١١٤ / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ
لا يزال الحديثُ موصولاً حول بيان الأذكار المتعلقة بطرفي النهار.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ للهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي القَبْرِ"، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضاً: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ"١.
وهذا دعاءٌ نافع وذكرٌ عظيم ووِردٌ مبارَك، يَحسنُ بالمسلم أن يُحافِظَ عليه كلَّ صباح ومساء تأسياً بالنبي الكريم ﷺ واقتداءً بهديه القويم.
ومعنى قوله ﷺ في أوَّل هذا الدعاء "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله" أي: دخلنا في المساء، ودخل فيه المُلْك كائناً لله ومختصاً به، وهذا بيان لحال القائل: أي عرفنا وأقررنا بأنَّ المُلْكَ لله، والحمد له لا لغيره، فالتجأنا إليه وحده، واستعنَّا به، وخصصناه بالعبادة والثناء عليه والشكر له، ولهذا أعلن بعد ذلك إيمانه وتوحيده فقال: "لا إله إ لا الله وحده لا شريك له" أي: لا معبود بحقٍّ إلاَّ الله، وينبغي أن نلاحظ أنَّ كلمةَ التوحيد لا إله إلاَّ الله مشتملةٌ على رُكنَيْن، لا يتحقق التوحيدُ إلاَّ بهما، وهما النفي والإثبات، فـ " لا إله " نافيةٌ لجميع المعبودات، و" إلاَّ الله " مثبتةٌ العبادة لله سبحانه،
стр. 597
ولعِظَم هذا الأمر وجَلالة شأنه أكَّدَه بقوله "وحده لا شريك له"، فقوله "وحده" فيه تأكيد للإثبات، وقوله: "لا شريك له" فيه تأكيد للنفي، وهذا تأكيد من بعد تأكيد اهتماماً بمقام التوحيد وتعليةً لشأنه.
ولَمَّا أَقَرَّ لله بالوحدانية أَتْبَعَ ذلك بالإقرار له بالملك والحمد والقُدرة على كلِّ شيء، فقال: "له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير" فالمُلكُ كلُّه لله، وبيده سبحانه ملكوت كلِّ شيء، والحمد كلُّه له ملكاً واستحقاقاً، وهو سبحانه على كلِّ شيء قدير، فلا يخرج عن قدرته شيءٌ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ١.
وفي الإتيان بهذه الجملة المتقدِّمة بين يَدي الدعاء فائدةٌ عظيمة، فهو أبلغُ في الدعاء، وأرجى للإجابة، ثمَّ بدأ بعد ذلك بذكر مسألته وحاجاته، فقال: "ربِّ أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها" أي: أسألك خير ما أردتَ وقوعه في هذه الليلة للصالحين من عبادك من الكمالات الظاهرة والباطنة، ومن المنافع الدينية والدنيوية، "وخير ما بعدها" أي: ما بعدها من اللَّيالي.
"وأعوذ بك من شرِّ ما في هذه الليلة وشرِّ ما بعدها" أي: وأعتَصِمُ بك وألتجئُ إليك من شرِّ ما أردتَ وقوعه فيها من شرور ظاهرة أو باطنة.
وقوله: "ربِّ أعوذ بك من الكَسَل وسوء الكبر"، والمراد بالكسل عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور القدرة عليه، ومَن كان كذلك فإنَّه لا يكون معذوراً، بخلاف العاجز، فإنَّه معذورٌ لعدم قدرته، والمرادُ بسوء الكِبَر، أي: ما يورثه كبرُ السن من ذهاب العقل، واختلاطِ الرأي، وغير ذلك مِمَّا يسوء به الحال.
стр. 598
وقوله: "ربِّ أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر" أي: أستَجير بك يا الله من أن ينالَنِي عذابُ النار وعذابُ القبر، وإنَّما خَصَّهما بالذِّكر مِِن بين سائر أعذبة يوم القيامة لشدتهما، وعظم شأنهما، فالقبرُ أوَّلُ منازل الآخرة، ومَن سَلِم فيه سلم فيما بعده، والنَّارُ أَلَمُها عظيمٌ وعذابُها شديد، حَمانا الله وإياكم ووقانا ووقاكم.
ويُستَحبُّ للمسلم إذا أصبح أن يقول ذلك، إلاَّ أنَّه يقول: "أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، ربِّ أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شرِّ ما في هذا اليوم وشرِّ ما بعدها، ربِّ أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربِّ أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر".
ومن أذكار طرفي النَّهار ما رواه ابن السنِّي عن أبي الدرداء ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ : "من قال في كلِّ يومٍ حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلاَّ هو عليه توكّلت وهو ربُّ العرش العظيم سبع مرّات كفاه الله ما همّه من أمر الدنيا والآخرة"١.
فهذا الذكر المبارك له أثرٌ بالغٌ ونفعٌ عظيمٌ في كلِّ ما يهمّ المسلم من أمر الدنيا والآخرة، ومعنى حسبي الله؛ أي: كافيني.
ومن الأذكار العظيمة المشروعة في الصباح والمساء أن يقول المسلم إذا أصبح وإذا أمسى: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ
стр. 599
وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ "١.
وفي هذا الذِّكرُ العظيمُ جَمْعٌ بين التسبيح والحمد، والتسبيح فيه تَنْزيهٌ لله عن النَّقائص والعيوب، والحمدُ فيه إثباتُ الكمال له سبحانه، وتعيين المائة لحكمة أرادها الشارعُ، وخفي وجهها علينا.
والسُّنَّةُ أن يَعقِدَ هذه التسبيحات بيده تأسِّياً به ﷺ ، لا بالسُّبْحَة أو الآلة أو نحو ذلك مِمَّا يفعله كثيرٌ من الناس، ففي سنن أبي داود عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَمِينِهِ"٢.
ومن المعلوم لدى كلِّ مسلم أنَّ خيرَ الهدي هو هَديُه ﷺ ، رزقنا الله وإياكم التمسكَ بسنَّته، ولزومَ نَهجِه، واقتفاءَ آثاره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 600
١١٥ / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ
إنَّ مِن الأذكار العظيمة والأوراد المباركة التي كان النَّبِيّ ﷺ يَحُثُّ أصحابَه على تعلُّمِها والمحافظة عليها كلَّ صباح ومساء ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ المخرَّجِ في سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يُعَلِّم أصحابه، يقول: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ المَصِيرُ"١.
فهذا دعاءٌ نبَوِيٌّ عظيمٌ، وذِكرٌ مُبَارَكٌ، يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح ومساء، ويتأمَّلَ في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة، وكيف أنَّه قد اشتمل على تَذكير المسلم بعظيم فَضلِ الله عليه وواسِعِ مَنِّه وإكرَامِه، فنَوْمُ الإنسانِ ويقظَتُه، وحركتُه وسكونُه، وقيامُه وقعودُه إنَّما هو بالله ، فما شاء الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله العظيم.
وقوله في الحديث: "بك أصبحنا" أي: بنعمتك وإعانتك وإمدادِك أصبحنا أي أدركنا الصباح، وهكذا المعنى في قوله "وبك أمسينا".
وقوله: "وبك نَحيا وبك نموت" أي حالُنا مُستَمرٌّ على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركاتنا كلِّها وشؤوننا جَميعها، فإنَّما نحن بك، أنت المعين وحدَك، وأَزِمَّةُ الأمور كلّها بيدك، ولا غِنَى لنا عنك طَرْفَة عَيْن، وفي هذا من الاعتماد على الله واللُّجوء إليه والاعتراف بِمَنِّه وفَضله ما يُحقِّقُ للمرء إيمانَه ويُقوِّي يقينَه ويُعْظِمُ صِلتَه بربِّه سبحانه.
стр. 601
وقوله في الحديث: "وإليك النشور" أي المَرجِع يوم القيامة، ببَعْثِ النَّاس من قبورهم، وإحيائهم بعد إماتَتِهم.
وقوله: "وإليك المصير" أي المرْجِعُ والمآب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ١.
وقد جعل ﷺ قوله "وإليك النشور" في الصباح، وقوله: "وإليك المصير" في المساء رعايةً للتَّناسب والتشاكل؛ لأنَّ الإصباحَ يُشبه النشرَ بعد الموت، والنوم موتةٌ صغرى، والقيامَ منه يشبه النشرَ من بعد الموت، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
والإمساءَ يُشبه الموتَ بعد الحياة؛ لأنَّ الإنسانَ يصير فيه إلى النَّوم الذي يشبه الموت والوفاة. فكانت بذلك خاتمةُ كلِّ ذِكرٍ متجانسةً غايةَ المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه.
ومِمَّا يُوَضِّح هذا ما ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان يقول عند قيامه من النوم: "الحمدُ لله الَّذي أَحْيَانا بعد ما أمَاتَنَا وإليه النُّشور"، فسُمِّيَ النوم موتاً والقيامُ منه حياةً من بعد الموت، وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث وبيانُ معناه عند الكلام على أذكار النوم والانتباه منه إن شاء الله.
ومِن أذكار الصباح والمساء ذلكمُ الذِّكرُ العظيمُ، والدعاءُ النافع الذي علَّمه النَّبِيُّ ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ عندما سأله أن يُرْشدَه إلى كلمات
стр. 602
يقولوها كلَّ صباح ومساء، فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرُهما من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قال: "يَا رَسُولَ اللهِ! مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وشِرْكِهِ". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءاً، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ". قَالَ: "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجِعَكَ"١.
فهذا دعاءٌ عظيمٌ يُستحبُّ للمسلم أن يقولَه في الصباح والمساء وعند النوم، وهو مشْتَملٌ على التعوُّذ بالله والالتجاء إليه والاعتصام به سبحانه من الشرور كلِّها، من مصادرها وبداياتها ومن نتائجها ونهايتها، وقد بدأه بتَوَسُّلات عظيمة إلى الله جل وعلا، بذكرِ جُملةٍ من نُعوتِه العظيمة وصفاته الكريمة، الدَّالَة على عَظمته وجلاله وكماله، فتوسل إليه بأنَّه "فاطرُ السَّموات والأرض"، أي خالقُهُما ومُبْدعهما وموجدُهما على غير مثال سابق، وأنَّه "عالِمُ الغيب والشهادة"، أي لا يخفى عليه خافية، فهو عليمٌ بكلِّ ما غاب عن العباد وما ظهر لهم، فالغيبُ عنده شهادة، والسِّرُّ عنده علانية، وعِلمُه سبحانه مُحيطٌ بكلِّ شيء، وتوسَّل إليه بأنَّه "ربُّ كلِّ شيء ومليكُه" فلا يَخرج شيءٌ عن ربوبيَّته، وهو المالكُ لكلِّ شيء، فهو سبحانه ربُّ العالمين، وهو المالكُ للخَلق أجمعين، ثمَّ أعلن بعد ذلك توحيدَه وأَقَرَّ له بالعبودية، وأنَّه المعبودُ بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواه فقال: "أشهد أن لا إله إلاَّ أنت"، وكلُّ ذلك جاء مقدِّمةٍ بين يدي الدعاءِ، مُظهراً فيه العبدُ فاقتَه وفَقرَه
стр. 603
واحتياجَه إلى ربِّه، معترفاً فيه بجلاله وعَظَمته، مُثبتاً لصفاته العظيمة ونعوته الكريمة، ثمَّ ذكر بعد ذلك حاجتَه وسؤالَه، وهو أن يُعيذَه اللهُ من الشرور كلِّها فقال: "أعوذ بك من شَرِّ نفسي وشَرِّ الشيطان وشِرْكِه، وأن أقْتَرفَ على نفسي سوءاً أو أجُرَّه إلى مسلم" وفي هذا جمعٌ بين التعوُّذ بالله من أصول الشَّرِّ ومنابعه، ومن نهاياته ونتائجه، يقول ابن القيم ﵀ في التعليق على هذا الحديث: "فذَكَرَ ـ أي النَّبِيّ ﷺ مَصْدَرَي الشَّرِّ وهما النفسُ والشيطان، وذَكَر مَوْرِدَيْه ونِهَايَتَيْه وهما عَوْدُه على النفس أو على أخيه المسلم، فجمع الحديثُ مصادرَ الشَّرِّ ومَوارِدَه في أوجز لفظه وأخصره وأجمعه وأبينه"١. فالحديثُ فيه تعوذ بالله من أربعة أمور تتعلق بالشر:
الأول: شَرُّ النفس، وشَرُّ النفس يُولِّد الأعمالَ السيِّئَةَ والذُّنوبَ والآثامَ.
والثاني: شَرُّ الشيطان، وعداوةُ الشيطان للإنسان مَعلومةٌ بتحريكه لفِعل المعاصي والذُّنوب وتَهيِيجِ الباطل في نفسه وقَلْبِه.
وقوله: "وشِرْكه" أي ما يدعو إليه من الشِّرك، ويُروَى بفتح الشين والراء "وشَرَكه" أي: حبائلُه.
والثالث: اقترافُ الإنسان السوءَ على نفسه، وهذه نتيجةٌ من نتائج الشَّرِّ عائدةٌ إلى نفس الإنسان.
والرابع: جرُّ السُّوء على المسلمين، وهذه نتيجةٌ أخرى من نتائج الشَّرِّ عائدةٌ إلى الآخرين.
وقد جمع الحديثُ التعوذَ بالله من ذلك كلِّه، فما أجْمَعَه من حديث، وما أعظمَ دِلالته، وما أكملَ إحاطته بالتَّخَلُّص من الشَّرِّ كلِّه.
стр. 604
١١٦ / ومن أَذْكَارِ طَرَفَيِ النَّهَارِ
إنَّ من الدعوات العظيمة التي كان يحافظ عليها النَّبِيّ ﷺ كلَّ صباح ومساء، بل كان لا يَدَعُها كلَّ ما أصبح وأمسى، ما ثبت في سنن أبي داود وسنن ابن ماجه وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي"١.
وقد بدأ ﷺ هذا الدعاءَ العظيمَ بسُؤال الله العافية في الدنيا والآخرة، والعافيةُ لا يَعدِلُها شيءٌ، ومن أُعطي العافيةَ في الدنيا والآخرة فقد كَمُلَ نَصِيبُه من الخير، روى الترمذي في سننه عن العباس بن عبد المطلب ﵁ عمِّ النَّبِيّ ﷺ قال: " قلتُ يا رسول الله، علِّمنِي شيئاً أسألُه اللهَ ، قال: سَلِ اللهَ العافيةَ، فمَكثْتُ أياماً، ثمَّ جِئتُ فقلت: يا رسول الله علِّمْنِي شيئاً أسأله اللهَ، فقال لي: يا عبَّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرَة"٢.
وفي المسند وسنن الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 605
قال: "سَلُوا الله العَفْوَ والعافيةَ، فإنَّ أحداً لَم يُعْطَ بعد اليَقين خَيراً من العافية"١.
والعَفْوُ: مَحْوُ الذنوب وسترُها، والعافيةُ: هي تأمين الله لعبده مِن كلِّ نِقْمَةٍ ومِحنَة، بصرف السُّوء عنه ووقايته من البلايا والأسقام وحفظه من الشرور والآثام.
وقد سأل ﷺ العافيةَ في الدنيا والآخرة، والعافيةَ في الدِّين والدنيا والأهلِ والمال، وأمَّا سؤال العافية في الدِّين فهو طلبُ الوقاية من كلِّ أمرٍ يَشِينُ الدِّينَ أو يُخِلُّ به، وأمَّا في الدنيا فهو طَلَب الوقاية من كلِّ أمرٍ يَضُرُّ العبدَ في دنياه مِن مُصيبة أو بَلاء أو ضَرَّاء أو نحو ذلك، وأمَّا في الآخرة فهو طَلَبُ الوقاية من أَهوال الآخرة وشدائدها وما فيها من أنواع العقوبات، وأمَّا في الأهل فبِوِقَايَتِهم مِن الفتَن وحِمايَتِهم من البَلاَيَا والمحن، وأمَّا في المال فبِحفظِه مِمَّا يُتْلِفُه مِن غَرَقٍ أو حَرْقٍ أو سَرِقَةٍ أو نحو ذلك، فجَمَع في ذلك سؤالَ الله الحفظَ من جَميع العَوارِض المُؤْذِيَة والأخطار المُضِرَّة.
وقوله: "اللَّهمَّ استر عوراتي" أي: عيوبِي وخَلَلِي وتقصيري وكلُّ ما يُسوءُنِي كشفه، ويدخل في ذلك الحفظ من انكشاف العورة، وهي في الرَّجل ما بين السُّرَّة إلى الرُّكبة، وفي المرأة جَميع بدنها، وحَريٌّ بالمرأة أن تُحافظ على هذا الدُّعاء، ولا سيما في هذا الزمان الذي كَثُرَ فيه في أنحاء العالم تَهَتُّك النساء وعدَمُ عنايتِهِنَّ بالسَّتْرِ والحجاب، فتلك تُبْدِي ساعدَها، والأخرى تَكشِف ساقَها، وثالثةٌ تُبْدِي صَدْرَها ونَحْرَها، وأخرياتٌ يَفعلنَ ما هو أشدُّ
стр. 606
وأقبحُ من ذلك، بينما المسلمةُ الصيِّنَة العفيفة تتجَنَّب ذلك كلَّه، وهي تسأل اللهَ دائماً وأبداً أن يَحفظَها من الفتن، وأن يَمُنَّ عليها بسَتْرِ عوْرَتِها.
وقوله: "وآمن رَوْعاتي" هو مِن الأمن ضدُّ الخوف، والرَّوْعَاتُ جَمع رَوْعَة، وهو الخوفُ والحزن، ففي هذا سؤالُ الله أن يُجَنِّبَه كلَّ أمر يُخيفُه، أو يُحزنُه، أو يُقْلقُه، وذِكْرُ الرَّوْعات بصيغة الجمع إشارةٌ إلى كثرتها وتعدُّدِها.
وقوله: "اللَّهمَّ احفظني من بين يدي ومن خَلفي وعن يَمينِي وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أُغْتال من تحتي" فيه سؤالُ الله الحفظَ من المهالكِ والشُّرورِ التي تعرض للإنسان من الجهات السِّت، فقد يأتيه الشَّرُّ والبلايا من الأمام، أو من الخلف، أو من اليمين، أو من الشمال، أو من فوقه، أو من تحته، وهو لا يدري من أيِّ جهة قد يَفْجَأُه البلاءُ أو تَحُلُّ به المصيبة، فسأل ربَّه أن يَحفظَه من جميع جهاته، ثم إنَّ مِن الشَّرِّ العظيم الذي يحتاج الإنسانُ إلى الحفظ منه شرَّ الشيطان الذي يَتَرَبَّصُ بالانسان الدوائر، ويأتيه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله؛ ليُوقِعَه في المصائب، وليَجُرَّه إلى البلايا والمهالك، وليُبْعِدَه عن سبيل الخير وطريق الاستقامة، كما في دعواه في قوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ١.
فالعَبدُ بحاجة إلى حِصن مِن هذا العدوِّ، ووَاقٍ له من كَيْده وشَرِّه، وفي هذا الدعاء العظيم تَحصينٌ للعبد من أن يَصِلَ إليه شَرُّ الشَّيطان من أيِّ جهة من الجهات؛ لأنَّه في حفظ الله وكَنَفِه ورعايته.
وقوله: "وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتِي" فيه إشارةٌ إلى عظم
стр. 607
خُطورة البلاء الذي يَحلُّ بالإنسان من تحته، كأن تُخسَف به الأرض من تحته، وهو نوعٌ من العقوبة التي يُحِلُّها الله ببعض مَن يَمشون على الأرض، دون قيام منهم بطاعة خالقها ومُبدعها، بل يَمشون عليها بالإثم والعدوان والشَّرِّ والعصيان، فيُعاقَبون بأن تُزَلْزَلَ من تحتهم أو أن تُخسَفَ بهم جزاءً على ذنوبهم، وعقوبةً لهم على عصيانهم كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
ومن الأذكار العظيمة التي يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليها كلَّ صباح ومساء ما ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شَريكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قديرٌ، مَن قالَها عشرَ مرَّات حين يُصبح كَتَبَ الله له مائةَ حسنة، ومَحَا عنه مائة سيِّئَة، وكانت له عدلُ رَقبة، وحُفظ بِها يومَئذ حتى يُمسي، ومَن قالَها مثلَ ذلك حين يُمسي كان له مثل ذلك"٢.
ومن الأذكار العظيمة التي يُشرع للمسلم أن يقولَها كلَّ صباح مائة مرَّة٣، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: " مَن قال لا إله إلاَّ الله وحده لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو
стр. 608
على كلِّ شيء قديرٌ في يوم مائة مرَّة كانت له عدل عَشر رقاب، وكُتِبَت له مائةُ حسنة، ومُحيت عنه مائةُ سيِّئة، وكانت له حِرْزاً من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمْسي، ولَم يَأت أحدٌ بأفضَلَ مِمَّا جاء به، إلاَّ رجلٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلك، ومَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرَّة، حُطَّت خطاياه ولو كانت مثلَ زَبَدِ البحر" ١.
وفي هذا دلالةٌ على عِظم شَأن كلمة التوحيد لا إله إلاَّ الله، التي هي أَجَلُّ الكلمات على الإطلاق، وأفضل ما قاله النبيُّون، ولأجلها قامت الأرضُ والسموات، وخُلقت الخلاَئقُ والبَرِيَّات، وأهلُها هم أهلُ السعادة والفلاح، والفوزِ في الدنيا والآخرة، فكلمةٌ هذا شأنُها حَريٌّ بالمسلم أن تَعظُمَ عِنايتُه بها، والله وحده بيده التوفيقُ والسداد.
стр. 609
١١٧ / ومن أذكار الصباح
إنَّ من الأذكار العظيمة التي كان يقولها النَّبِيُّ ﷺ كلَّ صباح، ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أَبْزى ﵁ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، وَكَلِمَةِ الإِخْلاَصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ"١.
وما أجْمَلَ أن يَفتَتِحَ المسلمُ يومَه بهذه الكلمات العظيمة، المشتملة على تجديد الإيمان، وإعلان التوحيد، وتأكيدِ الالتزامِ بدين محمد ﷺ ، والاتِّباع لِمِلَّّة إبراهيم الخليل ﵇، الحنيفية السمحة، والبُعدِ عن الشرك كلِّه صغيره وكبيره.
فهي كلماتُ إيمانٍ وتوحيد، وصدقٍ وإخلاص، وخضوعٍ وإذعان، ومتابعةٍ وانقياد، جديرٌ بِمَن يُحافظ عليها أن يتأمَّل في دلالاتها العظيمة ومعانيها الجليلة.
وقوله: "أصبحنا على فطرة الإسلام" أي: مَنَّ الله علينا بالإصباح ونحن على فطرة الإسلام مستمسكين بها، محافظين عليها، غير مُغيِّرين ولا مُبَدِّلين.
وقوله: "فطرة الإسلام" أي: دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، وذلك بأن يقيمَ المرءُ وجهَه لدين الله حنيفاً، بالتوجُّه بالقلب والقصد والبدن إلى الالتزام بشرائع الدين الظاهرة والباطنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
стр. 610
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ في معنى الآية: "يقول تعالى فسَدِّد وجهك واستمر على الدِّين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملَّة إبراهيم الذي هداك الله لها وكمّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازمٌ فطرتَك السليمة التي فطر الخلقَ عليها، فإنَّه تعالى فطر خلقَه على معرفته وتوحيده، وأنَّه لا إله غيره"٢ اهـ كلامه ﵀.
فهذا الأصل في جميع الناس، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عَرَضَ لفطرته فأفسدها، كما في حديث عياض المجاشعي ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه أنَّه قال: "إنَّي خَلقْتُ عبادي حُنفاء كلَّهم، وإنَّهم أَتَتْهُم الشياطينُ فاجْتَالَتْهم عن دينهم، وحرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشركوا بي ما لَم أُنزِل به سلطاناً" رواه مسلم في صحيحه٣.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا من مَولُود إلاَّ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه"٤.
ولا شكَّ أنَّ نعمة الله على عبده عظيمةٌ أن يُصبحَ حين يُصبحُ وهو على فطرة سليمة لَم يُصبها تَلَوُّثٌ أو تَغَيُّر أو انحرافٌ.
وقوله: "وكلمة الإخلاص" أي: وأصبحنا على كلمة الإخلاص، وهي كلمة التوحيد لا إله إلاَّ الله، تلكم الكلمةُ العظيمة الجليلة التي هي أفضلُ
стр. 611
الكلمات العظيمة وأجلُّها على الإطلاق، بل هي رأس الدِّين وأساسُه ورَأسُ أمره، لأجلها خُلقت الخليقة، وأُرْسِلَت الرُّسُل، وأنزِلت الكُتب، وبها افترق الناسُ إلى مؤمنين وكفار، وهي زُبدة دعوة المرسلين وخلاصة رسالاتِهم، وهي أعظم نعم الله على عباده، وفي هذا يقول سفيان بن عيينة ﵀: "ما أنعم الله على عبد من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلاَّ الله"١.
وكلمة لا إله إلاَّ الله هي كلمةُ إخلاصٍ وتوحيد، ونبذٍ للشرك، وبراءةٍ منه ومن أهله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
وإذا أصبح العبدُ وهو على هذه الكلمة العظيمة لَم يُغيِّر ولَم يُبَدِّل فقد أصبح على خير حال، ولعِظَم شأن بدء اليوم بهذه الكلمة العظيمة جاء الحثُّ على الإكثار من قولها مرات عديدة كلَّ صباح، وقد سبق ذكرُ أجر مَن قالها حين يصبح عشر مرات، وأجرِ من قالها حين يصبح مائة مرة.
وقوله: "وعلى دين نبينا محمد ﷺ " أي: وأصبحنا على ذلكم الدين العظيم الذي رضيه الله لعباده ديناً، وبعث به نبيه الكريم محمداً ﷺ ، وقال فيه سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ٤،
стр. 612
وقال سبحانه: ﴿وََمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
فهذا هو دين النَّبِيّ الكريم محمد ﷺ ، وهو الاستسلامُ لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وإنَّ نعمة الله جلَّ وعلا على عبده عظيمة أن يصبح على هذا الدين العظيم والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
يقول الله تعالى مذكراً عباده الذين حباهم بهذه النعمة ومنَّ عليهم بها: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
فللَّه ما أعظَمَها من منَّة وما أجلَّها من نعمة.
وقوله: "وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" أي: وأصبحت على هذه الملة المباركة ملة إبراهيم خليل الرحمن ﵇، وهي الحنيفيةُ السمحة والتمسكُ بالإسلام والبعد عن الشرك، ولهذا قال "حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين"، وهي ملَّة مباركةٌ لا يتركها ولا يرغب عنها إلاَّ مَن حَكَمَ على نفسه بالغيِّ والسَّفَه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٤.
стр. 613
وقد أمر الله نبيَّه ﷺ باتِّباع هذه الملَّة وهداه إليها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقال تعالى مُمْتَنًّا على عباده بهذه النعمة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٢.
وإذا أصبح العبدُ وهو على هذه الملَّة المباركة الحنيفية السَّمحة فقد أصبح على خير عظيم وفضل عميم.
فكم هو جميلٌ وعظيمٌ أن يَفتَتِحَ المسلمُ يومَه بهذه الكلمات المباركة، ويومٌ يُفتَتَحُ بكلمات هذا شأنُها من قلب صادق أَكْرِمْ به من يوم.
стр. 614
١١٨ / ومن أَذْكَار الصّباح
إنَّ من الدعوات العظيمة النافعة التي كان النَّبِيُّ ﷺ يُلازمُ المحافظةَ عليها كلَّ صباح ما ثَبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث أمِّ سلمة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً طَيِّباً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً "١.
ومن يتأمَّل هذا الدعاءَ العظيمَ يَجدُ أنَّ الإتيانَ به في هذا الوقت بعد صلاة الصبح في غاية المناسبة؛ لأنَّ الصبحَ هو بدايةُ اليوم ومُفتَتَحُه، والمسلمُ ليس له مَطمع في يومه إلاَّ تحصيل هذه الأهداف العظيمة والمقاصد الجليلة المذكورة في هذا الحديث، وهي العلمُ النافع، والرِّزق الطيِّب، والعمل المتقبَّل، وكأنَّه في افتتاحه ليومه بذكر هذه الأمور الثلاثة دون غيرها يُحدِّدُ أهدافَه ومقاصدَه في يومه، ولا ريب أنَّ هذا أجمعُ لقلب الإنسان وأضبط لسيره ومسلكه، بخلاف مَن يصبح دون أن يستشعر أهدافَه وغاياته ومقاصدَه التي يعزم على القيام بها في يومه، ونجد المُعتنين بالتربية والآداب يُوصُون بتحديد الأهداف في كلِّ عمل يقوم به الإنسان، وفي كلِّ سبيل يسلكه؛ ليكون ذلك أَدعَى لتحقيق أهدافه، وأسلمَ من التشتُّت والارتباك، وأضبطَ له في مساره وعمله، وما من شكٍّ أنَّ مَن يسيرُ وَفْقَ أهدافٍ محدَّدةٍ ومقاصدَ معيَّنةٍ أكملُ وأضبطُ وأسلمُ مِمَّن يسير دون تحديد أهداف ودون تعيين مقاصد.
والمسلمُ ليس له في يومه بأجمعه، بل ليس في أيامه كلِّها إلاَّ الطمع في
стр. 615
تحصيل هذه الأهداف الثلاثة وتكميلها، ونيلها من أقرب وجه وأحسن طريق.
وعلى هذا فما أجملَ أن يُفتتح اليومُ بذكر هذه الأمور الثلاثة التي تحدد أهداف المسلم في يومه وتعيِّن غاياتِه ومقاصدَه.
وليس المسلم في إتيانه بهذا الدعاء في مفتتح يومه يقصد تحديد أهدافه فحسب، بل هو يتضَرَّعُ إلى ربِّه، ويلجأ إلى سيِّده ومولاه، بأن يَمُنَّ عليه بتحصيل هذه المقاصد العظيمة والأهداف النبيلة؛ إذ لا حول له ولا قوة، ولا قدرة عنده على جَلب نفع أو دَفع ضُرٍّ إلاَّ بإذن ربِّه سبحانه، فهو إليه يلجأ، وبه يستعين، وعليه يعتمد ويتوكل.
فقول المسلم في كلِّ صباح "اللَّهمَّ إني أسألك علماً نافعا ورزقاً طيِّباً، وعملاً متقبَّلاً" هو استعانةٌ منه في صباحه وأوَّل يومه بربِّه سبحانه بأن ييسر له العسير، ويذلِّل له الصِّعابَ، ويعينه على تحقيق غاياته المباركة الحميدة.
وتأمَّل كيف بدأ النَّبِيُّ ﷺ هذا الدعاءَ بسؤال الله العلم النافع، قبل سؤاله الرِّزق الطيب والعمل المتقبَّل، وفي هذا إشارة إلى أنَّ العلمَ النافع مقدَّمٌ وبه يبدأ، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وفي البدء بالعلم النافع حكمةٌ ظاهرة لا تخفى على المتأمل، ألا وهي أنَّ العلم النافع به يستطيع المرءُ أن يميز بين العمل الصالح وغير الصالح، ويستطيع أن يميز بين الرزق الطيب وغير الطيب، ومن لَم يكن على علم فإنَّ الأمور قد تختلط عليه فيقوم بالعمل يحسبه صالحاً نافعاً، وهو ليس كذلك، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 616
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ١، وقد يكتسب رزقاً ومالاً ويظنُّه طيِّباً مفيداً، وهو في حقيقته خبيثٌ ضارٌّ، وليس للإنسان سبيلٌ إلى التمييز بين النافع والضار والطيِّب والخبيث إلاَّ بالعلم النافع، ولهذا تكاثرت النصوصُ في الكتاب والسنَّة، وتضافرت الأدلَّة في الحثِّ على طلب العلم والترغيب في تحصيله وبيان فضل من سلك سبيله ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
وقوله ﷺ في الحديث: "علماً نافعاً" فيه دلالةٌ على أنَّ العلمَ نوعان؛ علمٌ نافعٌ وعلم ليس بنافع، وأعظمُ العلم النافع ما ينال به المسلمُ القربَ من ربِّه والمعرفةَ بدينه والبصيرةَ بسبيل الحق الذي ينبغي أن يسير عليه، وتأمَّل في هذا قول الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣، فحَريٌّ بالمسلم في يومه أن يَعْتَنِيَ بالقرآن الكريم وبمذاكرته ومدارسته، وأن يَعتَنِي بسنة النَّبِيِّ ﷺ المبيِّنة له والشارحَة لدلالته ومقاصده.
وقوله في الحديث "ورزقاً طيباً" فيه إشارةٌ إلى أنَّ الرزق نوعان طيِّبٌ وخبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلاَّ طيباً، وقد أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ٤،
стр. 617
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ١، وقد بعث الله نبيه ﷺ بتحليل الطيب وتحريم الخبيث كما قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٢، فحَريٌّ بالمسلم في يومه أن يتَحَرَّى المالَ الطيِّبَ الحلالَ، والرِّزقَ السليمَ النافعَ، ويَحذرَ أشدَّ الحذَر من الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة.
وقوله في الحديث: "وعملاً متقبلاً" وفي رواية: "وعملاً صالحاً" فيه إشارةٌ إلى أنَّه ليس كلُّ عملٍ يَتَقرَّب العبدُ به إلى الله يكون مُتقبَّلاً، بل المُتقبَّل من العمل هو الصالحُ فقط، والصالحُ هو ما كان لله وحده وعلى هدي وسنَّة نبيِّه محمد ﷺ ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٣، قال الفضيل بن عياض في معنى الآية: "أي: أخلَصُه وأصوَبُه، قيل: يا أبا علي وما أخلَصُهُ وأَصْوَبُه قال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولَم يكن صواباً لَم يُقبَل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لَم يُقبَل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالصُ ما كان لله، والصواب ما كان على السُّنَّة" ٤.
فهذا دعاءٌ عظيمُ النَّفع كبيرُ الفائدة، يَحسُنُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح تأسياً بالنبي الكريم ﷺ ، ثمَّ يُتبِعُ الدعاءَ بالعمل، فيَجمع بين الدُّعاء وبَذلِ الأسباب، لينَالَ هذه الخيراتِ العظيمةَ والأفضالَ الكريمةَ، والله وحده الموفِّق، والمعين على كلِّ خير.
стр. 618
١١٩ / ومن أذكار الصباح
إنَّ من الأذكار العظيمة الجامعة التي يُستحب للمسلم أن يواظبَ عليها كلَّ صباح أن يقول: "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ"، وذلك لِما روى مسلم في صحيحه عن جُوَيرية ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا [أي موضع صلاتها] ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: "مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ"١.
فهذا ذِكرٌ عظيمٌ مبارَك أرشد إليه النَّبِيُّ ﷺ وبيَّن أنَّه ذِكرٌ مُضاعَفٌ، يزيد في الفضل والأجر على مجرَّد الذِّكر بسبحان الله أضعافاً مضاعفة؛ لأنَّ ما يقوم بقلب الذَّاكر حين يقوله من معرفة الله وتَنْزيهه وتعظيمه بهذا القدر المذكور من العدد أعظمُ مِمَّا يقوم بقلب مَن قال "سبحان الله" فقط.
والمقصودُ أنَّ الله سبحانه يستحقُّ التسبيح بذلك القدر والعدد، كقوله ﷺ : "ربَّنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئتَ من شيء بعد"، وليس المراد أنَّ العبدَ سبَّح تسبيحاً بذلك القدر؛ فإنَّ فعل العبد محصور، وإنَّما المراد ما يستحقُّه الرّبُّ من التسبيح فذاك الذي
стр. 619
يعظم قدرُه١، قال العلاَّمة ابن القيم ﵀ في شرح هذا الحديث وبيان ما فيه من لطائف جليلةٍ ومعارف عظيمة: "وهذا يُسمَّى الذِّكرُ المضاعف، وهو أعظمُ ثناءً من الذِّكر المفرد، وهذا إنَّما يظهرُ في معرفة هذا الذِّكر وفهمه، فإنَّ قولَ المسبِّح: "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ" تضمَّن إنشاءً وإخباراً: تضمَّن إخباراً عمّا يستحقُّه الرَّبُّ من التسبيح عددَ كلِّ مخلوق كان أو هو كائنٌ إلى ما لا نهايةَ له، فتضمَّن الإخبارَ عن تنزيههِ الرّبَّ وتعظيمه والثناءِ عليه هذا العددَ العظيمَ، الذي لا يبلغهُ العادُّون، ولا يُحصيه المُحصون.
وتضمَّن إنشاءَ العبدِ لتسبيحٍ هذا شانُه، لا أنَّ ما أتى به العبدُ من التسبيح هذا قدرُه وعددُه، بل أخبر أنَّ ما يستحقُّه الرَّبُّ من التسبيح هو تسبيحٌ يبلغ العددَ الذي لو كان في عدد ما يزيد عليه لذَكره، فإنَّ تجدُّدَ المخلوقات لا ينتهي عدداً، ولا يُحصَى الحاضر.
وكذلك قوله "ورضا نفسه"، وهو يتضمَّن أمرَين عظيمَين:
أحدهما: أن يكون المرادُ تسبيحاً هو في العظمة والجلال مساوٍ لرضا نفسه، كما أنَّه في الأول مخبرٌ عن تسبيحٍ مساوٍ لعدد خلقه، ولا ريبَ أنَّ رضا نفس الرَّبِّ أمرٌ لا نهاية له في العظمة والوصف، والتسبيحُ ثناءٌ عليه سبحانه يتضمّن التعظيم والتنزيه، فإذا كانت أوصافُ كماله ونعوتُ جلاله لا نهايةَ لها ولا غاية، بل هي أعظمُ من ذلك وأجلُّ، كان الثناءُ عليه بها كذلك؛ إذ هو تابِعٌ لها إخباراً وإنشاءً، وهذا المعنى ينتظمُ المعنى الأول من غير عكس.
стр. 620
وإذا كان إحسانُه سبحانه وثوابُه وبركتُه وخيرُه لا منتهى له، وهو من موجباتِ رضاه وثمرتهِ فكيف بصفة الرضا.
وقوله: "وزِنَة عرشه" فيه إثباتُ العرش، وإضافته إلى الرَّبِّ ، وأنَّه أثقلُ المخلوقات على الإطلاق؛ إذ لو كان شيءٌ أثقلَ منه لوُزن به التسبيح.
فالتضعيفُ الأول للعدد والكميَّة، والثاني للصفةِ والكيفية، والثالث للعِظَم والثِّقَل وكِبَر المقدار.
وقوله: "ومِدادَ كلماته" هذا يعمُّ الأقسام الثلاثة ويشملها؛ فإنَّ مدادَ كلماته لا نهايةَ لقدره، ولا لصفته، ولا لعدده، قال تعالى: ﴿قُُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢، ومعنى هذا أنَّه لو فرض البحرُ مداداً، وجميعُ أشجار الأرض أقلاماً، والأقلامُ تستمدُّ بذلك المداد، فتفنى البحار والأقلام، وكلمات الرَّبِّ لا تفنى ولا تنفد.
والمقصودُ أنَّ في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلالِ ما يوجب أن يكون أفضلَ من غيره ... ". اهـ كلامه رحمه الله٣.
هذا وقد نبَّه العلماء ﵏ إلى أهميَّة معرفة العبد بمعاني هذه
стр. 621
الكلمات واستحضاره لدلالتها، وأنَّه بحسب ما يقوم بقلب العبد من هذه المعرفة والاستحضار يكون له من المزيَّة والفضل ما ليس لغيره، ويكون تأثيرُ هذا الذِّكر فيه أبلغَ من تأثيره في غيره.
ومن أتى بهذا الذِّكر أو بغيره من الأذكار المأثورة دون استحضار منه للمعنى ولا تعقُّل للدلالة فإنَّ تأثيرَ الذِّكر فيه يكون ضعيفاً.
وعلى كلٍّ فالجدير بالمسلم أن يُواظبَ على هذا الذِّكر المبارك صباحَ كلِّ يوم، وأن يجتهدَ في استحضار معناه وتعقُّل دلالته، وبالله وحده التوفيق، وهو سبحانه المعينُ والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 622
١٢٠ / فضلُ الصَّباح وبَرَكَتُه
روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي قال: "غَدَوْنا عَلَى عَبدِ الله بن مَسْعود ﵁ يَوْماً بَعْدَ مَا صَلَّينَا الغَدَاةَ، فسلّمنا بالباب، فأُذِن لنا، قال: فَمَكَثْنَا بالباب هُنيَّةً [أي انتظرنا وتريَّثنا قليلاً] قال: فخرجت الجاريةُ فقالت: أَلاَ تَدْخُلُونَ فدخلنا، فإذا هو جالسٌ يُسبِّح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أُذِن لكم فقلنا: لا، إلاَّ أنَّا ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهل البيت نائمٌ، قال: ظَنَنْتُم بآل ابن أمِّ عَبدٍٍ غَفْلَةً [يعنِي نفسَه فإنَّ أمَّ عبدٍ الهذلية أمُّه، وهي صحابيَّةٌ ﵁ وعنها] قال: ثمَّ أَقبل يُسبِّح حتى إذا ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طلعت، قال: يا جارية: انظري هل طلعت قال: فنظرت فإذا هي لَم تَطلُع، فأقبل يُسبِّح، حتى إذا ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طلعت قال: يا جارية: انظري هل طلعت قال: فنظرت فإذا هي قد طلعت، قال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا، ولم يُهلكنا بذنوبنا"١.
إنَّ هذا الأثرَ يُعطي المتأمِّلَ صورةً واضحةً ودلالةً ناصعةً على تلك الحياة الجادَّة والهِمَّة العالية والاستثمار للوقت عند السلف الصالح ﵏، ولا سيما الصحابةُ ﵃ وأرضاهم، مع فقهٍ منهم بالأوقات ومعرفةٍ لأقدارها والفاضلِ منها، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.
فهذا الوقتُ الذي دخل فيه أبو وائل ﵀ ومَن معه على عبد الله ابن مسعود ﵁ وقتٌ مبارَكٌ وثمينٌ للغاية، وهو وقتُ ذِكرٍ لله وجدٍّ ونشاط وهمَّة في الخير، إلاَّ أنَّ كثيراً من الناس يُهملونه ويفرِّطون فيه ولا يعرفون له
стр. 623
مكانتَه وقدرَه، فهو ضائعٌ إمَّا في النّوم، أو في الكَسَل والفتور، أو بشغله في التوافه من الأمور، مع أنَّ أوَّلَ اليوم بمنْزلة شبابه، وآخرَه بمنزلة شيخوخته١، ومَن شبَّ على شيءٍ شاب عليه، ولهذا فإنَّ ما يكون من الإنسان في باكورة اليوم وأوَّله ينسحب على بقيَّة يومه، إن نشاطاً فنشاطٌ، وإن كسلاً فكسل، ومَن أمسك بزمام اليوم وهو أوَّلُه سلم له يومُه كلُّه بإذن الله وأُعين فيه على الخير، وبُورِك له فيه، وقد قيل: "يومُك مثل جملك إن أمسكتَ أوَّلَه تبِعَك آخرُه"، وهذا المعنى مستفادٌ من أثر ابن مسعود المتقدِّم، فإنَّه ﵁ لَمَّا تحقَّق له حفظُ أوَّل اليوم بالذِّكر قال: "الحمدُ لله الذي أقالَنا يومَنا هذا ولم يهلكنا بذنوبنا".
بل إنَّ المحافظةَ على الذِّكرِ في هذا الوقت يُعطي الذَّاكرَ هِمَّةً وقوَّةً ونشاطاً في يومِه كلِّه، يقول ابن القيم ﵀: "حضرتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية مرَّةً صلّى الفجرَ، ثم جلس يذكرُ اللهَ تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفتَ إليَّ وقال: هذه غدوتِي، ولو لَم أتغذَّ هذا الغِذاءَ سقطت قوَّتِي، أو كلاماً قريباً من هذا". اهـ٢.
وقد ثبت في السُّنّة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دعا اللهَ أن يُبارك لأمَّتِه في هذا الوقت، فقد روى أبو داود والترمذي والدارمي وغيرُهم عن صخر بن وَداعة الغامديِّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اللَّهمَّ بارِك لأمَّتِي في بكورِها "، وكان إذا بعث سريَّةً أو جيشاً بعثهم أوَّلَ النهار، وكان صخرٌ ﵁ تاجراً، فكان يبعثُ تجارتَه من أوَّلِ النهار، فأثرى وكثُر مالُه٣.
стр. 624
وقد روى هذا الحديث جمعٌ من الصحابة، منهم عليُّ بن أبي طالب، وابنُ عباس، وابن مسعود، وابنُ عمر، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله ابن سلاَم، والنّواس بن سمعان، وعمران بن حُصين، وجابر بن عبد الله وغيرُهم ﵃ أجمعين١، وهو حديث ثابتٌ عن النَّبِيِّ ﷺ .
ونظراً لأهميَّة هذا الوقت وعِظَم بركتِه وكثرة ما فيه من خيرٍ، فإنَّ السلفَ ﵏ كانوا يكرهون النَّومَ فيه وإضاعتَه بالكسل والعجز، يقول ابن القيم ﵀ وهو العلاَّمة المُربِّي ـ في كتابه مدارج السالكين: "ومِن المكروه عندهم ـ أي السلفُ ﵏ النَّومُ بين صلاة الصبح وطلوع الشمس؛ فإنَّه وقتُ غنيمَة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزيَّةٌ عظيمةٌ، حتى لو ساروا طول ليلِهم لَم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمسُ، فإنَّه أوَّلُ النهار ومفتاحُه، ووقتُ نزول الأرزاق، وحصولِ القَسْم، وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحبُ حكمُ جميعه على حكم تلك الحصَّة، فينبغي أن يكون نومُها كنوم المضطر" اهـ٢.
ومِن الآثار الواردة عن السلف ﵏ في هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنَّه رأى ابناً له نائماً نومةَ الصُّبحة، فقال له: "قُم، أتنامُ في الساعة التي تقسَّم فيه الأرزاق"٣.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّه قال: "النَّومُ على ثلاثة أوجه، نوم خُرْق، ونوم خُلْق، ونوم حُمْق؛ فأمَّا النوم
стр. 625
الخُرْق فنومةُ الضُّحى يقضي الناسُ حوائجَهم وهو نائمٌ، وأمَّا النومُ الخلْق فنومُ القائلةِ نصف النهار، وأمَّا نوم الحمْق فنومٌ حين تحضر الصلاة"١.
يقول العلاَّمة ابنُ القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد: "ونوم الصُّبحة يَمنع الرِّزقَ؛ لأنَّ ذلك وقتٌ تطلبُ فيه الخليقةُ أرزاقَها، وهو وقتُ قِسمةِ الأرزاق، فنومُه حرمانٌ إلاَّ لعارضٍ أو ضرورة، وهو مُضِرٌّ جدًّا بالبدن لإرخائه البدنَ، وإفسادِه للفضلاتِ التي ينبغي تحليلُها بالرياضة، فيُحدِثُ تكسُّراً وعيًّا وضعفاً، وإن كان قبل التبرُّز والحركة والرياضة وإشغالِ المعدة بشيء فذلك الدّاء العُضالُ المولِّدُ لأنواع من الأدواء" اهـ٢.وقد ذكر نحواً من هذا العلاَّمةُ ابنُ مُفلح ﵀ في كتابه الآدابُ الشرعية٣.
وبهذا يتبيَّن قيمةُ هذا الوقت المبارك وعِظمُ نفعه، وأنَّه وقتُ جدٍّ ونشاط، وذكرٍ لله ، وهو وقتُ نزولِ الأرزاق، وحصول القسْم، وحلول البركة، وقد كان للسلف ﵏ معه شأنٌ عظيم؛ إذ أدركوا أهميَّته وقيمَته، ولغيرهم معه شأن آخر.
نسأل اللهَ أن يُلهمنا رشدَ أنفسنا، وأن يُوفِّقنا جميعاً لكلِّ خير، وأن يرزقنا اتِّباعَ نهجَ السلف الصالح وسلوكَ سبيلهم.
стр. 626
١٢١ / أَذْكَارُ النَّوْمِ
إنَّ من الأوراد المباركة التي كان يُحافظُ عليها النَّبِيُّ الكريم ﷺ كلَّما آوى في الليل إلى فراشه لينامَ ما ثبت في الصحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ " أنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ "١.
فهذا تعوُّذٌ عظيمٌ، وحِرْزٌ للإنسان، وحافِظٌ له بإذن الله من أن يَمَسَّه في منامه مكروهٌ، أو ينالَه شَرٌّ أو أذى، أو يصيبَه شيءٌ من الهوَام المُؤْذِية أو الحشرات القاتلة، لا سيَما والإنسان عند نومه يكون غافلاً عن كلِّ ما يجيء إليه، وعن جميع ما يَحدُث له، فإذا اشتغل عندما يَأوي إلى فراشه بهذا الوِرْدِ العظيم والحِرْزِ المتين، حُفِظَ بإذن الله وكُفِيَ وَوُقِيَ، ولَم يَزَلْ عليه من الله حافظٌ إلى أن يُصبح، وهذا يُؤَكِّدُ أهميَّةَ محافظة المسلم على هذا الوِرْدِ كلَّ ليلة عند ما يأوي إلى فراشه؛ لينال هذا الحفظَ، ولتَتَحَقَّقَ له تلك العناية والرعاية.
وقد كان رسول الله ﷺ يحافظُ على هذا الوِرْدِ أشدَّ المحافظة، ولا يَترك قولَه في كلِّ ليلة، ومِمَّا يَدُلُّ على عظم عناية النَّبِيِّ ﷺ به ما ثبت في بعض طرق الحديث أنَّ عائشةَ ﵂ قالت: "فلمَّا اشْتَكَى ﷺ كان يَأْمُرُ أن أفعَلَ ذلك به"٢.
стр. 627
وثبت في الصحيح عنها ﵂: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَنْفُثُ على نَفسه في مَرَضِه الَّذي قُبض فيه بالمعوِّذات، فلما ثَقُلَ كنتُ أنا أَنفُثُ عليه بِهنَّ، فأمْسَحُ بيد نفسِه لبَرَكَتِهَ ا"١.
فكان ﷺ يحافظُ على هذا التعوُّذ مع اشتداد المرض عليه فيقرأ ﷺ هذه السُّوَر، ويَنفثُ في يده الشريفة، ويأمرُ عائشةَ ﵂ أن تُمِرَّ يدَه على جسده لعدَم تَمَكُّنه من فعل ذلك بسبب المرض والوَجع.
وقول عائشة ﵂ في الحديث: "كان إذا آوى إلى فراشه" أي: إذا رجع إليه وضَمَّه فراشه ودخل فيه، ومنه المأوى وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان.
وقولها "كلَّ ليلة" فيه دلالةٌ على محافظة النَّبِيِّ ﷺ على هذا التعوذ في جَميع لياليه.
وقولها: "جَمع كفيه" أي: ضَمَّ يديه وأَلْصَق إحداهما بالأخرى، وهما مفتوحتان إلى جهة الوَجه؛ ليُباشر النفثَ فيهما.
وقولها: "ثم نفث فيهما" أي: اليدين، والنَّفْثُ شَبيهُ النَّفخ، وهو ُّأقل من التفل، وهو خروج الهواء من الفم مع شيء يسير من الرِّيق.
وقولها: "ثمَّ مسح بهما ما استطاع من جسده" فيه دليلٌ على أنَّ السُّنَّة أن يَمسحَ بيده ما استطاع مسحه من بدنه.
ومِمَّّا ينبغي أن يُعلَم هنا أنَّ مسحَ الوجه والبدن خاصٌّ بهذا الموطن، ولا يَصحُّ أن يُعَمَّمَ في كلِّ ذِكرٍ أو دعاء، ولم يَثبت عن النَّبِيِّ ﷺ في ذلك حديثٌ؛
стр. 628
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأمَّا مسحُه وجهَه بيديه فليس عنه فيه إلاَّ حديثٌ أو حديثان لا تقوم بهما حجةٌ"١.
وقولها: "يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده" فيه بيانٌ أنَّ السُّنَّةَ أن يبدأَ المسلمُ بأعالي بدنه، فيمسحَ على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ثم ينتهي إلى ما أدبر منه.
والسُّنَّة أن يفعلَ ذلك المسلمُ ثلاثَ مرَّات تأسياً بالرسول الكريم ﷺ ، ثم إنَّ السورةَ الأولى من هذه السور الثلاث قد اشتملت على ذكر صفة الرَّبِّ جلَّ شأنُه، بل أخلصت لبيان تلك الصفة، ولهذا سُمِّيت سورة الإخلاص؛ لأنَّها مشتملةٌ على إخلاص التوحيد العلمي لله ﵎، ولو قيل لأحد مَن هو الله؟ فاكتفى في الجواب على هذا السؤال بتلاوة هذه السورة لكان الجوابُ وافياً كافياً، والأحدُ هو المتفرد بالكمال والجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا والأفعال المقدَّسة العظيمة الذي لا نظير له ولا مثيل، والصمدُ أي: المقصود في جميع الحوائج، فأهلُ العالَم العلوي والسُّفلي مفتقرون إليه غايةَ الافتقار، يسألونه حوائجَهم ويَرغبون إليه في مهماتهم؛ لأنَّه العظيمُ الكامل في جميع أوصافه ونعوته، ومن كماله سبحانه أنَّه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لكمال غناه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ لا في أسمائه ولا في أوصافه ولا في أفعاله ﵎.
وأمَّا المعوِّذتان ففيهما التعوُّذُ بالله من الشرور جميعها والآفات كلِّها، فسورة الفلق فيها التعوذ بالله العظيم ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ أي: فالق الحبِّ والنَّوى وفالق الإصباح، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وهذا يشمل جميعَ ما خلق الله
стр. 629
من الإنس والجن والحيوانات، فيستعيذ بخالقها من الشر الذي فيها، ثم خصَّص بعد هذا العموم فقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أي: من شَرِّ ما يكون في الليل، حين يغشى الناس، وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة والحيوانات المؤذية، ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أي: السَّواحر اللاَّتي يستعنَّ على سحرهن بالنفث في العُقَد، ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ والحاسد هو الذي يحبُّ زوالَ النعمة عن المحسود، ويدخل في ذلك العائنُ؛ لأنَّه لا تصدر العين إلاَّ عن نوع حَسَد، فتضمَّنت هذه السورة الكريمة التعوذ من جميع الشرور عموماً وخصوصاً.
وسورة الناس فيها التعوُّذ بربِّ الناس ومالكهم وإلَههم من الشيطان الرجيم الذي هو أصل الشرور كلِّها ومادتها وأساس بُدوها وفشوُّها١.
فحريٌ بالمسلم أن يُحافظَ على قراءة هذه السور الثلاثِ كلَّ ليلة عندما يأوي إلى فراشه، على الصِّفة التي كان يفعلها رسول الله ﷺ ، لينالَ بذلك حفظَ الله ورعايتَه وكفايتَه، ولينام قريرَ العين، وبالله التوفيق.
стр. 630
١٢٢ / ومن أذكار النوم
إنَّ من الأذكار العظيمة التي يُستَحبُّ للمسلم أن يحافظَ عليها كلَّ ليلة عندما يأوي إلى فراشه قراءةَ آية الكرسي، التي هي أعظم آية في القرآن الكريم، فقد جاء في السُّنَّة ما يدل على فضل ذلك، وأنَّ مَن قرأها إذا أوى إلى فراشه فإنَّه لَم يزل عليه من الله حافظ ولا يَقربه شيطان حتى يصبح.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: "وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ ـ وَذَكَرَ الحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ ـ: فَأَخَذْتُهُ ـ يَعْنِي فِي الثَّالِثَةِ ـ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ تَزْعُمُ أَنَّكَ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُنَّ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَعَمَ أَنَّهُ يُعلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا،
стр. 631
فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ـ وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ ـ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لاَ. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ"١.
فهذا الحديثُ فيه فضلُ هذه الآية الكريمة، وعظمُ نفعها، وشدَّةُ تأثيرها في التحرُّز من الشيطان والوقاية من شَرِّه، وأنَّ مَن قرأها عند نومه حُفظ وكُفِيَ ولَم يَقْرَبه شيطان حتى يصبح؛ ذلك أنَّ هذه الآية الكريمة فيها من توحيد الله وتمجيده وتعظيمه وبيان تفرده بالكمال والجلال ما يحقق لِمَن قرأها الحفظَ والكفايةَ، ففيها من أسماء الله الحسنى خمسة أسماء، وفيها من صفات الله ما يزيد على العشرين صفة، وقد بُدئت بذكر تفرد الله بالألوهية وبطلان ألوهية كلِّ من سواه، ثم ذِكْرِ حياة الله الكاملة التي لا يلحقها فناء، وذِكْرِ قيوميَّته سبحانه أي: قيامه بنفسه وقيامه بتدبير أمور خلقه، وذكر تَنَزُّهَه سبحانه عن صفات النقص كالسِّنَة والنوم، وبيان سعة ملكه سبحانه وأنَّ جميع من في السماوات والأرض عبيدٌ له داخلون تحت قهره وسلطانه، وذَكَرَ من أدلَّة عظمته أنَّه لا يمكن لأحد من الخلق أن يشفع عنده سبحانه إلاَّ من بعد إذنه، وفيها إثباتُ صفة العلم لله سبحانه، وأنَّ علمَه سبحانه محيطٌ بكلِّ معلوم، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما لَم يكن لو كان كيف يكون، وفيها بيانُ
стр. 632
عظمة الله سبحانه بذكر عظمة مخلوقاته، فإذا كان الكرسي وهو مخلوقٌ من مخلوقاته وسع السماوات والأرض فكيف بالخالق الجليل والرب العظيم، وفيها بيانُ عظمة اقتداره سبحانه، وأنَّه سبحانه من كمال قدرته لا يؤوده أي: لا يثقله حفظ السماوات والأرض، ثم ختمت الآية بذكر اسمين عظيمين لله وهما "العلي العظيم"، وفيهما إثباتُ علوِّ الله سبحانه ذاتاً وقدراً وقهراً، وإثباتُ عظمته سبحانه بالإيمان بأنَّ له جميع معاني العظمة والجلال، وأنَّه لا يستحق أحدٌ التعظيمَ والتكبير والإجلال سواه.
فهي آيةٌ عظيمةٌ فيها من المعاني الجليلة والدلالات العميقة والمعارف الإيمانية ما يدلُّ على عظمها وجلالة شأنها، وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنَّها أعظمُ آية في القرآن الكريم كما في الصحيح "أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال لأُبَيِّ بن كعب: يا أبا المنذر أَتَدْرِي أيَّ آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فردَّدَها مراراً ثم قال أُبَيٌّ: هي آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فقال: لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المنذر"١، أي: ليكن العلم هنيئاً لك.
ومِمَّا يُستحب للمسلم أن يحافظَ عليه عند ما يأوي إلى فراشه أن يقرأ سورةَ الكافرون، ويجعلها آخر ما يقرأ فإنها براءةٌ من الشرك.
روى الإمام أحمد في مسنده عن فَروة بن نوفل الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: "دفع إليَّ النَّبِيّ ﷺ ابنة أم سلمة، وقال: إنَّما أنت ظئْري، قال: فمكثت ما شاء الله ثم أتيته، فقال: ما فعلت الجاريةُ أو الجويرية قال: قلت: عند أمِّها، قال: فمجيءُ ما جئتَ قال: قلت: تُعلِّمنِي ما أقول عند منامي،
стр. 633
فقال: اقرأ عند منامك ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (ثم نَمْ على خاتِمَتِها فإنها براءةٌ من الشرك"١.
وقد دلَّ هذا الحديثُ على فضل هذه السورة، وفضل قراءتها عند النوم، والترغيب في أن ينامَ المسلمُ على خاتمتها، ليكون آخرَ ما نام عليه هو إعلانُ التوحيد والبراءةُ من الشرك، ولا ريب أنَّ مَن قرأها وفهم ما دلَّت عليه وعمل بما تقتضيه، فقد برئ من الشرك ظاهراً وباطناً، وقد كان بعض السَّلف يُسميها: المُقَشْقِشَة، يقال: قَشْقَشَ فلان، إذا برئ من مَرضه، فهي تبرئ صاحبها من الشرك.
وتُسَمَّى هي وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بسورَتي الإخلاص؛ لأنَّ فيهما إخلاصُ التوحيد بنوعيه العلمي والعملي لله ﵎.
وقد كان النَّبيُّ ﷺ يُواظب على قراءتهما في ركعتَي الفجر، فيفتَتِحُ بهما عملَ النهار، وكان يقرؤهما في سُنَّة المغرب فيختتمُ بهما عملَ النهار، وكان يوتر بهما فيكونان خاتمةَ عمل الليل، وسبق أن مرَّ معنا أنَّه ﷺ كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إذا آوى إلى فراشه، وفي حديث نوفل هذا الترغيبُ في قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عند النوم، فيكونان بذلك الخاتمةَ التي ينام عليها المسلم.
стр. 634
١٢٣ / فضل قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة كلَّ ليلة
لقد ثبت في السنة عن النَّبِيّ ﷺ الترغيب في قراءة الآيتين اللَّتين خُتمت بهما سورة البقرة في كلِّ ليلة، وذكر في ذلك ﷺ فضلاً عظيماً، ففي الصحيحين عن أبي مسعود ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ" ١.
وقد دلَّ هذا الحديثُ على فضل قراءة هاتين الآيتين كلَّ ليلة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وهما آيتان عظيمتان دلَّت الأولى منهما على إيمان الرسول والمؤمنين معه بالله وبكلِّ ما أمرهم سبحانه بالإيمان به، وانقيادهم وطاعتهم له سبحانه في جميع أوامره، حيث أخبَر فيها سبحانه أنَّهم آمنوا بالله وملائكته وكُتُبه ورسله، وهذا يتضمَّن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه وأَخبَرت به عنه رسُلُه
стр. 635
من صفات كماله ونعوت جلاله، وتَنْزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النَّقص، ويتضمَّن الإيمان بالملائكة الكرام، وبجميع ما ذكر عنهم في الوحي؛ من أسمائهم وأوصافهم وأعدادهم ووظائفهم، والإيمانُ بجميع الرُّسل ﵈ والكتب المنَزَّلة عليهم، وما تضمَّنته الكتبُ من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنَّهم لا يفرِّقون بين أحد من رسل الله، بل يؤمنون بالجميع، ويقولون سمعنا ما أمرتنا به ونَهيتنا عنه، وأطعنا لك في ذلك، ويسألونه المغفرةَ على ما صدر منهم من تقصير أو إخلال، ويؤمنون بأنَّ مرجعَهم ومصيرَهم إليه سبحانه فيجازيهم بما عملوا من خير وشر، هذا خلاصةُ ما دلَّت عليه الآيةُ الأولى.
والآيةُ الثانية فيها الإخبار بأنَّ الله لا يكلِّف الناسَ ما لا يطيقون أو يشق عليهم فعله، بل كلَّفهم بما فيه غذاءُ أرواحهم، ودواءُ أبدانهم، وصلاحُ قلوبهم، وزكاءُ نفوسهم، وفيها الإخبارُ بأنَّ لكلِّ نفس ما كسبت من الخير وعليها ما اكتسبت من الشَّرِّ، ولَمَّا أخبر تعالى عن إيمان الرَّسول والمؤمنين معه وأنَّهم قابلوا أمرَ الله بالسمع والطاعة، وأنَّ كلَّ عامل سيُجَازَى بعمله، وكان الإنسانُ عرضةً للتقصير والخطأ والنسيان أخبر أنَّه لا يكلِّف العبادَ إلاَّ ما يطيقون، وأخبر عن دعاء المؤمنين بذلك ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخر ما جاء في الآيات من دعوات مباركة، وقد أخبر النَّبِيّ ﷺ أنَّ الله قال: "قد فَعَلتُ" أي: أجبتُ لِمَن دعا بهذه الدعوات.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: نعم"١.