مسألة: فهذه مسألة الحظر والإباحة:
أوردنا في هذا الموضع لما بينا من شذوذها عن الأبواب المتقدمة وعدم دخولها في باب القياس ومعرفة هذه المسألة أصل كبير في مسائل كثيرة ولابد من تقديم مقدمة ينبنى عليها ما يتلوها وهى أن الحظر والإباحة والحسن والقبيح. ثم يعرف فاعلم أن الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعى رحمة الله عليه أن التكليف يختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شئ ولا بتقبيحه ولا حظره ولا إباحته ولا يعرف حسن الشئ وقبحه ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء فيدرك به ما حسن وقبح وأبيح وحرم بعد أن يثبت ذلك بالسمع وقد ذهب إلى هذا المذهب من المتكلمين جماعة كثيرة وهم الذين امتازوا عن متكلمى المعتزلة وذهب إلى هذا أيضا جماعة من أصحاب أبى حنيفه وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن العقل مدخلا في التكليف وأن الحسن والقبح ضربان ضرب علم بالعقل وضرب علم بالسمع وأما المعلوم حسنه بالعقل فهو العدل والصدق وشكر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم قبحه بالعقل فنحو الظلم والكذب وكفر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم حسنه بالشرع فنحو الصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه ذلك وأما المعلوم قبحه بالشرع فنحو الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك قالوا وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته وزعموا أن الاستدلال على معرفة الصانع واجب بمجرد
стр. 562
العقل قبل ورود الشرع ودعا الشرع إليه وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم والذي ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشى والصيرفى وأبو بكر الفارسي والقاضى أبو حامد وغيرهم وذهب
الحليمى أيضا من المتأخرين وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبي حنيفة١ خصوصا العراقيون منهم واستدلوا في ذلك. وقالوا: إن الله تعالى وبخ الكفار على تركهم الاستدلال بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه في أنفسهم وغيرهم من الخليقة وأصنافها من الآيات والعلامات فقال: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] وقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] وقال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي عقل وقال تعالى حاكيا عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] والآيات على هذا المعنى تكثر في القرآن فلو كان العقل لا يدلهم على وجوب ذلك إذا رجعوا إليه لم يوبخوا على ترك الاستدلال بها.
ببينة: أن الله تعالى لم يخل شيئا من العالم عن دلالة على وحدانيته ولم يترك خلقه سدى مع إكمال عقولهم وإزاحة العلل عنهم وتمهيد الأسباب التي يصح بها معارفهم فلو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر في هذه الأشياء لخرج الأمر في ذلك عن وجه الحكمة ولبطلت فائدة العقول التي أعطاهم وصاروا بمنزلة البهائم التي لا تحتاج إلى تكليف وحين لم تعط آلته ولم يجعل لها استطاعة وهم في هذا الكلام كثيرا ثبوتا إلى طرف من ذلك واقتصرنا عليه لأن المسألة من باب الكلام أما الدليل على القول الأول وهو الصحيح وإياه نختار ونزعم أنه شعار أهل السنة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ولم يقل حتى نركب فيهم عقولا فلما كان العذاب غير واقع إلا بالخطاب دل أن الإيجاب غير واقع إلا به وقال تعالى حكاية عن الملائكة في خطابهم مع أهل النار: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] في آى غير هذا مما هو في معناه فدل أن الحاجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل وقد ورد نص القرآن بهذا وهو قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فدل أنه لا حجة
стр. 563
بمجرد العقل بحال. وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ونحن نعلم قطعا أن الكفار كانت لهم عقول ولهذا توجه التكليف عليهم فلو كانت الحجة توجهت عليهم بعقولهم لم يكن لهذه الآيات معنى أصلا فإن قالوا: ورد الشرع بما ورد به مؤيدا لما في العقل وذلك لأن العقل لايدل على من آمن وجبت له الجنة خالدا مخلدا أبدا ولا يدل أن من كفر وجبت له النار خالدا مخلدا فإن هذا مما لا يهتدى إليه العقل وإذا كان الوعد والوعيد على هذا الوجه ثبت بالسمع فلهذا في هذه الآيات التي ذكرتم أضاف ما أضاف إلى السمع وإلى ما أراد به الرسل.
والجواب: أنه ليس فيما قلت انفصال عمن ذكرناه لأن الله تعالى بين أن الحجة لا تتوجه إلا بالرسل وبين أن التوبيخ لحقهم في النار لبعث الرسل وبين أن عذرهم انقطع بالرسل وهذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وعندهم أن الحجة متوجهة في الإيمان بالله بمجرد العقل والتوبيخ لاحق إياهم بغير رسول والعذر منقطع بغير نذير ولا بشير وأما الآيات اللاتى ذكروها فنحن نقول: إن العقل آلة التمييز وبه تدرك الأشياء ويتوصل إلى الحجج وإنما الكلام في أنه بداية هل يستقل بإيجاب حله وتحريمه وأما قولهم: إنه لا يجوز في الحكمة خلق الإنسان تكميل عقله وتركه سدى وعندنا أن عدم جواز هذا لا يعرف بالعقل أيضا ثم نقول ومن يوافقكم أن الإنسان إذا خلقه الله تعالى وركب فيه العقل فإذا لم يلزمه الاستدلال به تركناه سدى وعطلنا فائدة العقل فإن الله تعالى إنما أعطاه العقل ليستدل به في الأمر والنهى إذا خوطب يميز به بين الحسن والقبيح إذا ورد بالسمع بهما فإذا كان كذلك فلم يخلق سدى لأن السمع قد ورد بالتكليف وإدراك ذلك بالعقل فقد وصلت فائدته وثمرته فبطل ما قالوه فإن قيل لو كان الاستدلال على التوحيد لا يجب بمجرد العقل لكان يجوز ورود الشرع بإسقاطه وإباحة الكفر وإيجابه وحين لم يجز هذا عرفنا أن الوجوب كان بالعقل قيل له: قد وردالشرع بإباحة الفاظ عند الضرر إذا قالها الإنسان باختيار منه يكون كفرا ألا ترى أنه إذا كان مكرها فإنه يرخص له في أنه يقولها إذا كان لا يعتقدها بقلبه ولا يكون قوله ذلك كفرا. وكذلك يرد مثل هذا في الأفعال وذلك مثل السجود للصنم وعباده الشمس والقمر وغير ذلك فإنه إذا فعل هذه الأشياء تقية من عقوبة الكفار وكان مع ذلك مطمئن بالإيمان لم يكفر فإن قيل: إنما يلزمكم
стр. 564
ورود الشرع بأن يعتقد فيه الإنسان ما هو من خلاف أوصافه قلنا لا يجوز لاستحالته في نفسه وبيان ذلك أن الأمر لا يلزم إلا بمعرفة الأمر على أوصافه فإذا أمرنا لاعتقاد فيه على خلاف ما هو به كان قد وجب الاعتقاد فيه على ما هو به ويستحيل وجود أمر بمأمور هذا وصفه ويكون متناقضا ولا يمكن اعتقاد المتناقض ونحن وإن قلنا: إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرمه ولكن نقول إنه آلة الدرك والتمييز والمستحيل لا يدرك فسقط عنه الدرك والأولى أن نقول: إنما عرفنا أن الله لا يكلفنا بما قلتم من اعتقاد الكفر ومعرفته على خلاف ما هو به الشرع قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وأفحش الفواحش الكفر وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] . وهذه مسألة كلامية فالأولى هو الاقتصار على هذا القدر والمبالغة في مثل هذا النوع لا يؤمن فيه من المعفوات وأن يقال على الله تعالى ما لا يجوز وإنما ذكرنا القدر الذي ذكرناه لأنه كان من مسألة عظيمة في أصول الفقه ولأن مرجع ما يصير أليه أهل السنة في هذه المسألة إلى الآيات التي ذكرناها. وهو أيضا أصل كبير ولعله يحتاج إليه في مسائل من الفقه فذكرنا هذا القدر لئلا يكون الفقيه أجنبيا عنه ويعرف طرفا منه والله تعالى يهدى ويرشد ويوفق بمنه.
مسألة: إذا عرفنا الأصل الذي قد بيانه رجعنا إلى المسألة المقصودة المختصة بأصول الفقه فنقول: اختلف العلماء في الأعيان المنتفع بها ما حكمها قبل ورود الشرع قال كثير من أصحابنا: إنها على الوقف لا نقول إنها مباحة ولا محظورة وهو قول الصيرفى وأبو بكر الفارسي وأبى على الطبرى وبه قال أبو الحسن الأشعرى ومن ينتمى إليه من المتكلمين وقال بعض أصحابنا إنه على الحظر إلا أن يرد الشرع بإباحتها وهو قول بعض البغداديين من المعتزلة وقال القاضى أبو حامد المروزى وأبو إسحاق المروزى وحكى ذلك أيضا عن ابن سريج أنها على الإباحة أيضا وهو قول أصحاب أبى حنيفه وإليه ذهب أكثر المعتزلة١. واحتج من ذهب إلى الإباحة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وهذا لتحريم الإباحة دل
стр. 565
أن الله تعالى خلق الأشياء على الإباحة حيث أنكر على من يعتقد التحريم واستدلوا من حيث المعقول وهو أن الانتفاع بالعين أكلا في المأكول وشربا في المشروب وركوبا في المركوب ولبسا في الملبوس منفعة ليس فيها وجه من وجوه القبح فكان حسنا والعقل يجوز فعل المستحسنات وإنما قلنا: إنه منفعة لأنا نعلم قطعا أن أكل الفاكهة منفعة وشرب الماء كذلك وكذلك كل ما أشبهه وأما قولنا: إنه انتفى عند وجوه القبح لأنه انتفى عنه اتصال مضرة يأخذ وهذا النوع من الفعل لو كان قبيحا لكان وجه قبحه اتصال ضرر منه بغيره لأنه ليس في نفسه بكذب ولا جهل ولا كفر لمنعم إنما يبقى وجه قبحه أن يظلم به غيره ويتصل منه ضرر بذلك الغير ولا شك أن هذا منتف فثبت حسنه من هذا الوجه قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يجوز أن يكون قبيحا فإذا لم نأمن كونه قبيحا لم يجز فعله وذلك لو كان قبيحا ومفسدة لوجب في الحكمة تعريفنا كونه مفسدة أو نصب أمارة عليه فلما لم يوجد ذلك علمنا أنه ليس فيه مفسدة ولا قبح أصلا.
ببينة: أنا إذا لم نعلم وجه قبح جاز لنا هذا الانتفاع كالتنفس في الهواء لما لم يعلم قبحه جاز لنا ذلك وقرروا هذا الكلام من وجه آخر وهو أن النفع بالعين يدعو إلى الفعل فإذا خلا من وجوه القبح وخلا من أمارة الضرر والمفسدة حكم بحسنه وعلى هذا التقرير يقولون: إن المعتبر هو الأمارة والدليل وعلى أن المعتبر هو أمارة الضرر والمفسدة أن العقلاء لا يلومون من امتنع من الفعل لتجويز الضرر إذا كان هناك أمارة ويلومون من امتنع لمجرد التجويز إذا لم يكن عليه أمارة الا ترى أنهم يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لتجويز كونه مفسدة إذا لم يكن عليه أمارة بأن يقول هو مسموم ولا يلومونه إذا امتنع من أكله إذا كانت هناك أمارة تدل على ما قاله وكذلك يلومون من امتنع من القيام بجنب حائظ لخوف سقوطه إذا لم يكن هناك أمارة ولا يلومون إذا امتنع وهناك أمارة من ميل أو فساد أساس وما أشبه ذلك فثبت أن المعتبر وجود الأمارة على كونه مفسدة أو مضرة ولم يوجد ها هنا فقضى بحسن الفعل بدليل ما بينا يدل عليه أنه لو قبح الإقدام على المنفعة لجواز كونها مفسدة لقبح الإحجام عنه أيضا لجواز كونه مصلحة وفى هذا إيجاب الانفكاك منهما وهو إيجاب لما ليس في طوق الإنسان ووسعة قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن القبح إنما كان لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن فلم قلتم: إن هذا قبيح فإن قاسوه على تصرف بعضنا في ملك بعض فهذا
стр. 566
قياس باطل لأن معنى الملك فينا وفى الله مختلف فالجمع بين ملكنا وملك الله لا يجوز وإنما قلنا: إنه يختلف لأنه معنى كوننا مالكين للشئ هو أنا أحق بالانتفاع به من غيرنا على الإطلاق وذلك مستحيل على الله ومعنى كونه مالكا للشئ أنه قادر على إفنائه وإيجاده.
ببينة: أن في الامتناع من الانتفاع إضرار بالنفس وليس في الانتفاع إضرارا بملك الله تعالى فصار الأولى إطلاق الانتفاع ثم نقول إنما قبح تصرفنا في ملك غيرنا لأنه يضره لا لأنه مالكه فقط ألا ترى أنه يحسن منا الاستظلال بحائط غيرنا والاستضاءة بنار غيرنا وكذلك النظر في مرآة الغير والتقاط ما تناثر من حب غلته بغير إذنه لما لم يضره ذلك والانتفاع والضرر يستحيلان على الله فصارت الإباحة متعينة.
دليل آخر: وهو أن الله ﵎ خلق هذه الأعيان وأوجدها وركب فيها المنفعة فلا يخلو من أن يكون خلقها لغير غرض أو لغرض ولا يجوز أن يكون لغير غرض لأنه يكون عبثا ولا يجوز أن يكون الله تعالى عابثا في أفعاله فوجب أن يكون خلقها لغرض ولا يخلو عند ذلك إنما يكون خلقها ليضر بها أو لينتفع بها ولا يجوز أن يقال خلقها ليضر بها لأنه حكيم لا يبتدئ بالضرر ولأن الإضرار بمن لا يستحق الإضرار سفه فدل أنه خلقها لينتفع بها وإذا خلقها لينتفع بها فلا يخلو أما أن يكون خلقها لينتفع بها نفسه أو ينتفع غيره وهو العباد ولا يجوز أن يكون لينفع نفسه لأنه غنى عن المنافع ولا يتصور أن يصل إليه نفع فدل أنه خلقها لينفع بها عباده وإذا خلقها لينفع بها عباده فيكون خلقها إذا لهم في الانتفاع بها فإن قلتم خلقها ليستدل بها نقول إنما يصح الاستدلال بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها وإن قلتم: خلقها ليجتنب العبد عنها ويصير العبد يبتلى بذلك فإذا اجتنب يستحق الثواب نقول في هذا إباحة الإدراك١ أيضا لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى إدراكها ولابد في ذلك من تقدم إدراكها حتى إذا أدركها وصارت النفس داعية إليها حينئذ إذا اجتنب استحق الثواب فثبت أنه كيفما كان الأمر لا فائدة في خلقها وتركبت المنفعة فيها إلا الإباحى للانتفاع بها دليل آخر وهو أنه يحسن من العقلاء التنفس في الهواء والاستنشاق من النسيم ويجوز أن يفعلوا منه أكثر ما يحتاج إليه للحياة ومن رام أن يقدر على نفسه ذلك فلا يزيد على قدر ما يحتاج إليه للحياة عده العقلاء من المجانين والعلة في جواز
стр. 567
ذلك أنه انتفاع لا يعلم فيه مفسدة ولا مضرة وهذا موجود في كل ما ينتفع به ولا يجوز أن يقال: إن علة حسن ذلك بقاء الحياة به وفى تركه إهلاك النفس لأنا إنما عينا الإلزام في موضع يفعل منه ما يبقى الحياة بدنه وعلى أن الكف عن التنفس وإن أدى إلى إتلاف الحياة فلم يجب أن يقبح ولا يجوز ذلك قالوا: وإذا ثبت بهذه الدلائل حسن الانتفاع بهذه الأعيان وإن الخلق وقع لذلك بطل القول بالحظرية وبطل القول بالوقف.
ببينة: أنه إذا اعتقد الوقف فلا يكون وقفا لأن الاعتقاد إذا وجب بطل الوقف واستدل أبو زيد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] وبقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] قال: وإن الله تعالى ما حرم شيئا من المتناولات والانتفاعات وما سوى ذلك إلا لمصالح تعود إلى العباد في الحرمة فحرم الزنا١ لما فيه من ضياع النسب وحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر وحرم تضييع المال لما فيه من السفه وحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة ولما فيه من السفه بتضييع المال وحرم الخنزير٢ لما في أكله من عدوى طبعه إلى الآكل وكذلك سائر السباع العادية٣ وحرم علينا الخبائث حتى لا يعدوا إلينا الخبث الذي منها وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق عدوى الخبث. فثبت أن التحريم كله مصالح للعباد فكان النهى من الله تعالى على سبيل نهى الطبيب المريض عن بعض الأغذية لصلاح المريض ثم أنه يمنحه له إذا صار الصلاح في التناول وكذلك نهى عن شرب الدواء في بعض الأحوال ويأمر بذلك في بعض الأموال من غير تبدل حال المشروب في نفسه بل تبدل حال الشارب وقد يبيح الطبيب شيئا لإنسان دون أنسان مع اتفاق حالهما لاختلاف مصالحهما فثبت أن الحرمة لا تكون إلا لمصلحة تعود الينا فإذا لم يعرف في التحريم مصلحة بوجه وبما تعين التحليل وثبت أن الأصل هو الإباحة وأن التحريم يكون يعارض دليل قال والدليل على هذا أن الله تعالى [قال] : ﴿قُلْ لا أَجِدُ
стр. 568
فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية. فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه "الآية فعلم رسول الله ﷺ الاحتجاج بلا دليل على التحليل من طريق الشرع وعدم الدليل لا يكون حجة على الإباحة فعلم أن الإباحة في الأعيان المنتفعة بها اصل ثابت بدليل العقل لأنه حجة يجب العمل بها حتى يتبين في الشرع إن الحق بخلاف ذلك فيصير الدليل الشرعى كالمخصص بدليل العقل فيكون حكم ذلك الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه هذا طريقته.
وقال بعضهم: إن الله تعالى غنى على الحقيقة جواد على الحقيقة وبهذا الوصف يعرف الله من عرف الله والغنى الجواد لا يتصور منه منع ماله عن عباده إلا ما كان فيه ضرر. فتكون الإباحة [هي] ١ الأصل باعتبار جوده وغناه والحرمة تعارض ولا عارض يوجب الحرمة فتثبت الإباحة وأما من قال بالحظر. قال: وذلك لآن الشئ إذا لم يكن له من الظاهر أصل يستدل به على حكمه استشهد له بالنظائر والأمثلة والأشباه وألحق حكمه بهذا وقد علمنا أن الأشياء كلها ملك الله تعالى وله الخلق والأمر وملك الغير لا يجوز تناوله إلا بإذنه فوجب أن تكون الأشياء كلها على الحظر وينبغى أن تبقى الأشياء على ملك مالكها ولا يتعرض لشئ منها إلا بإذنه وأمره ولأن الملك علة الحرمة على غير المالك بدليل سائر الأملاك. فإذا وجدت علة الحرمة ولم توجد علة الإباحة كان الشئ على الحرمة هذا مجموع كلام المخالفين. وأما دلائلنا أعلم أولا أنه ليس معنى الوقف هو أنه يحكم به لأن الوقف حكم مثل الحظر والإباحة والدليل الذي يمنع من القول بالحظر والإباحة يمنع من القول بالوقف وإنما يعنى الوقف أنه لا يحكم للشئ بحظر ولا إباحة لكن يتوقف في الحكم بشئ إلى أن يرد به الشرع وإذا عرف هذا. فنقول: هذه المسألة بناء على أن يعمل مجرد ما لا يدل على حسن شئ ولا قبحه ولا على حظره ولا تحريمه وإنما كل ذلك موكول إلى الشرع فنقول المباح ما أباحة الشرع والمحظور ما حظره الشرع فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما لم يبق إلا التوقيف إلى أن يرد السمع فيحكم به وقد دللنا بنص من القرآن أن الحجة لا تقوم على الآدمى بالعقل مجردة بحال
ببينة: أنه ليس من الحكمة تخلية الإنسان وعقله؛ لأن عقول عامة الناس معمورة بالهوى مكفوفة عن بلوغ المقالة بالميل الطبعى إلى خلاف ما يهتدى إليه ولهذا النظر
стр. 569
أكثر العقلاء في مهاوى الحيرة ولحقهم من الدهش والتردد ما ليس وراءه غاية والدليل على هذا أنا لا نجد أحدا خلاه الله وعقله بل بعث الرسل وأنزل الكتب ولو كان العقل يستقل بشئ ما لجاز أن يوجد عبد خلى وعقله من غير أن يدخل تحت رتبة أحد من الأنبياء إلى صانعه وهؤلاء الفلاسفة الذين اتبعوا العقول ولم ينقادوا لأحد من الأنبياء فيما يعرف أو أرادوا إدراك الحق بالعقل المحض إما يرآهم المعتبر ارتكسوا وانتكسوا ولادته في النظر العقلى إلا وهو دون دقة نظرهم فإنهم بلغوا من هذا الباب إلى ما يجاز دونه الوهم ويضل عن إدراكه الفهم هذا بعد قيامهم على أخلاقهم بتهذيبها وعلى طبائعهم بتأديبها ورضى أكثرهم من الدنيا بالقوت اليسير وعزوف أنفسهم عن الملاذ والشهوات فلما تخلوا وعقولهم وطلبوا الحق من جهته ولم يصلوا إليه بتأييد سماوى وبرهان إلهى ووحى غيبي ترددوا وسلكوا واعتقدوا العقل الفعال والنفس الكلى وعلة العلل والهيولى وغير ذلك من ألفاظ مهولة وضعوها على وفق مذاهبهم وقد كان قصدهم طلب الصانع ولكنهم لما تخلوا بعقلهم وخلوا وعقلهم فليعتبر معتبر ولينظر ناظر إلى أي شئ صار أمرهم وأى شئ. فإنهم على وفق ما ذهبوا إليه لا يتصور اعتقاد وحدانية الصانع وكثير منهم اعتقد خمسة قدماء وكثير منهم اعتقد قديمين اثنين إلى غير ذلك مما لا يخفى على العلماء والسعيد من وعظ بغيره فليبق امرؤ وزنه وليبق على نفسه ولا يدخل في دينه ما ليس منه وليتبع الوحى الشرعى والتمس التأييد الإلهي ولا يعتبر بزخارف من القول وأباطيل من البهت فإنها خدع الشيطان وتسويلات النفوس وخذلان من الله يلحق العبد ولا عقوبة من الله تعالى أعظم من أن يكل العبد إلى نفسه وحوله وقوته ويخليه ورأيه ومعقوله ويحول وجهه إلى الطاغوت الأعظم والصنم الأكبر وقد جعل التبرى من حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوته من المهلكات التي لا تلبث ولا تربث فأنشد الله عبدا وقف على هذا أن يجعل كده ووكده وسعيه وجهده ليتخلص من هذه المذلة العظيمة والورطة الهائلة فكم من هالك فيها لا نجاة له ووقع في هذه المهواة لا نهوض به مستعينا بالله مستغيثا به ملتجئا إليه مستعيذا به. ذكرنا أكثر من هذا في كتاب "الانتصار" فمن يرغب فليرجع إليه وقد قال أصحابنا في هذا أن هذه الأعيان ملك لله له أن يمنع من الانتفاع بها وله أن يبيح الانتفاع بها وله الانتفاع بها وقبل أن يرد الشرع لا مزية لأحد لهذه الوجوه على
стр. 570
الباقي. فوجب التوقف.
فإن قالوا: بل إن الإباحة عندنا من قبل الله تعالى لكن بدليل العقل. قلنا: قد بينا أن العقل لا يستقل بإثبات شئ أو نفيه وأما الدليل الذي اعتمدوا عليه فسنجيب عنه ثم.
فنقول في إبطال الحظر والإباحة: إن القول بذلك يؤدى إلى القول بالمتنافيين المتضادين وهذا لا يجوز. وبيان ذلك: أن من قال بالإباحة. فليزمه أن يقبح اعتقاد من خالفه في ذلك بحظره عليه لأن القول به داخل في جملة الأشياء التي يقتضى قوله إباحتها وكذلك من قال أنها على الحظر وهذا داخل في جملتها فدل أن المعتقد لواحد من المذهبين يلزمه القول بالمتنافيين وعندي أن هذا ضعيف عند المتأمل والأولى ما سبق واستدل الأصحاب أيضا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
فاعلم أن من ادعى تحليل شئ أو تحريمه بغير إذنه. فقد افترى عليه. فإن قالوا: قد أذن الله تعالى في ذلك بدليل العقل قلنا بينا أن دليل العقل ساقط
وأما الجواب: أما تعلقهم بقوله : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ . قلنا: نحن لا نحرم ذلك وهذا يلزم أن لزم على من يعتقد الحظر. فأما من لا [يقول] ١ بحظر ولا [أباحة] ٢ فلا يلزمه ذلك وعلى أن الآيه وردت في قوم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة وكانوا يعتقدون ذلك قربة إلى الله . ويقولون: لا نطوف في ثوب عصينا الله تعالى فيه وكانوا يحرمون البحيرة٣ والوصيلة٤
стр. 571
والسائبة١ والحام٢ وكان قوم يقال لهم: الحمرة وكانوا ابتدعوا أشياء منها: أنهم لا يسلئون٣ السمن لانه قطوان الأقط ولا يدخلون البيوت من أبواب البيوت وغير ذلك فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وأنزل فيهم أيضا قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية. وأما قولهم: إن الانتفاع بما فعل في هذا المحل فليس فيه وجوه من وجوه القبح. قلنا: هذه طريقة منصوبة لبيان أن الانتفاع بالمحل أكل مباح في العقل ونحن قد بينا أن العقل لا يجوز أن يفيد بنفسه حسن شئ ولا قبحه. ثم قد قيل: على هذا إما لا نسلم أنه انتفى عنه وجوه القبح بكل حال لأن جواز كونه مفسده قائم وجواز كونه مفسدة يكنى في إظهار وجه القبح كالخبر إذا جاز أن يكون كذبا قبح من ذلك.
ونعني بقولنا: أنه يجوز أن يكون مفسدة هو أنه لا يجوز أن لا يبيح الله تعالى هذا الشئ إذا لم يبح يكون الإقدام عليه قبحا أو مفسدة وأيضا يجوز أن لا يكون الإقدام على هذا مصلحة فإن إمكان الانتفاع بالشئ لا يوجب كونه مصلحة. لجواز أن يكون المحل منتفعا به ولا يكون الانتفاع به مصلحة عند الله تعالى. فإن قالوا إن الغالب فيما هذا سبيله. أن لا يكون فيه وجه قبح. قلنا: لم زعمتم أن الغالب ما ذكرتم ولم إذا كان الغالب ذلك لا يكون تجويز وجه القبيح كافيا بالقبح فأما قولهم إنما يحسن الإحجام أذا كان على المفسدة أمارة قلنا: قد يكون أمارة وقد لا يكون أمارة وتجويز المفسدة في الموضعين يوجب وجه القبح لأن العقل مانع من الإقدام على القبيح وعلى ما يجوز أن يكون قبيحا وكم من أشياء مجوزة لا أمارة عليها. يدل عليه أنا لما رأينا عند استقرار الشرع كثيرا من الأشياء التي ينتفع بها محرمة ورأينا كثيرا من الأشياء
стр. 572
مباحة مطلقة. فمن أين وقع الأمان لنا. إن هذه الأفعال ليست قبيحة وقد جاز كونها حسنة وكونها قبيحة فأما الامتناع من تناول الطعام لجواز كونه مسموما. فليس أمارة إنما لم يحسن لأنه يرى من تقدم عليه ولا مفسدة في حقه وكذا في الحائط المستقيم يرى من يقوم تحته ولا مفسدة عليه. أما ها هنا فلا أمان أن يكون التناول مفسدة عند الله تعالى ولا مثال يوجب الأمان. فلم يحسن خوفه وامتناعه. وأما قولهم: لو قبح الإقدام لجواز كونه مفسدة أيضا. قلنا: نحن نقول: إن العقل لا يوجب إقداما ولا إحجاما وإنما علينا الكف فإن قالوا ربما يكون الكف مفسدة.
قلنا: الكلام في جواز الإقدام لا في وجوب الإقدام ومن يجوز له الإقدام على شئ من غير أن يوجب عليه لا يكون ترك ذلك مفدسة. فأما مع تجويز الحظر يجوز أن يقال إن الإقدام يكون مفسدة وعلى أنا نقول: إذا جوزنا وجود المفسدة في الإقدام والإحجام جميعا. فلا جرم لم ينفك فعل من هذه الأفعال عن سمع يطلق الإقدام أو يوجب الإحجام وإنما كلامنا على تقدير عدم السمع أو يكون الكلام في أن السمع الوارد بالإباحة ورد مقدرا للإباحة أو مثبتا للإباحة ابتداء فعندنا هو مثبت للإباحة ابتداء. وعندكم هو مقرر للإباحة مؤكد لما ثبت في العقل منها.
وأما قولهم: أنه لابد من أن يكون خلو المعنى. قلنا: تعليل أفعال الله تعالى لا يجوز ويكون باطلا عندنا وإنما يخلق ما يشاء ويفعل ما يرد من غير أن يكون لذلك علة بوجه ما وعلى أنه يجوز أن يكون خلق هذه الأشياء ليعتبر بها فيعرف قدرة الله تعالى ويتأمل حكمته فيها وألغيت فعل ما ليس له وجه في الحكمة.
ببينة: أنه يجوز أن يعبد الله تعالى بأن لا يأكل هذا المأكول ولا يشرب هذا المشروب كما يتعبده بما يؤلمه ويؤذيه ويؤدى إلى تلفه كما تعبدنا بالجهاد والختان وكما تعبد بنى اسرائيل بأن يقتل بعضهم بعضا.
وقوله: إنه لا يتحقق الابتلاء وتعريضه للثواب إلا بعد أن يثبت على حقيقته ويعرف ويحسن بميل طبيعته إليه. ثم يكلف الاجتناب عنه. قلنا إذا عرف أنه مأكول أو مشروب ونفسه متشوقة إلى المأكول والمشروب طبعا. ثم أمر بالاجتناب عنه بتحقيق الابتلاء وتعريضه للثواب.
وقولهم: إنه إنما يقبح التصرف في ملك الغير بكذا وكذا.
قلنا: الملك سبب التصرف فإذا فات سبب الملك قبح التصرف ولأنه يجوز أن
стр. 573
يكون في التصرف السخط من المالك. فإن قالوا: ويجوز أن يكون في ترك التصرف السخط في المالك. قلنا: قد أجبنا عن هذا وأما كلامهم وتعلقهم بالتنفس في الهواء والاستنشاق من النسيم. قلنا: بينا أن الإذن في الشريعة من وجهين:
أحدهما: من طريق اللفظ ومعناه.
والآخر: من طريق الضرورة الداعية إليه فكل شئ اضطراه الله إليه فقد أذن له فيه ورفع الحرج عنه وإذا كان كذلك لم يخل هذا النوع من دليل الإباحة ويمكن أن يقال: إنما يحسن من الإنسان أن يتنفس ليطفى عن قلبه الحرارة وذلك يحتاج إليه في الحياة ويضطر إلى فعله وما زاد عليه فلا يحسن وهذا هو الجواب عن قولهم: إنه يحسن منه هذا الفعل. بأن زاد على قدر الحياة.
واعلم أن هذه الكلمات يمكن تمشيتها في الجملة لكن الأولى عندي أن يقتصر على الأول وهو منع ثبوت شئ مما يعتقدونه بمجرد العقل وأما طريقة أبى زيد. قلنا: أما تعلقهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ . فإنما هو والله أعلم على معنى أنه لم يخلقها ليتكثر بها أو لينتفع بها وإنما خلقها ليعتبر الخلق بها ويتأملوا قدرة الله تعالى وحكمته فيها وقد يكون أيضا على سبيل الاعتداد والامتنان بها عليهم وتعريفهم موضع النعم فيها وليس في ذلك دلالة على أنهم يستبيحونها كما شاءوا أو يتناولونها من غير إذن منه فيها وتقدير وترتيب لها فموضع الحظر إذا تعد باق وهذا كما يقول الرجل لولده إنما أجمع المال لك وأسعى والكدح بسببك وكما يقول الأمير لجنده وخدمه إنما أجمع الأموال لكم وأدخرها من أجلكم ومعلوم أنه لا يريد بهذا القول تمليكها بينهم وإطلاق تصرفهم فيها من قبل أن يخرجها إليهم على الوجه الذي يسنح له من الرأى في قسمتها بينهم وإيصال ذلك إليهم في الوقت الذي يختاره لا في الوقت الذي يختارونه وإنما قال ما قال ليلزمهم به المنتبه١ ويعرفهم موضع النعمة ثم يكون إطلاق ما يطلقه لهم منها في أوقات مؤقته على مقادير معلومة على حسب ما تدعو إليه الحاجة ويعلم فيه المصلحة.
وأما قوله: إن الحرمة الثابتة للأشياء على وجه المصالح على ما ذكرنا قلنا أولا: إن القول بالمصالح باطل ونحن نعلم قطعا أن الله تعالى يفعل بالخلق ما هو الأصلح لهم وأيضا فإنه لا يجوز أن يقال: إنه قصد لطفه في فعل الأصلح بهم بل ما من أصلح إلا
стр. 574
ووراءه أصلح منه وما هو لطف يوصله إليهم إلا ووراءه ما هو ألطف منه ولو وجب فعل ما هو صلاح لهم لوجب فعل ما هو أصلح لهم وقد عرفنا أن الأصلح ليس له نهاية في قدرة الله تعالى وعلمه وإن حكموا بنفاده وانتهائه فهذا قول يؤدى إلا تناهي القدرة وهذا لا يقول به أحد. ثم نقول كما أنه يحرم ما يحرمه للمصلحة فكذلك يبيح ما يبيحه للمصلحة فبأى طريق عرفتم وجه المصلحة في الإباحة؟ بل يجوز أن يكون مفسدة على ما سبق وينبغى إذا كانت الإباحة عقلية أن لا يجوز ورود الحظر وقد أجمعت الأمة على جواز الحظر وأجمعوا أيضا أنه قد [ورد] ١ الحظر في مواضع ليس فيه إلا مجرد التكليف أو مجرد الابتلاء وأيضا فإن ما ذهبتم إليه مفسدة وسنبين ذلك وهو أن الأشياء لو كان أصلها على الإباحة حتى يكون لكل واحد من الناس تناولها والتبسط فيها أدى ذلك إلى أن لا يصلوا إلى حاجتهم منها وإلى أن تتعطل منافعهم لأن في طباع الناس من الحرص والشدة والاستكبار من الشئ ما لا يخفى على ذى لب فيدعوهم طباعهم إلى الازدياد والاستكبار عن كل شئ أبيح لهم فيقع بينهم التزاحم والتغالب وربما يؤدى إلى التجاذب المفضى إلى التنازع والمؤدى إلى القتال والمحاربة فينقلب الشئ الذي قدروها مصلحة مفسدة ويتبين خطأ ظنونهم وغلط مقاديرهم من عقولهم وليس يدخل في هذا إباحة الحطب عقولهم والحشيش والماء لأن هذه الأشياء ليست مما يقع فيها التنافس ولا تميل إليها الطباع من الاستكبار عنها وطلب الثروة من جمعها وأما المباحات من الذهب والفضة والجواهر فهى ما لا يوصل إليها بكد عظيم وتعب شديد فليس مما يرغب في ذلك كل إنسان ويسمح بتعب ذلك وتحمله كل نفس فلا يؤدى إثبات الإباحة لكل أحد إلى المفسدة التي بيناها وأما إثبات الإباحة في الأشياء كلها على العموم لكل احد فيؤدى إلى المفسدة التي ذكرناها. فوجب الاحتراز عليها لأن الاحتراز عن كل ما يجوز أن يفضى إلى المفسدة واجب على أصلهم وفيما قالوه يؤدى إلى المفسدة فهذه جملة ما قصدنا إيراده في هذه المسألة.
стр. 575
فصل في أقسام ما يرجع إلى العقل
...
"فصل"
وقد ذكر أبو زيد أقساما فيما يرجع إلى العقل فذكر أولا موجبات العقل. قال: ونعنى بالوجوب. الوجوب في الذمة حقا لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى فإن الأداء لا يجب قبل الشرع. قال: وهذه الواجبات أربعة معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله بالألوهية ومعرفة العبيد الابتداء إلى حين الموت بطاعة الله على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين ومعرفة الدنيا وما فيها بضرب يقع يعود إليهم منها. وقال: ونعى بموجب العقل ما دل عليه العقل قطعا إذا استدل به العبد إلا أن يكون دينا يجب فعله لله تعالى لأنه يبتلى به وما يجب للحياة الدنيا لا نصفه بالوجوب عليه لحق الدنيا وإنما نصفه بالوجوب لحق الدين ويجب الأكل والشرب عليه دنيا وكذلك التنفس والتحصن من شر الأعداء ودفع الحر والبرد ولو ترك هذه الأشياء أثم وإنما جعلنا الوجوب دينا لأن ما كان لحق الدنيا فالآدمى فيه بمنزلة البهائم فلا يوصف بالوجوب وأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى قيام الساعة لأن الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعليه بالجماع وفرض عليه دينا للمبتغى لإقامة حكم الله تعالى لأنه لا تبديل لحكمه غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع البعض فلم يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله حكم ببقاء كل شخص إلى خير وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص بوجوب الأكل عليه دينا وطبعا. ثم إنا قلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبه بالعقل دينا اله تعالى أما معرفة نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء والاجتماع عرض يضاد القدم فيلزمه الحكم على نفسه بالحدث ويعرف أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد الاستيلاء والآدمى مقهور بالتكوين والأشياء مقدور عليه مركب من طبائع مختلفة وأمشاج متباينة يجرى أمره على مقتضى اختلاف طبائعه وتباينها وإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء الصالحين لفعل العبادة فإذا عرف نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه محدثا لا يخلو من محدث وكونه مقدورا عليه لا ينفك عن قادر وكونه مملوكا لا ينفك عن مالك وكونه عبدا لا يخلوا من إله. فإن العبد اسم لمن خلق للعبادة ولابد للعبادة من معبود والإله اسم لمن يستحق العبادة فيعرف بضرورة هذه الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلها مالكا
стр. 576
قادرا محدثا. قال: ولهذا قال ﷺ : "من عرف نفسه عرف ربه"١. قلت: وهذا لا يثبت عن النبي ﷺ وإنما هو لفظ محكى عن يحيى بن معاذ الرازى وهذا نتيجة الجهل بأخبار النبى ﷺ والواجب على الإنسان أن يحكم ما قال الله أولا وما قال رسول الله ﷺ . ثم ينصب نفسه منصف المتصرفين ويستشهد على تصرفه بما نطق به الكتاب وبما نطق به الرسول ﷺ ونستعيذ بالله من غلبة الجهل وفرط الهوى وطغيان العقل وهو العاصم بمنه رجعنا إلى حكاية قوله: وإذا عرف أنه خلق لعبادة ربه ولا يجوز في الحكمة خلق الصنع عن عاقبة حميدة وعاقبة الصنع عن العقلاء أحد أمرين: فإنه يعود من حدث نفع أو دفع ضر أو ظهور الفاعل بجلاله وعظمته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع كذا غيره والله يتعالى عن المعنى الأول فيتعين الآخر وهو ظهور عظمته وجلاله وكرمه وحكمته وسائر صفاته ولما ظهر بهذه الصفات طلب من الحق الثناء والحمد له بإحسانه إليهم شكرا له على ذلك فكان خلق الناس من الله تعالى لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه ثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر قال: فقد خلق الله العباد ليعبدوه بأمره لهم لا يجبرهم عليه وقد جعلهم مختارين في الإجابة مبتلين بشهوات معلومة تصدهم عن الإجابة قال: والدليل على أنهم مختارون أن العقلاء يجدون من أنفسهم وفى أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويحسبون ذلك قطعا ويجدون في انفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى وما يدعوهم إلى خلافها وفى ذلك فوات عاقبة الصنع وفوات عاقبة الصنع دليل عجز الصانع تعالى الله عن ذلك فعلمنا أن وجود تعليق وجود الطاعة بالإختيار من العبيد مع وجود الهوى والشهوات الصادة عن طاعة الله تعالى وعن الإجابة كان لحكمه أخرى هي فوق حصول الطاعة بلا فوت وذلك هو أن الله تعالى خلقهم وأمرهم بهذه الإعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم الإحسان بالإحسان والسيئة بالسيئة
стр. 577
ثم لما وجب القول بدار الجزاء على هذه الأعمال وجب القول بالخلود والبقاء لآنا أوجبنا هذا الترتيب لبيان حكمة الله تعالى فيجب أن لا تفوت هذه الحكمة لأنها إذا فاتت صار فعله عبثا فكما لا يفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن الصانع ابتداء لا يعجزه فكذلك لا يفوت بعد الوجود إلا بعجزه وتعالى الله عن ذلك وبهذا نطق الكتاب قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أى حسبتم أنا عبثنا بخلقكم ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع إليه فيبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا دار ابتلاء بلا جزاء وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية فأخبر أن الآدمى حملها عن اختيار لعاقبة تعذيب المشركين ومغفرة للمؤمنين وقال تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] وقال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ولما ثبت أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا لفائدة تجلب منهم أو لضر يدفع بهم وتعالى عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود هذه الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته فإنه يحسن في الشاهد فعل شئ لفائدة تعود إليه أو إلى غيره بهذا نطق اكتاب قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [الجاثية: ١٣] وقال تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] وأيات في هذه المعنى كثيرة ثم ذكر محرمات العقل قطعا للدنيا وهذه المحرمات أربعة: الجهل والظلم والعبث والسفه أما الجهل فيكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال بالحواس وبه غلب ما في البر والبحر وسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل شيئا مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما يفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي هو سبب حياته وكما يحرم بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم أيضا إطفاء السراج ليلا مع إرادة السلوك في المضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج ولما حرم الجهل قطعا حرم الظلم من طريق الأولى لأن تفسيره وضع الشئ في غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله فالأول نزل كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر يقبح منه ذلك والثانى كالذي فتح عينيه ورأى البئر ثم
стр. 578
أوقع نفسه فيها فهذا الفعل منه أقبح ومثاله من باب الشرع من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذي تأمل وعرف ورد تعنتا كان فعله أقبح وأما العبث فحرام عقلا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل لا يخلو عن أدنى تعب فلا يحتمل هذا التعب عقلا إلا لفائدة أولى منه وأما السفه فحرام أيضا لأن فيه مع خلو الفائدة مضرة فكان أقبح من الأول لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة ضرر فكان السفه من العبث بمنزلة الظلم من الجهل ثم ذكر محرمات العقل للدين قال: وهذه المحرمات أربعة: الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها والإنكار بالصانع ﷻ والإنكار بالبعث للجزاء أما الإيمان بالطاغوت اسم لما عبد من دون الله أو سمى قديما دونه على حسب اختلاف المشركين والملحدين لان ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما أن الإنسان بنفسه لا يخلو عنه فلم حرم عليه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول بغيره بطريق الأولى وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] يعني من حيث إنها مخلوقة. وأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوات فحرام لأنك كما لا تجد نفسك وكل من دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة كذلك لا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهي فإن الحياة رأس مال الحى وقد ابتلى الحى بالموت والشهوة شهوتان شهوة بطن وشهوة فرج وما سواهما اتباع في حق الحياة وشهوة البطن الأكل والاكل لا ينال اصله إلا بضرب كسب ويحتاج بعده إلى قضاء الحاجة الذي إذا عرف العاقل قبحه لم يباشر سببه مع الإمكان بدونه ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب وقضاء الحاجة لما كانت الدار لاقتضاء الشهوة وأما الجماع لا ينال إلا بطلب وشبق ثم لا يقضى إلا بذهاب القوة فحرم القول أنه خلق لاقتضاء الشهوة حيث لا ينال ما يشتهي إلا بماء لا يشتهى وأما الكفر بالله فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقا يعرف خالقه والمنعم عليه والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه بمنزلة من ذم من أحسن إليه فيكون كذبا وظلما وسفها فقد وضع الشيء في غير موضعه ولما حرم الكفر بالله تعالى حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء عبث من الله تعالى ووصف الله تعالى بالعبث كذب عليه كالكفر كذب على الله فكان بابا واحد وبالله التوفيق ثم ذكر المباحات التي تجوز عقلا للدنيا قال: وهذه أربعة أقسام قال: وأعنى بالجوز أنه يجوز أن يكون مباحا عقلا وهذه الأقسام نحو مباشرة
стр. 579
أسباب البقاء فوق ما يندفع به الضرورة وجميع المال فوق الحاجة والتزين بأنواع ما يتجمل به على وجه لا يتعلق به القوام والجماع إلا لطلب الولد وفوق ما يكتفى به الولد فهذه إباحات غير واجبة بالعقول ولهذا جاء الشرع فيها بالإباحة مرة والتحريم أخرى وأما موجبات العقول لا يرد الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان لله على عباده يتأيد أحدهما بالآخر ولا يتناقص فمجئ الشرع بالتحريم دليل أن العقل يجوز تحريمه وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا ذكرنا المقصود من كلامه واعلم أن هذا الكلام كله بناء على أن العقل موجب بنفسه وعندنا أن هذا المذهب خلاف مذهب أهل السنة والجماعة والنص من الكتاب قاطع على خلافه وقد سبق بيانه فلا معنى للاشتغال بالزيادة عليه فإن قيل المسألة التي ذكرتم أن الأشياء كانت على الإباحة أو لا وقد أطنبتم الكلام فيها وهى لا تفيد في الفقه شيئا وإنما الكلام فيما يقتضيه العقل فلا معنى لإيرادها لأن أصول الفقه لا ينبغى أن تشتمل على ما يفيد في الفقه والجواب أن لها فائدة في الفقه وهو أن من حرم شيئا أو أباحة فقال طلبت دليل الشرع فلم أجد فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا؟ وهل هذا دليل يلزم خصمه أم لا؟ وهذا أمر يحتاج الفقيه إلى معرفته للوقوف على حقيقته. قال القاضي أبو الطيب: سمعت بعض أصحاب داود احتج في إباحة استعمال أوانى الذهب١ في غير الشرب فقال: الأصل في [الأشياء] ٢ الإباحة وقد ورد الشرع بتحريم الشرب فوجب أن يبقى ما عداه على الإباحة فقال أهل العلم لهذا المحتج مذهب داود أن هذه الأشياء على الوقف في العمل عما يرد به الشرع فإذا كان كذلك لم يجز إثبات إباحتها بهذا الطريق فلا يكون إباحتها بعدم دليل شرعي بأولى من حظرها وبطلت حجة هذا المحتج فظهر أن المسألة يفيد ذكرها.
стр. 580
فصل: مجرد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور:
كما يدل عند من يذهب إلى أن الأشياء أصلها على الإباحة إنما هو بحسب الحال وقيام الدليل عليه وذلك على ضروب أما سكوت النبى ﷺ عن الشئ يفعل بحضرته ولا يغيره ولا ينهى عنه فإنه دليل الجواز وقد سبق هذا ولأن الله تعالى وصفه بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإذا رأى الشئ وسكت عنه ولم يغيره دل أنه غير منكر وكذلك هذا فيما كان يبلغه عنهم ويعلمه ظاهر من حالهم أو بتقرير عنه من عاداتهم مما سبيله الاعتبار والاستشارة فلا يعرض لهم بنكير ولا يعتبر كنوم أصحابه قعودا ينتظرون الصلاة فلا يأمرهم بتجديد الطهارة وكعلمه أن أهل الكتاب يتعاملون بالربا ويشربون الخمور فلا يتعرض لهم ويتصل بهذا ما استدل أصحابنا به من سقوط الزكاة في أشياء سكت النبى ﷺ عنها من الزيتون١ والرمان٢ ونحوهما وذلك أنه كان لا يخفى عليه أن الناس يتخذونها كما يتخذون الكروم والنخيل وكان الأمر في إرساله المصدقين والسعاة في أقطار الأرض ظاهرا بينا وكان إذا بعثهم كتب لهم الكتب فيقرءوها بحضرته ويشهد عليها ولو كان يجب فيها شئ لأمر بأخذه ولو أمر لظهر كما ظهر غيره من الأشياء التي انتظمها الوجوب والإباحة فلما لم يكن كذلك دل على سقوط الزكاة عنها. وأما قول من روى أنهم كانوا يبيعون أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ فإنما لم يجر هذا المجرى في الدلالة على جواز بيعهن لأنه لا يعلم إن كان يبلغه هذ الفعل عنهم أو يظهر له ذلك من صنيعهم وقد قام الدليل على فساد بيعهن من وجوه فلم يجز أن يعترض بهذا على مثل تلك الدلائل وأما الشئ إذا كان له أصل في الوجوب والسقوط فإن السكوت قد يقع عنه في بعض الأحوال استغناء بما يقدم من
стр. 581
البيان فيه وليس تكرر البيان واجبا في كل حال ومراتب الاستدلال بالسكوت تختلف فأقوى ما يكون منه إذا كان صاحب الحادثة جاهلا بأصل الحكم في الشئ ولم يكن من أهل الاستدلال كالأعرابى الذي سأل رسول الله ﷺ [وقد أحرم وعليه الجبة فقال: "انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة"] ١ وسكت عن الكفارة فدل ذلك أنها ساقطة عن الجاهل والناسى ولو كانت واجبة لذكره إذ لم يكن يجوز إهمال ذكرها قولا على معرفته بالحكم فيها مع العلم بمكانه في الجهالة والغباوة وذلك إن علم تحريم اللباس علم عام عند العرب في جاهليتها وابتلائها حتى أنهم كانوا لا يطوفون بالبيت إلا عراة ويخلفهم نساؤهم وكذلك نهى النبى ﷺ قال: "لا يطوف بالبيت عريان وأمر فنودى به" ٢ فحين أمر النبى ﷺ بنزع الجبة مع أن الحال هذا ولم يتعرض للكفارة علمنا أنها غير واجبة ومن هذا الباب وإن كان دونه في المرتبة خبر الأعرابي المجامع في شهر رمضان حين قال: هلكت وإنما جاء يعرف حكم الله تعالى فيما فعله ويتوهم أن يلزمه حد وضرب من ضروب العقوبات فلما قيل: له أعتق رقبة دل ظهره أنه جواب عن هلاكه وإهلاكه وهو إفطاره وإفطار زوجته وكانت أمراته إنما تصل إلى العلم بما يلزمه من جهته لغيبتها عن حضرة النبى ﷺ وكان قوله: افعل كذا محمولا على أنه يجزئ عنها وعنه وإنما صارت دلالة هذا أضعف من دلالة الخبر الأول لأن السائل في هذا الخبر قد أنبأ عن علمه بأنه ارتكب معصية الا ترى أنه قال: هلكت وأهلكت وإذا كان المبتلى بالحادثة من أهل الاستدلال كان دليل الشك معه أوهى وأضعف وأما قول الشافعى رحمة الله عليه فيما يخرج من غير السبيلين ذكر الله الأحداث في كتابه ولم يذكر هذا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ فإن قوما من أصحابنا تعلقوا به وقالوا: إنما رده إلى أصل سكوت التكليف إلا بدليل وليس الأمر كذلك عند عامة أصحابنا وإنما وجهه ومعناه أن المتطهر على طهارته ولا ينتقض وضوءه إلا بحدث وما لم يقم دلالة على الحدث فأصل الطهر كاف فيه وقال ﷺ : "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"٣. ومن
стр. 582
احتج من هذه الطائفة بقوله وما سكت عنه فهو عفو١ فليعلم أنه ليس بعام في جميع أنواع السكت لكنه خاص في محل مل لأنه لا يمكن إجراؤه على عمومه.
стр. 583
فصل: اعلم أن العادة غير موجبه شيئا بنفسها بحال وإنما هى قرينه للواجبات أو منبئة عن المقاصد فيها .
كالغسل فإن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..﴾ [المائدة: ٦] وكانت العادة جارية بأن يكون الغسل بالماء صرف الأمر إلى ذلك وحمل عليه وإن لم يجر له ذكر لأن العادة جرت بذلك ألا ترى أن قوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب" ٢ ذكر الغسل وكانت دلالته أنه بالماء لما جرت به العادة ولما كانت الثامنة أو السابعة بالتراب احيتج إلى ذكره لأن العادة في ذلك مفقودة فلم يكن بد من النص عليه وكذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بدرهم كان الدرهم مستحقا على عادة نقد البلد وإن كانت الدراهصم مختلفة السك والجوهر متفاوته في الجودة والرداءة وقد يعتبر بعض العادات في الأيمان يرجع إليها فة مطلق الأيمان ولهذا قال الشافعى رحمة الله عليه: فمن حلف لا يأكل الرءوس فأل رءوس الحيتان لا يحنث٣ لأن عادة المتكلمين بهذا الكلام قد جرت أنه يريد بهذا الرءوس التي تبان من أجساد الحيوان وتقصد بالأكل دون ما كان منها تبعا لأبدانها ولا يكاد القائل يقول أكلت الرءوس وهو يريد رءوس الحيتان وإنما يقال هذا ويراد به رءوس الغنم وما يشبهها من الحيوان ومن هذا الباب أن يوصى الإنسان بدابة من روابه فيعطى بعض أجناس الدواب التي جرت العادة بركوبها ويعتبر في ذلك عادة أهل البلد الذي فيه الحالف ولغتهم في التسمية وقد قيل: إنه يدخل في هذا الباب ما يعطيه الإنسان خادم الحمام والشارب للماء عند
стр. 584
الاستقساء وإن لم يتقدم في ذلك شرط ولم يسلم له عوض لكن العرف القائم والعادة الجارية نيوبان عن التسمية وكذلك هذا فيمن استعمل إنسانا بالزور جار ونحوه فإنه قد يستحق عليه أجر المثل وإن لم يتقدم في ذلك شرط وليس هذا من باب الاستحسان لكنه من باب العادات التي صدرها عن الأصول الصحيحة المشروعة وقد يرد هذا برفع العادة في بعض الأحوال لمعنى من المعانى ولدليل أقوى من اعتبار العادة وهذا القدر الذي قلناه كاف في هذا الفصل وليس بشئ مطرد حتى يطرد في جميع المواضع والله أعلم انتهى ما قلناه وقصدناه وقد كنا وعدنا ذكر باب التقليد في هذا الموضع لكنا رأينا بعد ذلك أن الأولى أن نذكره عند وصولنا إلى الفصول المذكورة في الاجتهاد وبيان أحكامه وتفسير المجتهد وذكر الأصوب من الأقوال فأخرناه إلى ذلك الموضع إلى أن نصل إليه إن شاء الله تعالى.
стр. 585
القول في القياس وما يتصل به
مدخل
...
القول في القياس وما يتصل به
اعلم أن أحكام الشرع مأخوذة من وجهين: وجه سمع ووجه معقول.
فأما السمع فعلى ثلاثة أضرب كتاب وسنة وإجماع وقد استقصينا شرح أقسامها وأحكامها.
وأما المعقول فالقياس وقد قيل: إن القياس على ضربين عقلى وشرعى.
فالقياس العقلى ما استعمل في أصول الديانات
والقياس الشرعى ما استعمل في فروع الديانات ومعنى ذلك ما ورد التعبد من الأحكام.
وقد ذكر كثير من أصحابنا في ابتداء الكلام في القياس مسألة في القياس العقلى وذكروا الخلاف في هذه المسألة بين الأصوليين وبين عامة المجتهدين أهل الرواية وأهل السلامة من الفقهاء فالأصوليين من المتكلمين وسائر من تبعهم أثبتوا القياس العقلي وأمروا به وزعموا أنه معرفة أهم الأشياء وزعموا في حده أنه رد غائب إلى شاهد ليستدل به عليه وأما أهل الرواية وعامة أئمة الحديث وكثير من الفقهاء اختاروا السلامة في هذا الباب وسلكوا طريقة السلامة ونهوا عن ملابسة الكلام وطلبوا الحق بطريقة وزعموا له علم يحدث وفن يخترع بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين وأنكروا قول أهل الكلام في أن أول ما يجب على الإنسان النظر. وقالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو معرفة الله تعالى على ما ورد به الإخبار ولو قال الكافر: أمهلونى لأنظر وأبحث فإنه لا يمهل ولا ينظر ولكن يقال له أسلم في الحال وإلا فأنت معروض على السيف ولا أعرف في هذا خلافا بين الفقهاء ونص عليه ابن سريج وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه أيضا أنا لا ننكر من النظر بقدر ما أذن فيه الشرع على ما يوافق الكتاب والسنة وهذا الكتاب إنما قصرناه على محض أصول الفقه وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه فلا معنى لذكرها فيها رجعنا إلى الكلام في القياس الشرعى فنقول قبل أن نشرع في إثباته: ان اثبات الشئ إنما يكون بعد معرفة معناه نذكر أولا الكلام فيما أخذ منه القياس من حيث اللغة ثم نذكر حده أما الكلام
стр. 586
فيما أخذ منه القياس فنقول في اللغة وفى قول بعضهم: مأخوذة من الإصابة من قولهم: قست الشئ إذا أصبته فسمى القياس قياسا لأن القائس يصيب به الحكم وقال بعضهم: إنه مأخوذ في اللغة من المماثلة من قولهم: هذا قياس هذا أي ومثله وسمى القياس قياسا لأنه الجمع بين المتماثلين في الحكم١.
وأما حد القياس فقال بعضهم: هو حمل معلوم على معلوم في أيجاب بعض أحكامه بأمر يجمع بينهما وقال بعضهم: حمل شىء على شيء في بعض أحكامه بوجه
стр. 587
من الشبه١ وهذان منقولان عن المتكلمين والفقهاء قالوا: حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقد بسط بعضهم هذا الحد فقال: القياس طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاستوائهما في المعنى والجمع بينهما بالعلة ذكره على هذا الوجه القاضي أبو الحسن الماوردى.
وقال بعض المتقدمين: هو اعتبار الشئ بغيره٢.
وقال بعضهم هو موازنة الشئ بالشيء٣.
وحكوا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما سئل عن ميقات أهل المشرق فقال ما حاذاه من المواقيت؟ قالوا: قرن. فقال: قيسوا به٤. يعني اعتبروا به وهذان الحدان فيهما إجمال لأنهما لا يعبران عن صفة القياس في أحكام الشريعة والمقصود ها هنا هو
стр. 588
العبارة عن القياس في الأحكام الشرعية١ وهو على التفسير الذي ذكرناه. وقد يقول القائل: قست الأرض معناه ذرعتها بمقياس مهيئ للذرع وبينى وبين فلان قيس رمح أى قدر معتبر بقدر رمح الحد الصحيح ما ذكرناه فيما سبق وقد قال بعضهم: إن القياس فعل القائس وليس هذا بشيء لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن يقال: كل فعل يفعله القائس من القيام والقعود والمشي قياس وهذا لا يقوله أحد. فإن قال قائل: ما قولكم في الاجتهاد وهل هو والقياس واحد؟ قيل: نقول أولا: إن الاجتهاد مأخوذ من إجهاد النفس وكدها في طلب الزاد كما أخذ جهاد العدو من إجهاد النفس في قهره وهل هو والقياس واحد وهما مختلفان اختلفوا فيه فقال أبو علي بن أبى هريرة إن الاجتهاد والقياس واحد ونسبة إلى الشافعي وقال أشار إليه في كتاب الرسالة وأما الذي عليه جمهور الفقهاء هو أن الاجتهاد غير القياس وهو أعم لأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد وهو من مقدماته وليس الاجتهاد يفتقر إلى القياس واختلفوا في حده فقال بعضهم: هو بذل المجهود في طلب الحق بقياس وغيره قالوا: والقياس ضرب من ضروب الاجتهاد وهو أخص منه وقال بعضهم: الاجتهاد وهو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه والقياس هو الجمع بين الفرع والأصل والحد الأول حسن جدا وقيل إنه يدخل في باب الاجتهاد حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وأمثال ذلك وليس بشئ من هذا بقياس فإن قال قائل ما قولكم فلا الاستدلال هل هو قياس أم لا قلنا: الاستدلال طلب الحق بدليل معانى النصوص وقيل استخراج الحق وتمييزه من الباطل وقيل كل ما استخرج به الحق حتى يمتاز به عن الباطل وقد حكى عن الشافعى رحمة الله عليه أنه سمى القياس استدلالا لأنه فحص ونظر فإن قال قائل ما قولكم في الأمارة هل هي قياس؟ قيل له: الأمارة من حيث اللغة هى العلامة وقال بعضهم: الأمارة هى التي النظر الصحيح فيها٢ يؤدى إلى الظن واعلم أن الأمارة قد تكون قياسا وقد تكون غير قياس وللأمارة تقسيمات وستأتى من بعد وحين عرفنا القياس وحده فنتكلم الآن في بيان كونه دليلا.
стр. 589
مسألة: ذهب كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء إلى أن القياس الشرعى أصل من أصول الشرع:
ويستدل به [على] ١ الأحكام التي لم يرد بها السمع وذهب طائفة إلى إبطال القياس وقالوا: لا يجوز أن يستدل به على حكم في فرع وهذا قول إبراهيم النظام ومن تبعه وهو قول داود بن على ومن تبعه من أهل الظاهر والقاشانى والمغربى والقيروانى وهو قول الشيعة أيضا واختلف هؤلاء في طريق نفيه فقال بعضهم إن التعبد بالقياس قبيح من حيث الفعل وإنما بطل القياس لأن العقل مانع منه ولو لم يمنع منه جاز أن يرد الشرع به وقال بعضهم: لا يقبح من حيث العقل ولكن الشرع منع منه ولو لم يمنع كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل لأن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل القياس لضعف البيان الحاصل به وقال بعضهم إنما بطل لأن [الشرعيات] ٢ مصالح والمصالح لا يعلمها إلا الله وهذا قول النظام. وقال بعضهم: إنما بطل لأنه كان حجة ضرورة ولا ضرورة في كون القياس حجة٣.
стр. 590
وإذا عرف هذا فنقدم أولا:
مسألة: بيان حسن التعبد بالقياس عقلا:
ولأنه لا مانع من حيث العقل ثم نذكر ورود التعبد من حيث السمع ونقدم شبههم في الفصلين.
احتج من قال: إن التعبد بالقياس يجوز من حيث العقل قال: لأن الشرعيات مصالح والمصالح لا تعلم إلا بالنصوص فأما بالأمارات المفيدة للظنون لا تعرف لأنها ربما أخطأت وربما أصابت ولا يجوز أن نتعبد الحكيم في المصالح بما يجوز أن يخطئ المصالح وأيضا فإن القياس فعلنا ولا يجوز أن نتوصل إلى المصالح بفعلنا.
ببينة: أنه لو جاز الحكم في الشرعيات بالظنون عن أمارات لجاز أن نخبر أن زيدا في الدار إذا دلت الأمارة على كونه فيها وحين لم نخبر دلت أن القول بالظن باطل قالوا: ولأن جلى الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فلم يجز إثبات خفيها إلا بالنص أيضا لأن ما علم جليه بطريق فخفيه لا يعلم إلا بذلك الطريق كالمدركات لا نعلم جليها وخفيها إلا بإدراك قالوا: ولأنه لو كان للشرعيات علل لكانت كالعلل العقلية في استحالة انفكاكها من أحكامها في كل حال إلا ترى أن الحركة لما كانت علة تحرك الجسم استحال وجود الحركة وليس الجسم المتحرك وإذا لم ينفك من أحكامها كان في ذلك ثبوت الأحكام الشرعية قبل الشرع وقالوا ولأن العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادثة فكما لا يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس المخالف للنص المعين لا يجوز أن يتعبدنا بالقياس المخالف حكم العقل وكل حادثة فلها حكم في العقل فإذا لا يجوز التعبد فيها بالقياس قالوا: ولأن القياس لو كان صحيحا لكان حجة مع النص كالخبر حجة مع الكتاب وحين لم يكن حجة مع النص دل أنه ليس بحجة أصلا قالوا: ولأن أحكام الشرع لو كانت معلومة وجب أن يكون جميعها معلولة كما كان جميعها حجة مشروعة ولما خرج بعضها من التعليل إجماعا دل أن كلها خارج لأن صنعه السمع في جميعها على السواء هذا بعض شبههم من حيث المعقول وسنبين ما يدعون من السمع
стр. 591
المانع منه ويدخل في ذلك تقرير بعض ما ذكرنا من قبل وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٥١] فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] والقياس الذى نستنبطه نحن من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا وإنما المنزل كتاب الله وسنة رسوله فإنه ما كان ينطق عن الهوى إنما ما كان ينطق عن الوحى وقال في صفة كتابه: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله إما في نصه أو في إشارته أو أقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد فالابقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] الآية فالله تعالى أمر بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله تعالى لثبوت الإباحة كالأصلية وقد ذكرنا هذا من قبل فيصير على هذا كل تاأحكام من رطب ويابس بيانه موجودا في كتاب الله تعالى فيبقى الرأى مستعملا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة وهى مما لا توقف عليها بالرأى والإجماع لأن المصلحة في كل ما شرع الله تعالى من الأحكام التي هى النجاة في الآخرة وبالآراء لا تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك به المصالح العاجلة التي يوقف عليها بالحواس والتجارب. فتعرف نظائرها بالقياس وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والقياس لا يفيد العلم فيكون قولا باطلا وأما خبر الواحد فأصله كلام النبى ﷺ وهو يوجب العلم يقينا وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال الينا فلا يبطل أصل الخبر بهذا الاحتمال وكان هذا بمنزلة النص المأول بالرأى من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب فإنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب وأما القياس في الأصل محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال. قالوا: وليس يدخل على هذا تعرف جهة القبلة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك حيث تعرف١ هذه الأشياء بالرأى لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا ومما يوقف عليه بالحواس وكذلك قيمة الشئ تعرف بمعرفة النظائر وطريق العلم بها حس البصر وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك كثير ممن مضى من الأمم وأمرنا بالاعتبار بها وذلك يكون
стр. 592
بالرأى لأن المقصود من ذلك معرفة هلاك مثله بمثل ذنبه وتلك المعرفة إما بحس العين أو بحس الأذن وكان الاحتراز من مثل سببه من مصالح الدنيا وحل ذلك محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على تلف مثله يتناوله ومثل الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعته. فلم تكن معرفة هذه الأشياء من أحكام الشرع. قالوا: فالله تعالى قد أكرم الآدمى بالرأى لكن ليستدرك به مصالح عاجلة ليبقى إلى جنبه المضروب له بتدبيره وجعل طريق استدراكه للوقوف على نظير ما عمله سببا من خير أو سوء وكان الرأى حجة للآدمى في أمثال هذا. فأما الشريعة فما شرعت إلا الآخرة وتلك المصالح تثبت على خلاف مصالح الدنيا فلا يكون الرأي فيها حجة ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا وهى طريق العلم لنا في الأصل لم نقف على نظائرها بالرأى يلزمنا وجوب التأمل في معانى النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا وهى مما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم يكن هذا من الشريعة في شئ فإن قيل: فإنها كانت قبل الشرع وإنما أنكر استنباط المعنى الذي يتعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما ثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى وليس هو من معانى اللسان في شيء. قالوا: فتحمل الآيات الوارده بالأمر بالتفكر والاعتبار على هذا القبيل وتحمل النصوص التي نهت عن العمل بالرأى وألزمت اتباع الوحى على أحكام الشرع وعلى هذا تحمل مشاورة النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وقد شاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا وما هو بحكم شرعى والنبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ ما شاور أحدأ في حكم من أحكام الشرع بحال. هذه الكلمات من الآية المذكورة كلمات ذكرها القاضى أبو زيد في كتابه حجة لهم. رجعنا إلى ما ذكرناه آية الأصوليين لبقاء القياس من الدلائل الشرعية في المنع منه وتعلقوا من الكتاب سوى ما ذكرناه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل إلى القياس فتضمنت الآية نفيه وقال : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] والقياس مفترى وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً
стр. 593
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] والقياس يحل ويحرم فصار مفتريا على الله تعالى وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] والقول بالقياس تقديم بين يدى الله ورسوله وتعلقوا بالأخبار ومنها ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس ولكن بقبض العلم بقض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ١ والفتوى بالرأي فتوى بغير علم لأن الظن لا يكون علما بحال وروى واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ قال: "لم يزل أمر بنى إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم أبناء السبايا فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا" ٣.
وروى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأى فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" ٤.
وروى عوف بن مالك الأشجعى عن النبى ﷺ أنه قال: " تفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتى يقيمون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال" ٥.
وروى أبو الدرداء رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: "الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو" ٦.
وأما الآثار عن الصحابة تعلقوا بما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال: أي سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت في كتاب الله برأيى.
стр. 594
وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وثقلت عليهم السنن أن يعوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا١.
وعن علي رضى الله عنه [قال] ٢: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من ظاهره٣.
وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال: اتهموا الرأى على الدين فإن الرأى منا تكلف وظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.
وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله تعالى وحرمتم كثيرا مما أحل الله.
وأما الآثار عن التابعين روى عن ابن سيرين أنه قال: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس٤.
وقال الشعبى ما حدثوك عن أصحاب محمد صلى الله عليه [وسلم] ٥ فأخبره وما أخبروك به عن رأيهم فألقه في الحش وفى رواية: فبل عليه٦.
وعن مسروق: لا أقيس شيئا إنما أخاف الله تعالى أن تزل قدم بعد ثبوتها٧ وفى هذا المعنى عن التابعين ومن بعدهم كثير.
وذكرنا أكثر من ذلك في كتاب الانتصار واستدل النظام فقال: إن الله تعالى دلنا بموضع الشريعة على أنه منعنا من القياس فإنه تعالى فرق بين المتفقين وجمع بين المتفرقين فأباح النظر إلى الأمة وحرم النظر إلى شعر الحرة وإن كانت شوهاء وأيضا
стр. 595
أباح النظر إلى وجه الحرة وحرم النظر إلى شعرها مع اتفاقهما في معنى الشهوة وربما يكون هيج الشهوة عن النظر إلى الوجه أكثر منه عند النظر إلى الشعر وأوجب الغسل من المنى١ دون البول وحرم الصلاة بالحيض٢ دون الاستحاضة٣ وأوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة٤.
ببينة: أن القياس ليس إلا تشبيه الشئ بالشيء.
وقد زعمتم أن التفريق بين المتشابهين٥ لا يجوز وقد وجد التفريق بينهما في غير موضع من أحكام الشرع بدليل هذه الصورة. بل قد ترك الشرع الأولى عند النظر في المعانى بدليل أن المني نجاسته دون نجاسة البول وأوجب بخروجه الغسل وأوجب بخروج البول الوضوء خاصة وأيضا فإن الله تعالى أوجب الحد على من رمى محصنا بالزنا٦ ولم يوجب على من رمى إنسانا بالكفر والشرك شيئا٧ والكفر فوق الزنا.
ببينة: أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأي فيه.
قالوا: ولأنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين متضادي الحكم وذلك يقتضى ثبوت حكمين في محل واحد على وفق الشبه وهذا باطل فإذا القول بالشبه باطل.
قالوا: ولأن الإنسان لو قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسودا أو بريعا لأنه أبيض لم يجز أن يعتق في الأول كل عبد له أسود ولا في الثانى كل عبد له أبيض.
واحتج أبو زيد لهم أيضا فقال: إن أصل الشرع من أحكام الله تعالى في الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم وهى كلها خالص حق الله تعالى لأنها حدود دينية وحق الله تعالى لا ينبغى أن يثبت إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم قطعا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأى لا يوصلنا إلى ما عند الله تعالى.
стр. 596
قال: وأما أخبار الرسول صلى الله عليه [وسلم] ١ فهى غير مختلفة وهى في أصلها موجبة للعلم وأنما اختلفت الرواية على ما سبق. قالوا: ولأن في منعنا٢ من القياس أمرين بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين فإنا متى حجرنا عن القياس يلزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معانى اللسان وفى المحافظة على النصص إظهار قالب٣ الشريعة كما شرعه وفى التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب ويسقط الهوى عند حياة القالب وهذا لأن القالب لا يحيا إلا باستعمال الفكر في معانى النصوص ومعانيها جمة وافرة لا تنزف بأول الرأى وأول الفكر وقد تفنى الأعمار ومعانى النصوص تبقى غير مستدركة فثبت أن في ترك القياس موت البدع وسقوط الهوى فتموت البدع تماما من الدين وبسقوط الهوى استقامة العمل وفيها الفوز والنجاة للناس فهذا الذي ذكرناه احتجاج نفاة القياس وسنجيب بعون الله تعالى ونبتدئ بإثبات كونه دليلا لله تعالى في أحكام الشرع من حيث المعقول ومن حيث السمع وإنما نذكر من حيث العقل على طريق الرد عليهم والمعتمد هو السمع وأما دلائلنا في إثبات القياس. قال أولا: ونبين أن العقل يدل على التعبد به. فنقول: إن مرادنا بقولنا: إن العقل يدل على ذلك هو أنا إذا غلب على ظننا بأمارة شرعية علة حكم الأصل. ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها في شئ آخر فإن العقل يدل على قياس ذلك الشئ على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام أمارة شرعية على علة حكم الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر تحصل عندشدتها وينتفي عند انتفاء شدتها كان ذلك يقتضى الظن بكون شدتها علة تحريمها ومعلوم أن الشدة ثابته في النبيذ وإنما قلنا: إن العقل يدل على قياس النبيذ على الخمر لأن العقل يدل على قبح ما ظننا فيه أمارة الضرر وأمارة الضرر التحريم الا ترى أن العقل يقتضى قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا بثبوت أمارة المضرة فإن قيل: كيف يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه أمارة التحريم والمضرة مع أن الأمارة تخطئ وتصيب قيل له: كما يجب مثله في أمارة المضرة الحاصلة في القيام تحت حائط مائل فإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضى إباحة شرب النبيذ فلم يجز الانصراف عنه
стр. 597
لأمارة. قيل له: هذا موجود في الجلوس تحت حائط مائل لأن العقل يقتضى إباحة الجلوس في الأصل فيجب أن لا ينتقل عن هذه الإباحة لأمارة تجوز أن تخطى وتصيب فإن قيل: إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم والمضرة فلا فرق بينهما هذا دليل المتكلمين من المعتزلة ذكرناه على ما أورده أبو الحسين البصرى والأولى أن نذكر دليل العقل على وجه لا يؤدى إلى مذهب من مذاهبهم فنقول قد ثبت القول بحجج العقول في مواضعها فعلى هذا نقول: إن من قضية العقل أن كل شيئين مشتبهين فحكمهما من حيث أشتبها واحد ولولا أن الأمر في العقول كذلك لم يكن لنا سبيل إلى التمييز بين المتضادين ولا عرفنا صادقا من كاذب ولا محقا من مبطل ولا كاملا من ناقص ولا قصيرا من طويل ولذهب علم الحواس وبطلت فائدته وذكر الله الأمثال في كتابه وضرب الشبه بين المثال والممثل به وجرت عادة أهل العقل باستعمالها في كلامهم وابتذالها في مخاطبتهم وجمعوا بالمعنى بين الشئ وغيره وألحقوا حكمه بحكمه وهو كقول القائل إينما أتوجه ألقى سعدا وهو مثل مشهور من أمثال العرب وهو لرجل من بنى سعد رأى من قومه هذه الحكمة وسوء جوار فرحل عنهم وانتقل إلى قوم آخرين فرأى منهم مثل ذلك فأرسل هذه الكلمة مثلا وذلك أن القوم الذين صار إليهم لما كان معناهم في جواره معنى بنى سعد جعله منهم وألحقة في الحكم بهم وأجرى سنته عليهم وهو معنى قوله كل وبنو سعد وينو سعد قومى وعلى هذا يقا: خزيم الناعم: إذا وصفوه بالترفة والنعمة وما فلان إلا سخيا [وهو كما يقال] ١ هو الأمير إياد وصفوة بالبيان والفصاحة. ويقال: ما فلان إلا كليب [بن واسق إذا وصفوه] ٢ بالعز والمتعة والسلطان٣ إلا قارون إذا وصفوه بالثروة وأمثال هذا تكثر وعلى هذا المعنى. قيل للرجل الشجاع: أسد وللبليد حمار وللذمى كلب وكان متمم بن نويرة بعد ما نجع بأخيه مالك بن نويرة وهذا الذي قتله خالد بن الوليد لا يرى قبرا إلا بكى فعوتب على صنيعه. فقال:
وقالوا أتبكى كل قبر رأيته ... لقبرثوى بين اللوى والدكادك٤
стр. 598
فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ... دعونى فهذا كله قبر مالك
فهذا أعرابى من بنى يربوع لا يعرف مذاهب الفقهاء في القياس ولا طريقهم في الاعتبار وإنما جرى ذلك على حكم أرشده إليه عقله وسجية هداه اليها طبعه حين رأى الشبه بين الكل في معنى واحد وأمثال هذا تكثر فثبت أن الأمر في العقول الصحيحة على ما قلناه من أن كل مشتبهين فحكمهما من حيث اشتبها واحد وصح أن المعانى أدلة وأنها متى وجدت متفقة أو حيث اتفاق الحكم ومهما كانت مختلفة أوجبت اختلافه.
ببينة: أنه إذا كان النظام ومن تبعه يتبعون أدلة العقل في العقليات وبه يستدلون على إثبات الصانع وعلى حدث العالم إلى سائر ما هو معروف فوجب ألا يمتنعوا من ذلك في أحكام الشرع وفى فروع السمعيات فإنه إذا استقل شئ بأعظم الأمرين كان قمنا١ أن يستقل بأيسرها وإذا جاز أن يتعبدنا الله به في أصول الدين جاز أن يتعبدنا ويجعله دليلا في فروعه. فإن قيل: القياس في العقليات لا يتغير ولا يوجد فيه التفريق بين المشتبهات وقد وجد ذلك في السمعيات على ما سبق بيانه.
والجواب: أن الأصول التي يقع إليها رد الفروع في الشرعيات لا يتغير أيضا لأن الله تعالى قد أكمل الدين وبين الناسخ والمنسوخ واستقرت الشرعية قرارها فالسمعى والعقلى فيما تنازعنا فيه بمثابة واحدة وأما التفريق بين المشتبهات فغير جائز عندنا أن يقع التفريق بينهما من الوجه الذي يتعلق به الحكم فيهما وإن جاز أن يقع ذلك من سائر الوجوه وإنما المعتبر في الجمع والفرق على النكتة التي هي مناط الحكم ورباطه دون ما سواه وأما المسائل التي ذكروها من التفريق الموجود بين المشتبهين فالنص فرق بين المنى والبول والحيض والاستحاضة والحرة والأمة وقد يمكن أن يوجد معنى الوفاق بين المنى والبول من وجه وموضع الخلاف من وجه وذلك أن المنى والبول من حيث كانا خارجين من مخرج واحد جاءت الشريعة فيهما بإيجاب الطهارة فوجب التسوية بينهما في نوع الواجب ولم يقع التفريق بينهما في أن يجعل في أحدهما الطهارة بالماء وفي الآخر الطهارة [بالماء] ٢ وأما موضع الافتراق فهو أن أحدهما وهوالبول من حيث كان يكثر خروجه من بدن الإنسان وتدوم البلوى والمحنة فيه ورد
стр. 599
الشرع بتخفيف الطهارة عن صاحبه لئلا يشق عليه ولا يلحقه الضرر المجحف وأما المنى فإن خروجه من بدن الإنسان نادر وأنما هو في الفرط والحين فلما لم تكثر البلوى فيه وكان خروجه في العادة بالشهوة واللذة التي تشيع في جميع البدن ولم يكن في إيجاب الاغتسال ضرر قادح ورد الشرع بأعم الطهارتين وأسبغهما وأما الأمر في وجه المرأة وشعرها. قلنا: الأصل أن بدن المرأة كله عورة وأن عليها الستر وترك التبرج إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك وأما الشعر فلا ضرورة في إبرازه بحال فصار كسائر بدنها وإن تعلقوا بالحرة والأمة في الشعر وصورة الحرة الشوهاء والأمة الحسناء. فيقال لهم: إن القياس يقتضى الجمع بين الشيئين في الحكم واختلافهما إذا اشتركا وافترقا في علته لا في صورته فبينوا أولآ أن شعر الأمة والحرة اشتركا في علة التحريم والإباحة حتى يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع القياس. قال النظام: غرضي بما أوردته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بإبطال أماراتكم لأن الشريعة لو حرمت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة قلتم إنما حرم ذلك خوف الفتنة وذلك قائم في شعر الأمة الحسناء فوجب أن يحرم النظر إليه وهذا من أقوى أماراتكم في القياس فإذا شهدت الشريعة بإبطاله صح قولنا: إن وضع الشرع مانع من القياس. قال النظام: ونبين هذا الفرق بين القياس العقلى والقياس الشرعي فإن الأحكام العقلية لا تتفق مع التباين في العللل العقلية ولا تختلف مع الاتفاق في العلل ونحن نقول: إن شعر الأمة وشعر الحرة خارج على ما قلناه من اعتبار الحاجة. فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور وأما وجوب قضاء الصوم على الحائض وسقوط قضاء الصلاة ففيه إجماع وعلى أنه ليس بمستنكر وقوع الفرقان بين الصلاة والصوم. ألا ترى أن االمسافر يدع الصوم أصلا ولا يجوز تركه الصلاة وإنما السفر تأثيره في إثبات القصر ثم نقول إن الصوم ليس مما يتكرر في دوام الأوقات كالصلاة وإنما هو في السنة شهر واحد وربما يمر عليها الشهر كله ولا تحيض فيه فلم يكن في إلزامها الصوم كبير مشقة ولا كبير مضرة أما الصلاة لو
стр. 600
كلفت قضاءها لأيام حيضها لحقها حرج ظاهر ومشقة شديدة فرفع الله تعالى القضاء عنها رفقا بها وتخفيفا عنها وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق بينهما ظاهر لأن المقصود من إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد لينتفى منه عاره وشينه.
ببينة: أن الكافر يفعل الكفر تدينا فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال. بل قد تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة.
ألا ترى أن الغيم الرطب أمارة في الشتاء على المطر. ثم قد نجد غيما أرطب من كل غيم في صميم الشتاء وتخلف المطر ولا يدل ذلك على خروج الغيم الرطب عن كونه أمارة وكذلك وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة على كونه عند الأمير ثم قد يوجد مركب القاضى على باب الأمير وليس القاضي هناك ولا يدل ذلك على خروج ما ذكرناه عن كونه أمارة ونقول قولكم الشرع جمع بين المختلفين وفرق بين المتفقين كلام باطل لأن ذلك يوجب إحالة القياس في العقليات لأن العقل جمع بين المتضادين في حكم واحد كاجتماع السواد والبياض في الحاجة إلى محل وجمع بين مختلفين غير متضادين في الحكم كاجتماع الأعراض والأجسام ففى الافتقار إلى محدث وأمثال هذا تكثر وإذا كان مثل هذا يوجد فلا تخرج أماراتنا على الأحكام من كونها أمارات لها لوجودنا أماراتها والأحكام مختلفة عنها وهذا لأنه يجوز أن يفرق الله بين الأصول في الأحكام فيجعل بعضها عقيما لا يثمر فرعا وبعضها مثمرا يستدل بمعانيها على فروعها وثمارها وعلى أنا نزيد لما ذكرنا من أصل الطريقة تقريرا لنبين به الكلام زيادة بيان وهو أنه لو لم يكن لأحكام الشرع معان تجري في جميع ما وجدت فيه تلك المعاني لم تكن تتعدى مواضعها التي وقعت فيها والأعيان التي خرجت عليها ولم يجز أن يشارك عمرو الذي لم يحكم له أو عليه بها زيدا الذي حكم له أو عليه ولما اتفقوا على أن في رجم ماعزا دليلا على رجم غيره إذا زنى وفى بيع عبد مدبر