكار المتعلِّقة بعمل اليوم والليلة إنَّ من الموضوعات الجليلة والأمور المهمة التي تَمسُّ إليها حاجةُ كلِّ مسلم ما يتعلَّق بعمل المسلم في يومه وليلته، في قيامه وقعوده، وحركته وسكونه، ودخوله وخروجه، وسائر شؤونه، بأن يُوظِّف ذلك كلَّه في طاعة الله ويستعمله فيما يرضيه، فيكون في ذلك كلِّه ذاكراً لربِّه، مستعيناً به وحده، مفوِّضاً أمورَه كلَّها إليه. وقد ثبت في صحيح مسلم أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يذكر ربَّه في كلِّ أحيانه١، أي أنَّه صلوات الله وسلامه عليه لا يدع ذكرَ الله في أيِّ حالٍ من الأحوال، في ليله ونَهاره، وصباحه ومسائه، وسفره وحضره، وقيامه وقعوده وسائر أحواله، فلا يُباشر أيَّ عمل من الأعمال من نوم وقيام، ودخول وخروج، وركوب ونزول إلى غير ذلك إلاَّ وبدأه بذكر الله ودعائه. ومَن يتأمَّل السُّنَّةَ المباركة والهديَ النبوي الكريم يجد أنَّ هناك أذكاراً للصباح والمساء، وأذكاراً للنوم والانتباه، وأذكاراً للصلوات وأعقابِها، وأذكاراً للطعام والشراب، وأذكاراً لركوب الدابة والسفر، وأذكاراً تتعلق بطَردِ الهمِّ والغم والحزن، وأذكاراً تقال عند رؤية المسلم لِمَا يحب أو لِمَا يكره إلى غير ذلك من الأذكار التي تتعلَّق تعلقاً مباشراً بأحوال المسلم في يومه وليلته. وفي تلك الأذكار العظيمة وتنوعها بحسب مناسباتها تجديدٌ لعهد الإيمان وتقوية للصِّلَة بالله ، واعترافٌ بنعمه المتوالية وآلائه المتتالية، وشكرٌ له على تفضله وإنعامه وجُوده وإحسانه، وفيها لُجوءٌ إليه وحده، واعتمادٌ

стр. 585

دون ما سواه بالتعوُّذ به سبحانه من نَزَغَات الشيطان وشرور النفس، وشرِّ كلِّ ذي شر من الخلق، ومن شر كلِّ نقمة أو بلاء أو مصيبة. وفيها تقريرٌ لتوحيد الله ، وبراءةٌ وخلوصٌ من الإشراك به، وإقرارٌ وإذعان بربوبيته وألوهيته، ومَن كان ذا عناية واهتمام بأدعية النَّبِيّ ﷺ المأثورة عنه فإنَّه يبوء ويعترف مرات كثيرةً بأنَّ الله وحده هو الذي أمات وأحيا، وأطعم وأسقى، وأفقر وأغنى، وألبس وأكسى، وأضلَّ وهدى، وأنَّه وحده المستحق لأنْ يُؤْلَهَ ويُعبد، ويُخضع له ويُذل، وتُصرف له جميع أنواع العبادة. فالذِّكر كما يقول العلامة ابن القيم ﵀: "شجرة تثمر المعارفَ والأحوال التي شَمَّر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلاَّ من شجرة الذِّكر، وكلَّما عظمت تلك الشجرةُ ورسخ أصلُها كان أعظمَ لثمرتها، فالذِّكر يُثمرُ المقاماتِ كلَّها من اليقظة إلى التوحيد، وهو أصل كلِّ مقام، وقاعدتُه التي يُبنَى ذلك المقامُ عليها، كما يُبنَى الحائط على أُسِّه، وكما يقوم السَّقفُ علىحائطه"١. إضافة إلى ذلك فهي مشتملةٌ على غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العليَّة، وفيها من الخير والنفع والبركة والفوائد الحميدة والنتائج العظيمة ما لا يمكن أن يحيط به إنسان أو يعبر عنه لسان. ولذلك فإنَّ مِن الحَرِيِّ بالمؤمن أن يكون محافظاً تَمام المحافظة على تلك الأذكار العظيمة، كلَّ ذكر في وقته المناسب له من يومه وليلته، بحسب وروده في السُّنَّة؛ لتَتحقق له تلك الأفضالُ العظيمة والمعاني الكريمة، وليكون مِمَّن

стр. 586

أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ روي عن ابن عباس ﵄ في معنى الآية أنه قال: "المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً، وفي المضاجع، وكلَّما استيقظ من نومه، وكلَّما غدا أو راح من مَنْزله ذكر الله تعالى". وعن مجاهد ﵀ قال: "لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً"١. وقد سُئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القَدْرِ الذي يصير به المسلم من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات فقال: "إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً، وهي مبيَّنةٌ في كتاب عمل اليوم والليلة كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات"٢. ولقد حظي هذا الموضوع الجليل باهتمام العلماء الفائق وعنايتهم الكبيرة، فألَّفوا فيه المؤلفاتِ الكثيرة، وبسطوا القول فيه في كتب عديدة نفع الله بها من شاء من عباده؛ ككتاب عمل اليوم والليلة للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن، وكتاب عمل اليوم والليلة لتلميذه أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق المعروف بابن السُّني، وكتاب الدعاء الكبير للحافظ أبي بكر البيهقي، وكتاب الأذكار للإمام أبي زكريا النووي، وكتاب

стр. 587

الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب الوابل الصيب لتلميذه العلامة ابن القيم، وكتاب تحفة الذاكرين للإمام الشوكاني، وكتاب تحفة الأخيار للإمام الشيخ عبد العزيز بن باز - رحم الله الجميع - إلى غير ذلك من الكتب القيمة والمؤلفات النافعة التي كتبها أهل العلم قديماً وحديثاً في هذا الباب العظيم١. ومؤلفاتهم في هذا الباب متفاوتةٌ، فمنهم الراوي الأخبار بالأسانيد، ومنهم الحاذف لها، ومنهم المطول المسهب، ومنهم المختصر والمتوسط والمهذب. ومن المعلوم أنَّ هذه الأذكار المتعلقة بعمل المسلم في يومه وليلته تحظى باهتمام المسلمين البالغ وعنايتهم الكبيرة، غير أنَّ الكثير منهم قد لا يميزون في ذلك بين الصحيح الثابت عن النَّبِيّ ﷺ وبين الضعيف الذي لا يثبت عنه، وقد لا يعرفون أيضاً معاني هذه الأذكار العظيمة ولا مقاصدها الجليلة، فيفوتُهم بذلك نفعُها العظيم وتأثيرُها البالغ، قال ابن القيم ﵀: "وأفضلُ الذِّكر وأنفعُه ما واطأ القلبُ اللِّسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده"٢. اهـ كلامه ﵀. هذا وسوف أتناول - إن شاء الله - طائفةً عطرة، ونخبةً مباركة من تلك الأذكار المتعلقة بعمل المسلم في يومه وليلته مع بيان ما يتيسر من حِكَمها العظيمة ودلالتها القويمة ومعانيها الجليلة، مستمنحاً من الله وحده العونَ والتوفيق والسداد، وأسأله سبحانه أن يوفقنا وإياكم لكلِّ خير يحبه ويرضاه.

стр. 588

١١٢ / أَذْكَارُ طَرَفَيِ النَّهَارِ إنَّ من الأذكار والأدعية الراتبة التي وظَّفها الشرعُ الحكيم على المسلم في يومه وليلته أذكارَ طرفي النهار، بل هي أوسعُ الأذكار المقيَّدة وأكثرُها وروداً في النصوص، حثًّا عليها وترغيباً فيها وذكراً لأنواع كثيرة من الأذكار تُقَال في هذين الوقتين الفاضلين. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ١ والأصيل ما بين العصر وغروب الشمس. ويقول تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ﴾ ٢، والإبكار: أوَّلُ النهار، والعشيُّ: آخره. ويقول تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ٤، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومَحلُّ هذه الأوراد هو الصباحُ الباكرُ من بعد صلاة الصُّبحِ إلى قبل طلوع الشمس، والمساء ويقال العشي والآصال من بعد صلاة العصر إلى قبل الغروب، على أنَّ الأمر في ذلك واسعٌ إن شاء الله فيما لو نسي العبدُ ذلك في وقته أو عَرضَ له عارضٌ فلا بأس أن يأتي بأذكار الصباح بعد طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد غروبها.

стр. 589

وأما عن الأذكار المشروعة والأدعية المأثورة التي تقال في هذين الوقتين الفاضلين فهي كثيرة ومتنوعة، وسيأتي - إن شاء الله - طائفةٌ طيِّبةٌ منها، مع بيان شيء من معانيها العظيمة ودلالتها القويمة. روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ"١. فهذا من الأذكار العظيمة التي ينبغي أن يُحافظ عليها المسلمُ كلَّ صباح ومساء، ليكون بذلك محفوظاً - بإذن الله تعالى - من أن يصيبه فجأةُ بلاءٍ أو ضرُّ مصيبة أو نحو ذلك. قال القرطبي ﵀ عن هذا الحديث: "هذا خبَرٌ صحيحٌ وقولٌ صادق علمناه دليلَه دليلاً وتجربة، فإنِّي منذ سمعته عملت به فلم يضرَّني شيءٌ إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمدينة ليلاً، فتفكرتُ فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"٢. وجاء في سنن الترمذي عن أبان بن عثمان ﵀ – وهو راوي الحديث عن عثمان - أنَّه قد أصابه طرف فالج - وهو شللٌ يصيب أحد شقي الجسم - فجعل رجلٌ منهم ينظر إليه فقال له أبان: "ما تَنظر؟ أمَا إنَّ الحديثَ كما حدَّثتُك، ولكنِّي لَم أَقُلْه يومئذ ليمضي اللهُ عليَّ قَدَرَه". والسُّنَّة في هذا الذِّكر أن يُقال ثلاثَ مرَّات كلَّ صباح ومساء، كما أرشدَ النَّبِيُّ ﷺ إلى ذلك.

стр. 590

وقوله في هذا الحديث "بسم الله" أي: بسم الله أستعيذ، فكلُّ فاعل يُقَدِّر فعلاً مناسباً لحاله عندما يُبَسمِل، فالآكِلُ يُقدِّر آكُلُ، أي: بسم الله آكُل، والذَّابحُ يُقَدِّرُ أَذبَحُ، والكاتبُ يُقَدِّرُ أكتُبُ، وهكذا. وقوله: "الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ" أي: مَن تعوَّذ باسم الله فإنَّه لا تَضرُّه مُصيبةٌ من جهة الأرض ولا من جهة السماء. وقوله: "وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" أي: السَّميع لأقوال العباد، والعليمُ بأفعالِهم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السَّماء. وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ"١. وفي رواية للترمذي: "مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ حُمَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ"٢. والحُمَةُ: لدغةُ كلِّ ذي سمٍّ كالعقرب ونحوها. وقد أورد الترمذي عقب الحديث عن سُهيل بن أبي صالح ـ أحد رواته ـ أنَّه قال: "كان أهلُنا تعلَّموها، فكانوا يقولونَها كلَّ ليلةٍ، فلُدغَت جارِيَةٌ منهم، فلَم تَجِدْ لَها وجَعاً". فالحديث فيه دلالةٌ على فضلِ هذا الدعاء، وأنَّ مَن قاله حين يُمسي يكون مَحفوظاً بإذن الله مِن أن يَضرَّه لَدْغُ حيَّةٍ أو عقرَبٍ أو نحوِ ذلك.

стр. 591

وقوله في الحديث: "أعوذ" أي: ألتجئ، فالاستعاذةُ الالتجاءُ والاعتصامُ، وحقيقتُها: الهرَبُ مِن شيءٍ تَخافُه إلى مَن يَعْصِمُك منه ويَحمِيكَ من شَرِّه، فالعائِذُ بالله قد هَرَب مِمَّا يؤذيه أو يُهلكُه إلى ربِّه ومالكِه، وفَرَّ إليه، وألقى نفسَه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأَ إليه. والمراد بكلمات الله: قيل: هي القرآن الكريم، وقيل: هي كلماته الكونية القدرية، والمراد بالتامَّات أي: الكاملات التي لا يَلحقُها نَقصٌ ولا عيبٌ، كما يلحق كلامَ البشَر. وقوله: "مِن شرِّ ما خَلقَ" أي: مِن كلِّ شرٍّ، في أيِّ مخلوق قام به الشَّرُّ من حيوان أو غيره، إنسياً كان أو جِنياً، أو هامةً أو دابَّةً أو ريحاً أو صاعقة، أيَّ نوعٍ كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة١. وثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن خُبيب ﵁ قال: "خَرْجَنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، نَطْلُبُ رَسُولَ الله ﷺ لَيُصَلِيَ لَنَا، فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: قُلْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حَينِ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ"٢. ففي هذا الحديث فضيلة قراءة هذه السور الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثلاثَ مرَّات كلَّ صباح ومساء، وأنَّ مَن حافظ عليها كَفَتْه بإذن الله من كلِّ شيء، أي أنَّها تدفع عنه الشرورَ والآفات، وبالله وحده التوفيق لا شريك له.

стр. 592

١١٣ / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ إنَّ مِن الأذكارِ العظيمة والدعواتِ المباركة التي ينبغي على المسلم أن يحافظ عليها كلَّ صباح ومساء ما ثبت في صحيح البخاري من حديث شداد ابن أوس ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: " سَيِّدُ الاسْتِغَفَارِ أَنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"١. فهذا دعاءٌ عظيمٌ جامعٌ لمعاني التوبةِ والتَّذَلُّلِ لله ﵎ والإنابة إليه، وَصَفَهُ ﷺ بأنَّه سيِّدُ الاستغفار، وذلك لأنَّه قد فاق سائرَ صيغِ الاستغفار في الفضيلة، وعلا عليها في الرتبة، ومن معاني السيِّد، أي: الذي يفوق قومَه في الخير ويرتفع عليهم. ووجهُ أفضليةِ هذا الدعاء على غيره من صِيَغِ الاستغفار أنَّ النَّبِيّ ﷺ بدأه بالثَّناء على الله والاعتراف بأنَّه عبدٌ لله مربوبٌ مخلوق له ، وأنه سبحانه المعبود بحقٍّ ولا معبود بحقٍّ سواه، وأنَّه مقيمٌ على الوعد، ثابتٌ على العهد من الإيمان به وبكتابه وبسائر أنبيائه ورسله، وأنَّه مقيمٌ على ذلك بحسب طوقه واستطاعته، ثم استعاذ به سبحانه من شَرِّ كلِّ ما صَنَع من التقصير في القيام بما يجب عليه مِن شُكر الإنعام وارتكاب الآثام، ثم أَقَرَّ بترادف نِعمِه سبحانه وتوالي عطاياه ومِنَنِه، واعترف

стр. 593

بما يصيبُ من الذنوب والمعاصي، ثم سأله سبحانه المغفرةَ مِن ذلك كلِّه، معترفاً بأنَّه لا يغفرُ الذنوبَ سواه سبحانه. وهذا أكملُ ما يكون في الدُّعاء، ولهذا كان أعظمَ صِيغ الاستغفار وأفضلَها وأجمعَها للمعاني الموجبة لغفران الذنوب. وقوله في أول هذا الدعاء "اللَّهمَّ" هي بمعنى يا الله، حذف منها ياءَ النداء وعوض عنها بالميم المشددة، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما؛ لأنَّه لا يجمع بين العِوَض والمعوَّض عنه، ولا تستعمل هذه الكلمة إلاَّ في الطلب، فلا يقال: اللَّهم غفور رحيم، وإنَّما يقال: اللَّهم اغفر لي وارحمني ونحو ذلك. وقوله: "أنتَ ربِّي لا إلَه إلاَّ أنت خلقتَنِي وأنا عبدُك" فيه تذَلُّلٌ وخضوعٌ، وانكسارٌ بين يدي الله، وإيمان بوحدانيته سبحانه في ربوبيَّتِه وألوهيته، فقوله: "أنت ربِّي" أي: ليس لي ربٌّ ولا خالق سواك، والربُّ هو المالك الخالقُ الرازقُ المدبِّر لشؤون خلقه، فهذا إقرارٌ بتوحيد الربوبية، ولهذا أعقبه بقوله "خلقتنِي" أي: أنت ربِّي الذي خلقتنِي ليس لي خالقٌ سِواك. وقوله: "لا إله إلاَّ أنت" أي: لا معبود بحقٍّ سواك، فأنت وحدك المستحق للعبادة، وهذا تحقيقٌ لتوحيد الألوهية؛ ولهذا أعقَبَه بقوله "وأنا عبدك" أي: وأنا عابدٌ لك، فأنت المعبودُ بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواك. وقوله: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" أي: وأنا على ما عاهدتُك عليه وواعدتُك من الإيمان بك والقيام بطاعتك وامتثال أوامرك، "ما استطعت" أي: على قَدْر استطاعتِي، فإنَّه سبحانه لا يكلِّف نفساً إلاَّ وُسْعَها.

стр. 594

وقوله: "أعوذ بك من شرِّ ما صنعت" أي: ألتجئُ إليك يا الله، وأَعتَصِمُ بك من شَرِّ الذي صنعتُه مِن شَرِّ مَغَبَّتِه، وسوء عاقبته، وحلول عقوبته، وعدم مغفرته، أو من العَوْد إلى مثله من شر الأفعال، وقبيح الأعمال، ورديء الخصال. وقوله: "أبوء لك بنعمتك عليَّ" أي: أعترف بعظم إنعامك عليَّ وترادف فضلك وإحسانك، وفي ضِمن ذلك شكر المنعم سبحانه والتَّبَرِّي من كفران النِّعَم. وقوله: "وأبوء بذنبِي" أي: أقرُّ بذنبِي، وهو ما ارتكبتُه من إثم وخطيئة، من تقصير في واجب أو فعلٍ لمحظور، والاعترافُ بالذَّنب والتقصيرُ سبيلٌ إلى التوبة والإنابة، ومَن اعترف بذنبه وتاب منه تاب الله عليه. وقوله: "فاغفر لي" أي: يا الله، جميعَ الذنوب فإنَّ رحمتَك واسعةٌ، وصفحَك كريمٌ، ولا يتعاظمُك ذنبٌ أن تغفرَه، فأنت الغفورُ الرحيم، ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١. ثم إنَّ النَّبِيّ ﷺ قد ختم هذا الدعاءَ ببيان الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يناله من يحافظ عليه كلَّ صباح ومساء، فقال: "من قالها - أي: هؤلاء الكلمات - من النهار، موقناً بها - أي: مصدقاً بها ومعتقداً لها، لكونها من كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى، صلوات الله وسلامه عليه - فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".

стр. 595

وإنَّما حاز المحافظُ على هذا الدعاء هذا الموعود الكريم والأجر العظيم والثواب الجزيل؛ لأنَّه افتتح نهارَه واختتمه بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته والاعترافِ بالعبودية ومشاهدة المنة والاعتراف بالنعمة، ومطالعة عيب النفس وتقصيرها، وطلب العفو والمغفرة من الغفار، مع القيام على قدم الذل والخضوع والانكسار، وهي معان جليلةٌ وصفاتٌ كريمة يفتتح بها النهار ويختتم، جدير صاحبها أو المحافظ عليها بالعفو والغفران، والعتق من النيران، والدخول للجنان١، نسأل الله الكريم من فضله.

стр. 596

١١٤ / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ لا يزال الحديثُ موصولاً حول بيان الأذكار المتعلقة بطرفي النهار. روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ للهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي القَبْرِ"، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضاً: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ"١. وهذا دعاءٌ نافع وذكرٌ عظيم ووِردٌ مبارَك، يَحسنُ بالمسلم أن يُحافِظَ عليه كلَّ صباح ومساء تأسياً بالنبي الكريم ﷺ واقتداءً بهديه القويم. ومعنى قوله ﷺ في أوَّل هذا الدعاء "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله" أي: دخلنا في المساء، ودخل فيه المُلْك كائناً لله ومختصاً به، وهذا بيان لحال القائل: أي عرفنا وأقررنا بأنَّ المُلْكَ لله، والحمد له لا لغيره، فالتجأنا إليه وحده، واستعنَّا به، وخصصناه بالعبادة والثناء عليه والشكر له، ولهذا أعلن بعد ذلك إيمانه وتوحيده فقال: "لا إله إ لا الله وحده لا شريك له" أي: لا معبود بحقٍّ إلاَّ الله، وينبغي أن نلاحظ أنَّ كلمةَ التوحيد لا إله إلاَّ الله مشتملةٌ على رُكنَيْن، لا يتحقق التوحيدُ إلاَّ بهما، وهما النفي والإثبات، فـ " لا إله " نافيةٌ لجميع المعبودات، و" إلاَّ الله " مثبتةٌ العبادة لله سبحانه،

стр. 597

ولعِظَم هذا الأمر وجَلالة شأنه أكَّدَه بقوله "وحده لا شريك له"، فقوله "وحده" فيه تأكيد للإثبات، وقوله: "لا شريك له" فيه تأكيد للنفي، وهذا تأكيد من بعد تأكيد اهتماماً بمقام التوحيد وتعليةً لشأنه. ولَمَّا أَقَرَّ لله بالوحدانية أَتْبَعَ ذلك بالإقرار له بالملك والحمد والقُدرة على كلِّ شيء، فقال: "له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير" فالمُلكُ كلُّه لله، وبيده سبحانه ملكوت كلِّ شيء، والحمد كلُّه له ملكاً واستحقاقاً، وهو سبحانه على كلِّ شيء قدير، فلا يخرج عن قدرته شيءٌ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ١. وفي الإتيان بهذه الجملة المتقدِّمة بين يَدي الدعاء فائدةٌ عظيمة، فهو أبلغُ في الدعاء، وأرجى للإجابة، ثمَّ بدأ بعد ذلك بذكر مسألته وحاجاته، فقال: "ربِّ أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها" أي: أسألك خير ما أردتَ وقوعه في هذه الليلة للصالحين من عبادك من الكمالات الظاهرة والباطنة، ومن المنافع الدينية والدنيوية، "وخير ما بعدها" أي: ما بعدها من اللَّيالي. "وأعوذ بك من شرِّ ما في هذه الليلة وشرِّ ما بعدها" أي: وأعتَصِمُ بك وألتجئُ إليك من شرِّ ما أردتَ وقوعه فيها من شرور ظاهرة أو باطنة. وقوله: "ربِّ أعوذ بك من الكَسَل وسوء الكبر"، والمراد بالكسل عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور القدرة عليه، ومَن كان كذلك فإنَّه لا يكون معذوراً، بخلاف العاجز، فإنَّه معذورٌ لعدم قدرته، والمرادُ بسوء الكِبَر، أي: ما يورثه كبرُ السن من ذهاب العقل، واختلاطِ الرأي، وغير ذلك مِمَّا يسوء به الحال.

стр. 598

وقوله: "ربِّ أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر" أي: أستَجير بك يا الله من أن ينالَنِي عذابُ النار وعذابُ القبر، وإنَّما خَصَّهما بالذِّكر مِِن بين سائر أعذبة يوم القيامة لشدتهما، وعظم شأنهما، فالقبرُ أوَّلُ منازل الآخرة، ومَن سَلِم فيه سلم فيما بعده، والنَّارُ أَلَمُها عظيمٌ وعذابُها شديد، حَمانا الله وإياكم ووقانا ووقاكم. ويُستَحبُّ للمسلم إذا أصبح أن يقول ذلك، إلاَّ أنَّه يقول: "أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، ربِّ أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شرِّ ما في هذا اليوم وشرِّ ما بعدها، ربِّ أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربِّ أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر". ومن أذكار طرفي النَّهار ما رواه ابن السنِّي عن أبي الدرداء ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ : "من قال في كلِّ يومٍ حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلاَّ هو عليه توكّلت وهو ربُّ العرش العظيم سبع مرّات كفاه الله ما همّه من أمر الدنيا والآخرة"١. فهذا الذكر المبارك له أثرٌ بالغٌ ونفعٌ عظيمٌ في كلِّ ما يهمّ المسلم من أمر الدنيا والآخرة، ومعنى حسبي الله؛ أي: كافيني. ومن الأذكار العظيمة المشروعة في الصباح والمساء أن يقول المسلم إذا أصبح وإذا أمسى: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ

стр. 599

وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ "١. وفي هذا الذِّكرُ العظيمُ جَمْعٌ بين التسبيح والحمد، والتسبيح فيه تَنْزيهٌ لله عن النَّقائص والعيوب، والحمدُ فيه إثباتُ الكمال له سبحانه، وتعيين المائة لحكمة أرادها الشارعُ، وخفي وجهها علينا. والسُّنَّةُ أن يَعقِدَ هذه التسبيحات بيده تأسِّياً به ﷺ ، لا بالسُّبْحَة أو الآلة أو نحو ذلك مِمَّا يفعله كثيرٌ من الناس، ففي سنن أبي داود عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَمِينِهِ"٢. ومن المعلوم لدى كلِّ مسلم أنَّ خيرَ الهدي هو هَديُه ﷺ ، رزقنا الله وإياكم التمسكَ بسنَّته، ولزومَ نَهجِه، واقتفاءَ آثاره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 600

١١٥ / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ إنَّ مِن الأذكار العظيمة والأوراد المباركة التي كان النَّبِيّ ﷺ يَحُثُّ أصحابَه على تعلُّمِها والمحافظة عليها كلَّ صباح ومساء ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ المخرَّجِ في سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يُعَلِّم أصحابه، يقول: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ المَصِيرُ"١. فهذا دعاءٌ نبَوِيٌّ عظيمٌ، وذِكرٌ مُبَارَكٌ، يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح ومساء، ويتأمَّلَ في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة، وكيف أنَّه قد اشتمل على تَذكير المسلم بعظيم فَضلِ الله عليه وواسِعِ مَنِّه وإكرَامِه، فنَوْمُ الإنسانِ ويقظَتُه، وحركتُه وسكونُه، وقيامُه وقعودُه إنَّما هو بالله ، فما شاء الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله العظيم. وقوله في الحديث: "بك أصبحنا" أي: بنعمتك وإعانتك وإمدادِك أصبحنا أي أدركنا الصباح، وهكذا المعنى في قوله "وبك أمسينا". وقوله: "وبك نَحيا وبك نموت" أي حالُنا مُستَمرٌّ على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركاتنا كلِّها وشؤوننا جَميعها، فإنَّما نحن بك، أنت المعين وحدَك، وأَزِمَّةُ الأمور كلّها بيدك، ولا غِنَى لنا عنك طَرْفَة عَيْن، وفي هذا من الاعتماد على الله واللُّجوء إليه والاعتراف بِمَنِّه وفَضله ما يُحقِّقُ للمرء إيمانَه ويُقوِّي يقينَه ويُعْظِمُ صِلتَه بربِّه سبحانه.
следующие страницы →