← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال: وأما أخبار الرسول صلى الله عليه [وسلم] ١ فهى غير مختلفة وهى في أصلها موجبة للعلم وأنما اختلفت الرواية على ما سبق. قالوا: ولأن في منعنا٢ من القياس أمرين بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين فإنا متى حجرنا عن القياس يلزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معانى اللسان وفى المحافظة على النصص إظهار قالب٣ الشريعة كما شرعه وفى التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب ويسقط الهوى عند حياة القالب وهذا لأن القالب لا يحيا إلا باستعمال الفكر في معانى النصوص ومعانيها جمة وافرة لا تنزف بأول الرأى وأول الفكر وقد تفنى الأعمار ومعانى النصوص تبقى غير مستدركة فثبت أن في ترك القياس موت البدع وسقوط الهوى فتموت البدع تماما من الدين وبسقوط الهوى استقامة العمل وفيها الفوز والنجاة للناس فهذا الذي ذكرناه احتجاج نفاة القياس وسنجيب بعون الله تعالى ونبتدئ بإثبات كونه دليلا لله تعالى في أحكام الشرع من حيث المعقول ومن حيث السمع وإنما نذكر من حيث العقل على طريق الرد عليهم والمعتمد هو السمع وأما دلائلنا في إثبات القياس. قال أولا: ونبين أن العقل يدل على التعبد به. فنقول: إن مرادنا بقولنا: إن العقل يدل على ذلك هو أنا إذا غلب على ظننا بأمارة شرعية علة حكم الأصل. ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها في شئ آخر فإن العقل يدل على قياس ذلك الشئ على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام أمارة شرعية على علة حكم الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر تحصل عندشدتها وينتفي عند انتفاء شدتها كان ذلك يقتضى الظن بكون شدتها علة تحريمها ومعلوم أن الشدة ثابته في النبيذ وإنما قلنا: إن العقل يدل على قياس النبيذ على الخمر لأن العقل يدل على قبح ما ظننا فيه أمارة الضرر وأمارة الضرر التحريم الا ترى أن العقل يقتضى قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا بثبوت أمارة المضرة فإن قيل: كيف يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه أمارة التحريم والمضرة مع أن الأمارة تخطئ وتصيب قيل له: كما يجب مثله في أمارة المضرة الحاصلة في القيام تحت حائط مائل فإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضى إباحة شرب النبيذ فلم يجز الانصراف عنه

стр. 597

لأمارة. قيل له: هذا موجود في الجلوس تحت حائط مائل لأن العقل يقتضى إباحة الجلوس في الأصل فيجب أن لا ينتقل عن هذه الإباحة لأمارة تجوز أن تخطى وتصيب فإن قيل: إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم والمضرة فلا فرق بينهما هذا دليل المتكلمين من المعتزلة ذكرناه على ما أورده أبو الحسين البصرى والأولى أن نذكر دليل العقل على وجه لا يؤدى إلى مذهب من مذاهبهم فنقول قد ثبت القول بحجج العقول في مواضعها فعلى هذا نقول: إن من قضية العقل أن كل شيئين مشتبهين فحكمهما من حيث أشتبها واحد ولولا أن الأمر في العقول كذلك لم يكن لنا سبيل إلى التمييز بين المتضادين ولا عرفنا صادقا من كاذب ولا محقا من مبطل ولا كاملا من ناقص ولا قصيرا من طويل ولذهب علم الحواس وبطلت فائدته وذكر الله الأمثال في كتابه وضرب الشبه بين المثال والممثل به وجرت عادة أهل العقل باستعمالها في كلامهم وابتذالها في مخاطبتهم وجمعوا بالمعنى بين الشئ وغيره وألحقوا حكمه بحكمه وهو كقول القائل إينما أتوجه ألقى سعدا وهو مثل مشهور من أمثال العرب وهو لرجل من بنى سعد رأى من قومه هذه الحكمة وسوء جوار فرحل عنهم وانتقل إلى قوم آخرين فرأى منهم مثل ذلك فأرسل هذه الكلمة مثلا وذلك أن القوم الذين صار إليهم لما كان معناهم في جواره معنى بنى سعد جعله منهم وألحقة في الحكم بهم وأجرى سنته عليهم وهو معنى قوله كل وبنو سعد وينو سعد قومى وعلى هذا يقا: خزيم الناعم: إذا وصفوه بالترفة والنعمة وما فلان إلا سخيا [وهو كما يقال] ١ هو الأمير إياد وصفوة بالبيان والفصاحة. ويقال: ما فلان إلا كليب [بن واسق إذا وصفوه] ٢ بالعز والمتعة والسلطان٣ إلا قارون إذا وصفوه بالثروة وأمثال هذا تكثر وعلى هذا المعنى. قيل للرجل الشجاع: أسد وللبليد حمار وللذمى كلب وكان متمم بن نويرة بعد ما نجع بأخيه مالك بن نويرة وهذا الذي قتله خالد بن الوليد لا يرى قبرا إلا بكى فعوتب على صنيعه. فقال: وقالوا أتبكى كل قبر رأيته ... لقبرثوى بين اللوى والدكادك٤

стр. 598

فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ... دعونى فهذا كله قبر مالك فهذا أعرابى من بنى يربوع لا يعرف مذاهب الفقهاء في القياس ولا طريقهم في الاعتبار وإنما جرى ذلك على حكم أرشده إليه عقله وسجية هداه اليها طبعه حين رأى الشبه بين الكل في معنى واحد وأمثال هذا تكثر فثبت أن الأمر في العقول الصحيحة على ما قلناه من أن كل مشتبهين فحكمهما من حيث اشتبها واحد وصح أن المعانى أدلة وأنها متى وجدت متفقة أو حيث اتفاق الحكم ومهما كانت مختلفة أوجبت اختلافه. ببينة: أنه إذا كان النظام ومن تبعه يتبعون أدلة العقل في العقليات وبه يستدلون على إثبات الصانع وعلى حدث العالم إلى سائر ما هو معروف فوجب ألا يمتنعوا من ذلك في أحكام الشرع وفى فروع السمعيات فإنه إذا استقل شئ بأعظم الأمرين كان قمنا١ أن يستقل بأيسرها وإذا جاز أن يتعبدنا الله به في أصول الدين جاز أن يتعبدنا ويجعله دليلا في فروعه. فإن قيل: القياس في العقليات لا يتغير ولا يوجد فيه التفريق بين المشتبهات وقد وجد ذلك في السمعيات على ما سبق بيانه. والجواب: أن الأصول التي يقع إليها رد الفروع في الشرعيات لا يتغير أيضا لأن الله تعالى قد أكمل الدين وبين الناسخ والمنسوخ واستقرت الشرعية قرارها فالسمعى والعقلى فيما تنازعنا فيه بمثابة واحدة وأما التفريق بين المشتبهات فغير جائز عندنا أن يقع التفريق بينهما من الوجه الذي يتعلق به الحكم فيهما وإن جاز أن يقع ذلك من سائر الوجوه وإنما المعتبر في الجمع والفرق على النكتة التي هي مناط الحكم ورباطه دون ما سواه وأما المسائل التي ذكروها من التفريق الموجود بين المشتبهين فالنص فرق بين المنى والبول والحيض والاستحاضة والحرة والأمة وقد يمكن أن يوجد معنى الوفاق بين المنى والبول من وجه وموضع الخلاف من وجه وذلك أن المنى والبول من حيث كانا خارجين من مخرج واحد جاءت الشريعة فيهما بإيجاب الطهارة فوجب التسوية بينهما في نوع الواجب ولم يقع التفريق بينهما في أن يجعل في أحدهما الطهارة بالماء وفي الآخر الطهارة [بالماء] ٢ وأما موضع الافتراق فهو أن أحدهما وهوالبول من حيث كان يكثر خروجه من بدن الإنسان وتدوم البلوى والمحنة فيه ورد

стр. 599

الشرع بتخفيف الطهارة عن صاحبه لئلا يشق عليه ولا يلحقه الضرر المجحف وأما المنى فإن خروجه من بدن الإنسان نادر وأنما هو في الفرط والحين فلما لم تكثر البلوى فيه وكان خروجه في العادة بالشهوة واللذة التي تشيع في جميع البدن ولم يكن في إيجاب الاغتسال ضرر قادح ورد الشرع بأعم الطهارتين وأسبغهما وأما الأمر في وجه المرأة وشعرها. قلنا: الأصل أن بدن المرأة كله عورة وأن عليها الستر وترك التبرج إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك وأما الشعر فلا ضرورة في إبرازه بحال فصار كسائر بدنها وإن تعلقوا بالحرة والأمة في الشعر وصورة الحرة الشوهاء والأمة الحسناء. فيقال لهم: إن القياس يقتضى الجمع بين الشيئين في الحكم واختلافهما إذا اشتركا وافترقا في علته لا في صورته فبينوا أولآ أن شعر الأمة والحرة اشتركا في علة التحريم والإباحة حتى يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع القياس. قال النظام: غرضي بما أوردته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بإبطال أماراتكم لأن الشريعة لو حرمت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة قلتم إنما حرم ذلك خوف الفتنة وذلك قائم في شعر الأمة الحسناء فوجب أن يحرم النظر إليه وهذا من أقوى أماراتكم في القياس فإذا شهدت الشريعة بإبطاله صح قولنا: إن وضع الشرع مانع من القياس. قال النظام: ونبين هذا الفرق بين القياس العقلى والقياس الشرعي فإن الأحكام العقلية لا تتفق مع التباين في العللل العقلية ولا تختلف مع الاتفاق في العلل ونحن نقول: إن شعر الأمة وشعر الحرة خارج على ما قلناه من اعتبار الحاجة. فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور وأما وجوب قضاء الصوم على الحائض وسقوط قضاء الصلاة ففيه إجماع وعلى أنه ليس بمستنكر وقوع الفرقان بين الصلاة والصوم. ألا ترى أن االمسافر يدع الصوم أصلا ولا يجوز تركه الصلاة وإنما السفر تأثيره في إثبات القصر ثم نقول إن الصوم ليس مما يتكرر في دوام الأوقات كالصلاة وإنما هو في السنة شهر واحد وربما يمر عليها الشهر كله ولا تحيض فيه فلم يكن في إلزامها الصوم كبير مشقة ولا كبير مضرة أما الصلاة لو

стр. 600

كلفت قضاءها لأيام حيضها لحقها حرج ظاهر ومشقة شديدة فرفع الله تعالى القضاء عنها رفقا بها وتخفيفا عنها وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق بينهما ظاهر لأن المقصود من إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد لينتفى منه عاره وشينه. ببينة: أن الكافر يفعل الكفر تدينا فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال. بل قد تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة. ألا ترى أن الغيم الرطب أمارة في الشتاء على المطر. ثم قد نجد غيما أرطب من كل غيم في صميم الشتاء وتخلف المطر ولا يدل ذلك على خروج الغيم الرطب عن كونه أمارة وكذلك وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة على كونه عند الأمير ثم قد يوجد مركب القاضى على باب الأمير وليس القاضي هناك ولا يدل ذلك على خروج ما ذكرناه عن كونه أمارة ونقول قولكم الشرع جمع بين المختلفين وفرق بين المتفقين كلام باطل لأن ذلك يوجب إحالة القياس في العقليات لأن العقل جمع بين المتضادين في حكم واحد كاجتماع السواد والبياض في الحاجة إلى محل وجمع بين مختلفين غير متضادين في الحكم كاجتماع الأعراض والأجسام ففى الافتقار إلى محدث وأمثال هذا تكثر وإذا كان مثل هذا يوجد فلا تخرج أماراتنا على الأحكام من كونها أمارات لها لوجودنا أماراتها والأحكام مختلفة عنها وهذا لأنه يجوز أن يفرق الله بين الأصول في الأحكام فيجعل بعضها عقيما لا يثمر فرعا وبعضها مثمرا يستدل بمعانيها على فروعها وثمارها وعلى أنا نزيد لما ذكرنا من أصل الطريقة تقريرا لنبين به الكلام زيادة بيان وهو أنه لو لم يكن لأحكام الشرع معان تجري في جميع ما وجدت فيه تلك المعاني لم تكن تتعدى مواضعها التي وقعت فيها والأعيان التي خرجت عليها ولم يجز أن يشارك عمرو الذي لم يحكم له أو عليه بها زيدا الذي حكم له أو عليه ولما اتفقوا على أن في رجم ماعزا دليلا على رجم غيره إذا زنى وفى بيع عبد مدبر

стр. 601

دليل على جواز بيع مدبر غيره وفى قوله ﷺ لفاطمة بنت أبى حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" ١ دليل على أن غيرها من النساء يكن أمثالها في هذا الحكم وفي قوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ٢ دليل على غيرها وفى قوله ﷺ للأعرابى حين قال له: هل على غيرهن قال: "لا إلا أن تطوع" ٣. دليل على سقوط ما وراءها عن كافة الناس وقد روى عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ٤: أنه خرج مرة وفى يده ذهب وحرير. فقال: "هذان حلال لإناث أمتى حرام عل ذكورهم" ٥ وإنما وقعت الإشارة منه في ذلك القول إلى ما في يده منهما ثم كان الحكم متعديا إلى جميع الجنس فيهما فثبت أن المعانى في الأحكام معتبرة وأنها إلى كل عين وجدت فيها متعدية. وهم يقولون: إنما أثبتنا هذه الأحكام التي ذكرتموها في حق غير من ورد فيهم بدليل آخر فيجوز أن يكون ذلك الدليل هو الإجماع ويجوز أن يكون ذلك الدليل قوله صلى الله عليه [وسلم] ٦: "خطابي للواحد خطابي للجماعة". وقالوا أيضا: الكلام في العلل الظنية وكون الزنا مع الإحصان علة الرجم علة مقطوع بها وكذا في سائر ما قلتم والاعتماد على ما سبق طريقة ثانية في إثبات القياس نقول: الضرورة داعية إلى وجوب القياس لأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولابد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم إما بتحريم أو تحليل فإذا كانت النصوص قاصرة عن تناول جميع الحوادث وكان التكليف واقعا بمعرفة الأحكام لم يكن لنا طريق نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس. ألا ترى: أنا إذا تركنا القياس تعطلت

стр. 602

أحكام الحوادث فصح قولنا: إن الضرورة داعية إلى استعمال القياس والأصل أن الأسباب والمعاون التي بها يتوصل إلى الشئ المأمور به في معنى المأمور به والمنطوق بذكره فيكون الأمر الوارد بالجملة منطويا عليها وإنما يقع السكوت عنها اختصارا للكلام واعتمادا على فهم المخاطب وهذا كالقبلة أمرنا باستقبالها في حال الغيبة كان الاستدلال بالعلامات الموصلة إليها لازما لنا ومعلوم أن من استؤجر لإيصال كتاب إلى موضع كان عليه فعل ما يوصله إليه من سير وقطع مسافة ومن استأجر أجيرا ليخبز له خبزا فقد انتظم ذلك إيقاد النار وتسجير التنور وإن لم يجر ذكره في لفظ الإجارة وكذلك ها هنا إذا لم يصل إلى معرفة أحكام الحوادث إلا بالقياس وجب عليه استعمال القياس كما لزمنا حكم الحادثة يدل عليه أنا إذا سلكنا هذا الطريق وصلنا به إلى الائتمار وإذا عدلنا عنه لم نصل إليه بعلمنا أنه الواجب وقد أمرنا بنفقة الزوجات وتقويم المتلفات وأورش الجنايات ولم يرد بتقديرها توقيف ولا يجوز أن يكلف معرفته ما لا سبيل لنا إلى معرفة فعلم أن طريقها الاجتهاد واستعمال أسبابه الموصلة إليها. فإن قيل: لا ضرورة لأن العلة قد ارتجت بما يدل عليها قضايا العقول في الحوادث على مما ذكروا في حجتهم قد بينا من قبل أن العقل لا يدل على شئ بنفسه لا تقبيح ولا تحسين ولا إيجاب ولا حظر وقد ذكرنا في هذا الباب ما فيه غنية وعلى أن الدليل من حيث [إن] ١ العقول متعارضة لأن قول من يزعم أن العقل يدل على إباحة الأشياء في الأصل يعارضه قول من يزعم أنه يدل على الحظر وبإزائها من يقول بالتوقف فإذا تعارضت هذه الأقوال فعلى أيها يعتمد. ثم يقال لهم: ما ذهبتم إليه من الرجوع إلا دلائل العقول مخالف لفعل النبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ فإنه ﷺ كان يقف في الأمور التي لا يجد فيها نصا ولا يردها إلى الإباحة بقضية العقل وكذلك الصحابة كانوا يقيسون الأحكام بأدلة الشرع. ويقال لهم: أيضا إنا قد وجدنا في الشرع مسائلا وأحكاما لا يتصور الحكم فيها على قضايا العقول لأن ما قاله إنما يتصور في الاشياء التي اختلفوا في تحليلها وتحريمها. فنقول: احملها على قضية العقل في إثبات الإباحة وإذا وقع التنازع ففى أمر العقود والفسوخ وإلزام كل واحد من المتعاقدين تسليم ما يلزم منها وإسقاط ما يسقط كيف يحمل أمثال هذا على قضية

стр. 603

العقل وكذلك في باب الأنكحة فلا يدرى كيف يتمشى هذا الأصل الذي زعموه. فإن قالوا: يستصحب الحال فيما لا دليل فيه. قلنا: استصحاب الحال في العقود مع الاختلاف متعذر متناقض لأنه ما من حكم يتسصحب فيه حالة لإثباته إلا ويعارضه ما يوجب نفيه. أنه إذا وقع الاختلاف في فسخ النكاح بالعيب. ألا ترى: فالاستصحاب من أحد الجانبين يوجب الفسخ والاستصحاب من الجانب الآخر يمنع الفسخ وكذلك إذا اشترى جارية ثيبة ووطئها. ثم اطلع على عيب بها وأراد ردها فإن الاستصحاب في أحد الجانبين يوجب الرد وفى الجانب الآخر يمنع الرد فثبت أن الضرورة التي ادعيناها متحققة قطعا والذي قالوه خيرا من كلامهم أن الفكر في معاني النصوص وأشارتها وقضاياها تغنى عن القياس مجرد دعوى ونحن نعلم بطريق القطع وجود حوادث لا تدل عليها النصوص بوجه ألا ترى أنا وجدنا حوادث اختلف الصحابة فيها وقال كل أحد بخلاف ما قال صاحبه ولم يحتج أحد منهم على الآخر بنص ولا بمعنى نص ولو كانت النصوص تتناول جميع الحوادث لاحتجوا بها وإن رجعوا إلى قضية العقل فقد سبق إبطاله وعلى أن تناول العقل حكم الحادثة إنما يقتضى إثبات حكمة فيها ويغنى عمن سواه إذا لم ينقل عن العقل دليل شرعى فعليهم أن يثبتوا أن القياس ليس بدليل شرعى يوجب الانتقال عن قضية العقل هذا إذا كان القياس غير مطابق لحكم العقل وأما إذا كان مطابقا له فما المانع أن يدل هو على الحكم إيجاد مع العقل كما يدل العقل على الحادثة مع خبر الواحد فبطل ما قالوه من كل وجه. طريقة ثالثة في إثبات القياس: فهو التمسك بإجماع الصحابة وذلك أنهم اختلفوا في أمر من أمور الدين فصار كل واحد منهم إلى نوع من القياس فلم ينكر صاحبه ذلك منه مع إنكاره عليه قضية حكمه كمسألة الجد١ والمشتركة وميراث ذوي الأرحام فإن الاختلاف بينهم في هذه

стр. 604

المسائل مشهور واحتجاجهم فيها من طريق القياس مذكور كقول ابن عباس لزيد: أتجعل ابن الابن ابنا ولا تجعل أب الأب أبا وتشبيه زيد مثالا بالرأى في مسألة الأخوة مع الجد وذلك مثال غصن الشجرة وجدول النهر وروى قريب في هذه المسألة عن على وكقول من حاج عمر في توريث الأخ للأب والأم مع الأخوة للأم في مسألة المشتركة١ هب أن أبانا كان حمارا ألسنا بنى أم واحدة فرجع عمر إلى التشريك٢ لما نبهه هذا الرجل على موضع المساواة في السبب الذي يستحق به الإرث وروي أن أبابكر رضى الله عنه ورث أم الأم ولم يورث أم الأب. فقال له عبد الرحمن بن سهل لرجل من الأنصار وقد شهد بدرا: لقد ورثت امرأة لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورثها. فأشرك عند ذلك أبو بكر ﵁ بينهما

стр. 605

بالسدس١ واتفقت الصحابة على الزيادة في حد الشارب٢. وقالوا: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون٣. ثم قالوا: هو رأى رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ٤ وأوجبوا فيه الدية إذا أتلف بالضرب واختلفوا في أم الولد: فقال علي: اجتمع رأيى ورأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن وكتب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى كتابا في تعليم القضاء [فقال فيه] ٥: الفهم الفهم فيما يتحالج في صدرك مما ليس في الكتاب والسنة أعرف الأشباه والأمثال. ثم قس الأمور وراجع الحق إذا علمته فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل٦. وعن ابن مسعود رضى الله عنه في قصة بروع بن واشق: أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان: لها مهر بمثل نسائها لا وكس ولا شطط٧ وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: إنى رأيت في الجد رأيا فاتبعونى وقال له مسروق أو غيره إن تتبع رأيك فرأيك رشد وأن تتبع رأى من قبلك فنعم ذا الرأى٨ يعنى أبا بكر رضى الله عنه أو غيره كان وقال رضى الله عنه في قصة بروع بالرأى حسبها الميراث لا مهر لها٩. وقال ابن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما أرى هذا أحيا بعض النفس قال عمر: وأنا أرى ذلك واختلفوا أيضا في مسألة الحرام.

стр. 606

فقال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما: هو يمين١ وقال على كرم الله وجهه: هو طلاق [ثلاث] ٢. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: طلقة واحدة٣. وقال ابن عباس رحمة الله عليه: هو ظهار. واختلفوا أيضا في مسألة المخيرة وخلافهم في ذلك معروف في اختيارها نفسها٤ أو اختيارها زوجها٥. قال زاذان عن على رضى الله عنه: سألنى عمر رضى الله عنه عن المخيرة. فقلت: إن اختارت زوجها فهى واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة. فقال: ليس كذلك ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها وإن اختارت زوجها فلا شيء فتابعته على ذلك فلما خلص الأمر إلى عدت إلى ما كنت أرى. فقلنا له: لأمر جامعت فيه أمير المؤمنين عمر ﵁ وتركت له رأيك أحب إلينا من رأى انفردت به فضحك. وقال: أما أنه أرسل إلى ازيد بن ثابت فخافني وإياه. وقال: إن اختارت زوجها فهى واحدة وهو أحق بها وإن اختارت نفسها فهي [ثلاث٦] ٧ وهم في هذه المسائل رجعوا إلى مجرد الرأى لأنهم لابد أن يكونوا قالوا: عن طريق إذ لا يجوز أن يكونوا قالوا ما قالوا جزافا

стр. 607

ونحن نعلم أنهم يقولون عن نص فدل أنهم قالوا عن قياس وتتبع هذا يطول والأمر في هذا أشهر من أن يحتاج معه إلى إكثار على هذا المنهاج كان أمر التابعين في المحاجة والمقايسة ولم يصح عن أحد منهم في ذلك إنكار وخلاف وهو ميراث الأمة إلى زماننا فإن قالوا: يحتمل أنهم قالوا ما قالوا عن نص. ثم يقولون: تعلقتم فيما صرتم إليه بالإجماع وأنتم لا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجوعكم إليه فيما تأتون وتدرون وتصححون وتبطلون والأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف انضبط لكم ما يفسد منها؟ وما يصح ذكر هذا السؤال الشيخ أبو المعالى على هذا اللفظ وذكر أن هذا سؤال مشكل. والجواب: أن دعوى النص محال لأنه لا يتصور من جهة العادات في عدد كبير يهتمون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلق به حكم شرعى أن يعملوا إظهار ما اشتدت إليه الحاجة مما يتعلق به حكم شرعى ووقع فيه الاختلاف ويفارق هذا ترك نقل ما اجتمعوا عليه لأجله فإنه يجوز لأن الإجماع حجة وقد أغنى عن الخبر وليس كذلك إذا وقع الاختلاف ووقعت الحاجة إلى المحاجة بالنص فلا يتصور أن يكتموا الخبر إن كان هناك خبر. وأما كلامهم الثاني: فقد حكم المورد له أنه سؤال كل ولا أدرى وجه الإشكال في هذا السؤال وهذه الآثار صرحت المصير إلى الرأى من الصحابة بالانضباط فيما اتفقوا عليه وقد دلت هذه الآثار أنهم قالوا ما قالوه عن الرأى فإن قالوا: لم يحك عنهم الاختلاف في الأقوال في هذه المسألة ولم ينقل عنهم تصريح بعلة. قلنا: قد ذكرنا ونقلنا محاجتهم بضرب الأمثلة وعلى أن التنبيه منهم على العلة والقياس قد وجد وتعين مسألة واحدة. فنقول في مسألة الحرام: من قال منهم: إنه طلاق ثلاث١. فقال: مطلق التحريم يقتضى غاية التحريم ومن جعله طلقة واحدة٢ اعتبر أقل ما ثبت ومن جعله إيلاء اعتبر أن الزوج قد منع نفسه بهذا القول عن وطئها ومن جعله ظهارا٣ أجراه مجرى ذلك من قبل تقييد التحريم بلفظ ليس بلفظ طلاق ولا إيلاء

стр. 608

وإذا كان هذا الذى ذكرناه ممكنا ولم يكن ذكر نص ولأنهم قالوا بغير طريق وجب القطع على أنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجرى مجراه وأيضا فإن الناس قد يقتصرون على الفتوى في كلامهم ويعلم السامع الوجه الدال على الفتوى من نفس الفتوى وقال بعضهم: إنهم قالوا في مسائل المواريث ما قالوه بالصلح أو بأقل ما يجب وهذا ليس بشئ لأن المنقول في مسألة المواريث إثبات الإرث ونفيه وتقديره في بعض المواضع فكيف يتصور الصلح على هذا؟ وقولهم: إنهم أوجبوا أقل ما قيل باطل لأنه لم يتقدم اختلافهم [في] ١ أقوال هم قالوا بأقلها ولا اتفوا على قول حتى يقال: إنه أقل ما قيل بل قالوا أقاويل متباينة بعضها يخالف البعض وثبت ها هنا عما نقلوه عن الصحابة والتابعين من ذم الرأى قلنا إنما قالوه في الرأى الفاسد الذي لا [تعلق] ٢ له بأصل من الأصول أو قالوا ذلك في القياس قياس الذي بخلاف النص ألا ترى أن عليا رضى الله عنه قال حين قال: لو كان الدين بالرأى ولكنى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر قدميه٣ والدليل على أن المراد منهم بما قالوا أحد هذين الوجهين أنه ثبت عنهم القول بالقياس واعتبار الأشباه والأمثال على ما ذكرناه وعلى ما ذكرنا بأول قول التابعين. ألا ترى: أن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس٤ وإنما أراد به القياس الفاسد دون الصحيح. ببينة: أن إبليس كان قد اعترض بالقياس على النص وما كان من القياس كذلك فإنا لا نجوزه ولا نعمل به وكذلك قوله: ماعبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس يرد به المقاييس الفاسدة وقد ورد النهى الصريح في الكتاب عن السجود لها وذلك قوله : ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وكذلك الذي حكوه عن الشعبى إنما هو في القياس الخالى عن أداة الأصول وقد كان ظهر في آخر زمان التابعين قوم يقدمون الرأى على السنن فإنما أراد ذلك وكل ما نقل من أمثال هذا يكثر وقد حمل جميع ما نقل من ذم الرأى من الصحابة والتابعين على الرأي قبل طلب السنن وعندنا يجب طلب حكم الحادثة من

стр. 609

السنة أولا ثم يصير إلى القياس وكذلك الجواب عن الأخبار التي تعلقوا بها عن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ وعلى أنه ليس في تلك الأخبار خبر ثابت غير خبر عبد الله ابن عمرو في قبض العلم٢ فإما سائر الأخبار فلا تعرف ولا نقل في كتاب يوثق به فلا يجوز التعويل عليها. فإن قالوا: اعتمدتم على إجماع الصحابة ولم يوجد إجماع الصحابة لأنكم نقلتم ما نقلتكم عن نفر يسير فأين الإجماع؟ قلنا: نقلنا عن وجوههم ولم ينقل عن واحد منهم خلاف ذلك وقد بينا أن القول المنتشر إذا لم يظهر له مخالف يكون إجماعا فكيف في هذه الأقوال المنتشرة؟ فإن قالوا: إنما تركوا إنكاره لأنه كان صغيرة وإنما تنكر الكبائر. قلنا: كما يجب إنكار الكبائر يجب إنكار الصغائر وعلى أنا بينا أنه لم تجر العادة فيما هذا سبيله أن يظهر الخلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ٣ على شئ ونعلم أنهم قالوا ما قالوا عن الرأى فيكون منكراثم تطبق الجماعة على ترك إنكاره. ألا ترى: أنه لما ظهر بينهم الاختلاف والتنازع كيف أنكر بعضهم على بعض حتى صاروا إلى التجاذب والتقاتل واعلم أن الاحتجاج بإجماع الصحابة دليل في نهاية الاعتماد وهو مما يقطع العذر ويزيح الشبهة فليكن به التمسك. طريقة رابعة: وهى الاستدلال بالكتاب والسنة: قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فأمر بالاعتبار والإستباط والاعتبار اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه يقال: اعتبر هذا بمقداره وقال ابن عباس رضى الله عنه في الأسنان: اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية٤ وقولهم: إن في هذه العبرة مغناة أن فيه ما يقتضى حمل غيره عليه وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من النص حتى يبرز ويظهر فإن قيل:

стр. 610

الاعتبار الاتعاظ والانزجار وليس بمعنى القياس الذي يدعونه وقيل: إن الاعتبار لا يدل على معرفة الشئ بغيره إنما هو تبيين الشئ نفسه. ببينة: أنه يقال للقائس معتبر لا لسانا ولا عادة وإنما الذي يعرف معنى المعتبر هو الاتعاظ والتفكر في نفس الشئ والجواب: أن وزن الاعتبار افتعال من العبرة والعبرة أصلها في اللغة المثال ومنها يقال: أخذ السلطان العشر على عبرة العام الماضي أى على مثاله ومن هذا تعبير الموازين والمكاييل إنما هو تمثيل بعضها ببعض وتسويتها على مثال واحد ومنه تعبير الرؤيا وهو تمثيلها بأمور تطابق معانيها معاني الرؤيا وقيل هو تعديتها ونقلها من ظواهرها إلى مواطن معانيها من قولك عبرت النهر أى صرت من أحد العبرين إلى الآخر والعبر الشاطئ فثبت بما قلناه أن الاعتبار هو إجزاء الشيء على مثال غيره وبطل بهذا ما زعموه أنه معرفة الشئ نفسه والتفكير فيه وأما حملهم على الاتعاظ والانزجار غاية الاعتبار فعلمنا أن معناهما مختلف وقد قال الشاعر في الاعتبار: واعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب وظهر بهذا أن الاعتبار هو ما قدمناه من اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم من الأمر بالقياس لحسن التصريح به وهو أن يقول: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] فقلبوا الأرز على البر وهذا التصريح يكون فاسدا عند كل عاقل فدل أنه ليس هو المراد. قالوا: وأما الاستنباط المذكور في القرآن فهو استخراج الشئ من كونه باطنا ليظهر فتحمله على الاستدلال بمعانى النصوص وقد يقال لمن استدل على الشيء بما يخفى في النصوص: قد يستنبط هذا الحكم من هذا النص. والجواب: أما الأول: فإنما لا يجوز ما قالوه لأنه اقتصار على ما تعلق له بالكلام في ظاهره فلم يحسن لهذا لكن حسن مع هذا قوله: "فاعتبروا" لإن اشتمل على ما يتعلق بالكلام الأول وعلى ما لا يتعلق به. ألا ترى: أن النبى ﷺ لو سئل عمن ابتلع حصاة في شهر رمضان لم يحسن أن يقول: من جامع فعليه الكفارة ويحسن أن يقول: من أفطر فعليه الكفارة وإذا قال ذلك دخل فيه من جامع ومن بلع الحصاة وقد اعترض على الآية. فقيل: إن قوله: "فاعتبروا" ليس على العموم لأنه لا يجب ما قلتموه في كل موضع وإذا لم يجب في كل موضع فنحن نقول: نوجب الاعتبار

стр. 611

بالتفكر في معاني النصوص فهذا رجوع إلى ما سبق والجواب بما قدمنا. وأما الاستنباط فالاستدلال به أيضا صحيح والذي قالوه من حمله على الاستدلال بمعانى النصوص. قلنا: الذي قلتموه استنباط والقياس الذي اختلفنا فيه من وجوه الاستنباط أيضا فيكون الاستنباط المذكور مشتملا على الكل وفى الباب آيات كثيرة وأحسن ما يستدل به هاتان الآيتان وأما السنة فحديث معاذ أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيى ولا آلو. قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله" ٢ وهذا نص [ثابت] ٣ وهم يقولون هذا خبر واحد لا يثبت به مثل هذا الأصل وقد قالت الأصحاب: هو خبر واحد ولكن تلقته الأمة بالقبول فصار دليلا مقطوعا به وتعلقوا أيضا بما روى أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ٤ قال لعمر حين سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت كان يضرك؟ " قال: لا قال: "ففيم" ٥ إذا فجعل القبلة بغير إنزال قياسا على المضمضة بغير ازدراد والخبر أيضا خبر واحد مثل الأول ويدل عليه قوله ﷺ للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يقبل منك" قالت: بلى قال: "فدين الله أحق أن يقضى" ٦. وقال النبى صلى الله عليه [وسلم] ٧ في الهرة: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٨ فقد علل بعلة مؤثرة وهى التطواف علينا والعلة

стр. 612

ضرورة الطواف وتعذر الاحتراز وقال صلى الله عليه [وسلم] ١ في دم الاستحاضة: "إنها دم عرق" ٢ ولهذا الذي ذكرناه أمثال سواه فاقتصرنا على هذا القدر وفيما نقلناه من الأخبار [في] ٣ تعليم استعمال القياس وقد تعلق الأصحاب أيضا بالاجتهاد في القبلة. وقالوا: تعبدنا الله تعالى بالاستدلال بالأمارات على جهة القبلة إذا اشتبه علينا أمرها ونصلى إلى الجهة التي ظننا أن القبلة فيها وهذا تعبد بالاستدلال بالأمارات فدل ذلك على حسنها واعترضوا على هذا وقالوا من الناس من لا يجوز الاجتهاد في طلب القبلة ومن اشتبهت عليه القبلة صلى إلى الجهات كلها. قلنا: لا نسلم وإن سلمنا فالأمارات الدالة على القبلة أمارات عقلية لا سمعية ونحن إنما منعنا الأمارات المظنونة في الحوادث الشرعية ولسنا نمنع العمل بالأمارات العقلية وفى المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب أو غيرهم لكن الاعتماد على الدلائل الأول والثانى والثالث وأمثلها وأحسنها إجماع الصحابة وأما التعلق بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة فلا بأس بها لتكثر الدلائل فأما الاعتماد عليها ابتداء فلا يصح لأن الأخبار آحاد وليس في نص القرآن ما يدل على جواز القياس ولكن إن وجد يوجد من طريق الاستدلال ولابد من دليل قطعى في إثبات القياس والظاهر المحتمل لا يحتج به في القطعيات فالأولى ما ذكرنا. فأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم إن الشرعيات مصالح. قلنا: قد أجبنا عن هذا في مواضع وبينا أن القول بالصلاح والأصلح قول باطل وزعم لا يمكن تمشيته ثم يقال لهم ولم لا يجوز معرفة المصالح بالظنون ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة وإذا فعلناه على غير تلك الصفة لا يكون مصلحة لنا فلا يمتنع أن يكون فعلنا الفعل ونحن نظن شبه الفرع بالأصل هو المصلحة وإذا لم ينظر حتى نظن شبهة به أو بغيره فاتتنا المصلحة يدل عليه أنا إذا دللنا على أن الله تعالى قد تعبدنا بالقياس فإذا تعبدنا الله تعالى بذلك علمنا بتعبده أن المصلحة أن يفعل بحسب ظننا. وقولهم: إن المصالح لا

стр. 613

يتوصل إليها بالآراء والأمارات. قلنا: ولم هذا؟ لأن الأمارات التي تستند إلى النصوص لنستدرك بها المصالح لأنها بمنزلة النصوص ومن قال لا التي يستدرك بقول ليس بيدك إلا مجرد الدعوى ويقال لهم أيضا إن المصالح تستدرك بالنصوص لكن منها ما يستدرك بنص ظاهر جلى وبعضها يستدرك بنص خفى فيفتقر إلى الاستدلال حتى يعلم المراد به والقياس من هذا القبيل وهذا لما قلنا: إن الأقيسة لما استندت إلى النصوص صارت بمنزلة النصوص. فأما قولهم: إن الجلى من أحكام الشرعية لا يعرف إلا بنص فكذلك الخفى منها. قلنا: ولم ينبغى أن يكون كذلك أليس ما عدا الشرعيات يعلم حكمه بالإدراك والضرورة؟ ويعلم خفيه بالاستدلال دون الإدراك وجلى الشرعيات يعلم بالنصوص الظاهرة وخفيها يعلم بنص خفى وكثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالإدراك وخفيه يعلم بخبر من شاهد وقوعه فيه. فإن قالوا: إن ذلك يستند إلى المشاهدة. قلنا وكذلك أحكام الفروع استندت إلى الأحكام الثابته بالنصوص. جواب آخر: إن جميع الشرعيات [تعلم] ١ عندنا بالنص ولكن بعضها يعلم بظاهر وبعضها يعلم بالاستدلال بالنص وما علم بالقياس هو مثل ما علم بطريق الاستدلال. وأما قولهم: إن هذه العلل توجد وهى غير موجبة وهى قبل الشرع فلو كانت موجبة لم ينقل عن موجبها كالعلل العقلية. قلنا: العلل العقلية موجبة لأعيانها وكانت لازمة لمعلولها والعلل الشرعية موجبة بالشرع فصارت طائرة على معلولها فلهذا افترقا وهذا لأن الشرائع مصالح ويجوز أن يكون الشئ مصلحة في زمان دون زمان ولهذا اختلف شرائع الأنبياء وصح نسخها فيجوز أن لا تكون هذه العلة موجبة قبل الشرع لأنه لا يكون مصلحة قبل الشرع وأما بعد الشرع تكون موجبة لأنها مصلحة بعد الشرع هذا جواب المتكلمين والأولى أن نقول إنا قد بينا أن العقل بعينه لا يوجب شيئا فلا يتصور هذا السؤال على هذا القول وإن تمسكوا بالحسيات. قلنا: لم جمعتم بين الحسية والشرعية من غير جامع وأيضا فإن عنوان الحركة تحرك الجسم وذلك إنما وجب أن يكون الجسم معه متحركا لأن كون الجسم إذا تحرك هو معنى كونه متحركا. فالقول: إن فيه حركة وليس بمتحرك مناقضة.

стр. 614

وأما قولهم: إن الحليم لا يقتصر على أدنى البيانين مع قدرته على إعلامها. قلنا: في هذا الكلام تسليم أن القياس بيان ولا يمتنع أن يكون فيه مصلحة زائدة وإن كان أدون بيانا من غيره ولو وجب التعبد بأعلى وجوه البيان لوجب تعريفنا الأحكام كلها بالكتاب أو بالضرورة أو كان ينبغى أن يقع الاقتصار على النصوص الجلية المتواترة دون الآحاد لأنها أعلى بيانا من الخفية. وأما قولهم: لو كان القياس حجة لكانت مع النص. قلنا: ولم وما قلتم دعوى وعلى أنهم إن قالوا إنه يكون حجة مع النص على حكم الأصل فكذلك نقول يكون الخبر دلالة والقياس أيضا دلالة مطابقة له فإن قالوا مع النص على خلاف حكمه في الفرع فقد بينا ذلك في الخبر الوادد بخلاف قياس الأصول وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حجة إذا انفرد وإذا عارضه النص كان النص أولى منه كما أن خبر الواحد حجة إذا انفرد وإذا اجتمع مع الخبر المتواتر أو مع نص القرآن كان أولى منه وأما تعلقهم بالآيات التي ذكروها فليس في شئ منها دليل على ما قالوه. ويقال لهم: لم قلتم: إن الحكم بالقياس حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى أو تقديم بين يدى الله ورسوله أو فيه آتباع ما ليس لنا علم به فإن الدلائل القطعية قد قامت على صحة القياس وهو في الحقيقة رد الفرع إلى أصله من الكتاب والسنة والحكم به حكم بما أنزل الله ورد إلى الله والرسول واتباع ما لنا به علم. وقوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] معناه إما على الجملة أو التفصيل وليس المراد منه على التفصيل لأن كثيرا من الأشياء التي لا تعد لم نجد تناولها الكتاب على التفصيل فدل أن المراد من تلك إما على هذه الجهة أو على تلك الجهة والكتاب والسنة وإن لم [يشتملا] ١ على بيان القياس على التفصيل فقد اشتملا على بيانه بالأجمل ببينة: أنه قد وجدت أشياء كثيرة صارت ببينة بالسنة وليس لها في الكتاب ذكر ولكن لما دل الكتاب على الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه [وسلم] ٢ ودل أنه لا ينطق عن الهوى جعل كأن بيانه كان بالكتاب كذلك هاهنا لما دل الكتاب والسنة على أن

стр. 615

القياس دليل الله وكان رد القياس إلى أصول ثبتت١ بالكتاب والسنة صار بما دل عليه القياس كما أن٢ الكتاب والسنة دلا عليه. فإن قيل: إن استقام هذا لكم في سائر ما أوردناه فما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ومعلوم أن القياس دليل ظنى فإن قلتم إن وجوب العمل به كان بدليل قطعى فهذا لا يزيل الإشكال لأن القياس لما كان ظنا فيستحيل أن ينتج الظن علما قطعيا وقولكم: إن القياس يفيد العلم بوجوب العمل طبع محال. قلنا: الأقيسه لا تفيد [العلم] ٣ بوجوب العمل بأعيانها وإنما يقع العلم بوجوب العلم بالدلائل القطعية التي أقمناها عند وجود الأقيسة وإذا قررنا على هذا الوجه سقط هذا السؤال وعلى أن الشرع قد ورد باتباع كثير من الظنيات بدليل أن الحكام إنما يفصلون الأحكام بالشهادات المقامة في مجالسهم وهى دلائل ظنية لا قطعية وكذلك الأمارات المرجوع إليها في القبلة ظنية لا قطعية وكذلك في تقويم المتلفات وأروش الجنايات وكذلك التدابير في الحروب يجوز الرجوع إليها والاعتماد عليها ومعلوم أن الرأى في الحروب والتدابير التي تقع بين الناس ليس تفيد علما قطعيا وما زال الناس من قديم الدهر إلى حديثه ومن أولهم إلى آخرهم ومن سلفهم إلى خلفهم يرجعون إلى غالب الظنون ويعتمدون عليها وإذا حصرنا الأمور في المنتفيات وحملنا الناس على ما يفيدهم العلم الحقيقى بالأشياء فسد ما به قيام أمورهم وانسد ما به تقوم أكثر مصالحهم والإنسان يبعث الواحد في أمر ما [ويرسل] ٤ رسولا في شئ فيعتمد على تبليغه وفعله لما أرسله فيه ويسمع من الإنسان بالخبر في إباحة شئ أو في تحريمه أو طهارته أو نجاسته فيؤمر بالأخذ بقوله وقد كان النبى ﷺ يبعث الواحد في الأمور ويعتمد على ما يخبره به وكان ذلك رجوعا إلى غالب الظن وأمثال هذا وقد ذكرنا في مسألة الخبر الوحد فالقياس عندنا بمثابة ذلك. وقولهم: إن الاحتمال في الأخبار في طرقها لا في الأقوال المنقولة بل الأقوال

стр. 616

المنقولة نص في المعانى التي اشتملت عليها. قلنا إذا يمكن الاحتمال في الطريق لم يقع لنا العلم بصدد ذلك القول عن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١. بل كانت نهاية ما في الباب وجود غلبة ظنه ومع ذلك وجب الاعتماد عليه والرجوع إليه فكذلك أمر القياس يكون كذلك يدل عليه أن الله تعالى سمى هذا الدين شرعا وشرحا للصدور. فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ومعلوم أن القلب بصره بالغائب كبصيرة العين بالحاضر ومعقول القلب بالرأى كمرئى العين بالبصر فإنا نعلم أن الإنسان يكون حرجا صدره في حكم من الأحكام فإذا تأمل فيه وعرف معناه ينشرح صدره بمعرفة معناه ويطمئن إليه قلبه ويدخله النور والضياء والفسحة وهذا لأن الإنسان إذا قلد الحاكى في شئ وإن كان الحاكى صادقا فألقى في قلبه بعض الحرج ولم ينشرح صدره كل الانشراح فإذا عقل معنى الحكم تم انشراح صدره وانفساحه والجملة أن في قبول فعل صاحب الشرع على ما جاء به حسن الطاعة والانقياد لله وفى المصير إلى القياس وطلب المعاني من الأصول الواردة طمأنينة القلب وانشراحها لوقوعها على حجتها ومعانيها المعقولة وما زال طلب طمأنينة القلوب حسنا منذ قال إبراهيم ﵇ مجيبا لقوله ﷺ ولقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ولهذا لهج الناس بطلب المعاني في الأشياء وسلكوا طريق ذلك في مصالح دنياهم كذلك صح ذلك أيضا في مصالح دينهم والذين فرقوا بين ما يرجع إلى مصالح الدنيا ومصالح الدين ففرق باطل والرجوع إلى الرأى وغالب الظن في الموضعين. وهذا لأن الفوز والنجاة جائز للعبد من الله تعالى وناجيا به غير أن هذه الطاعات والشرائع المشروعة أمارات وعلامات لنيل تلك السعادة ويجوز أن يجعل معنى يغلب عليه الظن علامة لنيل الفوز والسعادة وليس هذا بمستنكر في عقل ولا شرع. وأما قولهم: إن أحكام الشرع مختلفة فدل اختلافها أنها غير معلولة قلنا من الأحكام ما يعقل معانيها ومنها ما لا يعقل معانيها. ونحن إنما نستجيز القياس فيما نعقل معانيها ولا نستجيز فيما لا يعقل معانيها ووجه انقسام الشرع إلى هذين القسمين هو أن بعضها لا يعقل معانيه ليتحقق الإسلام لأمر الله وبعضها ما يعقل معناه ليتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل معناه.

стр. 617

وأما قولهم: إن حجج الله تعالى تكون موجبة قطعا. قلنا: هذا الأصل غير مسلم في العمليات فإن الواحد حجة في العمل وهو حجة من حجج الله تعالى من حيث العمل به وإن لم يكن مقتضيا موجبه على وجه القطع والثبات ولا فرق بين الخبر والعلة لأنه كما يحتمل تعليل المعلل للغلط كذلك الرواية تحتمل الغلط وأما قولهم: إنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين مختلفين. قلنا: هذا ممنوع ومن أين قلتم إن كل فرع يشبه أصلين متضادى الحكم. ثم ولئن سلمنا أنه يوجد الفرع الذي له شبه بأصلين متضادى الحكم لكن الله تعالى قد جعل لنا طريقا إلى قوة شبهه بأحد الأصلين فينبغى أن يراجع المجتهد النظر أو يبالغ في النظر ابتداء حتى يظهر له ذلك وقد قال بعض القياسين: إنه يجوز أن يكون حكم الله في الفرع هو التخيير فإذا اعتدل الشبهات عند المجتهد فيكون المجتهد مخيرا يلحقه باى الأصلين شاء فأما كلامهم الأخير. قلنا: نحن إنما نجوز المصير إلى الاجتهاد بعد طلب الحكم في الكتاب والسنة فإذا أعوزه ذلك حينئذ يصير إلى القياس والذى قالوا: إن حصر أحكام الحوادث على معاني النصوص يتضمن الاستحثاث على الإكثار من الأخبار والفكر في معانيها وفى ذلك إماته البدع وإسقاط الهوى. قلنا: نحن إنما نأمره أولا بطلب أحكام الحوادث في النصوص فإذا لم يجد فيها حينئذ ينتقل إلى المعنى وعلى أنا قدمنا أن في الأمر بطلب المعانى [انشراح] ١ الصدر وانفساحه وطمأنينة القلب وإصابة زيادة النور الداخل عليه من قبول أحكام الله تعالى على طمأنينة القلب مع قبوله على الطوع والانقياد وقد أبتلى الله تعالى عباده بطلب المعانى مرة لتنشرح صدورهم وتضىء قلوبهم ويتجرد القبول والاستسلام مرة ليظهر عطاؤهم المقادة واستسلامهم لأمر خالقهم وبارئهم فيستعمل عقله مرة بطلب المعنى ليظهر له قدر نعمة الله تعالى بما أعطاه من النفاذ في الأمور ومعرفة الله وحكم الله ومعانيه الغامضة التي هى أمارات أحكامه وشرعه فيقابلها بالشكر وينقاد ويستسلم مرة ويحبس عقله من توثبة على الأمور ويصرفه عن عتوه وتجاوزه عن حده المحدود له ليظهر حسن عبوديته وخضوعه وانقياده لمعبوده وهذا باب عظيم وحكمة بالغة وتصريف من الرب للعباد وابتلاء منه لهم ليظهر خفى أمرهم ومكنون سرهم ويتميز الخبيث من الطيب فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة والله

стр. 618

تعالى للعباد بالمرصاد وهو المستعان. فإن قيل: أليس لو قال الإنسان لغيره: أعتق سالما عبدى لأنه أسود لم يجز أن يعتق كل عبد له أسود. الجواب: أنا نقول أولا: لو رودع بمثل هذا. فقال: أعتقوا فلانا لأنه أسود وجب إعتاق كل عبد أسود فأما في أمر العباد قلنا: هذا دليل عليكم لأن الإنسان إذا قال: أعتقت عبدى لأنه أسود فإن كل عاقل يناقضه إذا لم يعتق غيره من عبيده السود إلا أن يكون قد عرف من قصده أنه أعتقه لأنه أسود مع شرط آخر لا يوجد في غيره وكذلك إذا قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسود قال له العقلاء فعبدك الآخر أسود فلم خصصت هذا بالعتق إلا أنه لا يجوز لوكيله الإقدام على إعتاق كل عبد أسود لأن الشرع منع من ذلك إلا بصريح القول ولأن الموكل لما جاز عليه البدوات والمناقضات لم يجز الإقدام على إتلاف ماله إلا بصريح القول. ألا ترى: أن الموكل لو قال هذا القول وأمر وكيله بالقياس لم يكن للوكيل أيضا إعتاق كل عبيده السود وخرج على هذا أمر الشارع لأنه لا يجوز عليه البدوات والمناقضات ولأنه لو أمر بالقياس صريحا أجمعوا على أنه يجوز للمخاطب القياس فثبت الفرق بينهما من كل وجه فهذا وجه الكلام في هذه المسألة وقد طالت جدا لكن هذه المسألة أصل عظيم فلم يكن بد من الكلام فيها على الإشباع والاستقصاء لئلا يدخلها وهم كاذب من الإزراء بالقائسين والراجعين إلى الظنون والله الموفق للصواب والمرشد إلى الحق بمنه وفضله. وإذا عرفنا جواز القياس في الفروع وتعرف الأحكام من قبله فأول ما نبدأ به بعد ثبوت جواز القياس الكلام فيمن يجوز له الاجتهاد والقياس وإنما يقع الكلام في النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ وفى الصحابة إذا اجتهدوا بحضرته

стр. 619

مسألة: ذكر أصحابنا أنه كان يجوز للنبى ﷺ أن يجتهد في الحوادث١ ويستعمل القياس ويحكم به وكذلك ذكروا أنه يجوز الاجتهاد من الصحابة بحضرة النبى ﷺ ومن أصحابنا من قال لما كان يجوز للنبى ﷺ ذلك ولا كان يجوز ذلك لأحد من الصحابة بحضرته٢ وعلى هذين القولين اختلف أصحاب أبى حنيفة أيضا. قال أبو زيد: والقصد عندنا أنه لم يكن له العلم بالرأى ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحى فيما ابتلى به وكان له العمل برأيه بعد ذلك واستدل من أبى جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣, ٤] فدل أنه لا يحكم إلا على وحى ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] لأنه كان ﷺ يسأل عن أشياء ويتوقف فيها إلى أن يرد النص كالظهار واللعان وغير ذلك ولو جاز الاجتهاد ولم يكن للانتظار معنى والمعتمد لهم أن النبى ﷺ إذا أثبت الحكم بالاجتهاد كان للعالم أن يخالفه ثم إذا خالفه فيكون للعامى التخيير في الاستفتاء وهذا أمر قبيح لا

стр. 620

يقول لديه أحد وأيضا لو جوزنا له الاجتهاد لوجب القطع على أن العلة التي استخرجها هى علة الحكم ولا قطع مع الاجتهاد وإذا لم يقطع جازت مخالفته. ببينة: أن الأمة أجمعت على أن من استحل مخالفة النبى ﷺ يصير كافرا فإذا جوزنا له الاجتهاد لم يكن تكفير مخالفه في الحكم لأن الاجتهاد طريقه الظن فلا يجوز أن يكفر من يخالفه فيه فثبت أن الاجتهاد ممتنع أصلا وهذا لأن المجتهد لا يؤمن عليه الغلط فكيف يحرم مخالفة من لا يؤمن عليه الغلط ألا ترى أن الرأى في الحروب لما لم يؤمن عليه الغلط كيف جاز مخالفته فإن النبى ﷺ أراد النزول في منزل يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأى رأيته أم وحى؟ فقال: "بل رأى رأيته" فقال: بل الرأى أن ننزل في موضع كذا أو أراد النبي ﷺ أن يعطى يوم الأحزاب قوما من الكفار شطر ثمار المدينة لينصرفوا فقال الأنصار: أرأي رأيته أم وحى فقال: "بل رأى رأيته" فقالوا: لا نعطيهم إلا السيف والله ما كانوا يطعمون ذلك في الجاهلية إلا بشرى أو بقرى فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسد ثمارها ذلك العام فأمرهم بالتأبير وقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم" ١ قالوا: ولأنه لا ضرورة له ﷺ إلى الرأى لأن الوحى له متوقع واستعمال الرأى لا يجوز إلا عن ضرورة ببينة: أن الدين في الأصل لله تعالى فلا يجوز شرعه برأى لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضررورة ولا ضرورة لصاحب الوحى وهذا كتحرى القبلة لا يجوز إلا لمن بعد عن الكعبة فأما من قرب فلا ضرورة له كذلك ها هنا يكون الأمر كذلك قالوا: وأما الأمر بالمشاورة فكان من أمور الدنيا ونحن إنما نجوز الاجتهاد في أمور الدين فأما في أمور الدنيا فهو جائز وعلى أنه ﷺ أمر بمشاورتهم تطييبا لنفوسهم لأخذ برأيهم واستدل من قال: إنه لا يجوز للصحابة أن يجتهدوا بحضرة النبى ﷺ هو أن الحكم بالاجتهاد حكم يغالب الظن فلا يجوز مع إمكان الرجوع إلى النص وقد كان يمكنهم الرجوع إلى نص النبى ﷺ فصار اجتهادهم في هذا الموضع كاجتهاد علماء الأمة في موضع النص وأما دليلنا فيتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وهذا على العموم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فلو لم يجز لهم الحكم بالرأى لم يؤمر بالمشاورة لأن الذي ينال بالمشاورة محض الرأي. وقولهم: إنه

стр. 621

أراد بذلك في أمور الدنيا. قلنا: قد كان النبى ﷺ يشاورهم في أمور الدين بدليل المفاداة يوم بدر والمفاداة حكم شرعى وقد شاورهم في ذلك واختلاف أبى بكر وعمر رضى الله عنهما في ذلك معروف مشهور وقد روى أن خولة سألت النبى ﷺ عن ظهار زوجها منها فقال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" فقالت: أشتكى إلى الله فأنزل الله تعالى آية الظهار١ ويدل عليه أن النبى ﷺ شاور الصحابة في أمر الأذان فاختلفوا عليه ثم إن عبد الله بن زيد رأى الرؤيا على ما عرف وقد روينا أن النبى ﷺ قال لعمر رضى الله عنه حين سأله القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت" ٢ وفي حديث الخثعمية "أرأيت لو كان على أمك دين؟ " ٣ قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وقد كان أذن لهم بالرأى ويدل على ما ذكرناه قصة داود وسليمان صلوات الله عليهما على ما ذكر الله وهو قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكانا حكما بالاجتهاد وهذا كله بمعنى وهو أنه كما يجوز في العقول أن يكون مصلحتنا أن نعمل بالاجتهاد بالأمارة تددل عليه مرة ونعمل بالنص مرة إذا وجد كذلك جاز مثله في النبى ﷺ وليس يحيل العقل ذلك في النبى ﷺ ويصححه فينا كما لا يصححه في زيد ويمنع منه في عمرو لهذا يجب عليه وعلينا أن نعمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها وإذا ثبت أن العقل ايمنع من التسوية بيننا وبين النبى ﷺ وبين الأمة ولم يرد شرع يفرق بينه ﷺ وبيننا صارت الدلائل مستمرة على عمومها واستدل من جوز الاجتهاد للصحابة بمحضر النبى ﷺ بما روى أن النبى ﷺ أمر سعدا أن يحكم في أمر بنى قريظة٤ والرسول ﷺ حاضرا وروى أن النبي ﷺ أمر عمرو بن العاص أن يحكم بين نفسين على أنه إن أصاب فله عشر حسنات. فقال: يا رسول الله أجتهد وأنت حاضر؟ قال: "نعم" ولأنه إذا جاز الاجتهاد في غيبة النبى ﷺ وخطأه لا يستدرك فلا يجوز بحضرة النبى ﷺ ولو أخطأ يستدركه النبى ﷺ أولى وأحرى.

стр. 622

وأما الجواب عما ذكروه. قلنا: أما قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣, ٤] فلا دليل من هذه الآية في موضع الخلاف لأن الآية نزلت في شأن القرآن ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأى الصواب عن عقل ونظر في أصول الشرع أما قولهم إن النبى ﷺ قد توقف في أشياء قلنا: إن كان قد توقف في مواضع فقد اجتهد في مواضع على ما سبق وعلى أنه كان يجوز له أن يجتهد فيما له أصل من الكتاب فيحمل غيره عليه فأما ما لا أصل له فلا سبيل إلى الاجتهاد فيه. فأما الذى اعتمدوه من قولهم إنه لو جاز الاجتهاد له لجاز لغيره مخالفته قلنا: نحن نقول: يجوز له ﷺ الاجتهاد وأما مخالفة غيره له حرام فإن قيل: كيف يحرم مخالفة قول صدر عن اجتهاد؟ ويمنع مجتهد آخر عن الاجتهاد فيه. ببينة: أنه لا يتصور أن يحرم على غيره المخالفة إلا بعد أن يكون الدليل قطعيا وإذا لم يكن للنبى ﷺ في نفسه قطعيا كيف يكون في غيره قطعيا. قلنا: بلى قد يجوز صدور١ القول عن اجتهاد لكن يحرم على غيره المخالفة لكونه نبيا في نفسه وإنما حرم المخالفة وإن صدر عن الإجتهاد لأنه ﷺ كان معصوما عن الخطأ في الأحكام فإذا كان معصوما عن الخطأ محروسا عن الزلل كان مصدورا منه محكوما بصحته مقطوعا بذلك فلذلك حرمت المخالفة ومن استحل كفر ويجوز أن يصدر الحكم عن الاجتهاد ثم ينضم إليه ما يوجب القطع بالصحة ويتضمن تحريم المخالفة بدليل الإجماع الصادر عن الاجتهاد. وأما قولهم: هل يقطع على العلة التي استخرجها أنها علة الحكم قلنا نحن نقطع بذلك لأنه واجب علينا اتباعه وهو لا يقطع بذلك لأنه مجتهد ولأنا نعلم أنها علة الحكم قطعا لما قام لنا من الدليل أنه معصوم عن الخطأ. وأما قولهم: إن الاجتهاد بحضرته حكم بالظن مع إمكان التوصل إلى العلم قلنا: إذا اجتهد وأقر هو ﷺ على ذلك فقد وقع لنا بحضرته العلم بذلك ولأنه إن أخطأ يمنعه منه على أنه يجوز الحكم بالظن مع أمكان العلم بدليل أنه لا يجوز الحكم بخبر الواحد من إمكان الرجوع إلى قول جماعة يقع الخبر بخبرهم والله أعلم. وقد بينا اختلافهم في جواز الاجتهاد بحضرة النبى ﷺ وقد قال: بعضهم إذا أذن

стр. 623

النبى ﷺ في ذلك والأولى أن يقال: إنه لا يجوز لمن حضر النبى ﷺ أن يجتهد قبل سؤال رسول الله ﷺ كما لا يجوز لأن للمجتهد أن يجتهد قبل طلب النص كما لا يجوز لسالك١ في برية مخوفة أن يعمل على رأيه مع تمكنه من سؤال من يخبره عن الطريق عن علم وإذا سأل النبى يجوز أن يكله النبي ﷺ إلى اجتهاده ليس من ذلك مانع لا من حيث العقل ولا من حيث الشرع.

стр. 624

فصل: وإذا عرفنا من يجوز له القياس فالكلام بعد ذلك فيما يجوز فيه استعماله: اعلم أن التعبد في جميع الشرعيات بالنصوص جائز ومن الممكن أن ينص الله تعالى على صفات المسائل في الجملة فيدخل تفاصيلها وهى فيها بالنص على صفات المسائل يجوز أن ينص على جريان الربا كل مطعوم فيدخل في ذلك أنواع المطعومات وينص على تحريم كل مسكر فيدخل فيه الخمر والنبيذ وكل ما يشبهه فأما التعبد في جميعها بالقياس فلا يصح لأن القياس حمل فرع على أصل بنوع شبه بينهما فإذا لم يكن أصل فكيف يتصور القياس. ببينة: أنه قياس الشيء على نفسه وهذا لا يجوز وإذا علم أنه لا يجوز إثبات جميع الأحكام الشرعية بالقياس. فنقول: ليس القياس تتخصيص شئ دون شئ من الأحكام بعد أن لا يكون جميعها ثابت بالقياس فعلى هذا قال الأصحاب: تثبت جميع الأحكام الشرعية بالقياس على معنى أن لا يتخصص بشئ دون شئ بل يجوز أن يستعمل القياس في كل حكم من أحكام الشرع. ويتفرع على هذه المسألة المعروفة مع أصحاب أبى حنيفة وهى مسألة استعمال القياس في الحدود والكفارات وفى المقادير كلام على ما سنبين إن شاء الله تعالى.

стр. 625

مسألة: يجوز أثبات الكفارات والحدود بالقياس على مذهب الشافعى رحمة الله عليه. وعند أصحاب أبي حنيفه لا يجوز١. وقال أبو الحسن الكرخى: لا يجوز تعليل الحدود ولا الكفارات ولا العبادات ولهذا منع من قطع القياس بالقياس ومنع من إيجاب الحد على اللوطى بالقياس ومنع من الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس ومنع من إيجاب الكفارة من قتل العمد بالقياس قال ولا فرق بين الكفارات الجارية مجرى العقوبات وبين ما لايجرى مجرى العقوبات ومنع أيضا من إثبات النصب بالقياس ولهذا الأصل لم يوجب الزكاة في الفصلان وصغار الغنم وقد منعوا أيضا ثبوت كثير من هذا بخبر الواحد ومنعوا أيضا من استعمال القياس في المقادير والأصح على مذهبنا جواز القياس في المقادير أيضا ومنع أبو الحسن الكرخى أيضا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة كأجرة الحجام وقص الشارب والاستصناع فيما جرت [به] ٢ العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك وقد تتبع الشافعى رحمة الله عليه مذاهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشئ مما ذكروه ونورد كلام الشافعى رحمة الله عليه على وجهه. قال الشافعى رحمة الله عليه: أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها حتى تعديتموها إلى الاستحسان وهو في مسألة شهود الزنا فإنهم أوجبوا الحد في تلك المسألة وقضوا

стр. 626

أنه استحسان وأما الكفارات فقد قاسوا الإفطار بالأكل فيها على الإفطار بالوقاع وقد قاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وأما المقدورات فقد قاسوا فيها ومما أفحشوا في ذلك عدد الدلاء عند وقوع الفأرة في البئر ثم أدخلوا تقديرا على تقدير فقدروا للحمامة غير تقدير العصفور والفأرة وقدروا للدجاجة غير تقدير الحمامة وقدروا الحوض بالعشر في العشر وأما الرخص فقد قاسوا فيها وتناهوا في البعد فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النجو فانتهوا في ذلك إلى نفى إيجاب استعمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا رسول الله ﷺ فهموا هذا التخفيف منه في هذا الموضع المخصوص لشدة البلوى فيه وكانوا على تحرزهم في سائر النجاسات على الثياب والأبدان ثم قال الشافعى رحمة الله عليه: من شنيع ما ذكروه في الرخص إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع فيها فإنها مثبته تخفيفا وإعانة على ما يعانية المرء في سفره من كثرة أشغاله فأثبتوها في سفر المعصية فهذا الذي ذكروه يزيدونه على القياس إذ القياس تقرير المنصوص عليه قراره وإلحاق غيره به وهذا قلب لوضع المنصوص في الرخص بالكلية قال الإمام رحمة الله عليه والمناقضات للقوم طبيعة لا يمكن نزعها منهم بحيلة وما من أصل لهم في الأصول وفي الفروع إلا ولهم في ذلك من أصولهم لفروعهم مناقض وهذا لأن القوم لم يبنوا فروعهم على أصول صحيحة وإنما وضعوا المسائل على أشياء تراءت لهم ثم تراءت لهم غيرها في مسائل أمثال المسائل الأولة فحكمها بغير تلك الأحكام وراموا الفروق بالخيالات وهيهات ثم هيهات ما أبعدهم عن ذلك فإن الآراء مستعصية على ما لم يسندها إلى أصول صحيحه ومن أراد عد مناقضاتهم جاوز الألوف وبلغ مبلغا ينتهى دونه الحد والعد ولولا أنا آثرنا إثبات المسائل في الأصول والفروع والمعانى وإلا جمعنا من ذلك ما يتحير معه الناظر وتعجب منه المناظر ولو صرفنا إليه طرفا من العناية لم يعدمه طالبه رجعنا إلى الكلام في أصل المسألة وحجة من أبى ذلك من أطلقه احتج من منع دخول القياس في الحدود والكفارات وقال الحد شرع للردع والزجير عن العاصي والكفارة وضعت لتكفير الإثم وما يقع به الردع عن المعاصى ويتعلق به التكفير عن المآثم إلا الله لأن الإنسان يردع بالقليل من العقوبة وقد لا يرتدع بالكبير فمقدار ما يقع

стр. 627

به الردع لا يتصور أن يعلمه إلا الله وكذلك ما يكفر الإثم لا يعلمه إلا الله تعالى وربما عبروا عن هذا وقالوا إن وجوب الحدود مصالح للعباد والمصلحة لا تثبت بالقياس وأيضا فإن الحدود والكفارات تختلف بحسب المآثم والمآثم لا تعرف بالقياس وكذلك المقادير مشروعة على مقادير معلومة لمصلحة العباد وقد بينا أنه لا مدخل للقياس في معرفة المصالح قالوا ولأن القياس موضع شبهة لآنه إلحاق فرع بأشبه الأصلين فيبقى الأصل الآخر شبه والحدود تسقط بالشبهات فلا يجوز إيجابها بدليل لا يخلو عن الشبة وأما دليلنا وهو أن القياس دليل الله تعالى ودليل الله تعالى يجوز أن يثبت به الحدود والكفارات دليله الكتاب والسنة ويقال أيضا إثبات حكم شرعى بدليل من دلائل الله تعالى فجائز كما لو كان الحكم سوى الحدود والكفارات والقياس على خبر الواحد قياس معتمد لأن كل واحد من الدليلين لا يفيد إلا قوة الظن فإذا جاز إثبات هذه الأحكام بخبر الواحد جاز بالقياس والحرف المعتمد أن الدلائل التي قامت على صحة القياس قد قامت على الإطلاق من غير تخصيص موضع دون موضع فصار القياس صحيحا استعماله في كل موضع إلا أن يمنع منه مانع ولا مانع في الحدود والكفارات فإن قبل وجد مانع قلنا: بينوا فإن تعلقوا بالشبهة التي ذكرناها أخيرا في كلامهم وزعموا أن ما سقط بالشبهة لا يجوز إثباته بدليل مطلوب لأن الظان معترف ببقاء إمكان ما وراء ظنه فوجب أن يحصل الدرأ بذلك الإمكان فنقول على هذا أن خبر الواحد داخل على هذا فإنه لا يفيد إلا الظن ومع ذلك يجوز إثبات الحدود والكفارات به وأيضا فإنهم لم يمنعوا من استعمال القياس في القصاص والقصاص يندرئ بالشبهات قطعا ويدل عليه أن الحدود تثبت بالشهود عند الحكام وشهاداتهم لا تفيد إلا الظن ومع ذلك جاز إيجاب الحد بهما وكذلك الكفارة فسقط ما قالوه ثم المعتمد من الجواب هو أن وجوب العمل بالقياس ليس بمظنون وقد ذكرنا هذا من قبل ونعنى بهذا أنا جعلنا القياس حجة بالدلائل القطعية لا بدلائل مظنونة وأما تعلقهم بقولهم إن الحد للزجر عن المعصية والكفارة لتغطية المأثم وهذا لا يهدى إليه القياس قلنا: ولم قلتم: إنه لا يهتدى إليه بالقياس١ بل القياس يهتدى إلى كل ما يمكن استخراج معنى مؤثر منه ومسألتنا من هذا الباب لأن المسألة مصورة في مثل هذا الموضع ونظيره أن تستخرج معنى من الزنا إيجاب الحد فقياس اللواط وأيضا

стр. 628

يستخرج معنى من السارق فقياس عليه النباش وكذلك في الكفارات بقياس العمد على الخطأ في القتل ويقاس الغموس على اليمين في المستقبل في إيجاب الكفارة وكذلك تقاس كفارة الظهار على كفارة القتل في شرط الإيمان وإنما صح القياس في هذه المواضع لأنا علمنا معانى صحيحة في هذه الأصول فصح قياس الفروع عليها بتلك المعانى وقد علموا هم بمثل هذا في القياس الأكل على الوطء إيجاب كفارة الفطر فإن قيل: هل يصح إثبات حد مبتدأ بالقياس أو كفارة مبتدأه قلنا: لا طريق يوصل القياس إلى إثبات حد مبتدأ وكذلك لا طريق يوصل إلى إثبات كفارة مبتدأه بالقياس ولو كان الطريق يصح إثباته من جهته لصح إثباته وأما في المسائل التي ذكرناها بالقياس يمكن فوجب استعماله وعلى هذا القول في المقدير إذا عرف معناها وثبت تأثيرها يجوز القياس عليها وعلى أنا قد بينا أن كثيرا من أصحابنا قالوا: إن أثبات الأسامى التي يبتني عليها الأحكام في الشرع يجوز بالقياس وقد بينا هذا من قبل وقد ذكر أبو زيد فصلا يرجع إلى هذا الأصل. قال: وأما تعدى الحكم ففصل عظيم الفقة عزيز الوجود وقاله فيما قال الشافعى رحمة الله عليه: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسا على المعقود لأنه يمين الله تعالى مقصودة قال: وهذا التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة إليها بل لتعديه اسم اليمين الثابت لغة وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين واختلفنا في يمين الغموس أنها يمين حقيقة أو يمين تسمية مجاز كبيع الحر وغيره فقلنا إنها ليست بيمين حقيقة بل إنما تسمى يمينا على طريق المجاز ولا تجب كفارة اليمين بما ليست بيمين. وقال: ولا يجوز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوى بالقياس الشرعى بل يجب تعرفه من طريق لسان العرب. فيقال: إن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعا وشرعا فلا يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق فإنها ما لا يحتمل الصدق بحال فلا يكون محلا لليمين كالبيع شرع لتمليك المال فما ليس بمال لا يكون محلا له. قال: ولذلك أبطل أبو حنيفه قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد١ لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا فيكون التعليل واقعا لإثبات الاسم اللغوى بالقياس. قال: وكذلك لا يجوز تحريم الثلث الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم الخمر له بالقياس لأن الخمر اسم لغوى. قال: وليس إيجاب الكفارة

стр. 629

بالأكل إلحاقا بالجماع بالقياس والكفارة ليست بكفارة جماع إنما هى كفارة إفطار والأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الكفارة أنما تتأدى بالكف عن اقتضاء بالشهوتين والفطر بالاقتضاء يقع من حيث انعدامم الكف بفعل منه فكان الباب واحدا وأنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل بأى آلة قتل به المقتول إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلا قال: وأما إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه ليس هذا الفعل والأفعال التي ذكرناها من باب اقتضاء الشهوة واحد لأن المحل غير مشتهى طبعا وكان بمنزلة الاستمتاع بالكف أو الإدخال في شق جدار أو في شق إليه وإنما سمى هذا الفعل جماعا مجازا لأجل ما يشبه الجماع صورة وإذا ثبت أنه ليس هذا الفصل وطء البهيمة بابا واحدا فلو وجب الحد بوطء البهيمة أو الميتة لوجب بالقياس وقد بينا أن اسم الجماع في هذا الفعل ساقط وإثبات الاسم اللغوي بالقياس ساقط قال: كذلك قلنا: لا يجب القطع على النباش لأن القطع في السرقة حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم في النباش لأن السرقة اسم للأخذ مسارقا عن صاحبه وهذا لا يتصور في الكفن لأن صاحبه ميت وقد سقط القياس الشرعى لإثبات الاسم ولا قطع بالاجماع بدون اسم السرقة وهذا لأن الأسماء ضربان حقيقة ومجاز وسبب الحقيقة وضع الواضع وهذا لا يعرف إلا بالسماع وسبب المجاز استعارة العرب لاسم آخر بطريق لا يعرف طريق استعمالهم اللغة الشرعية والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب قال: ومن هذه الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتق أو لا؟ ولفظ التمليك حل يصلح كناية عن النكاح أم لا؟ قال: ومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة في القتل وقياسهم الظهار عليها بعلة أنه يجب في تكفير وإنما لم يجز القياس في هذه الصورة لأن زيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر فصار تعريفنا للحكم الثابت نصا فامتنع ألا ترى أنه لا يجوز الزيادة على صوم ستين يوما ولا إطعام ستين مسكينا قال: وعلى هذا تخرج مسألة رد شهادة القاذف إذا تاب فإنا نقول إن هذا حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وقد دل نص الآية على هذا فإذا عللتم لإخراج رد الشهادة من كونه حدا وتعلقتم بالفسق فقد تعرضتم للحكم الثابت أيضا بالتنقيص وهو تنقيض حد القذف عما أوجبه النص فلم يجز إثباته بالقياس قال: وعلى هذا لا يقبل القياس في إيجاب التمليك في الإطعام للكفارة لأن الخلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير فقلنا: إنه الإطعام بلا قيد التمليك وقلتم:

стр. 630

إنه واجب بهذا القيد فصار هذا مثل زيادة الإيمان في الرقبة المطلقة في الظهار. قال: وعلى هذا قول من قال: إن الحرمة بين المتلاعنين بلعان الزوج من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمى بنص الله تعالى وهى شهادات مؤكدة بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للإجماع بعد التلاعن منها بالسنة وهى قوله ﷺ : "المتلاعنان لا يجتمعان أبدا" ١. وكان إيجاب الحرمة بلعان الزوج وحده زيادة في الحكم قال: والحرف في هذه المسائل كلها أن التعليل لتعديه حكم النص إلى الفرع من غير تعرض للحكم نصا بوجه ما حتى لا يؤدى إلى تغييره بإثبات زيادة فيه أو نقصان منه قال: ومن جنس ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدنا في الفرع نصا يمكننا العمل به من غير أن نقيسه على أصل آخر يكون قياس ذلك الفرع على غيره فاسد على هذا لا يجوز قياس قتل العمد على قتل الخطأ في الكفارة لا يجوز أيضا قياس قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلمين في درانا في إيجاب الضمان وكذلك لا يجوز قياس المحصر على الممتنع في إيجاب الصوم بدلا عن الهدى عند العدم وكذلك لا يجوز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر إيجاب المتعه لأن هذه الحوادث كلها منصوص عليها فلم يجز قياس بعضها على بعض

стр. 631

فصل: في شروط القياس ... فصل: وقد قال أبو زيد: إن شرط القياس أربعة: إحداها: أن لا يكون الاصل مخصوصا بحكمة آخر. والثانى: أن لا يكون معدولا به عن القياس. والثالث: أن يتعدى الحكم الشرعى بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه. والرابع: أن يبقى الحكم في الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل. أما الأول فلأنه عنى متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابته بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة معارضة للنص. وأما الثانى فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك لمعارضة النص أياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيا للحكم لم يجز إثباته به.

стр. 632

وأما الثالث فلأن المقايسة هى المحاداة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شئ واحد ومتى لم يتعد الحكم إلى الفرع بقى الأصل وحده فلا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة ويتبين أن محل المقايسة حادثتان سوى بينهما بالمقايسة. وأما الرابع فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس ليغير حكمه بوجه ولأن الرأى مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث يثبت فيه النص. قال ومثال الأول أن الله ﵎ شرط العدد في جميع الشهادات وثبت بالنص قبول شهادة خزيمة بن ثابت وحدة وكان مخصوصا بذلك وقد اشتهر من الصحابة بهذه الفضيلة فلا يجوز إبطال هذا التخصيص بالتعليل وكذلك حل للنبي ﷺ تسع نسوة إكراما له فلا يجوز تعليله ولهذا ثبت بالنص أن البيع يقتضى محلا مملوكا معلوما مقدورا على تسليمه وجوز التسليم في الدين بالنص وجاء النص بشرطه بالأجل فلا يجوز إبطال التخصيص بالتعليل ثم قال: وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: لما صح نكاح النبى ﷺ بلفظ الهبة على سبيل الخصوص بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بطل التعليل قال وقلنا بل التخصيص في سلامة البضع بغير عوض وفى اختصاصه في المرأة بألا تحل لأحد بعده وهذا مما يكون على طريقة الكرامة فأما الاختصاص بلفظ الهبة مع سهولة ذكر لفظ النكاح فلا كرامة فيه وكذلك المنافع جعلت أموالا كالأعيان في التجارات ولم يجعل كذلك عندنا في الاتلاف والغصب فصار كون مال المنافع معادلة مالية الأعيان مخصوصة بالتجارات وعندنا لأن الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أغراض لا تنفى زمانين والأعيات جواهر تتبقى أزمنة وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى فيهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح ويتعذر وصول المحتاج إلى المنافع إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلاف لأنه منتهى عنها والسبيل في ذلك أن لا يوجد فلم تلتحق المنافع في حق الإتلاف بالأعيان قال: وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان فصار حكمها مخصوصا بموضع الضرورة فهذه أمثلة الشرط الأول قال: وأما أمثلة الشرط الثانى هو مما كان معدولا به عن القياس فهو كأكل الناسى في الصوم فإنه معدول به عن القياس وذلك لأن فيه بقاء القربة مع وجود ما يضاد فإن ركنه الكف والأكل سواء كان ناسيا

стр. 633

أو عامدا يضاد ركنه فصار الحكم بأنه يؤدى صومه مع عدم الركن وهو الكف معدولا به عن القياس فلم يجز قياس المكره والمخطئ عليه ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وأما بقاء الصوم مع الجماع ناسيا ولا نص فيه أنما كان لأن الجماع من جنس الأكل من حيث تفويت الأداء والصوم تأدية بالكف عن قضاء شهوتى بطنه وفرجه وذهاب الصوم عن استيفائهما بطريق الأداء الذى هو ركن العبادة وكانا جنسا واحدا وإن اختلف الاسمان فالأكل والشرب واحد في حق الإفطار.

стр. 634

فصل: واعلم أن هذا الذي ذكرنا اشتمل على مسائل من الأصول معروفة: منها أن العلة التي لا تتعدى هل تكون صحيحة أم لا؟ وهل التعدية شرط صحة العلة أو لا؟ ومنها: أن الأصل الثابت بخلاف قياس الأصول هل يجوز القياس عليها أو لا؟. ومنها: أن تعليل الأصل هل يوجب أن يكون الحكم ثابتا في الأصل بالنص والعلة جميعا وهل يدل ثبوت الحكم في موضع لا توجد فيه العلة على فساد العلة أو لا؟ وإذا عرفنا من هذه المسائل يشير إلى طرف من الجواب عما قاله وقبل الشروع في هذه المسألة نقول إنا وإن ذكرنا أن استعمال القياس في الحدود والكفارات والمقادير جائز خلاف ما يقول الخصم ولكن مع هذا لا ننكر أن يوجد في الشرع ما لا يتعلل ويلتحق بمحض التعبد الذي ينحسم سلوك سبيل القياس فيه وعلى هذا فلا بد من علامة وأمارة تعرف بها القسم الذي يجرى فيه التعليل من القسم الذى لا يجرى فيه التعليل وهذا عويص عسر لكن مع هذا نقول كل حكم يمكن أن يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو نص سنة أو إجماع فإنه يعلل وما لا يصح فيه مثل هذا فإنه لا يعلل سواء إن كان من الحدود أو الكفارات أو المقادير أو الرخص ثم قد تنقسم العلل أقساما فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو كل ما يمكن أبدا معنى في أصله وفرعه وقسم يعلل بجملته ولا يعلل تفاصيله لعدم المراد التعليل في التفاصيل. ومنها قسم آخر: لا يعلل جملته لكن بعد ثبوت جملته يعلل تفاصيله كالكتابة والإجارة وفروع تجمل الغافلة وقد يوجد قسم لا يجرى التعليل في جملته ولا تفاصيله مثل الصلاة وما تشتمل عليه من القيام والتعوذ والركوع والسجود وغير ذلك وربما

стр. 635

يدخل في هذا القسم الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص وقد قيل أيضا: إنه لا محال القياس في الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله بل يتبع محض النص وقد قيل: إن الوضوء معقول المعنى فإنه مشعر بالتنظيف والتنقية وقيل إن الصلاة يعقل منها الخشوع والاستكانة والابتهال للمعبود وأما الشهادة فقد قالوا: أصلها معقول المعنى وهو الثقة وحصول غلبة الظن والمقصود من مزيد العدد زيادة الثقة ومما يعقل في الشهادة أيضا أن شهادة النساء لا تقبل لما غلب عليه من الذهول والغفلة ونقصان العقل فأصول هذه المعانى معلومة ولكن لا سبيل إلى طرد التعليل في التفصيلات وأما أصل عقود المعاملات معقولة المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعا من التعبدات يلزم اتباعها ولا يجوز تجاوزها وتعديها ولهذا تقول من اشترى شاة من قطيع من الغنم على أنه بالخيار يأخذ أيها شاء والبائع بالخيار يعطى أيها شاء لا يجوز١ وإن كنا لا نعقل فيه معنى فاسد وبهذا يتبين أن المعنى الذى اعتمده أصحاب أبى حنيفة في أن الجهالة إنما تفسد العقل لأنها مؤدية إلى المنازعة باطل فإن هذه الجهالة لا تؤدى إلى هذا ومع هذا لم يجز العقد وكذلك إذا قال: بعتك عبدى بما باع به فلان أمس وكانا جاهلين بمبلغ الثمن فإنه يكون باطلا كذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بزنة هذه السنجة أشار إلى سنجة مجهولة القدر بطل البيع ولا منازعة في مثل هذا العقد وللشارع تعبدات يلزم اتباعها في المعاملات كما يلزم في العبادات فلا تسقط تلك التعبدات بإسقاط العباد ذلك فإن كانت المعاملات أصلها جاريا في حقوق العباد لأن المعاملات وإن كانت من حقوق العباد لكن يلزمهم اتباع الأوامر فيها لأن الله تعالى أعلم بمصالحهم لأن أوامره كلها من حدود الدين ولا يجوز الإخلال بها بوجه ما وأن وجدت الأوامر والتكليفات صارت حدود الدين وكانت متبعة لا يجوز تركها ومن جنس ما ذكرنا التذكية فإن الذبح معقول المعنى لما فيه من تطيب اللحم وإزالة الخبيث من الطيب ورفع الخبث من المحل ثم اختص بذابح مخصوص ومحل مخصوص تعبدا وكذا التضحية اختصت بأجناس مخصوصة ووقت مخصوص والتفريعات على ما قلناه في المسائل تكثر وقد ذكر الأصحاب أمثلتها في الخلافيات وربما يأتى بعض ذلك من بعد وأما المسائل التي وعدنا ذكرها فنبتدى بمسألة العلة إذا كانت غير متعدية.
следующие страницы →