هم السواد الأعظم فلأن الواحد من أهل العصر إذا خالف من سواه من أهل العصر يوصف بالشذوذ وذلك اسم ذم فلو كان يعتد بخلافه معهم لم يوصفوا باسم الذم ولهذا أنكرت الصحابة على ابن عباس رضى الله عنه مقالته في الربا قالوا: ولأن الناس يقولوا في خلافة أبى بكر رضى الله عنه على الإجماع وقد خالف في ذلك جماعة منهم سعد بن عبادة.
وقال سلمان: كردن ونقلوا عن على رضى الله عنه أنه وقف عن البيعة مدة ومع ذلك لم يعتد بخلاف هؤلاء ولأن خبر الجماعة مقدم على خبر الواحد وكذلك قول الجماعة مقدم على قول الواحد وأما دليلنا أن الإجماع هو الحجة بالدلائل السمعية على ما سبق وإذا خالف الواحد أو الاثنان فقد فقد الإجماع ففقدت الجماعة والدليل على أن الإجماع قد فقد بخلاف الواحد والاثنين لأن دليل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] والألف واللام لاستغراق الجنس فظاهر الآية اقتضى جميع المؤمنين وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فتناول جميع الأمة وكذلك قوله ﷺ "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ١ تتناول جميعهم وإذا خالف مخالف وأن كان قليلا فقد فقد اجتماع الأمة وصار القول من بعض الصحابة دون البعض.
ببينة: أنه إذا كثر المخالف امتنع انعقاد الإجماع فكذلك إذا قل المخالف يمتنع أيضا بعد أن يكون من أهل الاجتهاد وهذا لأن القلة لا تمنع من الإصابة ويجوز أن يصيب القليل ويخطئ الكثير قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقال تعالى أيضا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] فثبت بما قلنا: أن قلة العدد لا تمنع من إصابة الصواب وكثرة العدد لا تؤمن من الخطأ يدل عليه أن الإجماع لو انعقد مع خلاف الآحاد لوجب على المجمعين أن ينكروا على من خالفهم من الآحاد كيلا يتبعوا غير سبيل المؤمنين وقد أقرت الصحابة على خلافهم كما أقروا ابن عباس وإن كان قد تفرد بالخلاف في القول وقد تفرد هو أيضا بمسائل في الفرائض خالف سائر الصحابة وكذا ابن مسعود وقد أقر على ذلك ولأن أبا بكر قد
стр. 527
كان يخالف جميع الصحابة في قتال مانعى الزكاة وقد كانوا يشيرون ببعض المفارقة ثم إنه يبين لهم أن الحق معه واتفقوا على قتالهم فإن قيل: قد تفرد قوم من الصحابة بأشياء لم يعتدوا بذلك. وأثبتم الإجماع مع وجود ذلك الخلاف مثل خلاف حذيفة في وقت السحور وخلاف ابن أبى طلحة في أكل البرد في حال الصوم١. وقوله: إنه لا يفسده وكذلك خلاف ابن عباس في جواز ربا الفضل٢ قلنا نحن إنما نعتد بخلاف الواحد إذا لم يكن على خلاف النص فأما إذا كان بخلاف النص فلا يعتد بخلافه ويحكم بانعقاد الإجماع معه وعلى هذا خلاف حذيفة فإنه مخالف النص وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك خلاف ابن أبى طلحة لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والصيام هو الإمساك ولا يوجد الإمساك مع أكل البرد وعلى هذا خلاف ابن مسعود جميع الصحابة رضوان الله عليهم في الفاتحة والمعوذتين في ترك إثباتهن في المصحف٣ وخلاف أبى بن كعب في إثبات سورتى القنوت٤ وقد أنكر عليهما سائر الصحابة ذلك وكذلك خلاف ابن عباس في الربا وليس ما اختلفنا من جملة ذلك أما الجواب عن كلماتهم أما الكلام الأول: قلنا أما أسماء الجمل والعموم لا يتناول الأكثر إلا مجازا ألا ترى أنه يجوز أن يقال في الأمة إلا الواحد: ليس هؤلاء كل المؤمنين ولا كل الأمة فعلمنا أن اسم الكل لا يتناول إلا الجميع والذي قالوا من اسم البقرة السوداء وقولهم أكلت الرمانة فليس ذلك بحقيقة وإنما هو على طريق المجاز ويجوز أن يقال إنما حسن أن يقول: "أكلت الرمانة" وإن سقطت منها حبات أو يقول: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض لأجل العادة فإنه في العرف يقال: أكلت
стр. 528
الرمانة وإن سقطت منها حبات ويقال في العرف: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض فخرج الأقل من الكلام بالعرف وليس إذا نقل العرف من ذلك يجب أن ينقل غيره من الأسماء وأما تعلقهم بقوله ﷺ "عليكم بالسواد الأعظم"١ قلنا السواد الأعظم جميع أهل العصر ولو كان المراد منه الأكثر لدخل تحته النصف من أهل العصر إذا نادوا على النصف الآخر بواحد أو اثنين أو ثلاثة وأما قوله: يوصف الواحد إذا خالف بالشذوذ قلنا لا نسلم أنه يطلق عليه هذا الاسم إلا إذا خالف بعد ما وافق. وأما قولهم: إنهم أنكروا على ابن عباس خلافه في الربا قلنا إنما أنكروا عليه لأجل خبر أبى سعيد لا لأجل مخالفته بقية الصحابة. وأما بيعة أبى بكر قلنا لا يثبت خلاف أحد أما سعد بن عبادة قد كان يظن أن للأنصار حقا في الخلافة وكذلك جماعة من الأنصار كانوا على هذا فلما روى أبو بكر رضى الله عنه ما روى رجعوا عنه وقول سلمان هو من حكاية الروافض فلا يثبت إليه وأما قولهم إن عليا امتنع من بيعة أبى بكر رضى الله عنهما إلى مدة قلنا الأصح أنه بايع وقد روى ذلك في بعض الروايات الصحيحة وعلى أنه إن روى ما قالوه من تأخير البيعة فرواية المثبت أولى من رواية النافى وأما استدلالهم بالخبر المتواتر ففيه جوابان: أحدهما: أن التواتر يقتضى القطع بالصدق ولا يقتضى القطع بالحق وأما الإجماع يقتضى القطع بالحق فمن أين أنه إذا أخبر جماعة يقتضى القطع بالصدق ما يوجب أن يكون قولهم يقتضى القطع بالحق لأن أخبار التواتر توجب العلم الضرورى على ما سبق وذلك علم يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بخلاف خبر الواحد لأنه لا يوجب العلم الضرورى: ألا ترى أنه يمكن للإنسان دفعه عن نفسه وأما ها هنا فهو اجتهاد وغير يمتنع إصابة الأقل للصواب وأخطأ الأكثر لأن الإصابة ها هنا بالتوفيق ولا يمتنع أن يوفق الله الأقل ويحرم الأكثر قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
стр. 529
فصل: ومن شروط الإجماع أن يقيم أهل الإجماع على ما أجمعوا عليه ولا يرجعوا عنه:
فإن ظهر فيهم رجوع عما أجمعوا عليه فقد قال بعضهم: يجوز أن يرجع عنه بعضهم ولا يجوز أن يرجع عنه جميعهم لأن رجوع جميعهم يمنع أن يكون الحق فيما أجمعوا عليه ومنهم من قال: لا يجوز أن يرجع لا جميعهم ولا بعضهم لأن إجماعهم قد تبين الحق فيما أجمعوا عليه وانتفى عنه الخطأ وإذا تعين لم يجز الرجوع لأنه إذا جاز الرجوع تبين أن الإجماع انعقد على الخطأ ومنهم من قال: يجوز أن يرجع عن جميعهم ويجوز أن يرجع عن بعضهم وهذا صحيح على قول من يجعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع١ وسنبين ذلك والأصح أنه لا يجوز الرجوع عنه بحال لما سبق بيانه والله أعلم.
مسألة: انقراض العصر ليس بشرط في صحة انعقاد الإجماع في أصح المذاهب لأصحاب الشافعي.
ومن أصحابنا من قال: إن انقراض العصر شرط ومنهم من قال: إن كان قولا من الجميع لم يشترط انقراض العصر وإن كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين اشترط فيهم انقراض العصر وقال بهذا أبو إسحاق الإسفراينى ولأصحاب أبى حنيفة فيه اختلاف أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا: إنه ينعقد قبل انقراض عصره فيما لا مهلة له فلا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج ولا ينعقد فيما اتسعت له المهلة وأمكن استدراكه إلا بانقراض العصر٢ واحتج من قال: إن انقراض
стр. 530
العصر شرط بأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يرى التسوية في القسم ولم يخالفه أحد من الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر إليه وفضل في القسم وصحت هذه المخالفة لأن العصر كان لم ينقرض على الأول وكذلك رأى عمر أن لا تباع أمهات الأولاد١ ووافقه عليه الصحابة. ثم إن عليا رضي الله عنه٢ خالفه من بعد وهذا لأن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن الناس يكونون في حال تأمل وتفحص فوجب وقوفه على انقراض العصر ليستقر. وأما دليل من قال: إنه ليس بشرط قول الله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتى على الضلالة " ٣ وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع فإذا وجد الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل.
ببينة: أن هذه الدلائل توجب الرجوع إلى مجرد الإجماع لأنه لم تدل هذه الدلائل على غيره فإذا وجد وجب أن يحكم بكونه حجة ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون الدليل هو انقراض العصر أو الاتفاق بشرط انقراض العصر أو مجرد الاتفاق والأول باطل لأنه يقتضى أن العصر إذا انقرض بدونه أن يسبقه اتفاق أن يكون حجة وهذا لا يقول به أحد وأما الثانى فباطل أيضا لأنه يقتضى أن يكون لموتهم تأثير في كون قولهم حجة وذلك لا يجوز أيضا كما لا يكون لموت النبي ﷺ تأثير في كون
стр. 531
قوله حجة وإذا بطل الوجهان ثبت الثالث.
ودليل آخر أنا لو اعتبرنا انقراض العصر لم ينعقد إجماع ما لأنه قد حدث قوم من التابعين في زمان الصحابة كانوا من أهل الاجتهاد وشرط انقراض العصر يجوز مخالفتهم لهم لأن العصر ما انقرض ويجب على هذا انقراض عصر التابعين ومعلوم أنه لا ينقرض عصرهم إلا من بعد أن يحدث من تابعهم من هو من أهل الاجتهاد ويجوز لهم أن يخالفوا التابعين ثم يعتبر انقراض عصر تابعى التابعين ثم كذلك القول في كل عصر إلى قيام الساعة فلم يتصور على هذا انعقاد الإجماع في عصر ما وهذا باطل فيكون شرطا ما يؤدى إليه باطلا ولقائل أن يقول على هذا إنه لا يمتنع أن يكون المعتبر هو انقراض عصر من كان مجتهدا عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إن أحدث منهم مجتهد بعد حدوث الحادثة والمعتمد أن الدليل قد قام أن الإجماع حجة وقد وجد الإجماع فوجب الحكم لقيام الحجة من غيره اعتبار انتظار لا انقراض العصر أو غير ذلك.
ببينة: أنا لو اعتبرنا انقراض العصر جوزنا أن يكون الأمة حين أجمعت على الخطأ وقد دللنا على أن هذا لا يجوز.
وأما الجواب عما تعلقوا به. أما الأول: قلنا قد كان عمر خالف أبا بكر رضى الله عنه في زمانه وناظره وقال: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الإسلام كرها. فقال أبو بكر رضى الله عنه إنما عملوا لله فأجرهم على الله وإنما الدنيا بلاغ ولم يروا أن عمر رضى الله عنه رجع إلى قول أبى بكر رضى الله عنه فالظاهر أنه كان يرى التفضيل في زمان أبى بكر فلما صار الأمر إليه فضل على ن كان يعتقده وأما الذى تعلقوا به من فضل أمهات الأولاد قلنا قد روى عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرون بيع أمهات الأولاد ومنهم جابر بن عبد الله وغيره١ فلم يكن وجد الاتفاق في زمان عمر رضى الله عنه وأما قول عبيدة السلمانى: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك ليس فيه دليل على أنه قد كان وجد الإجماع بل يدل على أنه قد كان على قول عمر رضى الله عنه جماعة وليس كل جماعة يكون إجماعا وإنما اختار عبيدة أن ينضم قول على إلى قول عمر رضى الله عنهما لأنه يرجح قول
стр. 532
الأكثر على قول الأقل وأما قولهم إن الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر قلنا إن أرادوا بنفى الاستقرار نفى كونه حجة فذلك نفس المسألة وإن أرادوا أنه لا ينعقد إلا بعد انقراض العصر فليس بشئ لأن الانعقاد إنما يكون باتفاق الأمة من غير خلاف وإنما اختلفوا أنه مع وجود هذا الانعقاد هل يكون حجة أم لا وأما الذى قالوه أنه حال تأمل وتفحص قلنا المسألة فيما إذا قطعت الأمة على الاتفاق إلا أن أهل العصر لم ينقرضوا عليه والناظر المتأمل غير والقاطع على الشئ غير والإنسان إذا أخبر عن نفسه أنه يعتقد فهو بخلاف ما إذا أخبر عن نفسه أنه متأمل متوقف وقد قال بعض أصحابنا ﵏ إنهم إن أسندوا الإجمع إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم ما لم يتطاول الزمان بذلك وإن كان اتفاقهم لا عن اجتهاد بل عن أصل مقطوع به فإنه يتم الإجماع في الحال وهذا الفرق لا يصح لأنه لا يعرف إلى أى شئ أسندوا الإجماع ولو عرف أنهم أسندوا اتفاقهم إلى دليل مقطوع به فيكون حجة ذلك الدليل لا غير والأصح ما قدمناه بالدليل الذى اعتمدنا عليه.
مسألة: إذا أدرك التابعى عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه في صحة الإجماع.
ومن اصحابنا من قال: لا يعتبر١ واعلم أن هذا الخلاف فيما إذا بلغ التابعى رتبة الاجتهاد ثم أجمعوا على حكم خالفهم فيه التابعى فأما إذا تقدم الإجماع على قول التابعى فإنه يكون التابعى محجوجا بذلك الإجماع وأما الذين قالوا: إنه لا يعتد بخلاف التابعى مع الصحابة تعلقوا من ذلك بأن الصحابة قد اختصوا بلقاء الرسول ﷺ ومعرفة التأويل والتنزيل والعلم بسبق الدين ووجوه الدلالة وطريق الاجتهاد فصار غيرهم من التابعين إذا أجتمعوا معهم بمنزلة العامة مع علماء الدين لا يعتد بخلافهم وقد أنكرت عائشة على أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخوله فيما بين الصحابة ومنازعته عبد الله بن عباس وقالت: أراك كالفروخ يصيح مع الديكة٢ وعن
стр. 533
على: أنه نقض الحكم على شريح١ حين قضى بين ابنى عم أحدهما الأخ لأمه وكان جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم فنقض عليه وأما دليلنا فلأنه من أهل الاجتهاد وقت وقوع الحادثة فيعتبر خلافه ولا ينعقد الإجماع دون قوله: دليله إذا كان صحابيا وهذا لأن العبرة بالعلم دون الصحبة بدليل أن من كان من الصحابة غير مجتهد لا يعتبر اتفاقه لانعقاد الإجماع ولأن الصحابة أقروا التابعين على الفتوى في زمانهم وقد كان على رضى الله عنه قلد شريحا قضاء الكوفة فقضى برأيه وعلى بها لا ينكر وكان سعيد بن المسيب يفتى بالمدينة زمن الصحابة وعطاء بن أبى رباح بمكة وأصحاب ابن مسعود كانوا يفتون بالكوفة في زمن الصحابة وكذلك الحسن البصرى وجابر بن زيد كانا يفتيان بالبصرة زمن الصحابة وروى أن ابن عباس رضى الله عنه وأبا سلمة بن عبد الرحمن اختلفا في عدة المبتوته عنها زوجها إذا كانت حبلى فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين وقال أبو سلمة: إذا وضعت حملها حلت فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخى٢ يعنى أبا سلمة ولم ينكر أحد قول أبى سلمة [وهو] ٣ خلاف لابن عباس وقد قال أبو هريرة: أنا معه وأما الذي ذكره من قول عائشة رضى الله عنها في هذه القصة قلنا قد نقلنا عن أبى هريرة تصويبه وعلى أنه ليس في قول عائشة ما يدل على أن خلاف التابعين لا يعتد به مع الصحابة ويجوز أنه كان رفع صوته على ابن عباس وادعى منزلته وطلب مساواته فانكرت عائشة ذلك وأما خبر على في نقضه قضاء شريح قلنا: هذا لا يعرف وكيف؟ وقد كان ولاه قضاء الكوفة وكان يقضى برأيه وعلى بها وعلى أنه يحتمل أن يثبت ذلك أنه إنما كان يقضى لأنه كان سبقه الإجماع في المسائل قبل أم يدرك شريح زمان الاجتهاد وأما قولهم إن الصحابة يكونون أعلم بالاحكام قلنا قد يكون أعلم وقد لا يكون والدليل على هذا أن أنسا كان يحيل بالمسائل على الحسن البصرى وكان عمر بن يحيل على ابن المسيب وقد قال ﷺ : "رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ٤
стр. 534
وعلى أن ما ذكره من الترجيح لا يمنع من مساواة الناس بعين لهم في الاجتهاد. ألا ترى أن من طالت صحبته للنبى ﷺ من أكابر الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول الصحبة وقوة الأنس بكلام رسول الله ﷺ وهذا ليس لصغارها ولمتأخريها ثم الجميع في الاجتهاد واحد فبطل ما قالوه ولأن هذا الترجيح إن كان قائما يكون فيما يوجد من التنبيه فأما فيما يوجد من الكتاب وسائر الأصوليين فلا يكون لمن شهد مع النبى ﷺ مزية على غيره فإن قال قائل: إنكم قد قلتم: من قبل إن انقراض العصر ليس شرط من انعقاد الإجماع وإذا لم يكن شرطا وقد انعقد الإجماع فكيف يعتبر خلاف التابعي؟ والجواب: أنا قد قلنا في أول المسألة ما يبطل هذا السؤال لأنا قد بينا أن موضع الخلاف إذا لم تقع الحادثة حتى أدرك التابعى حال الاجتهاد فأما إذا سبق الاتفاق فلا إشكال أن أنعقاده وكونه حجة لا يقف على إدراك التابعى وموافقته لذلك وقد اعتبر ذلك من يشترط انقراض العصر وقد بينا أن هذا الاعتبار يؤدى إلى أن لا ينعقد إجماع.
стр. 535
" فصل": قد بينا من قبل أن من شرط الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم لم يكن إجماعا .
وقد سبق بيان هذا ومما يتصل بهذا أن من الناس من قال: إذا أجمع أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين الكوفة والبصرة لم يعتد بخلاف غيرهم١ وما ذكرنا من قبل يدل على بطلان قول من زعم هذا. وقال بعضهم: إذا أجمع الخلفاء الاربعة لم يعتد بغيرهم وذهب إلى هذا القاضي أبو حازم من أصحاب أبى حنيفة وحكاه الضميرى عنه٢. وقالت الرافضة: إذا قال على كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بخلاف
стр. 536
غيره وقال بعض الرافضة: إذا اتفق أهل بيت رسول الله ﷺ على شئ كان حجة مقطوعا بها ولم ينظر إلى خلاف غيرهم١ وقد تعلق من قال بالقول الاول بقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ٢ وتعلق من قال بالقول الثاني بقوله ﷺ : "أنا من على وعلى مني" ٣ وقال: "أنا مدينة العلم وعلى بابها" ٤ وقال حين بعث عليا خلف أبى بكر في الحجة التي استخلف أبا بكر عليها ليقرأ أوائل سورة براءة على الناس في الموسم: " لا يبلغ عنى إلا رجل من أهل بيتى" ٥ وتعلق من قال بالقول الثالث بقوله ﷺ : "تركت فيكم شيئين إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وأهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" ٦ وقال ﷺ : "مثل أهل بيتى مثل سفينة نوح من ركبها نجا" ٧ وتعلقوا بخبر الكسائى وهو أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] دعا عليا وفاطمة
стр. 537
والحسن والحسين رضى الله عنهم وأدار عليهم كساء وقال: " هؤلاء أهل بيتى" ١.
وأما الدليل على تصحيح ما قلنا: أن الشرط اتفاق جميع الصحابة في عصرهم لينعقد الإجماع ويصير حجة لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فتعلق الوعيد بترك سبيل المؤمنين دل أنه لا يتعلق بترك سبيل بعضهم وقال النبى ﷺ : "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٢ ولأن الدليل على أن الإجماع حجة ليس من طريق العقل إنما هو من طريق السمع وإنما ورد السمع بعصمة جميع الأمة لأنه ﵇ قال: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ٣ يدل على أن الخطأ يجوز على بعضهم وإنما لا يجوز على جماعتهم وأما الأخبار التي رووها فيما ادعوه٤ فتلك الأخبار تدل على اختصاص هؤلاء القوم بفضائل من بين سائر الصحابة وتدل على نوع يميز لهم من غيرهم ولا تدل على أن قولهم حجة مقطوع بها.
وقد ورد في غيرهم من الصحابة أخبار ورويت لهم فضائل عن النبى ﷺ لو تتبعناها وعلقنا معانيها دل أيضا أن أقوالهم حجة وأنه يجب علينا أن نتبعهم ونترك قول غيرهم منها ما ورى في أبي بكر وعمر رضى الله عنهما أنه قال ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر" ٥ وقال ﷺ : "إن الحق لينطق على لسان عمر" ٦ وفى رواية أنه قال ﷺ : "السكينة" ٧ بدل لفظة "الحق" وقال: "لو كان بعدى نبي لكان عمر" ٨ وقال: " اهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن
стр. 538
مسعود" ١ وقال: "رضيت لأمتى ما رضى لها ابن أم عبد" ٢ يعنى ابن مسعود وقال ﷺ "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقرأكم أبى"٣ وقال: "إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ٤ وهذا يوجب الرجوع إلية لاختصاصه بالأمانة ولكل ما ذكروه معنى وتأويل ذكره أهل العلم في كتبهم ولا يحتاج إلى ذكره في هذا الموضوع واقتصرنا على هذا القدر ورفعنا بهذه المعارضة كلامهم والله المعين على التمسك بالحق والمرشد إليه.
مسألة: إجماع أهل المدينة على انفرادهم لا يكون حجة عندنا.
وقال مالك: إذا أجمع أهل المدينة على شئ لم يعتد بخلاف غيرهم٥. وقال الأبهرى من أصحابنا: إنما أراد بهذا فيما طريقه الإخبار. وقال بعضهم: أراد به ترجيح قولهم٦ وقد أشار الشافعى رضى الله عنه في هذا في القديم ورجح رواية أهل المدينة على رواية غيرهم وقال بعضهم: أراد بذلك في زمان الصحابة والتابعين وتابعى التابعين فأما من نصر قول مالك على الإطلاق تعلق بقوله ﷺ : " المدينة طيبة وأنها ينفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد" ٧ قال: والخطأ من الخبث فكان منتفيا عن أهل المدينة. وقال ﷺ : "إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها" ٨
стр. 539
والأخبار في فضل المدينة تكثر ولأن الممدينة منزلة الرسول ﷺ إلى أن قبض ومهبط الوحى حتى انقطع ودار الهجرة ومنها ظهر العلم ومنها صدر وهى منازل الصحابة ومستقر الإسلام ومتبوأ الأيمان مجموع هذا يدل أن الحق معهم وأنه لا يعدوهم وأما من قال: إن روايتهم أولى فلأنهم أعرف بأمر رسول الله ﷺ حيث كان بينهم من أفقه أهل كل بلد يكونون أخبر وأعرف مما يجرى فيه من غيرهم وأما دليلنا فظاهر وذلك لأن الإجماع إنما كان حجة بالأدلة السمعية التي بيناها وتلك الدلائل تتناول أهل المدينة كما تتناول أهل غيرها من البلاد على الانفراد ولأن الأماكن غير مؤثرة في كون الأقوال حجة دليله الحرم والمسجد الحرام ويقال لأصحاب مالك: ما الذى أوجب قصر الإجماع على أهل المدينة؟ فإن قالوا: لأنهم مخصوصون بالعصمة فهذا كلام باطل بالإجماع ونحن نعلم قطعا أنه يجرى بالمدينة من الفضائح والكبائر مثل ما يجرى في سائر البلاد وإن قالوا: لأنها مهبط الوحى ومنزل النبى ﷺ وأهلها يتوارثون السنة قرنا فقرن فهذه أمور لا توجب قصر الإجماع على أهلها وتخصيصهم به دون أهل سائر البلدان لأن المجتمعين على الحكم إنما يجمعهم عليه دليل يوجب اتفاقهم عليه والدليل إما بتوقيف أو إجتهاد وأهل العلم حيث كانوا من بقاع الأرض وأقطارها المشاركون لأهل المدينة في أنواع الأدلة ووجوه الاستدلال وقد كان النبي ﷺ ينزل الوحى عليه بالمدينة وهو مقيم بها وفى أسفاره وهو طاعن عنها وقد نزل عليه بمكة قرآن كثير ولعله يبلغ شطر القرآن فثبت أن أهل المدينة وأهل سائر البلاد في الشرع سواء وثبت أن أدلة الإجماع في الكل سواء وليس لها تخصيص بأهل المدينة دون غيرهم.
ببينة: أن المناسك بينها النبى ﷺ بمكة. وقال: "خذوا عنى مناسككم" ١ ثم لم يقل أحد: إن أهل مكة إذا أجمعوا على شئ من المناسك يكون إجماعهم حجة وأنهم يمتازون بهذا عن سائر البلاد. ثم نقول: إن كثيرا من الصحابة قد تفرقوا عن المدينة ورحلوا عنها إلى العراق والشام ومصر وسائر البلدان وإنما رحل كل واحد منهم بما معه من السنة فبينه في أهل تلك البلاد التي أقام فيها وقد أقام بالشام جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وغيرهم وانتقل على
стр. 540
بالكوفة وهو أحد الخلفاء الأربعة وأقام بها إلى أن توفاه الله وكان بها ابن مسعود وحذيفه وسعد بن أبى وقاص وسلمان وغيرهم وحين بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة كتب إليهم بعبد الله على نفسى وورد البصرة من الصحابة طلحة والزبير وعائشة فمن كان معهم من الصحابه فأقام بهها ابن عباس مدة وكان بها أبو موسى الأشعرى وعمران بن حصين وأنس وغيرهم وهؤلاء من أعيان أصحاب رسول الله ﷺ وكان مع كل واحد منهم طائفة من أمر الدين وقطعة من السنة وقد تلقاها عنهم أهل هذه البقاع وحصلوها عندهم فكيف يجوز أن يختزلوا دون الإجماع ويفتات عليه في ذلك ولا يكون لهم منه حظ ولا يعتبر منهم خلاف هذا أمر قبيح وخطة مستشنعة ثم نقول إن المدينة كما أنها كانت مجمع الصحابة ومهبط الوحى فقد كانت أيضا دار المنافقين ومجمع أعداء الدين منهم عبد الله بن أبى ابن سلول وحلاس بن سويد ويجمع بن حارثة الثقفى وطعمه بن أبيرق غيرهم وكان من رؤسهم أبو عامر الراهب وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وفى المدينة قال القائلون المنافقون: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وفيها الماردون على النفاق الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] وفيها طعن عمر وحوصر عثمان حتى قتل وعلى أهلها كانت وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية ففنى الخلق وهلك عامة أهل الفضل ثم انجلى عنها أكثر من بقى منهم وبها غيرت السنن زمن مروان بن الحكم حين كان أميرها من قبل معاوية رضى الله عنه وقدم خطبتى العيد على الصلاة وأقام الحرس حتى منعوا الناس عن تحية المسجد حين كان يخطب وأخرج المنبر يوم العيد وغير ذلك مما يكثر والخطب جسيم والداء دوى والشر قد تم وجرى منذ قتل عثمان بالمدينة سنة خمس وثلاثين من الهجرة إلى بعد المائة من الهجرة بالمدينة ومكة والعراق١ وغيرها من بلدان الإسلام ما ترتاع النفوس سماعها وتقشعر القلوب من هولها وشدتها وظهر من الجرأة على الله تعالى وهتك جهات الدين والتهاون بشعائره وتغيير رسومه وسننه ونقض عرى الإسلام وسفك الدماء المحترمة وانتهاك المحارم والإقدام على العظائم التي لا يقدر قدرها ما لو حكى عشر ذلك بل أقل القليل منه بنى إسرائيل لتعاظمه هذه الأمة فكيف وهم
стр. 541
الفاعلون لذلك المقدمون عليه ولله أمر بالغه وهو لعباده وهو بالمرصاد ونسأل الله تعالى العصمة وهذا الذى قلنا فيما سوى سيئات سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز أما سليمان فقد قيل: إنه فتح بخير وختم بخير أما افتتاحه بخير فهو هلاك الحجاج واختتامه بخير استخلافه عمر بن عبد العزيز وأما عمر فقد ضم إلى الخلفاء الراشدين وحسبك بهذا شرفا ونقول في مجموع ذلك ما قاله بعض سلفه: وهو أنه سئل عن الأمور التي جرت بين الصحابة ومن بعدهم وقرأ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ البقرة: ٢٨٦] وأما رواية أحدهم تقديم أهل المدينة فقد قاله بعض أصحابنا على ما قدمناه والأصح أن روايتهم ورواية غيرهم سواء وذلك أن ما يوجب قبول الأخبار يستوى القولفيه أهل المدينة وأهل سائر البلدان ولأن شهادة أهل المدينة وشهادة غيرهم واحد وكذلك الرواية ولأنا قد بينا أنه لا يقدم في المناسك رواية أهل مكة وإن اختصوا بها على معنى أن الكعبة عندهم والمشاعر في بلدهم واختصاصهم بمناسك الحج [أخص] ١ من أهل المدينة بالسنن فأهل المدينة وغير أهل المدينة في السنن والشرع سواء وقد حكى بعضهم عن مالك أنه قال: "يخرج العلم من عندنا شبرا ويرجع ذراعا" يعنى أنه يزاد فيه ولا يمكن إطلاق هذا القول وفيه أن الظن بنقلة الأخبار وقد قال بعض أهل المدينة لبعض أهل العراق. وعندي أن من عندنا خرج العلم فقال: بلى ولكن لم يعد إليكم وأيضا يجوز أن يصير ذراعا [وذلك] ٢ بالمدينة أيضا بأن يزيد فيه بعض الفسقة ويجوز أن يكون في الخير زيادة ثابته يقع الزيادة عند بعض العلماء من غير أهل المدينة والأولى هو التسوية [بين] ٣ أهل المدينة وغير أهل المدينة في الرواية وفي الاجتهاد وفى مسألة الإجماع على ما سبق هذا مع اعترافنا للمدينة بالفضل الذي خصها الله تعالى به على ما نقل في الأخبار مثل ما نعترف لمكة بالفضل الذى خصها الله به على ما ورد في الأخبار ومن الله العصمة ونسأله أن لا يكلنا إلى أنفسنا وحولنا وقوتنا بمنه وجوده.
стр. 542
الفصل الخامس: وهو يشتمل على معارضة الاختلاف والإجماع
تعارض الاختلاف والاجماع
...
فصل
هذا الفصل هو الفصل الخامس وهو يشتمل على: معارضة الاختلاف والإجماع ويشتمل تعارضها على أربعة أضرب:
فالضرب الأول: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد١ كاختلاف الصحابة ثم إجماعهم بعد خلافهم فيصير الإجماع بهم منعقد وما تقدم من خلافهم ساقطا لأن العمل يكون بما استقرت عليه أقاويلهم وقد استقرت على الإجماع [و] ٢ زال به الخلاف وقد وجد في الصحابة من ذلك خلافهم في الصحبة حيث قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ثم أن أبا بكر رضى الله عنه لما حاججهم وأخبر أن الخلافة لا تصلح إلا في هذا الحى من قريش رجعوا إلى قوله وزال الخلاف ومن ذلك أيضا خلافهم على أبى بكر في قتال أهل الردة ثم رجعوا إلى قوله وأجمعوا عليه ومن ذلك خلاف ابن عباس وزيد بن أرقم لسائر الصحابة رضى الله عنهم في أن الربا لا يجرى إلا في النساء [رجعا] ٣ عن ذلك ووافقا سائر الصحابة ومن ذلك أيضا خلاف عمر وابن
стр. 543
مسعود لسائر الصحابة في أن الجنب لا يجوز له التيمم ثم [رجعا] ١ عن ذلك ووافقا سائر الصحابة٢. وعندي أن ثبوت الرجوع في هذه المسألة والمسألة التي قبلها نظر ومن هذا الباب خلاف ابن عباس لجماعة الصحابة في تحريم المتعة فإن ابن عباس أحلها٣. ونقل ذلك عن ابن مسعود ثم أن ابن عباس رجع عن ذلك٤. وعندي أن في الرجوع عما كان يقوله نظر والفقهاء ينقلون عن جابر بن زيد أن ابن عباس رضى الله عنه لم يلبث حتى رجع عن قوله في الصرف وأما قول ابن مسعود في تحليل المتعة فليس بمعروف وقد أورده بعص أصحابنا وقد قال أبو سعيد الاصطخرى: إن المتعة محرمة بالإجماع وجعل مرتكبها زانيا وأوجب الحد عليه وأما سائر أصحابنا وكذلك عامة الفقهاء قد أبوا عن هذا وجعلوا حكم الخلاف باقيا ولم يوجبوا الحد بارتكابها٥ ولا وسموا مرتكبها بسمة الزنا وفى تفسيقه وجهان.
والضرب الثاني: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد فهو على ضربين أحدهما: أن يكون المخالف لم يوافق المجمعين قبل خلافه فيصح خلافه ولا ينعقد مع خلافه الإجماع كما خالف ابن عباس في القول مع إجماع غيره عليه.
والضرب الثالث: أن يكون وافقهم ثم خالفهم كخلاف على في بيع أمهات الأولاد مع اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة في تحريم بيعهن فمن جعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع بخلافه لحدوثه قبل استقراره ومن لم يجعله شرطا أبطل خلافه مع إجماعه.
والضرب الرابع: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصرين وذلك مثل اختلاف الصحابة على قولين وإجماع التابعين على أحد القولين فهذه مسألة معروفة وسنذكرها.
стр. 544
مسألة: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعت التابعون على أحد القولين:
فمذهب الأكثرين من أصحاب الشافعى رضى الله عنه أن خلاف الصحابة ثابت ولا يرتفع بإجماع التابعين. من بعدهم والمسألة لا تصير إجماعا وهو قول بعض أصحاب أبى حنيفه وبعض المتكلمين وقال الأكثرين من أصحاب أبى حنيفه أنه يرتفع الخلاف المتقدم ولا ينعقد الإجماع من التابعين على المسألة وبه قال الإصطخرى وابن خيران والقفال من أصحاب الشافعى ﵀ عليهم وقد نص عليه الكرخى وصار إليه وكذلك كل من تبعه وذهب إليه أيضا أكثر المعتزلة وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة روايتين عن أبى حنيفة وحكى عن أببى يوسف أيضا أنه ينعقد الإجماع١ ويرتفع الخلاف المتقدم واحتج من قال بالقول الثانى بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] .
وبقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقد بينا أن ذلك يتناول أهل كل عصر ولم يفصل في اتباع غير سبيل المؤمنين بين أن يكون تقدم خلاف أو لم يتقدم خلاف واستدلوا أيضا بقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ٢ وفى رواية "على خطأ" فيجب أن يكون ما اتفق عليه أهل العصر الثاني غير خطأ ولأن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد الاختلاف وجب أن لا يجوز خلافه لأن الإجماعين واحد وحرفهم أن الإجماع قد وجد فينعقد ويكون حجة كما لو لم يتقدمه خلاف.
ببينة: أن الصحابة لو اختلفوا ثم أجمعوا فإنه يسقط الخلاف المتقدم بالإجماع المتأخر فكذلك يسقط الخلاف المتقدم في مسألتنا لأن الحجة في إجماع التابعين مثل الحجة في إجماع الصحابة فلما سقط اختلاف الصحابة بإجماعهم فيسقط أيضا بإجماع التابعين وأما حجة من ذهب إلى المذهب الأول وهو الأصح تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] "فأمر عند وقوع التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة وأهل العصر الأول قد ردوا الحادثة إلى الكتاب والسنة فوجدوا الحادثة مجتهدا فيها وقد
стр. 545
انقرض عصرهم على هذا وقد أثنى الله على التابعين بحسن المتابعة فإذا اعترضوا عليهم قطعوا الاجتهاد عن الحادثة لم يكونوا متبعين فدل أن الحادثة على ما رآه أهل العصر الأول فيها وأنها مستمرة على ذلك وهذا الحقيقة وهي أن علماء العصر إذا اختلفوا في الحادثة على مذهبين وذلك مثلا في تحليل وتحريم فقد تضمن ذلك إجماعهم من كافتهم على أن الخلاف سائغ من الحادثة فحصل في ضمن الخلاف الإجماع على جواز الخلاف فإذا صورنا الرجوع إلى أحد القولين من التابعين لم يجز لأنه مسبوق بالإجماع على جواز الخلاف فنقول: ما أجمعت الصحابة عليه لم يجز للتابعين إبطاله كما لو أجمعوا على قول وليس يلزم على هذا إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعوا على أحد القولين لأنا إن قلنا: إن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع لم يسلم لوجود الإجماع على تسويغ الخلاف وأن قلنا إن انقراض العصر ليس بشرط وهو الأولى على ما سبق لم يسلم جواز الاتفاق على أحد القولين بعد هذا الاختلاف وقد حكى عن القاضى أبى بكر أنه جعل حكم الصورتين واحد وقال كما لا يجوز لأهل العصر الثانى أن يتفقوا على أحد القولين ويبطلوا به الخلاف المتقدم كذلك في أهل العصر الواحد أيضا لا يجوز أن يختلفوا على قولين ثم يتفقوا على أحد القولين فإن قيل لا يمتنع أن يتفقوا على تسويغ الاجتهاد بشرط أن لا يظهر إجماع فإذا ظهر الإجماع يسقط ذلك الاتفاق كما أنهم اتفقوا أن فرض العادم للماء التيمم ما لم يجد فإذا وجد الماء زال ذلك الاتفاق.
والجواب: أن دعوى هذا الشرط ليس عليها دليل بل حصل احتلافهم وجود الإجماع على تسويغ الاجتهاد وهذا الإجماع لا يجوز إبطاله بإجماع يوجد من بعد وأما مسألة التيمم فبعيدة عن هذا لأن النص قد دل على أن جواز التيمم مشروط بعدم الماء فإذا وجد الماء زال الشرط وأما ها هنا فإن أهل العصر الأول قد أجمعوا على تسويغ النظر على الإطلاق من غير شرط فهو بمنزلة إجماعهم على شرط واحد فلا يجوز أن يزول ذلك بإجماع يوجد بعده يدل على ما ذكرنا: أن الإجماع إذا حصل واستقر لم يجز أن يتغير بالاختلاف من بعد فكذلك إذا حصل الاختلاف واستقر لم يجز أن يتغير بالإجماع من بعد والاعتماد على الكلام الأول وقد قال بعض أصحابنا: إن القول إذا صدر عمن له في الدين تحمل لم يجز أن ينقطع حكمه بموته بدليل النبى ﷺ فإن قيل: قد ورد خلاف ما صرتم إليه من الصحابة فإن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ثم اتفقوا
стр. 546
على المنع زمن عمر رضى الله عنه وأجرى الأثر على ذلك وكذلك كانت الصحابة تقرأ بالحروف المختلفة في زمان أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ثم اجتمعوا في زمان عمر رضى الله عنه على [أن] ١ ما بين الدفتين كلام الله فدل أن الوفاق الثاني يدفع الخلاف الأول قيل له هذا لا يشبه مسألتنا لأن عصر الصحابة كله عصر واحد فقد يمتد زمان النظر وتنفسخ مدة الرؤية وقد كانوا ينظرون ثم يعيدون النظر كرة بعد أولى على حسب ما يحتاج إليه لدقة الأمر وغموضه إلى أن يتبين لهم الأمر غاية البيان ويزول الإشكال فلم يكن الإجماع يستقر بأول وهلة والكلام فيما إذا استقر الأمر من الصحابة على شئ وانقرضوا على ذلك ثم حدث من بعد ما يوجب إزالة ما انقرضوا عليه ورفعه وقد قال بعض أصحابنا: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للخلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد من ناظره ثم استقراره أخيرا وأما إذا تمادى الخلاف في زمان فتطاول بحيث يعلم أنه لو كان ينقدح وجهه في سقوط أحد القولين ليظهر ذلك في الزمان الطويل فإذا بلغ الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق مع أحد القولين والأمر باق على الخلاف السابق لما بينا أن في اختلافهم وفاقا ضمنيا على أن الخلاف في هذا المجال سائغ وهذا لا بأس به والأول هو المنقول عن أئمة المذاهب وأما الجواب عن كل ما تعلقوا به من الظواهر فقد بينا أن اختلافهم يثبت وفاقا ضمنيا فلا يجوز رفعه من بعد وعلى هذا صارت هذه الظواهر حجة على المخالفين لأن سبيل المؤمنين في العصر الأول لما كان هو تسويغ الاجتهاد فلا يجوز اتباع غير سبيلهم وكذلك لما اجتمعوا على ما ذكرناه كان خلافه ضلالة وخطأ وأما الذى قالوا أن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد الخلاف قلنا: ولما قلتم هذا ثم الإجماع المبتدأ لم يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وأما ها هنا فإن الإجماع الذى يوجد من بعد من أهل العصر الثانى يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وهو ما سبق ذكره وأما تعلقهم بما إذا اختلف أهل العصر ثم أجمعوا عليه فقد أجبنا عنه وعلى أنا قد ذكرنا من قبل أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن انقراض العصر شرط انعقاد الإجماع وعلى هذا القول لا يرد هذا الفصل أصلا وإن جربنا على ما اخترنا في أن انقراض العصر ليس بشرط فليس وجه الجواب عنه إلا أن يمنع ويقال إذا لم يختلفوا لم يجز أن يجمعوا على أحد القولين وإن تمسكوا بالصور
стр. 547
التي قلناها فنقول إنهم كانوا في طلب الدليل ومهلة النظر ولم يكن استقرار الأمر على نفى من اختلاف أو اتفاق ويمكن أن يقال: لا نسلم أن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ولم ينقل عنه رضى الله عنه نص على ذلك يحتمل أن من سبى من النساء كن من الكافرات الأصليات ولم يكن أسلمن أصلا وأما اتفاق الصحابة على حرف واحد بعد أن كانوا يقرءون ثم بالحروف المختلفة فذلك نوع مصلحة رأوها لما وقع الاختلاف والتنازع وخافوا المفسدة العظيمة والكلام فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية وليس هذا مما نحن فيه.
واعلم أن هذا الذي قلناه كله من الإجماع بعد الاختلاف فأما الاختلاف بعد الإجماع في عصر واحد فهو نبأ على أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا فإن قلنا شرط فيجوز الاختلاف لأن الإجماع لم ينعقد بعد وإن قلنا: ليس بشرط فلا يجوز وأما في العصرين وذلك بأن يجمع الصحابة على شئ ثم يختلف التابعون فلا يجوز ذلك ويكون اختلاف معاندة ومكابرة والله أعلم.
стр. 548
فصل: إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين:
ذهبت طائفة منهم إلى حكم وصرحت بالتسوية بينهما وذهبت طائفة أخرى إلى حكم آخر وصرحت بالتسوية فهل يجوز لمن بعدهم أن يأخذ بقول إحدى الطائفتين في إحدى المسألتين ويأخذ بقول الطائفة الأخرى في المسألة الأخرى؟.
ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز والآخر لا يجوز ووجه الجواز أنهم لم يجمعوا على التسوية بين المسألتين في حكم واحد١ وإنما سووا في حكمين مختلفين فجاز لمن بعدهم الأخذ بالتفصيل وأما وجه عدم الجواز وهو أن جميعهم أجمعوا على التسوية بينهما وهذا التفصيل يمنع من التسوية فصار كما لو أجمعوا على قول واحد فإنه لا يجوز إحداث قول ثاني وهذا الوجه أشبه وأصح.
стр. 549
فصل: ولا يجوز أن يتفق أهل عصر على الجهل بحكم حادثة حدثت في عصرهم .
لأنه لا يخلوا من حكم الله تعالى فيها لما نصب من الأدلة عليه فصار الجهل بحكمها إجماعا على الخطأ وقد دللنا أن ذلك لا يجوز ولأن في الإمسال عنها إعراضا عن الأدلة التي توصل إلى الحكم في الحادثة وهذه معصية لا يجوز أن ينعقد عليها الإجماع من الأمة وحين وصلنا إلى هذا الموضع انتهى القول في الإجماع بعون الله تعالى وحسن تأييده وتيسيره ولما فرغنا من باب الإجماع ووصلنا إلى باب القياس فقد بقيت علينا مسائل شذت عن الأبواب المتقدمة وليس بعض هذه الإبواب المتقدمة بأولى بها من البعض فنذكر اولا تلك المسائل ثم نتكلم في التقليد ثم نشرع في باب القياس حسب ما يأذن الله تيسيره وتسهيله.
اعلم أنا وصلنا إلى باب القياس والاجتهاد وما يتصل بذلك غير أنه قد بقيت مسائل شذت عن الأبواب التي قدمناها ولم تدخل في أبواب القياس ولابد من ذكرها فوجدنا ذكرها أليق بهذا الموضع خصوصا مسألة استصحاب الحال وهل هو حجة أم لا فإن هذه المسائل يصلح أن تكون من توابع الإجماع فنقدم هذه المسألة ثم نذكر سائر المسأئل بعون الله وتوفيقه.
стр. 550
مسائل تابعة للإجماع
مسألة استصحاب الحال
...
[مسألة استصحاب الحال]
مسألة: استصحاب حكم الإجماع أو غيره من الدلائل إن أمكن في موضع الخلاف أو عند تغيير الحال:
ليس بدليل على الصحيح من المذهب وقال أبو ثور وأبو داود وهو دليل وبه قال المزنى والصيرفى وابن سريج وابن خيران من أصحابنا١. وقال بعض أصحابنا في تفسير استصحاب الحال: أنه استصحاب حكم العموم فيما ورد به وحمله على جميع الأزمان والأوقات مثل أن يقول: صلوا أو صوموا فيحمل ذلك على حكم الصلاة والصوم في عموم الأوقات على الدوام والاتصال فيستصحب حكمه إلى أن يدل الدال على رفعة ونسخه وهذا التفسير ليس بصحيح وهذا الموضع نتفق عليه ولا يجوز أن يسمى هذا استصحاب الحال لأن لفظ العموم دل على استغراقه جميع ما يتناوله اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفى الأزمان فأى عين وجدت ثبت الحكم فيها وأى زمان وجد ثبت الحكم فيه يكون اللفظ دال عليه وتناوله بعمومه فيكون ثبوت الحكم في هذه الصورة من ناحية العموم [لا] ٢ من ناحية استصحاب الحال وإنما استصحاب الحال أن يدل الدليل في اثبات حكم ثم يستصحب حكم ذلك الدليل في موضع من غير أن يكون لفظ الدليل تناوله ودل عليه ويقال: تفسيرا استصحاب الحال هو أن يثبت حكم في حالة من الحالات فيتغير الحال فيستصحب المستدل ذلك الحكم بعينه في الحالة المتغيرة ونقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ومثال ذلك في المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة وجب عليه التوضؤ فيستصحب هذا الحكم بعد الدخول في الصلاة ويقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل وقد يكون ذلك في الدليل العقلى أيضا وذلك مثل ما اختلف الناس في أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظرأو الإباحة أو الوقف وكل قول من هذه الأقوال قد انتحله فريق وزعم أن العقل يدل عليه فالاستصحاب أن تستصحب
стр. 551
حكم ذلك في موضع على ما كان عليه من إباحة أو حظر أو وقف إلى أن يقوم الدليل الشرعى على خلاف ذلك الحكم فينقله عن حكمه وقد قال الأصحاب: إنه لا خلاف في هذا الموضع أيضا ويجوز الاستدلال بما ذكرناه حتى يقوم الدليل الشرعى على خلافه وإنما الخلاف في الحكم إذا ثبت بدليل وقع الخلاف في استدامته بحادث يحدث مثل ما ذكرنا في المتيمم ومثل المكفر يدخل في الصوم عند عدم القدرة على العتق ثم يجد الرقبة فقال قوم: يخرج من الصوم بالعتق وقال قوم: يمضى فيه ومثل الحائض ثبت في حقها أحكام الحيض قبل العشر فإذا جاوزت العشر لم تستصحب تلك الأحكام ولا يحكم بانقطاعها واستدل من تعلق باستصحاب الحال بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليته فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" ١ فقد قضى استدامة الحكم وهو استصحاب الحال ويدل عليه أنه لا خلاف أنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة أو تيقين الطهارة وشك في الحدث فإنه يأخذ باليقين ويطرح الشك فكذلك إذا عرض الشك لوقوع الاختلاف في الحادثة لم يجز أن يرفع ما تقدم من اليقين فيها واستدل أبو بكر الصيرفى وقال: إن ابتداء الحكم ثبت بقيام الدليل عليه وفى موضع الخلاف لا يحكم بانتفاء الحكم لعدم قيام الدليل على نفيه وبيان هذا أن المتيمم إذ دخل في الصلاة فقد حكم الإجماع بصحة صلاته فإذا رأى الماء في خلال صلاته اختلفنا في حكمه فقال بعض الناس: يخرج منها وقال بعضهم: يمضى فيها والخروج حكم والمضى حكم وكل واحد منهما يحتاج إلى دليل فإذا عدم الدليل على وجوب الخروج وعدم الدليل على المضى تقابل الأمران وتساويا ولا يجوز أن يحكم بأحدهما ووجب [إبقاء] ٢ الحال على ما كانت عليه وإذا ثبت أن الخروج لا يجب وأن الحال باقية على ما كانت عليه ثبت أن المضى في الصلاة وإتمامهاواجب وقال الصيرفى ولست أقول إن الإجماع مستصحب ودل على بقاء الصلاة ووجوب المضى فيها لأن الإجماع قد زال [عند] ٣ رؤية الماء فلا يستصحب حكمه لكني أقول: لا يجب الخروج أو لا يخرج لعدم الدليل عليه ووجب تبقية الحال على ما
стр. 552
كانت عليه فقالوا: ولأن ما ثبت بالعقل من براءة الذمم يجب استصحابه في مواضع الخلاف فكذلك ما ثبت بالإجماع وجب وأن يكون كذلك هذا لأن الحكم إذا ثبت بدليل من دلائل الشرع لا يجب استدامة الدليل لبقاء الحكم بل يبقى الحكم ويدوم إلى أن يقوم الدليل على قاطع يقطعه ومسقط يسقطة فإذا لم يقم الدليل على سقوطه بقى ثابتا على ما كان من قبل ومن ادعى سقوطه فعليه الدليل ألا ترى: أن من ادعى النبوة وأقام المعجز على ثبوته فإن تجدد إنكار منكر لنبوته لا يجب عليه إقامة المعجز ثانيا بل النبوة على ثباتها بالدليل الذي أقامه من قبل فيستمر الثبوت ولا يلتفت إلى قول المنكر ولا حجة على المنكر في هذه الصورة إلا من جهة استصحاب الحال وعلى هذا إذا عرفنا فراغ ذمة الإنسان يحكم أن الأصل فراغه فلو ادعى عليه إنسان حقا فإن القول قول المنكر لأن الأصل فراغ ذمته فصار استصحاب الأصل الذى عرفناه دليلا في دفع دعوى المدعى عنه وكذلك إذا ثبت الملك لإنسان فنازعه منازع يكون القول قول من في يده وإنما جعلنا القول قوله باستصحاب الحال التي تقدمت فدل أن استصحاب الحال حجة في الأحكام معمول بها وعلى هذا نقول من اشترى أخاه أو عمه لم يعتقه عليه لأن الأصل بقاء ملكه الثابت بالشراء فمن ادعى زواله فعليه الدليل.
فأما الدليل على أن استصحاب الحال ليس بحجة هو أن المستصحب ليس له في موضع الخلاف دليل لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع فلا يجوز له إثبات الحكم فيه. دليله: ما إذا لم يتقدم موضع الخلاف إجماع وإنما قلنا لا دليل له لأن دلائل الشرع معلومة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ولم يؤخذ شيء من هذا في هذه الصورة أما الكتاب والسنة فلا شك في انعدامها ها هنا وكذلك القياس وأما الإجماع فقد كان ثابتا لكنه قد زال وإذا انعدمت الدلائل فما قالوه إثبات حكم بلا دليل وقد نذكر صورة حتى يتبين الكلام فنقول: المستدل باستصحاب الحال في مسألة التيمم إذا رأى الماء في الصلاة لا يخلو إما أن يشترك بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما يدل على وجوب الوضوء فإن قال ذلك فليس هذا بدليل بل ينبغي أن يتبين للخصم اشتراك الموضعين فيما يدل على وجوب الوضوء وإما أن يشترك بينهما في الحكم لاشتراكهما في علته وهذا قياس وإما أن يشترك بينهما بغير دلالة ولا علة فليس هو بأن يجمع بينهما بأولى بأن لا يجمع بينهما وهذا لأن عدم الدليل لا يكون حجة فإن قالوا: إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام فحدوث الصلاة لا يغير حكم وجوب الوضوء قيل له: لا
стр. 553
يمتنع أن يختلف الشرع بحدوث الحوادث ولهذا يجوز أن يرد نص بإسقاط الوضوء عن الرائى للماء في الصلاة مع وجوبه على من رآه قبل الصلاة واستدل أبو زيد في هذه المسألة وقال: إن ثبوت الشئ أو عدم الشئ غير موجب ثبوته ولا عدمه يعنى في المستقبل ويجوز حال العدم ثبوت حالة موحدة ويجوز في حال ثبوت وجود علة معدمة ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء وكذلك لا يمنع وجود سائر الأسباب وهذا لأن العدم ليس بشئ فيستحيل أن يكون مانعا حدوث شئ وكذلك وجود الشئ ليس بعلة لبقائة بل يبقى لعدم ما يزيله كالملك في باب البيع والحل في باب النكاح وعلى هذا حياة الانسان لا يوجب بقائها ولا يمنع نزيان الموت قال: وإذا ثبت هذا فمن أراد إثبات إدامة الحالة الماضية في المستقبل ثبوته في الماضي وثبوته لا يوجب بقائة كان محتجا بلا دليل يدل عليه أن الثابت لا يزول إلا بدليل بالإجماع فإن كان الاختلاف في الزوال اختلافا في دليله فالذي يدعى الزوال يدعى دليلا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كما أن دعوى هذا لا يكون دليلا عليه فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره الدليل بلا دليل فإن قيل: الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح وثبوت النص حجة لا توجب البقاء أيضا فلا يمنع الانتساخ بنص آخر ومع ذلك بقى الحكم قلنا: أما بعد رسول الله ﷺ فلا يحتمل الحكم الانتساخ قطعا وإذا لم يتصور النسخ بعد رسول الله ﷺ فلا يجوز ثبوته دليل بقائه وإن تصور دعوى ناسخ له فلا يكون ثبوته من قبل بلا ناسخ دليلا عليه قالوا: ومستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاؤه انتهى كلام أبو زيد وقال بعض أصحابنا: إن الاحتجاج باستصحاب الحال يؤدى إلى التعارض والتكافؤ في الأدلة لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع موضع الخلاف في صحة فعل أو سقوط فرض إلا ولخصمه أن يستصحب حالة الإجماع في مقابلته وبيان ذلك أنه متى قال في التيمم إذا رأى الماء في صلاته إن صلاته لا تبطل لأنا أجمعنا على صحة صلاته وانعقاد إحرامه ولا يجوز إبطال ما أجمعوا عليه لا بدليل تعارض الخصم فنقول: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الإسلام فلا يجوز إسقاط ما أجمعوا عليه إلا بدليل فلا يكون التعلق بأحد الإجماعين بأولى من التعلق بالآخر وما أدى إلى مثل هذا يكون باطلا وأما الجواب عن الخبر قلنا نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة إلى حالة بدلالة وإنما نمنع لا بدلالة وقول النبي ﷺ دلالة
стр. 554
وأما مسألة الطهارة: فهناك يقين الدلالة أو يقين الحدث ما زال وها هنا الإجماع قد زال والأولى أن نقول إنه في موضع يقين الطهارة وشك الحدث إنما أخذنا باليقين لأجل الخبر وأما في موضع يقين الحدث والشك في الطهارة كان الأخذ باليقين قياسا على الصورة الأولى وأما الذي استدل به الصيرفى فليس بشئ لأن نهاية ما في الباب أنه يقابل الاحتمالان على ما ذكر لكن لا دليل على بقاء الصلاة فإن قالوا: إذا ثبت يبقى قلنا: قد ذكرنا أن ثبوته لا يكون دليل بقائه فبقى أنه يقول: انعدام الدليل المبطل للصلاة وعدم الدليل لا يكون دليلا فإن قالوا: إذا لم يقم دليل يوجب بطلان الصلاة فهنا قيل له من ادعى البقاء وهناك منازع يمنع البقاء فلابد له من دليل يقيمه عليه ولا دليل له على ما سبق فأما إذا عدم المنازع بقى على ما كان أما عند وجود المنازع لابد من دليل يكون حجة عليه ولم يوجد فإن رجعوا إلى قولهم أن الأصل ثبات الأحكام ودوامها قلنا بلى ولكن ما لم تحدث هذه الحادثة فإما عند حدوث الحوادث فلم قلت هذا وعلى أن قلنا: إن البقاء الذي وقع التنازع فيه لابد من دليل يقام عليه ولم يوجد فأما قولهم إن دليل العقل في براءة الذمم يجعل دليلا وحجة فكذلك دليل الشرع قلنا إنما وجب استصحاب براءة الذمم لأن دليل العقل في براءة الذمة قائم في موضع الخلاف فوجب الحكم به وأما ها هنا فالإجماع الذي كان دليلا على الحكم قد زال في موضع الخلاف فوجب طلب دليل آخر.
والجواب: المعتمد أنا لا نقول تثبت براءة ذمته باستصحاب الحال ولا يحكم بكون الشئ له باستصحاب الحال لكن يطلب من المدعى حجة يقيمها على ما ادعاه فإذا لم تقم بقى الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت شئ والخلاف واقع في ثبوت الحكم باستصحاب الحال وهذا لا نقوله في موضع ما وقد قال أبو زيد: إن استصحاب الحال يصلح دليلا. لتبقيه حكم قد كان ثابتا ولا يصلح دليلا لإثبات حكم لم يكن ثابتا وربما نقول: هو حجة دافعة ولا يكون حجة مثبته وهذه العلة تنقض ما سبق من كلامه من قبل والأصح على مذهبنا أن استصحاب الحال لا يكون حجة في شئ ما وسائر ما ذكروه من الاستشهاد خارج على ما بيناه وأما الذي تعلقوا به من النبى إذا أقام المعجزة قلنا إذا ما أقام المعجزة ثبت كونه نبيا فيجب على كل أحد الإيمان به فكان سقوط إمكان من ينكر ثبوته من هذا الوجه لا من قبل دليل استصحاب الحال والله أعلم.
стр. 555
مسألة: النافي للحكم يجب عليه الدليل المثبت:
وقال أصحاب الظاهر: لا دليل عليه١ واستدل من قال: أنه لا دليل عليه بقوله ﷺ : "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" ٢ والبينة حجة وقد جعلها على مدعى الثبوت لا على مدعى النفى فثبت أن النافي لا دليل عليه.
ببينة: أن أهل العلم اتفقوا على قولهم: إن القول في الدعاوي قول المدعى عليه ومعنى قولهم إن القول قوله أنه لا دليل عليه ومعنى قولهم أنه لا يقبل دعوى المدعى أن الدليل عليه وكذلك أجمعوا أن من أنكر النبوة لا دليل عليه وإنما الدليل على من ادعى النبوة.
ببينة: أن أقوى الخصومات في البينات والنبي ﷺ : كان مثبتا والقوم كانوا نفاة وما كان لهم حجة سوى أنه لا دليل على النبوة وإذا كان الأمر على ما قلنا في النبوة وسائر الدعاوي كذلك ها هنا يجب أن تكون الحجة على من أثبت الحكم لا على من نفاه قالوا: ولأن معنى قولنا لا دليل على النافى هو أنه لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشئ والدليل يحتاج إليه لشئ هو مدلول عليه فإذا لم يكن العدم شيئا لم يحتج المتمسك به إلى دليل حتى يدل عليه وأما دليلنا هو أن النفى لكون الشئ حلالا وحراما حكم من أحكام الدين كالإثبات والأحكام لا تثبت إلا
стр. 556
بأدلتها وكل من ادعى في شئ من الأشياء حكما من إثبات أو نفي فعليه إقامة الدليل عليه بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ثم الدليل على ما قلناه من جهة التحقيق هو أن النافى فيما نفاه لا يخلو من أحد الأمرين إما أن يدعى العلم بنفى ما نفاه أو لا يدعى العلم بانتفائه بل إنما يخبر عن جهله وشكه فإن كان يخبر عن جهله وشكه١ فالدليل عنه ساقط لأن أهل النظر قاطبة لا يوجبون على من يدعى الشك والجهل دليلا ولا يقال لمن جهل أو شك: لما جهلت أو شككت ولو رام المدعى لذلك إقامة دليل عليه لم يمكنه ذلك إن كان النافى يدعى العلم بصحة ما نفاه فقال: من أين علمت نفى ما نفيته باضطرار أو باستدلال؛ ولا يمكنه دعوى الضرورة لأنه لو كان ضرورة لشاركناه في ذلك وإن قال: بدليل علمت نفى ما نفيته سئل عن ذلك هل هو حجة عقل أو سمع؟ فإن قال: سمع قلنا له: بين ذلك فإن قال: بعقل قلنا له: بين ذلك فدل أنه لابد من دليل يقيمه واعلم أنه لا خلاص لهم من هذه المطالبة إلا بدعوى علم الضرورة وهذا باطل أو بدعوى جهله بانتفاء ما نفاه فتزول عنه المطالبة أيضا لأنه لا مطالبة على الجهلة فأما تمنى زوال الحجة مع دعوى وجود العلم بانتفاء المنتفى غير متصور قال أبو زيد: قول القائل لا دليل لا يكون دليلا كما أن قوله لا حجة ولا يكون حجة مثل قول الإنسان لا زيد ولا عمرو ولا يكون زيد ولا عمرو فصار المتمسك بالنفى متمسكا بعدم الدليل وعدم الدليل لا يكون دليلا يدل عليه إن دعوى خصه أنه وجد الدليل يعارض قوله إنه عدم الدليل فلا يكون قوله حجة على خصمه كما لا يكون قول خصمه حجة عليه قالوا إن النافى متمسك بالعدم والعدم غير محتاج إلى الدليل فإن الشئ الذي هو مدلول يحتاج له إلى الدليل فأما العدم فليس بشئ فلا يحتاج إلى الدليل وهذا السؤال يفسد بما قلناه من قبل وهو أن النافى يدعى العلم بانتفاء الشئ ودعوى العلم بانتفاء الشئ لا يجوز إلا أن يكون عن دليل نعم دعوى الجهل لا يحتاج إلى الدليل فأما دعوى العلم فلا يستغنى عن الدليل بحال وأما دليلهم قلنا: إن لا دل فهو خارج على ما قلنا لأنا لا نقول إن المدعى عليه إذا ادعى أنه لا شئ عليه أنه ينتفى عنه الحق بإنكاره ونفيه. بل نقول: لا دليل على ثبوت الحق عليه فلا يحكم بالثبوت ومعنى قولنا: إن القول قوله هو أنه لا يقبل دعوى المدعى
стр. 557
عليه ويترك الأمر على ما كان عليه من قبل ثم يمينه تكون حجة لقطع الخصومة وعلى أنه يمكن أن يقال: إن حجته في إنكاره ونفيه الوجوب عن نفسه يمينه فإن سقطت البينة عنه لم يسقط عنه اليمين التي تقوم مقامها في هذا الجانب فالله تعالى جعل اليمين حجة في جانب المدعى عليه كما أن البينة حجة في جانب المدعي وفى دعوى الأعيان يجوز أن يقال: إن اليد للمدعى عليه حجة فيما يدعيه من كون الشئ ملكا له والحجة مختلفة فيجوز أن تكون اليد حجة ويجوز أن تكون البينة حجة وأحسن الأجوبة هو الجواب الأول وأما تعلقهم بمنكر النبوة قلنا: من ينكر النبوة إذا قطع بالنفى وقال: لست بنبى فإنه يجب عليه إقامة الدليل على نفيه وهو أنه يقول لو كنت نبيا مبعوثا لكان معك دليل يدل على صدقك لأن الله لا يبعث رسولا إلا ومعه دليل يدل على صدقه ومهما لم أر معك دليلا دلنى ذلك أنك لست بنبى وإن لم يقطع بالنفى وقال: لا أعلم أنك نبى أو لست بنبى فهذا لا دليل عليه لأنه شاك والشاك لا دليل عليه وأما في مسألتنا فصورة الخلاف في موضع يقطع بالنفى ولا يجوز أن يقطع بالنفى إلا عن دليل يقتضيه ويوجبه فإن قيل: أليس لو نفى صلاة سادسة لا يكون عليه دليل. قلنا: لابد في نفيها من دليل يقيمه عليه وهو أن يقول إن الله تعالى لا يقيد خلقه بفرض إلا وأن يجعل إلى معرفته طريقا من جهة الدليل ولما لم نجد ما يدلنا على الوجوب دلنا ذلك على أنه لا واجب وقد قال: بعض أصحابنا يقال: لمن زعم أنه ليس على النافى دليل قلت هذا بدليل أو بغير دليل فإن قال قلته بدليل فقد اعترف للنافى عليه دليل وإن قال: قلته بلا دليل يقال: له مم يتفضل عمن يقول أنا أنفى صحة ما تعتقده من هذا القول وأتمسك بأن النافى لا دليل عليه وهذا فصل يعتمد في إظهار المناقضة عليهم في قولهم وسئل أبو زيد سؤالا وأجاب عنه وهو فإن قيل: أليس أن ما يثبت بالدليل وهو مما ينفى بلا دليل فقد أثبتم البقاء في هذه الصورة بلا دليل؟ والجواب: أنه يبقى على ما قلته لكن بقاء يحتمل الارتفاع والمحتمل لا يكون حجة في إثبات ما ليس ثابت والحكم في حق الخصم غير ثابت فاحتيج إلى إثباته فما يكون محمتلا لا يكون حجة في حقه ثم قال: على هذا مسائل منها الصلح على الإنكار فإنه جائز عندنا غير جائز عند الشافعي رحمة الله عليه لأن الله تعالى خلق الذمم بريئة عن الحقوق فثبت براءة ذمة المنكر بالدليل الأصلي في براءة الذمم ولم يقم دليل على شغل ذمته قال: وعدم الدليل حجة في
стр. 558
إبقاء ما يثبت بالدليل عند الشافعى رحمة الله عليه فلم يجز شغل ذمته بالدين فلم يصح الصلح. قال: وعندنا الصلح على الإنكار جائز ونقول: قول المنكر ليس بحجة على المدعي كقوله المدعي ليس بحجة على المنكر وعدم الدليل على شغل الذمة لا يكون حجة للمنكر على المدعى كقول المدعي: إن المال ثابت لم يكن حجة على المنكر وربما عبر عن هذا فقال: عدم الدليل ليس بحجة لإبقاء ما ثبت بالدليل فيجوز شغل ذمته بالدين على معنى أن المال يكون ثابتا في حق المدعي في ذمة المنكر وأما البراءة تكون ثابته في حق المنكر خاصة وهذا لأن خبر كل واحد منهما يكون حجة في حق نفسه دون خصمه ولما كان المال في حقه ثابتا يكون خبره حجة شرعا مع اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر لأن تلك المعارضة ليس بحجة في حق المدعي فيبقى الأمر على ما كان قبل المعارضة وهذا كما صح شراء من شهد بالعتق ثم اشترى وإن كان العتق ثابتا في حقه وهذا يؤاخذ به بعد الملك لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيع البائع واعتياضه عن عبد كان ملكا له بخبر هو حجة في حقه لا غير وإن عارضه لخبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه وهذا لأنه لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل فذلك الدليل الذي أوجب ثبوته لا يوجب بقاؤه بل البقاء لاستغنائه عن الدليل غير أنه لما لم يكن واجب البقاء وكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتى طرفان ما يزيله فيصير قول القائل وقد طرأ ما يزيله محتملا للصدق كقوله لم يقم الدليل فلا يصير حجة على جاحد منهما قال: ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقاء ما ثبت بدليله اعتمد معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه وإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم بالأدلة ويجوز أن يعلم خصمه دليلا ثم يبلغه ومن ادعى أنه علم كل شئ لا يناظره ويكون متعنتا جاهلا وهذا كما كان يجوز في زمن النبى ﷺ أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقواما دون أقوام فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورا في العلم بالمنسوخ ولا يكون جهله بالناسخ حجة على من بلغه الناسخ فكذلك الحجج اليوم يجوز أن يبلغه حجة منها شخصا دون شخص فلا يكون قوله دليل حجة على خصمه قال: ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعد التحريم في إثبات الحل في قوله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] لأن الله تعالى هو المحرم ولا يخفى عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود فثبت العدم على التابعين أجمع بقول الله تعالى
стр. 559
فيلزمهم البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله أعنى الحل هذا كلام أبى زيد ذكره في أصوله الذي سماه: "تقويم الأدلة" وهذا الذي قاله تكلف شديد وبنى على هذا الأصل مسائل أخر وطول الكلام تطويلا كثيرا ولم أر كثير فائدة فيه وفى ذكره ونحن نقول: إن عدم الدليل ليس بحجة في موضع ما والذي ادعاه حكى الشافعى ﵀ عليه من مذهبه فيما قاله لا ندرى كيف وقع له ذلك والمنقول عن الأصحاب ما قدمناه.
وأما مسألة الصلح على الإنكار: فقد بينا وجه فساده في مسائل الخلافيات وكم من أصول ذكروا لنا بنوا عليها مسائل من الخلاف ولا نعلم صحة تلك الأصول على مذهب الشافعى رحمة الله عليه وذكر أيضا مسألة الشفعة على هذا الأصل أو كان جارا على أصلهم فأنكر المشترى أن يكون الشقص ملكا له قال: عند الشافعى رحمة الله عليه لا يلتفت إلى إنكاره ويثبت له حق الأخذ بالشفعة بظاهر ملكه قال: وعندنا ليس له حق الشفعة حتى يقيم البينة أن الشقص ملكه والله أعلم.
"فصل"
وقد ذكر بعض أصحابنا في الحكم بأقل ما قيل وذلك أن يختلف المختلفون في مقدر بالاجتهاد على أقاويل فيؤخذ بأقلها عند إعواز الدليل وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة فإن كان الاختلاف في وجوب الحق وسقوطه كان سقوطه أولى من وجوبه لموافقته براءة الذمة الإ أن يقوم دليل على ثبوت الوجوب فيحكم بوجوبه بدليل وإن كان الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية الذمى إذا وجبت على قاتله فقد اختلفت الفقهاء في قدرها فقال بعضهم هى كدية المسلم. وقال بعضهم: نصف دية المسلم وقال بعضهم: ثلث دية المسلم وهذا مذهب الشافعي رحمة الله عليه وهل يكون الأخذ بالأقل دليلا حتى ينقل عنه اختلف فيه أصحاب الشافعى رحمة الله على وجهين أحدهما يكون دليلا والآخر لا يكون دليلا.
والضرب الثاني: أن يكون فيما هو ثابت في الذمة كالجمعة الفائت فرضها اختلف العلماء في عدد انعقادها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها فلا تبرأ الذمة بالشك.
стр. 560
وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا؟!! على وجهين:
أحدهما: يكون دليلا ولا ينقل عنه إلا بدليل لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعا وبالأقل خلافا وجعلها الشافعى رحمة الله عليه منعقدة بالأربعين لأن هذا العدد أكثر ما قيل.
والوجه الثاني: لا يكون الأخذ بالأكثر دليلا لأنه لا ينعقد من الاختلاف دليل والشافعى رحمة الله عليه إنما اعتبر عدد الأربعين بدليل آخر١ ولست أرى في هذه الكلمات كثير معنى لكنى نقلت على ما ذكر والله ﵎ أعلم.
стр. 561
مسألة: فهذه مسألة الحظر والإباحة:
أوردنا في هذا الموضع لما بينا من شذوذها عن الأبواب المتقدمة وعدم دخولها في باب القياس ومعرفة هذه المسألة أصل كبير في مسائل كثيرة ولابد من تقديم مقدمة ينبنى عليها ما يتلوها وهى أن الحظر والإباحة والحسن والقبيح. ثم يعرف فاعلم أن الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعى رحمة الله عليه أن التكليف يختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شئ ولا بتقبيحه ولا حظره ولا إباحته ولا يعرف حسن الشئ وقبحه ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء فيدرك به ما حسن وقبح وأبيح وحرم بعد أن يثبت ذلك بالسمع وقد ذهب إلى هذا المذهب من المتكلمين جماعة كثيرة وهم الذين امتازوا عن متكلمى المعتزلة وذهب إلى هذا أيضا جماعة من أصحاب أبى حنيفه وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن العقل مدخلا في التكليف وأن الحسن والقبح ضربان ضرب علم بالعقل وضرب علم بالسمع وأما المعلوم حسنه بالعقل فهو العدل والصدق وشكر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم قبحه بالعقل فنحو الظلم والكذب وكفر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم حسنه بالشرع فنحو الصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه ذلك وأما المعلوم قبحه بالشرع فنحو الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك قالوا وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته وزعموا أن الاستدلال على معرفة الصانع واجب بمجرد
стр. 562
العقل قبل ورود الشرع ودعا الشرع إليه وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم والذي ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشى والصيرفى وأبو بكر الفارسي والقاضى أبو حامد وغيرهم وذهب
الحليمى أيضا من المتأخرين وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبي حنيفة١ خصوصا العراقيون منهم واستدلوا في ذلك. وقالوا: إن الله تعالى وبخ الكفار على تركهم الاستدلال بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه في أنفسهم وغيرهم من الخليقة وأصنافها من الآيات والعلامات فقال: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] وقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] وقال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي عقل وقال تعالى حاكيا عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] والآيات على هذا المعنى تكثر في القرآن فلو كان العقل لا يدلهم على وجوب ذلك إذا رجعوا إليه لم يوبخوا على ترك الاستدلال بها.
ببينة: أن الله تعالى لم يخل شيئا من العالم عن دلالة على وحدانيته ولم يترك خلقه سدى مع إكمال عقولهم وإزاحة العلل عنهم وتمهيد الأسباب التي يصح بها معارفهم فلو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر في هذه الأشياء لخرج الأمر في ذلك عن وجه الحكمة ولبطلت فائدة العقول التي أعطاهم وصاروا بمنزلة البهائم التي لا تحتاج إلى تكليف وحين لم تعط آلته ولم يجعل لها استطاعة وهم في هذا الكلام كثيرا ثبوتا إلى طرف من ذلك واقتصرنا عليه لأن المسألة من باب الكلام أما الدليل على القول الأول وهو الصحيح وإياه نختار ونزعم أنه شعار أهل السنة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ولم يقل حتى نركب فيهم عقولا فلما كان العذاب غير واقع إلا بالخطاب دل أن الإيجاب غير واقع إلا به وقال تعالى حكاية عن الملائكة في خطابهم مع أهل النار: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] في آى غير هذا مما هو في معناه فدل أن الحاجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل وقد ورد نص القرآن بهذا وهو قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فدل أنه لا حجة
стр. 563
بمجرد العقل بحال. وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ونحن نعلم قطعا أن الكفار كانت لهم عقول ولهذا توجه التكليف عليهم فلو كانت الحجة توجهت عليهم بعقولهم لم يكن لهذه الآيات معنى أصلا فإن قالوا: ورد الشرع بما ورد به مؤيدا لما في العقل وذلك لأن العقل لايدل على من آمن وجبت له الجنة خالدا مخلدا أبدا ولا يدل أن من كفر وجبت له النار خالدا مخلدا فإن هذا مما لا يهتدى إليه العقل وإذا كان الوعد والوعيد على هذا الوجه ثبت بالسمع فلهذا في هذه الآيات التي ذكرتم أضاف ما أضاف إلى السمع وإلى ما أراد به الرسل.
والجواب: أنه ليس فيما قلت انفصال عمن ذكرناه لأن الله تعالى بين أن الحجة لا تتوجه إلا بالرسل وبين أن التوبيخ لحقهم في النار لبعث الرسل وبين أن عذرهم انقطع بالرسل وهذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وعندهم أن الحجة متوجهة في الإيمان بالله بمجرد العقل والتوبيخ لاحق إياهم بغير رسول والعذر منقطع بغير نذير ولا بشير وأما الآيات اللاتى ذكروها فنحن نقول: إن العقل آلة التمييز وبه تدرك الأشياء ويتوصل إلى الحجج وإنما الكلام في أنه بداية هل يستقل بإيجاب حله وتحريمه وأما قولهم: إنه لا يجوز في الحكمة خلق الإنسان تكميل عقله وتركه سدى وعندنا أن عدم جواز هذا لا يعرف بالعقل أيضا ثم نقول ومن يوافقكم أن الإنسان إذا خلقه الله تعالى وركب فيه العقل فإذا لم يلزمه الاستدلال به تركناه سدى وعطلنا فائدة العقل فإن الله تعالى إنما أعطاه العقل ليستدل به في الأمر والنهى إذا خوطب يميز به بين الحسن والقبيح إذا ورد بالسمع بهما فإذا كان كذلك فلم يخلق سدى لأن السمع قد ورد بالتكليف وإدراك ذلك بالعقل فقد وصلت فائدته وثمرته فبطل ما قالوه فإن قيل لو كان الاستدلال على التوحيد لا يجب بمجرد العقل لكان يجوز ورود الشرع بإسقاطه وإباحة الكفر وإيجابه وحين لم يجز هذا عرفنا أن الوجوب كان بالعقل قيل له: قد وردالشرع بإباحة الفاظ عند الضرر إذا قالها الإنسان باختيار منه يكون كفرا ألا ترى أنه إذا كان مكرها فإنه يرخص له في أنه يقولها إذا كان لا يعتقدها بقلبه ولا يكون قوله ذلك كفرا. وكذلك يرد مثل هذا في الأفعال وذلك مثل السجود للصنم وعباده الشمس والقمر وغير ذلك فإنه إذا فعل هذه الأشياء تقية من عقوبة الكفار وكان مع ذلك مطمئن بالإيمان لم يكفر فإن قيل: إنما يلزمكم
стр. 564
ورود الشرع بأن يعتقد فيه الإنسان ما هو من خلاف أوصافه قلنا لا يجوز لاستحالته في نفسه وبيان ذلك أن الأمر لا يلزم إلا بمعرفة الأمر على أوصافه فإذا أمرنا لاعتقاد فيه على خلاف ما هو به كان قد وجب الاعتقاد فيه على ما هو به ويستحيل وجود أمر بمأمور هذا وصفه ويكون متناقضا ولا يمكن اعتقاد المتناقض ونحن وإن قلنا: إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرمه ولكن نقول إنه آلة الدرك والتمييز والمستحيل لا يدرك فسقط عنه الدرك والأولى أن نقول: إنما عرفنا أن الله لا يكلفنا بما قلتم من اعتقاد الكفر ومعرفته على خلاف ما هو به الشرع قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وأفحش الفواحش الكفر وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] . وهذه مسألة كلامية فالأولى هو الاقتصار على هذا القدر والمبالغة في مثل هذا النوع لا يؤمن فيه من المعفوات وأن يقال على الله تعالى ما لا يجوز وإنما ذكرنا القدر الذي ذكرناه لأنه كان من مسألة عظيمة في أصول الفقه ولأن مرجع ما يصير أليه أهل السنة في هذه المسألة إلى الآيات التي ذكرناها. وهو أيضا أصل كبير ولعله يحتاج إليه في مسائل من الفقه فذكرنا هذا القدر لئلا يكون الفقيه أجنبيا عنه ويعرف طرفا منه والله تعالى يهدى ويرشد ويوفق بمنه.
مسألة: إذا عرفنا الأصل الذي قد بيانه رجعنا إلى المسألة المقصودة المختصة بأصول الفقه فنقول: اختلف العلماء في الأعيان المنتفع بها ما حكمها قبل ورود الشرع قال كثير من أصحابنا: إنها على الوقف لا نقول إنها مباحة ولا محظورة وهو قول الصيرفى وأبو بكر الفارسي وأبى على الطبرى وبه قال أبو الحسن الأشعرى ومن ينتمى إليه من المتكلمين وقال بعض أصحابنا إنه على الحظر إلا أن يرد الشرع بإباحتها وهو قول بعض البغداديين من المعتزلة وقال القاضى أبو حامد المروزى وأبو إسحاق المروزى وحكى ذلك أيضا عن ابن سريج أنها على الإباحة أيضا وهو قول أصحاب أبى حنيفه وإليه ذهب أكثر المعتزلة١. واحتج من ذهب إلى الإباحة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وهذا لتحريم الإباحة دل
стр. 565
أن الله تعالى خلق الأشياء على الإباحة حيث أنكر على من يعتقد التحريم واستدلوا من حيث المعقول وهو أن الانتفاع بالعين أكلا في المأكول وشربا في المشروب وركوبا في المركوب ولبسا في الملبوس منفعة ليس فيها وجه من وجوه القبح فكان حسنا والعقل يجوز فعل المستحسنات وإنما قلنا: إنه منفعة لأنا نعلم قطعا أن أكل الفاكهة منفعة وشرب الماء كذلك وكذلك كل ما أشبهه وأما قولنا: إنه انتفى عند وجوه القبح لأنه انتفى عنه اتصال مضرة يأخذ وهذا النوع من الفعل لو كان قبيحا لكان وجه قبحه اتصال ضرر منه بغيره لأنه ليس في نفسه بكذب ولا جهل ولا كفر لمنعم إنما يبقى وجه قبحه أن يظلم به غيره ويتصل منه ضرر بذلك الغير ولا شك أن هذا منتف فثبت حسنه من هذا الوجه قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يجوز أن يكون قبيحا فإذا لم نأمن كونه قبيحا لم يجز فعله وذلك لو كان قبيحا ومفسدة لوجب في الحكمة تعريفنا كونه مفسدة أو نصب أمارة عليه فلما لم يوجد ذلك علمنا أنه ليس فيه مفسدة ولا قبح أصلا.
ببينة: أنا إذا لم نعلم وجه قبح جاز لنا هذا الانتفاع كالتنفس في الهواء لما لم يعلم قبحه جاز لنا ذلك وقرروا هذا الكلام من وجه آخر وهو أن النفع بالعين يدعو إلى الفعل فإذا خلا من وجوه القبح وخلا من أمارة الضرر والمفسدة حكم بحسنه وعلى هذا التقرير يقولون: إن المعتبر هو الأمارة والدليل وعلى أن المعتبر هو أمارة الضرر والمفسدة أن العقلاء لا يلومون من امتنع من الفعل لتجويز الضرر إذا كان هناك أمارة ويلومون من امتنع لمجرد التجويز إذا لم يكن عليه أمارة الا ترى أنهم يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لتجويز كونه مفسدة إذا لم يكن عليه أمارة بأن يقول هو مسموم ولا يلومونه إذا امتنع من أكله إذا كانت هناك أمارة تدل على ما قاله وكذلك يلومون من امتنع من القيام بجنب حائظ لخوف سقوطه إذا لم يكن هناك أمارة ولا يلومون إذا امتنع وهناك أمارة من ميل أو فساد أساس وما أشبه ذلك فثبت أن المعتبر وجود الأمارة على كونه مفسدة أو مضرة ولم يوجد ها هنا فقضى بحسن الفعل بدليل ما بينا يدل عليه أنه لو قبح الإقدام على المنفعة لجواز كونها مفسدة لقبح الإحجام عنه أيضا لجواز كونه مصلحة وفى هذا إيجاب الانفكاك منهما وهو إيجاب لما ليس في طوق الإنسان ووسعة قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن القبح إنما كان لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن فلم قلتم: إن هذا قبيح فإن قاسوه على تصرف بعضنا في ملك بعض فهذا