فصل: في شروط القياس
...
فصل: وقد قال أبو زيد: إن شرط القياس أربعة:
إحداها: أن لا يكون الاصل مخصوصا بحكمة آخر.
والثانى: أن لا يكون معدولا به عن القياس.
والثالث: أن يتعدى الحكم الشرعى بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.
والرابع: أن يبقى الحكم في الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل.
أما الأول فلأنه عنى متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابته بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة معارضة للنص.
وأما الثانى فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك لمعارضة النص أياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيا للحكم لم يجز إثباته به.
стр. 632
وأما الثالث فلأن المقايسة هى المحاداة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شئ واحد ومتى لم يتعد الحكم إلى الفرع بقى الأصل وحده فلا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة ويتبين أن محل المقايسة حادثتان سوى بينهما بالمقايسة.
وأما الرابع فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس ليغير حكمه بوجه ولأن الرأى مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث يثبت فيه النص.
قال ومثال الأول أن الله ﵎ شرط العدد في جميع الشهادات وثبت بالنص قبول شهادة خزيمة بن ثابت وحدة وكان مخصوصا بذلك وقد اشتهر من الصحابة بهذه الفضيلة فلا يجوز إبطال هذا التخصيص بالتعليل وكذلك حل للنبي ﷺ تسع نسوة إكراما له فلا يجوز تعليله ولهذا ثبت بالنص أن البيع يقتضى محلا مملوكا معلوما مقدورا على تسليمه وجوز التسليم في الدين بالنص وجاء النص بشرطه بالأجل فلا يجوز إبطال التخصيص بالتعليل ثم قال: وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: لما صح نكاح النبى ﷺ بلفظ الهبة على سبيل الخصوص بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بطل التعليل قال وقلنا بل التخصيص في سلامة البضع بغير عوض وفى اختصاصه في المرأة بألا تحل لأحد بعده وهذا مما يكون على طريقة الكرامة فأما الاختصاص بلفظ الهبة مع سهولة ذكر لفظ النكاح فلا كرامة فيه وكذلك المنافع جعلت أموالا كالأعيان في التجارات ولم يجعل كذلك عندنا في الاتلاف والغصب فصار كون مال المنافع معادلة مالية الأعيان مخصوصة بالتجارات وعندنا لأن الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أغراض لا تنفى زمانين والأعيات جواهر تتبقى أزمنة وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى فيهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح ويتعذر وصول المحتاج إلى المنافع إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلاف لأنه منتهى عنها والسبيل في ذلك أن لا يوجد فلم تلتحق المنافع في حق الإتلاف بالأعيان قال: وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان فصار حكمها مخصوصا بموضع الضرورة فهذه أمثلة الشرط الأول قال: وأما أمثلة الشرط الثانى هو مما كان معدولا به عن القياس فهو كأكل الناسى في الصوم فإنه معدول به عن القياس وذلك لأن فيه بقاء القربة مع وجود ما يضاد فإن ركنه الكف والأكل سواء كان ناسيا
стр. 633
أو عامدا يضاد ركنه فصار الحكم بأنه يؤدى صومه مع عدم الركن وهو الكف معدولا به عن القياس فلم يجز قياس المكره والمخطئ عليه ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وأما بقاء الصوم مع الجماع ناسيا ولا نص فيه أنما كان لأن الجماع من جنس الأكل من حيث تفويت الأداء والصوم تأدية بالكف عن قضاء شهوتى بطنه وفرجه وذهاب الصوم عن استيفائهما بطريق الأداء الذى هو ركن العبادة وكانا جنسا واحدا وإن اختلف الاسمان فالأكل والشرب واحد في حق الإفطار.
стр. 634
فصل: واعلم أن هذا الذي ذكرنا اشتمل على مسائل من الأصول معروفة:
منها أن العلة التي لا تتعدى هل تكون صحيحة أم لا؟ وهل التعدية شرط صحة العلة أو لا؟
ومنها: أن الأصل الثابت بخلاف قياس الأصول هل يجوز القياس عليها أو لا؟.
ومنها: أن تعليل الأصل هل يوجب أن يكون الحكم ثابتا في الأصل بالنص والعلة جميعا وهل يدل ثبوت الحكم في موضع لا توجد فيه العلة على فساد العلة أو لا؟ وإذا عرفنا من هذه المسائل يشير إلى طرف من الجواب عما قاله وقبل الشروع في هذه المسألة نقول إنا وإن ذكرنا أن استعمال القياس في الحدود والكفارات والمقادير جائز خلاف ما يقول الخصم ولكن مع هذا لا ننكر أن يوجد في الشرع ما لا يتعلل ويلتحق بمحض التعبد الذي ينحسم سلوك سبيل القياس فيه وعلى هذا فلا بد من علامة وأمارة تعرف بها القسم الذي يجرى فيه التعليل من القسم الذى لا يجرى فيه التعليل وهذا عويص عسر لكن مع هذا نقول كل حكم يمكن أن يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو نص سنة أو إجماع فإنه يعلل وما لا يصح فيه مثل هذا فإنه لا يعلل سواء إن كان من الحدود أو الكفارات أو المقادير أو الرخص ثم قد تنقسم العلل أقساما فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو كل ما يمكن أبدا معنى في أصله وفرعه وقسم يعلل بجملته ولا يعلل تفاصيله لعدم المراد التعليل في التفاصيل.
ومنها قسم آخر: لا يعلل جملته لكن بعد ثبوت جملته يعلل تفاصيله كالكتابة والإجارة وفروع تجمل الغافلة وقد يوجد قسم لا يجرى التعليل في جملته ولا تفاصيله مثل الصلاة وما تشتمل عليه من القيام والتعوذ والركوع والسجود وغير ذلك وربما
стр. 635
يدخل في هذا القسم الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص وقد قيل أيضا: إنه لا محال القياس في الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله بل يتبع محض النص وقد قيل: إن الوضوء معقول المعنى فإنه مشعر بالتنظيف والتنقية وقيل إن الصلاة يعقل منها الخشوع والاستكانة والابتهال للمعبود وأما الشهادة فقد قالوا: أصلها معقول المعنى وهو الثقة وحصول غلبة الظن والمقصود من مزيد العدد زيادة الثقة ومما يعقل في الشهادة أيضا أن شهادة النساء لا تقبل لما غلب عليه من الذهول والغفلة ونقصان العقل فأصول هذه المعانى معلومة ولكن لا سبيل إلى طرد التعليل في التفصيلات وأما أصل عقود المعاملات معقولة المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعا من التعبدات يلزم اتباعها ولا يجوز تجاوزها وتعديها ولهذا تقول من اشترى شاة من قطيع من الغنم على أنه بالخيار يأخذ أيها شاء والبائع بالخيار يعطى أيها شاء لا يجوز١ وإن كنا لا نعقل فيه معنى فاسد وبهذا يتبين أن المعنى الذى اعتمده أصحاب أبى حنيفة في أن الجهالة إنما تفسد العقل لأنها مؤدية إلى المنازعة باطل فإن هذه الجهالة لا تؤدى إلى هذا ومع هذا لم يجز العقد وكذلك إذا قال: بعتك عبدى بما باع به فلان أمس وكانا جاهلين بمبلغ الثمن فإنه يكون باطلا كذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بزنة هذه السنجة أشار إلى سنجة مجهولة القدر بطل البيع ولا منازعة في مثل هذا العقد وللشارع تعبدات يلزم اتباعها في المعاملات كما يلزم في العبادات فلا تسقط تلك التعبدات بإسقاط العباد ذلك فإن كانت المعاملات أصلها جاريا في حقوق العباد لأن المعاملات وإن كانت من حقوق العباد لكن يلزمهم اتباع الأوامر فيها لأن الله تعالى أعلم بمصالحهم لأن أوامره كلها من حدود الدين ولا يجوز الإخلال بها بوجه ما وأن وجدت الأوامر والتكليفات صارت حدود الدين وكانت متبعة لا يجوز تركها ومن جنس ما ذكرنا التذكية فإن الذبح معقول المعنى لما فيه من تطيب اللحم وإزالة الخبيث من الطيب ورفع الخبث من المحل ثم اختص بذابح مخصوص ومحل مخصوص تعبدا وكذا التضحية اختصت بأجناس مخصوصة ووقت مخصوص والتفريعات على ما قلناه في المسائل تكثر وقد ذكر الأصحاب أمثلتها في الخلافيات وربما يأتى بعض ذلك من بعد وأما المسائل التي وعدنا ذكرها فنبتدى بمسألة العلة إذا كانت غير متعدية.
стр. 636
مسألة: يجوز تعليل الأصل بعلة لا تتعداه عندنا وتكون علة صحيحة١.
وقال أصحاب أبى حنيفة: هى باطلة وقد ذهب إليه بعض أصحابنا وبين المتكلمين في ذلك خلاف مذهب أبو عبد الله البصرى إلى ابطالها وأما عبد الجبار بن أحمد وحزبه يصححونها واستدل من قال ببطلانها ذلك لأن هذا تعليل غير مفيد فيكون باطلا وإنما قلنا غير مفيد لأن فائدة التعليل ليس إلا التعدية فإن حكم الأصل ثابت بالنص فصار تعليل الأصل بحكم الأصل مستغنى عنه بالنص فلا فائدة للتعليل في الأصل ولا فرع له حتى تظهر فائدته فيه فثبت أن هذا تعليل غير مفيد وما لا فائدة فيه يكون عبثا والعبث حرام يدل عليه أن ما لا فائدة فيه لا يجوز أن ينصب الله عليه أمارة فإذا كانت العلة قاصرة علمنا أن الله تعالى لم ينصب عليها أمارة وما لا أمارة عليه لا يجوز أن يكون علة هذا حجة أبى عبد الله البصرى وقد قال أيضا: إن الصلة الشرعية أمارة ولا أمارة كالدلالة في أنها كاشفة عن شئ ولا يتصور دلالة ولا إمارة ولا يكشف عن شئ والتعليل عن الأحكام والعلة القاصرة لا يكشف عن حكمه في أصل ولا فرع فلم يكن أمارة ولا علة واحتج أبو زيد في هذه المسألة بأن التعليل إنما يصار إليه بكونه حجة زائدة بعد النص وحجج الله تعالى إنما تكون حججا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأى لا يكون موجبا علما وإنما صير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد علما فيما لم يتناوله النص ولا فيما تناوله النص أما فيما لم يتناوله النص فلأنه لا فرع له وأما فيما تناوله النص فلأن النص فوق التعليل
стр. 637
وإذا ثبت بالنص لم يثبت بالتعليل. فإن قلتم: يثبت بالنص والعلة جميعا لم يصح لأن التعليل لا يصح لتغير حكم النص فكيف يصح لإبطاله؟ وهذا الذي قلتم يتضمن إبطال حكم النص لأن الحكم كان ثابتا بالنص على الاستقلال فبطل ثبوته على هذا الوجه حيث صار ثابتا به وبغيره. قالوا: وإذا لم يتضمن الإبطال فلابد أنه يتضمن التغيير ولا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته وإذا لم يتغير بقى الأول بعيينه وهو ثبوت الحكم بالنص وقصره عليه قال: وهذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعينه ولأن هذا التعليل لا يوجب الحصر لأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بأخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين إحديهما أكثر تعديا من الأخرى يدل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما سنبين فإذا لم يوجب قصر الحكم على النص قالوا: ولا يجوز أن يقال: فائدته معرفة الحكمة من المشروع لأن معرفة الحكمة لا تفيد عملا وقد بينا أن التعليل للعمل ولأن الحكمة لا تكون بسبب الحكم وأما حجتنا نقول إن الدليل الذى دل على صحة العلة لم يخص موضعا دون موضع والأصل إنما يمكن تعليله صح تعليله ولأن الدليل قام على العلة والتعدى نافى صحة العلة لأن صحة العلة بدليلها وقد وجد الدليل من التأثير على ما عرف في مسألة تعليل الربا في الدراهم والدنانير بالثمنية وهذا لأن المسألة متصورة في علة تكون على هذا الوجه وقد عبر بعضهم عن هذا وقال: العلة مستجمعة لشرائطها إخالة١ ومقايسة وسلامة عن الاعتراضات في معارضات النصوص وهى على مساق العلل الصحيحة وليس فيها إلا اقتصارها وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا تئول إلى أن النص يوافق مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد على صحتها أولى من أن يدل على فسادها وقد استدل عبد الجبار في هذه المسألة. وقال: إن العة إذا دلت عليها الأمارة غلب على ظننا وجه المصلحة وإن لم يتعد لأن وجوه المصلحة قد تخص نوعا واحدا وقد يتعداه كما تقول في وجه القبح والحسن كلها. يدل عليه: أن حقيقة كلام الخصم هو أن صحة العلة موقوفة على أن يجتاز الإنسان إلى الخلاف في الفرع حتى يتعدى إليه فيعمل بهذا أمر مستشنع مستقبح فأما دلائلهم فمجموع كلامهم يئول إلى أن هذا التعليل لا يفيد
стр. 638
قلنا: نقول: أولا إن المستنبط للعلة طالب لها وهو في حال الاستنباط لا يدرى ما علة الحكم وهل هى متعدية أو لا؟ حتى يقال له: لا تتكلف هذا البحث والطلب وإنما تعلم أن العلة التي بحث عنها إلا بتعدى بعد استيفاء الطلب ونقول أجمعنا على أن النص لو ورد بمثل هذه العلة تكون صحيحة ولو جاز أن يكون الطلب لها عبثا لأنها ليست بطريق إلى الحكم لا في أصل ولا في فرع لكان النص عليها عبثا وقوله إن النص يغنى عن القياس قلنا: وقوع الغنى عن الشئ لا يفسده ألا ترى أنا قد نستغنى بالقرآن في بعض الأحكام عن أخبار الآحاد وعن القياس ولا يوجب ذلك فسادهما فإن قيل: خبر الواحد يمكن أن يكون طريقا إلى الحكم الذى دل عليه القرآن ولا يمكن أن تكون العلة القاصرة طريقا إلى الحكم أصلا قلنا: أنما تكلمنا بهذا على قولكم إن النص مغنى عن التعليل فيفسد وهذا الكلام الذي ذكرتم الآن هو الرجوع إلى ما قلتم أنه غير مفيد وقد أجبنا عن هذا ويجب بجواب آخر وهو أن العلم بعلة الحكم فائدة لأنا إذا علمنا ذلك لو ظننا صرنا عالمين أو ظانين بما لم نكن عالمين به مما تتشوف النفس إلى معرفته ولا يمتنع أن يكون لنا في ظن ذلك مصلحة وفائدة أخرى وهى أن يمتنع من قياس فرع على هذا الأصل وقولهم إن هذا يوجد بمجرد النص قلنا: لا وذلك لأن مجرد النص لا يمتنع من القياس عليه لأنه يجوز أن يعلل بوصف آخر متعدى فيقاس به فرع من الفروع عليه فإذا علمنا أن ما لا يتعدى هو العلة لأن الدليل دل عليه رفضنا ما عدا ذلك الوصف فلم نقس على ذلك الأصل شيئا وأما قولهم إن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها. قلنا: هذا لا يرد على ما قلنا: لأن صورة الخلاف في تعليل الدراهم والدنانير بالثمنية١ ولم يكن له فرع فلابد أن ينحصر الحكم في محل النص ولا يجرى في غيره فيفيد التعليل على ما سبق وأما قولهم إن العلة لابد أن تكون كاشفة عن شئ قلنا: نبطله بالعلة المنصوصة إذا كانت قاصرة تكون علة صحيحة ولا تكشف عن شئ وعلى أن قولهم إن شرط صحة العلة أن تكون كاشفة عن شيء. قلنا: إن عنيتم أنها تكشف عن الحكم فهو نفس الخلاف وأن قلتم تكشف عن معنى الحكم وعلته فقد كشفت ويجوز أن يتعلق به مصلحة وأما قولهم إن العلة دليل عامل فلابد له من عمل. قلنا: هذا هو الكلام الأول وهو أنا هذا تعليل غير مفيد وعلى أنا قد بينا فائدة هذا التعليل وإذا ثبت فائدة عمله ويجوز أن يقال: إن الحكم ثبت بالنص والعلة
стр. 639
جميعا وقولهم: إن هذا تغيير حكم النص قلنا: ليس فيه تغيير أصلا لأن الحكم على ما سبق من غير تغيير وتبديل وقولهم إنه لا يضاف إلى النص قلنا: يضاف فيقال النص مقيد لهذا الحكم والعلة مقيدة له ويجوز أن يتوالى دليلان على حكم واحد ولا تغيير لأن النص يدل على ما يتعلق الحكم بالنص ولا يدل على عدم تعلقه بدليل آخر وهذا كالحكم يثبت بالكتاب وبخبر الواحد فإنه يجوز ولا يقال: إن ثبوته بخبر الواحد يغير حكم الكتاب بل لا يعرف تغيير بهذا.
مسألة: يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ورد به الشرع ودل عليه الدليل.
والمحكى عن أصحاب أبى حنيفه أنهم لم يجوزا هذا القياس وقد [ذكره] الكرخى ومنع من جوازه إلا بإحدى خلال ثلاث١:
إحداهما: أن يكون ما ورد به بخلاف الأصول قد نص على علته نحو ما روى عن النبى ﷺ أنه علل طهارة سؤر الهرة أنها من الطوافين عليكم والطوافات٢. وقال: لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس عنه.
والثاني: أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في عليته.
والثالث: أن يكون الحكم الذى ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول وإن كان مخالفا للقياس٣ على بعض الأصول كالخبر الواحد بالتحالف في المتبايعين إذا تبايعا
стр. 640
فإنه يخالف قياس الأصول ويقاس عليه الإجارات لأنه يوافق بعض الأصول وهو أن ما يملك على الغير فالقول قوله فيه في أنه أى شئ ملك عليه وقالوا: إذا كان في الشرع أصل يبيح القياس وأصل يحظره وكان الأصل جواز القياس وجب القياس وقالوا أيضا يجوز القياس على الأصل المخصوص إذا كان أحد لم يفصل بينه وبين المخصوص فيكون حكمه على ما خص من جملة القياس مثل جماع الناسى وأكل الناسى وقال محمد بن شجاع البلخى من أصحابهم: إذا كان الخبر الواحد بخلاف قياس الأصول غير مقطوع به لم يجز القياس عليه فاقتضى قوله هذا أنه إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه وقد قال أصحاب أبى حنيفة: إن مثال الذي يمنع من القياس عليه انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة١ وجواز التوضؤ بنبيذ التمر٢ وجواز الثبات على الصلاة فيما إذا سبقه الحدث٣ وذكروا أمثلة سوى هذا وذهبوا في تصحيح ما صاروا إليه إلى إثبات الشئ لا يصح مع وجود ما ينافيه.
ببينة: أنه إذا جاز القياس على هذا الأصل لم يكن فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصا من جملة القياس قالوا وليس كما إذا ورد النص معللا لأنه إذا كان معللا يصير كل ما وجدت فيه تلك العلة كالمنصوص عليه وكان النبى ﷺ قد أمرنا أن نقيس عليه كل ما شاركه في العلة فصار نصه عليه من قياس الأصول وكذلك إذا كان شيئا لا يفصل أحد بينه وبين المخصوص فإن الحكم في أحدهما يكون حكما في الآخر واحتج أبو بكر الرازى لهم وقال: إن القياس لما وجب القول به وجب أن يكون حكما ثابتا في جميع الأحوال حتى يخصه دليل يسقط حينئذ حكم القياس في الموضوع المخصوص ويبقى حكمه فيما عدا المخصوص على ما كان عليه وهذا معنى قول فقهائهم: إن القياس على الأصل المخصوص من القياس لا ينفك
стр. 641
عن أصل يعارضه يكون ساقطا لأن من شرطه انفكاكه عن المعارض لأن معارضة الدليل بالدليل توجب توقفه عن العمل قال أبو زيد في هذه المسألة حكم النص إذا ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثبات ذلك الحكم في فرع بالقياس عليه لأن القياس جاء نافيا لهذا الحكم فلم يجز إثباته كالنص إذا جاء نافيا لحكم لم يجز إثباته به وأما دليلنا هو أن ما ورد به الخبر أصل يجب العمل به فجاز أن يستنبط منه معنى ويقاس عليه دليله إذا لم يكن مخالفا للأصول والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول فقد تعارض قياسان قياس على هذا الأصل وقياس على سائر الأصول فكما يجوز أحدهما يجوز الآخر ثم على المجتهد أن يرجح أحد القياسين على صاحبة ويجوز أن يرجح القياس على سائر الأصول على القياس على هذا الأصل إذا كان هذا الأصل ثبت لا بدليل مقطوع به لأن القياس على ما طريقه يفيد العلم أولى من القياس على ما يفيد الظن فأما إذا كان هذا الأصل فقد صح القياس عليه ولا ترجيح بما قلنا: لأن الكل ثبت بدليل يفيد العلم فنطلب الترجيح بدليل آخر وهذا لأن أصول الشرع كلها سمعية فعلى هذا لا فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول ويكون القياس على الكل واحد وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: في بعض كتبه ملزما إياهم على هذا الأصل الذى ذكروه وهو أن المعدول من القياس لا يقاس عليه غيره قال: قد زعمتم أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء واعتقدتم أن هذا معدول به عن القياس ثم زعمتم أنها تبطل صلاته ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولا ينقدح لكم فرق معنوى ولكنكم اعتمدتم قصة جرت في صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم أن تقتصروا على مورد النص. ثم قلتم: إن القهقهه تبطل صلاة النفل وإن لم تجز القصة في النفل فليت شعرى ما الذى عن لكم من التخصيص من وجه والإلحاق من وجه وقال أيضا في مساق هذا الكلام اعتقدتم في التوضؤ بنبيذ التمر مع اشتمال كلام رسول الله ﷺ لو صح الحديث على التنبيه على ذلك فإن ﷺ قال: "ثمرة طيبة وماء طهور" ١. وهذا في الزبيب يوجد فيقال: زبيب طيب وماء طهور وقد قال: بعضهم محتجا لنا في
стр. 642
هذه المسألة: إنه إذا كان عموم الكتاب لا يمنع من قياس في تخصيص فبأن يكون القياس على العموم لا يمنع من القياس على أصل مخالف للعموم أولى لأن العموم أقوى من القياس عليه فإذا كان العموم نفسه لا يمنع من قياس على أصل فإن أدى إلى تخصيصه فوجود القياس على ما يثبت بالعموم أو بأصل من الأصول كيف يمنع من القياس على أصل آخر فإنه أدى إلى تخصيص الأصول أما الجواب عن دلائلهم قوله إنه إثبات الشئ مع وجود ما ينافيه قلنا: ولم؟ قالوا: لأن القياس على الأصول يمانع القياس على ما ورد بخلاف الأصول. قلنا: هلا كان القياس على ما ورد بخلاف قياس الأصول يمانع القياس على الأصول. قالوا: إذا كان القياس على ما يخالف الأصول يمنع أن يدل أمارة على علة الحكم. قلنا: هذا دعوى لا دليل عليها وإذا جاز أن يدل على علة هذا القياس النص جاز أن يدل عليه دلالة غير النص فإن قيل: ما ورد بخلاف قياس الأصول وإن كان ورد بطريق يفيد العلم وصار أصلا لكن لا يجوز أن يكون في القوة بمثل القياس على سائر الأصول قلنا: وهذا دعوى أيضا وما أنكرتم أن يكون الخبر الوارد بخلاف قياس الأصول قد غير الحكم عما كان عليه من قبل لأنه لما كان ثبت بطريق معلوم صار أصلا في نفسه فلا يمتنع أن يقع التنبيه على علة ويكون التنبيه على علة أقوى من التنبيه على علة مطلوبة من سائر الأصول ثم يقال: لهم أليس قد جاز أن يدل عليها النص وهو أقوى وأظهر من علة الأصول فلم لا يجوز أن يدل عليهما دليل آخر ويكون أقوى من دليل علة الأصول وأما قولهم إن القياس إذا كان دليل الله وجب أن يثبت حكمه في جميع الأحوال حتى يخصه دليل قلنا: إذا كان القياس دليل الله فالقياس الذى وجد على الأصل المخصوص قياس أيضا وجب أن يكون دليل الله تعالى فإن رجعوا وقالوا إن القياس على سائر الأصول يمنع من هذا القياس فقد أجبنا عن هذا وقلنا إنه ليس هذا القول باولى من قول من يقول إن القياس على هذا الأصل يمنع من القياس على سائر الأصول وقولهم إن القياس على المخصوص لا ينفك عن أصل يعارضه قلنا: هذا قول المتفقهة الذين لا تمييز لهم فليس لهم من الدرك ما يعرفون به الصحيح من السقيم ويميزون به الخبيث من الطيب وإلا فوجود المعارض لا يمنع صحة القياس لكن يقال: للمستدل سيره إلى الترجيح وإلى تقديم أحد العلتين على الأخرى بنوع دليل وأما الذى قاله أبو زيد فليس بشئ لأن القياس على سائر الأصول ليس يمنع من القياس على هذا الأصل لكن يعارضه ثم لابد
стр. 643
من طلب الترجيح على ما سبق وليس إثبات هذا الفرع بالقياس إثبات شئ بالقياس يمنعه القياس بل الدليل الذى دل على كون القياس صحيحا مطلق لهذا القياس مصحح إياه ذلك الدليل لم يخص أصلا دون أصل ولا مانع فجاز القياس من غير تخصيص وما ينحسم به القول في هذه المسألة أن التعليل قد يمنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص لأمكن التعليل وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقال ﷺ : "إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والارض"١.
وقال لأبى بردة بن يسار وقد جاء بجذع من شعر "يجزيك ولا يجزئ عن احد بعدك" فمهما منعنا نص عن القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر فإذا لم يكن منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس أمكنا به على الشرائط التي ذكرنا من قبل والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأبيه وقد قال الشافعى ﵁ في بعض كتبه: ولا يقاس على المخصوص ويجوز أن يؤول فيقال أنه أراد هذا في الموضع الذى لا يمكن القياس عليه والأصل فيما يجوز القياس عليه وما لا يجوز أن ينظر إلى المخصوص ويمتحن فإن كان يتعدى معناه قيس عليه غيره كقياس الخنزير على الكلب في حكم الولوغ وقياس خف الحديد والخشب على خف الأدم على المسح عليه وإن لم يوجد في المخصوص وجه يمكن القياس عليه كالجنين لا يقاس عليه الشخص الملفوف في الثوب لأنه لا يعرف معنى في الجنين فقياس به الملفوف عليه والله أعلم.
فصل
واعلم أن الفصل الآخر الذى أشار إليه مما مرجوعه إلى مسألة إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات وهو قوله: إن الأصل إذا علل ثبت الحكم في الفرع بالعلة وفي الأصل بالنص وقوله إن الأصل لا يتغير عما كان عليه والتعليل لا يتعرض له أصلا فهذا فصل لم أر أحدا من أصحابنا أورده ويجوز أن نسلم له ذلك ويجوز أن نخالف فيقال: إن التعديه بالعلة لا يتصور إلا بعد ثبوت العلة في الأصل المنصوص عليه وتحققها فيه ألا
стр. 644
ترى أن الأشياء الستة لما عللت لم يكن بد من ثبوت الطعم عندنا والكيل عندكم في الأصل. ثم تعدية كل واحد على اختلاف المذهبين في الفروع وأقل ما في العلل أنها أمارات على الأحكام فإذا علل الأصل فلابد أن يصير أمارة عليه ثم يتعدى فيصير أمارة على الأحكام في الفروع وإذا ثبت أن الوجود لابد منه في الأصل فنقول بعد هذا يجوز أن يقال: على ما زعموا ويجوز أن يقال: إن الحكم في الأصل يثبت بالنص للمعنى الذى تناوله التعليل وتصير العلة كالمنصوص عليها وقد ورد النص في مواضع دالا على الحكم مع ذكر المعنى فأما في الفرع يكون ثبوته بمحض المعنى وهذا جائز وروده مستقيم وجهه.
وأما في مسألة إزالة النجاسة فعندنا إنما يعلل التعليل في تلك المسألة لأنا بينا أنه لابد من وجود العلة في الأصل: ثم التعدية وإذا عللنا للطهارة بالأدلة فلا شك أن طهارة الحدث تناولها النص ولم يوجد فيها الإزالة لأنه لا شئ يزال فبطل التعليل بالإزالة وإذا بطل لم يقبل التعدية وقد ذكر بعض أصحابنا فصلا في هذه المسألة أعنى مسألة النجاسة وأودعه أصول الفقه الذى صنفه. فقال: الذي ذهب إليه جماهير العلماء مع التزام القياس والقول به أن طهارة الحدث ليست بمعقولة المعنى. وذهب أبو حنيفه ومتبعوه إلى أن إزالة النجاسة معقولة المعنى١. وبنوا على هذا الفرق بين طهارة الحدث إذا تعين الماء لها وبين إزالة النجاسة فإن الغرض منها رفع عينها واستئصال أثرها فإذا رفع ذلك بأى مائع كان وقع موقعه قال واضطرب متبعوا الشافعى في ذلك فمذهب المتأخرين إلى أن طهارة الحدث مقعولة المعنى والغرض منها النظافة والتنقى عن الأدران والأوساخ وأوضحوا ذلك بتخييل يبتدره من يكتفى بظواهر الأمور فقالوا الأعضاء الظاهرة وهى الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان وبعض الساق في المهن والتصرفات تبدو وتظهر ويصادفها الغبرات وغيرها فورود الشرع بغسل هذه الأعضاء في مظان مخصوصة ومواقيت معلومة ومحاسن الشريعة تؤل في نهاياتها إلى أمثال ذلك والرأس مستورا بالعمامة غالبا وقد تبدو الناصية والمقاديم من المستروح إلى تحتية عمامته إلى هامته فلما كان ذلك أبعد اكتفى بالمسح فيه وعضد هؤلاء ما ذكروه بقوله تعالى: في سياق آية الوضوء ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولا مسلك في نصب المظنونات إلى إثبات العلل أوقع وانجع من إيماء الشارع إلى
стр. 645
التعليل وقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ظاهر في التعليل١ بما ذكرناه وأورد هؤلاء في هذا المعنى على أنفسهم التيمم وأجابوا عنه وقالوا: إن التيمم أقيم بدلا غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين له أن الغرض في إقامة التيمم مقام الوضوء إدامة الدربة في إقامة [وظيفة] ٢ الطهارة فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعوازا لها فيه ليس بالنادر فلو أقام الرجل الصلاة من غير طهارة ولا بدل عنها مرنت نفسه على إقامة الصلوات من غير طهارات والنفس ما عودتها تتعود فقد تفضى النفس إلى ركونها إلى هواها وانصرافها عن سراسم التكليف ومغزاه.
ويسأل عن هذا فيقال: لو كان المعنى هذا وجب أن يقال: إذا توضأ وأسبغ وضوءه ثم عمد إلى تراب فيعفر به أو تطلى بالطين وجب أن بنتقض وضوءه فإنه إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فلأن يجب بتحقيقه أولى.
وقد أجابوا عن هذا وقالوا: إن الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يندر ويشذ ويقل في الناس من يتطلى وينتضح بالقاذورات فلا يعتبر هذا النادر الفارد٣.
فإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص بوقوع الحدث وقد أجمع العلماء في الشرع أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة لأعضاء الوضوء وقد أجابوا عن هذا فقالوا غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى وهذا لا ينافى كون أصله معقولا قال الإمام جمال الإسلام ﵀: وعندي أن هذا التعليل وتكلف الأسئلة ثم تكلف الجواب عنها شئ عظيم والأصح أنه لا يتمشى تعليل صحيح في إيجاب الوضوء بل الأصح أنه تعبد محض وتكليف من الله لعباده من غير أن يتطرق إليه تعليل ولئن أمكن على التعبد وجه من المعنى فإذا لم يمكن تمشيته وطرده على المعنى المذكور فالأولى الإعراض عنه والنظر فيما سواه.
стр. 646
فصل: في ضروب القياس
...
فصل
إذا عرفنا من يجوز له القياس وما يجوز فيه القياس فنقول لا شك أن القياس نظر شرعى لإثبات حكم شرعى إذا عرف أن النظر الشرعى أقساما فنقول:
القياس على ضروب وقد جعلها ابن سريج ثمانية أقسام ومن أصحابنا من زاد على ذلك ومجموع ذلك وجهان على ظاهر جلى وخفى غامض فالجلي الواضح ما يعلم من غير معاناة فكر١ والخفى الغامض ما لا يتبين إلا بإعمال الفكر والروية٢.
والجلى الواضح على ضربين:
المتناهى في الجلاء حتى لا يجوز ورود الشرع في الفرع بخلافه مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وكقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ونحو هذا فإنه لا يجوز في المعقول أن يرد الشرع بتحريم التأفيف للوالدين وإباحة شتمهما وضربهما في تجويز تجويز ذلك إبطال النص من أصله وغير جائز أن لا يملكون من قطمير ويملكون ما فوق ذلك ولا أن يوفوا ثواب الذرة ويحرموا ما فوق ذلك
والضرب الثانى من القياس الجلى دون هذا في الوضوح والجلاء وكان بحيث يجوز
стр. 647
ورود الشرع في الفرع بخلاف ما في الأصل ومثال ذلك قوله ﷺ : "لا يقضى القاضي وهوغضبان" ١ ومعلوم بأوائل النظر أن ما يتأوى الغضب من جوع مفرط وألم مزعج ونوم مذهل بمنزلة الغضب في المنع من القضاء وأبعد من هذه تعليل ما كان من نحو قوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد فإن كان موسرا قوم عليه العبد" ٢ قيمة عدل يعلم أن الجارية بمنزلة العبد لتساويهما في الرق وجاز مع ذلك أن يرد الشرع بالمخالفة بين الغضب والآلام في القضاء بين العبد والجارية في التقويم ومن الناس من زعم أن هذا ليس بقياس ولكنه من معقول الكلام ومجرى الخطاب وإلى هذا ذهب الكرخى ومن يتبعه من أصحاب أبى حنيفة وذكر عبد الجبار الهمذانى قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن القياس لا يدركه من ليس بقائس وهذا يستدركه من ليس بقائس ويشترك في استدراكه الخاص والعام ولو كان قياسا لاختص به أهل النظر والاجتهاد ولأنه لو كان ما ذكروه من هذا قياسا لاحتاج إلى أصل وفرع وعلة ولما جاز أن يكون الفرع أقوى من أصله وقد علم كل أحد أن المعقول من قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أن الضرب والشتم أشد في المنع والتحريم من التأفيف والاصح أن ذلك ثابت من جهة القياس لأن غير المذكور لما علم بالمذكور على طريق الاعتبار فقد حصل معنى القياس وهذا لأن تحريم الشتم والضرب غير معقول من اللفظ لأنه لو عقل باللفظ لكان اللفظ موضوعا للمنع من الضرب والشتم إما في اللغة أو في العرف ومن البين أنه غير موضوع للمنع من الضرب والشتم في اللغة وكذلك في العرف لأن الناس لا يتعارفون هذا الاسم كذلك المعين فصار المنع من الضرب والشتم باعتبارهم بالتأفيف المنصوص عليه وبيان هذا أن الإنسان إذا سمع قول الله : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء: ٢٣] علم أن هذا الكلام خرج مخرج الأمر بالإعظام لهما مع ما تقرر في الشرع من وجوب تعظيمهما وإذا علم هذا علم أن الله تعالى إنما نهى عن التأفيف لأنه ينافي التعظيم ولأنه إنما يفعل هذا القصد إلا استخفافا٣ فعلم أنه
стр. 648
إنما نهى عن التأفيف لكونه أذى ويعلم أن الحكيم لا ينهى عن الشئ لعلة ويرخص ما فيه تلك العلة وزيادة بل يكون ذلك بالحظر والتحريم أولى فثبت ما قلنا وهو أن هذا من باب علم غير المذكور من المذكور بطريق الاعتبار فيكون بطريق القياس ولا ينكر سهولة مأخذ وقرب مسلك لهذا لأن هذا لا يخرجه عن كونه على طريق القياس لأن مراتب القياس قد تتفاوت في الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص فمن ذلك ما يدرك بأول ما يفرع السمع ومن ذلك ما يحتاج إلى تأمل وتفكر وهذا الاختلاف لا يخرج ذلك عن كونه نصا وإنما يتميز النص من غير النص بما كان مذكورا في اسمه والقياس ما لا حظ له في الاسم وإنما أدرك معناه وأما الذى قالوه إن هذا لو كان قياسا لكان يحتاج إلى فرع وأصل وعلة وقد وجدها هنا لأن التأفيف أصل والضرب والشتم فرع والأذى علة وأما قوله إن غير القياس يعرف ذلك أو هذا مما يشترك في معرفته الخاص والعام قلنا: قد حققنا معنى القياس على ما سبق وهذا لأن هذا القياس في نهاية الجلاء والانكشاف فلأجل هذا اشترك في معرفته الخاص والعام ونقول إنه لا يعلم تحريم الشتم والضرب بهذا الخطاب إلا بالمقدمات التي قلناها إلا أن هذه المقدمات لا تحتاج إلى غامض محض فإن كثيرا من ذلك يعمله المكلف قبل الخطاب مثل قولنا: إن الحكيم لا يرخص فيما فيه علة المنع وزيادة ومثل قولنا: إن التعظيم مناف للأذى والاستخفاف وبعض ما قلناه إنما يعلم الإنسان مقترنا بالخطاب وذلك قولنا: إن هذا الخطاب خرج مخرج التعظيم فإذا كملت هذه المعانى لكل أحد جاز أن يسمى كل أحد قائسا لأن كونه قائسا يمنع هذه الأشياء فإذا وجدت كان قائسا كان عالما كان غير عالم
وأما قولهم إن الفرع لا يجوز أن يريد بيانه على الأصل قلنا: الأغلب هذا الذى قلتم وغير ممتنع أن يوجد في بعض المواضع بخلاف هذا كما نقول الروم أعقل من الزنج والترك أشد بأسا من الهند وقد يوجد الواحد من الزنج أعقل وقد يوجد الواحد من الهند أشد بأسا وإنما يطرد الأمر على ما قالوه إذا كانت الدلالة واضحة بالأكثر على الأقل فأما إذا وقعت بالأقل على الأكثر فإن الفرع يصير في التقدير أقوى من الأصل وهذا كما نقول في الكفارة في القتل العمد فإنه أقوى في الوجوب من الكفارة في القتل الخطأ وإن كان الخطأ هو الأصل لأن النص تناوله وكما أن من يخرج الحنطة في صدقه الفطر وقوته الشعير فإنه يكون ذلك أقوى في وجه الجواز من إخراج الشعير وإن كان الأصل هو الشعير لمن قوته الشعير فإن قيل: لو علم ما قلتم بالقياس الجلى يجوز أن لا
стр. 649
يعلم ذلك العاقل إذا منعه الله تعالى من القياس الشرعى قلنا لو منعنا الشرع النظر في المعانى أصلا لم يعلم ذلك فإن قيل قوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فإن ما اقتضاه اللفظ من الذرتين فما فوقهما إنما هو قضية الاسم لا قضية المعنى لأنه ذرة وذرة إلى أكثر من ذلك قلنا: قد يكون ذرة ونصف ذرة فلا يمكن التعلق بالاسم وهذا الذى قلناه غاية ما يمكن أن يقال: في هذه المسألة لكن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظى وليس فيها فائدة معنوية وبعد أن وافقونا في المعنى الذى قلناه فلا نبالى أن يسمى ذلك قياسا او لا يسمى وإنما بالغنا في إثبات الذى ادعيناه مع أنه ليس للخلاف فيه فائدة معنوية نصرة للشافعي فإنه قد نص في موضع أنه قياس مع وصفه بالجلاء والظهور
وقد قيل: إن القياس الجلى ثلاثة أقسام:
أولها: ما عرف من ظاهر النص بعد استدلال ولا يجوز إيراد التعبد به بخلاف أصله وقد بينا مثال ذلك.
والقسم الثاني: ما عرف معناه بظاهر النص من غير استدلال لكن يجوز إن يرد التعبد فيه بخلاف أصله مثل النهى عن التضحية بالعوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها فكانت العمياء قياسا على العوراء والقطعاء قياسا على العرجاء وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم العوراء أو العرجاء وإباحة العمياء والقطعاء ومثل هذا أيضا نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه الورس والزعفران فكان الكافور والمسك على الزعفران والورس وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم الورس والزعفران وإباحة المسك والكافور.
والقسم الثالث: ما عرف معناه من ظاهر نص باستدلال ظاهر فعرف بمبادئ النظر مثل قوله تعالى في زنا الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فجعل حدهن نصف حد الحرائر ولم يكن المعنى إلا نقصهن بالرق وكان العبد قياسا عليهن في تنصيف الحد إذا زنوا لنقصهم بالرق ومثاله أيضا قوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد" ١ كما بينا ومثاله أيضا قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وكان معنى نهيه تعالى عن البيع أنه شاغل عن الجمعة فصار عقود المناكح والإجارات وسائر المعاملات والصنائع نهيا عنها قياسا على البيع لأنه شاغله عن حضور الجمعة.
стр. 650
وأما القياس الخفى: فهو ما خفى معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال.
وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان معناه لا يجاء باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ وكانت عمات الآباء والأمهات محرما قياسا على الخالات لاشتراكهن في الرحم والمحرم ومثل قوله تعالى: في نفقة الولد في صغره ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وكانت نفقة الولد في عجزه عند كبره قياسا على نفقة الولد لعجز لصغره لاشتراكهما في البعضية والمعنى في هذا لائح لتردده بين الجلى والخفى وهو في أقسام الخفى بمنزلة القسم الأول من أقسام الجلي.
والقسم الثاني: ما كان معناه غامضا لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى مثل تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت ولابد من ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على التحريم.
والقسم الثالث: ما كان سببها لحاح يضمنه ومعناه إلى الاستدلال ومثاله ما روى أن النبى ﷺ قضى أن الخراج١ بالضمان فعلم بالاستدلال أن الخراج هو المنفعة فإن الضمان هو ضمان المبيع بالثمن ثم الكلام في تلك المنفعة أنها عبارة عن ماذا يعرف في مسائل الفقه وهذه ثلاثة أقسام من أقسام القياس الخفى واعلم أنا إنما ذكرنا قياس المعنى فأما قياس الشبه فله باب يذكر فيه ولابد من زيادة شرح ليحصل معرفة الصحيح من ذلك والفاسد وسيأتى بمشيئة الله تعالى.
стр. 651
فصل في أقسام طريق العلل الشرعية
اعلم أن للعلل الشرعية طرقا كثيرة في الشرع وقد يكون ذلك من جهه اللفظ وقد يكون من جهه الاستنباط فأما الطريق من جهه اللفظ وقد يكون من جهه الصريح وقد يكون من جهة التنبييه فإما الصريح مثل قول القائل: أوجبت عليك كذا لعلة كذا ومثل قوله أوجبت عليك كذا لأنه كذا أو لأجل كذا أو لكى يكون كذا وها دون الأول في
стр. 652
التصريح وروى عن النبى ﷺ أنه قال: "إنما نهيتك لأجل الرأفة" ١وقال تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وأما الألفاظ المنبهة على العلة فضروب: منها: فوله ﷺ في المحرم الذي وقصت به ناقته "لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القايمه ملبيا" ٢ وهذا من باب تعليق الحكم على علته بلفظ الفاء وقد تدخل الفاء على العلة والحكم متقدم وقد تدخل الفاء على الحكم والعلة متقدمة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] "ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] "وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الذي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فهذا دليل على أن العلة في قيام وليه بالإملاء هو أنه لا يتطيع أيمل هو ومن هذا الضرب ما روى أن النبى ﷺ سهى وسجد٣ وزنا ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم٤ ومن ضروب التنبيه أن يسأل النبى ﷺ عن حكم شئ ويذكر السائل صفة ذلك الشئ: مما يجوز كونها علة مؤثرة في ذلك الحكم فيجيب النبى ﷺ عند سماع تلك الصفة يدل أن العلة تلك الصفة ومثال هذا قول القائل للنبى ﷺ واقعت أهلى في نهار رمضان وقول النبى ﷺ في الجواب: "أعتق رقبة" ٥ وقد يكون هذا في لفط الإفطار أن يثبت عن النبى ﷺ .
ومن ضروب التنبيه: أن لا يكون لذكر الوصف فائدة لو لم يكن ععلة فمن ذلك أن يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روى أن النبى ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب.
فقيل له: إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة. فقال: "إنها ليست نجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٦. فلو لك يكن لكونها من الطرفين تأثير في
стр. 653
طهارتها لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارته فائدة.
ومن ذلك: أن يوصف المحكم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بتركها فعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها علة وذلك مثل قوله ﷺ : "تمرة طيبة وماء طهور" ١ ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ حسن سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قيل: نعم قال: "فلا إذا" ٢ فلو لم يكن نقصانه عند اليبس علة للمنع من البيع لم يكن لذكره معنى.
ومن التنبية أيضا قوله ﷺ لعمر رضى الله عنه وقد سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" ٣. فعلم أنه إنما لم يفسد الصوم بالقبلة والمضمضة لآنه لم يحل ما يتبعها من الإنزال والإزدراء.
ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ : "لايرث القاتل" ٤ وقوله ﷺ : " لايقضى القاضي" ٥ الخبر ووجه التنبيه: أنه لما تقدم بيان إرث الورثة فلما قال: "لا يرث القاتل" مفرقا بينه وبين جميع الورثة على أن القتل علة في منع الإرث وكذلك في اللفظ الثانى لما تقدم أمر القاضي بأن يقضى فإذا منع من أن يقضى وهو غضبان علم أن الغضب علة في المنع منه.
ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ : "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد" ٦ فلما قال هذا البعد نهيه عن بيع البر متفاضلا دل أن اختلاف الجنس العلة في أن يجوز٧ البيع.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ
стр. 654
بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فدل أن تعقيد اليمين علة المؤاخذة.
ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ : "للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم" ١ فإذا استأنف أحد السببين بذكر صفة من الصفات فقد ذكر الآخر وتلك الصفة يجوز أن تؤثر في الحكم دل أنه علة.
ومن ضروب التنبيه قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لما أوجب علينا السعى ثم نهى عن البيع المانع من السعى علمنا أنه إنما نهانا لأنه مانع من الواجب.
واعلم: أن هذه الوجوه ذكرها المتكلمون من الأصوليين والكلام على مجال ونحن إذا بينا العلل الصحيحة ووجوه تأثيرها في الأحكام عرف عند ذلك صحيح العلل من فاسدها وعلى الجملة لا بأس بذكر هذه الضروب لأن هذه العلل علل من النصوص وطلب الفوائد من النصوص واجب فإذا أمكن استفادة علة من نص صاحب الشرع فلا مترك لها كما أنه إذا أمكن استفادة حكم منه فلا معرض عنه وقد ذكرنا في مسألة علة الربا أنا عللنا كون الطعم علة بالنص وجعلنا ذلك أحد فوائد النص وذكرنا أن بيان التأثير غير واجب علمنا بعد أن ثبت لنا كونه علة أحد فوائد النص لأن طلب الفوائد لما وجب وكان كون الطعم علة إحدى فوائده سقط عنا بيان تأثيره وهذه طرقة حسنة ذكرناها في الخلافيات ولا بأس بالاعتماد عليها وإن اخترنا بيان التأثير فقد ذكرنا أن التأثير في الطعم وبلغنا غاية الإمكان وكلتا الطريقتين حسنتان معتمدتان ومن الله العون.
стр. 655
فصل: ما يشتمل عليه القياس
...
"فصل"
إذا عرفنا أقسام القياس رجعنا إلى بيان ما يشتمل عليه القياس فنقول:
إن القياس يشتمل على أربعة أشياء على الأصل والفرع والعلة والحكم.
ونمثل مثالا لنعرف هذه الأشياء الأربعة فنقول إذا قسنا الأرز على البر في جريان الربا والنبيذ على الخمر في التحريم فالأصل هو البر أو الخمر والفرع هو الأرز أو النبيذ والعلة الطعم أو الشدة والحكم جريان الربا ويقال حرمة الفضل في الأول
стр. 656
وحرمة الشرب في الثاني.
قال أبو زيد: لابد للقياس من أصول [بل] ١ وهم شهود الله تعالى على أحكامه فيما لا نص فيها ولابد من وصف جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة ولابد من قائس وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه فشهادة الجامع بين الأصل والفرع ولابد من حكم يثبت لديه ليحكم به وهو القلب ولابد من شهود وهو الحكم المطلوب ولابد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات صلاحهم للشهادة بالحرية والعقل والبلوغ٢ كذلك الأصل يجب أن يكون صالحا للتعليل ولابد من اعتبار الوصف صالحاكما يعتبر لفظ الشاهد ولابد من اعتبار العدالة كما في الشاهد والعدالة ها هنا هو التأثير ولابد من مشهود عليه وهو البدن واللسان فاللسان يلزم الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به وهذا إذا حاج نفسه فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثل المتخاصمين في حقوق الناس بالمجيب حقوق الناس بمنزلة المدعي والسائل بمنزلة المنكر والقياس شهادة والأصل شاهد والمجيب مستشهد والحكم مشهود به والسائل بلسانه وبدنه مشهود عليه والقلب منه حاكم عليه وتأثير الوصف عدالة ظاهرة وهذا الذى ذكره هذا الرجل تكلف شديد وليس يليق بالمحققين وقد دخل في أثناء هذه التفاصيل ما لا يمكن تحقيق معناه على انفراده وقد نقلته على ما أورده.
قال وقد خالفنا الشافعى رحمة الله عليه في بعض ما ذكرنا على ما نذكر في تفاصيل هذه الحملة وما ذكرناه من الأشياء الأربعة كاف في معرفة ما يشتمل عليه القياس لأن القياس إلحاق فرع مجهول بأصل معلوم لحكم مطلوب بعلة جامعة والمثال ما بينا أن البر أصل والأرز فرع والطعم علة والربا حكم ولابد أن نفرد لهذه الأشياء الأربعة لكل منها فصلا.
стр. 657
أما فصل: الأصل
فنقول: أعلم أن الأصل يستعمله الفقهاء في أمرين: في أصول الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع فيقولون: هى الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل ويستعملون اسم الأصل في الشئ الذي يقاس عليه كالخمر أصل النبيذ والبر أصل الأرز.
وحد الأصل: ما عرف حكمه بنفسه أو ما عرف به حكم غيره ومن مثبتى القياس من جوز أن يكون القياس بغير أصل وهذا قول من خلط الاجتهاد بالقياس.
والصحيح: أنه لابد له من أصل لأن الفرع لا يتفرع إلا عن أصول لوقوع الفرق بين الأصول والفروع.
والأصل: ضربان معلول وغير معلول.
فأما غير المعلول فما لم يعقل معناه كأعداد الركعات واختصاص الصيام بشهر رمضان وغير ذلك وقد سبق بيان هذه القصة وأما المعلول فهو ما عقل معناه وهو ضربان متعد وغير متعد.
فأما غير المتعد فهو ما عدم معناه في غيره فوقف حكمه على نصه كتعلل الذهب والفضة أنهما أسمان فهذا لا يوجد معناها في غيرهما فوقف الحكم عليها وعند أبى حنيفة وأصحابه لا يكون غير المتعدية علة بحال وقد سبق الكلام في هذا الفصل.
وقد قال أبو زيد: في تقويم الأدلة في العبادة عن الخلاف في هذه المسألة قال علماؤنا حكم العلة تعدية النص المعلل إلى فرع لا نص فيه وقال أصحاب الشافعى حكم العلة تعلق حكم النص بالوصف الذى يتبين علة.
قال: فعلى هذا العلة إذا لم تكن متعدية كانت فاسدة. قال: فإما الذين قالوا إن حكم العلة هو تعلق الحكمية فقد شبهوا هذه العلل بالعلة العقلية فإنها لا تعرف عللا إلا بتعلق أحكامها بها فكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن الشارع قال والجواب عن هذا وهو الطريق في المسألة أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغير حكم النص بنفسه وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان قبل التعليل وهو أن يكون وجوبه مضافا إلى النص دون العلة فإنك متى قصدت الإضافة إلى العلة كنت قد غيرت حكم النص عما كان قبل التعليل ولأن العلة لما لم تشرع حجة إلا بعد النص
стр. 658
صارت لغوا مع النص وإذا صارت لغوا لم يجز تعليق الحكم بها وإذا ثبتتا بهذا تبين بهذا أن حكم العلة التعدية لا غير ونظيره من العقود الحوالة ما لها حاكم سوى التحويل من ذمة إلى ذمة ونحن قد أجبنا عن هذا وبينا صحة مثل هذه العلة وذكرنا فائدتها فلا معنى للإعادة.
والحرف لنا: أن التعليل عندنا إذا أفاد حكم بصحته فيكون لتعدية الحكم تارة ويكون لقصر الحكم على المنصوص عليه تارة وقد سبق بيان هذا رجعنا إلى ما كنا فيه.
وأما التعليل المتعدى فوجود ومعناه في غيره كتعليل غير البر والشعير في الطعم والكيل الموجود في البر والشعير فهو أصل في نفسه وأصل لغيره فيجوز مثل هذا أن يكون أصلا للقياس وسواء أجمع القائسون على تعليله وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لبطل القياس لأن نفاة القياس ممتنعون من تعليل الأحكام.
والثاني: أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لروعى انعقاد الإجماع على علته ولو روعي هذ لما استقر قياس إلا بالإجماع وهذا مدفوع بالإجماع.
والجملة أن عندنا كل أصل يوجدد معناه في غيره جاز القياس عليه سواء كان ما ورد به النص مجمعا على تعليله أو مختلفا فيه وكذلك سواء كان موافقا لقياس الأصول أو مخالفا وكلا الأصلين قد سبق وهذا الذى قلناه في الأصل الذى عرف بالنص فأما ما عرف بالإجماع فحكمه حكم ثابت بالنص في جواز القياس عليه على التفصيل الذى قلناه في النص.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز القياس عليه ما لم يعرف النص الذى أجمعوا لأجله وهذا غير صحيح لأن الإجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع وأما ما ثبت بالقياس على غيره فهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذى قيس به على غيره ويقاس عليه غيره اختلف أصحابنا في ذلك: والصحيح أنه لايجوز لأنه إثبات حكم في الفرع بغير علة للأصل وذلك لا يجوز.
ومثال هذا: أنا نقيس الأرز على البر بعلة الطعم فلو استخرج من الأرز معنى لا يوجد في البر وقيس عليه غيره في الربا فهذا محال لأختلاف الأصحاب وقد ذكرنا أن الصحيح أنه لا يجوز لأن علة جريان الربا في الأرز الطعم فلو استخرج منه معنى سوى
стр. 659
الطعم وقيس عليه غيره أدى إلى ما ذكرنا وهو إثبات الحكم في الفرع بغير علة الأصل وهذا لأن الفرع ما شارك أصله في علة حكمه فإذا لم يشارك لم يكن فرعا وأما إذا قاس الأرز على البر بعلة الطعم ثم قاس الذرة على الأرز بعلة الطعم فهذا لا معنى له لأن الذرة والأرز جميعا فرعان للبر فإذا جعل الذرة فرعا للأرز لم يكن هذا أولى بأن يجعل الأرز فرعا للذرة وإذا لم يكن أحدهما أولى من الآخر وجب أن يكونا جميعا فرعين للبر.
فإن قال قائل: ما قولكم في الأصل في حكم الربا أهو النص أم البر؟ قلنا: قد اختلفت الفقهاء والمتكلمين في هذا:
قال بعضهم: الخبر هو الأصل للبر ولكل مطعوم ومكيل لأن الحكم مأخوذ منه فصار أصل الكيل هو الخبر.
وقال بعضهم: الأصل هو الحكم المعلل لثبوت الربا لأنه المطلوب في الفرع فكان هو الأصل في الفرع.
والصحيح: هو المذهب الثانى وتمامه أن الخبر أصل للبر والبر أصل لكل ما يقاس عليه وهذا ظاهر حسن فليعتمد عليه إذا عرفنا هذه الأصول التي يقاس عليها فنقول ما لا يثبت من الأصول مأخذ هذه الطرق أو كان يثبت ثم نسخ فلا يجوز القياس عليه لأن الفرع إنما يجعل فرعا لأصل ثابت فإذا كان الأصل غير ثابت لم يجز إثبات الفرع من جهته.
وقال أبو زيد في هذا الفصل: مذهب علمائنا أن الأصول كلها معلولة ولا يجب العمل مما جعل علة أوصاف الأصل إلا بدليل يميز به بين علته وبين غيره من الأوصاف ومع وجود هذا أيضا لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل شاهدا للحال.
وحكى عن الشافعى ﵁ أن الأول يجب وهو الذى يميز الوصف الذى هو علة من غيره ولا يجب أكثر من هذا.
واستدل فيما اختاره وفسره وقال: مع هذا الذى ذكره الشافعى يحتاج إلى دليل يدل على كون الأصل شاهدا يعمل بشهادته لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحدا بعينه من بين الجملة أن لا يكون معلولا وقد وجد بالإجماع نصوص غير معلولة فلا يكون حجة على الفرع مع قيام هذا الاحتمال
стр. 660
حتتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدا للحال. كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه لكونه حرا في الأصل إلا بدليل يوجب حريته في الحال لأن حرية الأصل تحتمل التغيير بعارض فلم يكن حجة على غيره بحال.
فإن قيل: أليس النبى ﷺ قدوة أمته فما كان له وعليه وقد احتمل أن يكون مخصوصا ومع ذلك صار فعله حجة عل غيره أجاب وقال: إن الحجة في الابتداء فيه كونه نبيا وما اختلف الحال في كونه مقتدى به على كل حال والخصوص ثبت بدليله في بعض أحواله وأفعاله فبقى الباقى على عمومه كالنص إذا خص منه شئ فإن الباقى يبقى على عمومه وأما هاهنا فإن النص المعلول هو الشاهد بعلته وقد احتمل في نفسه أن لا يكون معلولا بعارض كالشاهد هو حجة بشهادته واحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق أو غيره وإذا احتمل على هذا الوجه فلابد من دليل.
قال: ومثال هذا أنا متى عللنا حرمة الفضل في الذهب بالذهب بكونه موزونا احتجنا إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل يوجب له غير الدلائل المصححة للقياس وذكر في هذا فصلا طويلا اقتصرنا على هذا القدر.
واعلم: أن هذا الذى ذكره ليس بشرط بعد أن يظهر تأثير الوصف فمتى ظهر التأثير للوصف الذى جعل علة وامتاز بالتأثير عن غيره من الأوصاف وقع الاكتفاء بذلك وأما قولهم إنه يحتمل ألا يكون هذا الأصل معللا ويحتمل أن يكون معللا قلنا ما استوى الاحتمالان لأن الأصل الذى نعرفه في الشرع أن كل أصل أمكن تعليله جاز ألا يمنع مانع من تعطيله يدل عليه أن الدلائل التي دلت على صحة التعليل دلت على تعليل كل أصل لأن الدلائل لا تخصيص فيها فإن عرض عارض دليل أنه لا يعلل أصل من الأصول لا يجب التوقف في سائر الأصول ألا ترى أن العموم حجة وقد خص بعض العمومات ثم بأن خص بعض العمومات لا يدل على أنه يجب التوقف في كل عموم حتى يدل الدليل أنه غير مخصوص وأظهر من هذا أمر النبى ﷺ فإن الخصوصية في حقه محتملة ومع ذلك لا يعتبر هذا الاحتمال بل اعتبر الأصل المعهود وهو أنه قدوة إلا أن يقوم الدليل على خلافه في موضع وقولهم إنه لا خلاف في كونه مقتدى به وهذا الوصف منه لا يحتمل غيره وفى مسألتنا وجد الاحتمال في هذا الأصل أنه غير معلول قلنا نعم لا اختلاف أنه مقتدى به في الجملة وكذلك الاحتمال عن إطلاق كونه قدوة
стр. 661
فأما في كل شئ بعينه فيحتمل أنه مخصوص به ويحتمل أنه غير مخصوص به فلا فرق بين الفصلين بوجه ومن هذا الأصل نقول: إن تحريم الخمر معلول وهم يقولون: ليس بمعلول ويطالبون بإقامة الدليل أنه معلول ونحن نقول الدلائل التي دلت على صحة القياس لم تخص محلا دون محل وكل أصل أمكن تعليله بعلة مؤثرة وجب تعليله والتأثير في تعليل الخمر بالشدة في نهاية القوة يدل أنها المحرمة وإذا عرفنا وفرغنا عن هذا الأصل بذكر الفصل الثانى وهو الكلام في فروع القياس فالفرع في القياس ما ألحق بأصل أخذ حكمه منه وقد يكون الفرع على نوعين فرع معنى معلول وفرع شبه متماثل وقد أنكر بعض القائسين بأن يكون المشبه لأصله فرعا في حكمه فابطل فرع الشبه وأثبت فرع المعنى ولم يجعل الفروع إلا ما شاركت الأصل في المعانى دون الأشباه وعكس هذا آخرون وأثبتوا فرع الشبه وأنكروا فرع المعنى وذهب الأكثرون إلى تصحيح كليهما وأثبتوا فرع المعنى وفرع الشبه وسنبين الصحيح من ذلك واعلم أن الذى يلزم في فرع المعنى أن يكون مشاركا لأصله في المعنى الذى جعل علة الحكم.
وأما اختلافهما فيما عدا ذلك من المعاني لا يؤثر فقد تكون الصلاة أصلا للحج في أحكام وورد النص عليها في الصلاة لاشتركهما في معانى تلك الأحكام وإن اختلفا فيما عدا ذلك من المعانى وكذا الحج مع الصلاة والذى يلزم من فرع الشبه أن يجتمع الأصل والفرع في أكثر الأشباه وأغلبها وأقواها ولا يلزم أن يجتمعا في جميع الشبه لأنه يكون هو ولا يكون بينهما فرع ولا أصل وقد ذكر.
ومثال ذلك: إلحاق العبد بالحر في وجوب القصاص في النفس والأطراف ووجوب الكفارة وكذلك إلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد وإلحاق الجواميس بالبقر في الزكاة وقد يكون الشبه في صورة الذات وقد يكون الشبه في حكم الذات والأمثلة التي قلناها في العبيد والأحرار والبقر والجواميس لبيان الشبه في صورة الذات.
وأما الأمثلة للشبه في حكم الذات كإلحاق الوطء بالشبهة بالوطء في النكاح لاشتباههما في الأحكام وكذلك إلحاق المكاتب بالحر وأما العبد في تمليك المال فإن ألحق بالحر في ثبوت ملكه فبقياس الشبه في حكم الذات وليس يمتنع أن نجمع بين الشبهين في الصورة والحكم فيحكم بكل واحد منهما في موضعه بما يقتضيه ثم إذا عرف معنى فرع المعنى وفرع الشبه يكونان متشاركين لأصلهما في صفة الحكم المطلوب بهما من وجوب وإسقاط وتحليل وتحريم وإن اختلفا في طريق الحكم بالمعنى والشبه
стр. 662
فيكون في الأصل معلوما وفى الفرع مظنونا وسيأتى في ذلك فرع المعنى وفرع الشبه وحين فرغنا من هذا الأصل وهو بيان الفرع فنذكره بعده.
стр. 663
فصل: القول في علة القياس
...
الفصل الثالث: وهو القول في علة القياس
وفيه الكلام الكثير وقد وقع فيه الخبط العظيم ولابد أن نعتبر في ذلك زيادة اعتناء ليظهر ما هو الحق من ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه.
واعلم أن العلة١ مأخوذة في اللغة من العلة التي هى المرض لأن لهذه العلة تأثير بيان الحكم كتأثير العلة في ذات المريض وقيل: سميت العلة علة لأنها ناقلة بحكم الأصل إلى الفرع كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض.
والأول أحسن لأنا بينا أن غير المتعدية من العلة تكون علة وقيل إن العلة مأخوذة من العلل بعد النهل وهو معاودة شرب الماء مرة بعد مرة لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر.
وأما حد العلة: فقد قالوا: إنها الصفة الجالبة للحكم.
وقيل: إنها المعنى المثير للحكم٢.
واعلم: أن علة الحكم شرط في صحة القياس ليجمع بها بين الأصل والفرع وذهب بعض القائسين من أصحاب أبى حنيفه وغيرهم إلى أن القياس يصح بغير علة إذا لاح بعض الشبه احتجاجا بأن الصحابة حين قاسوا لم يعللوا وإنما شبهوا فجمعوا بين الشئ والشئ لمجرد التشبيه من غير تعليل مثلما فعلوا بالجد والإخوة وغير ذلك.
وذهب جمهور القائسين من الفقهاء والمتكلمين إلى أن العلة لابد منها في القياس وهو ركن القياس ولا يقوم القياس إلا بها والدليل على ذلك أنه لا يخلو إما أن يرد الفرع إلى الأصل بسبب جامع بينهما أو بغير سبب ولا يجوز أن يكون بغير سبب لأنه لا
стр. 664
يكون رده إلى أصل بأولى من رده إلى غيره فلا يتعين الأصل وإن كان بسبب فلابد أن يكون ذلك السبب متعينا لأن السبب المجهول لا يكون شيئا فلم يبق إلا أن يكون بسبب معين ثم ذلك السبب المعين عندنا في الجمع هو العلة فإن سموه علة فقد وقع الاتفاق وإن لم يسموه علة فقد وقع الاتفاق في أنه لابد من جامع فالنزاع في الاسم مع الاتفاق في المعنى مصرح وأما الصحابة فقد عللوا تارة وأرسلوا الشبه أخرى قال على رضى الله عنه في حد الخمر: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون١. فقد ذكر التعليل.
وقالت الصحابة لأبى بكر -رضى الله عنهم-: "رضيك رسول الله ﷺ لدينا فرضيناك لدينانا" وأما إذا أرسلوا إرسالا فهو تنبيه على القائس وليس بقياس وإذا ثبت أنه لابد من العلة في صحة القياس فتقدم مسألة الطرد وكلام الفقهاء في ذلك.
مسألة: أعلم أن الطرد ليس بحجة والتمسك به باطل:
وهو الذى لا يناسب الحكم ولا يشعر به٢ وكذلك الاطراد لا يكون دليل صحة العلة وبالغ القاضى أبو بكر محمد بن الطيب في التغليظ على من يعتقد ربط حكم الله تعالى به وقال بعض أصحابنا وطائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه حجة٣ ذكره الشيخ أبو إسحاق في التبصرة عن أبى بكر الصيرفى وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة والاطراد دليلا على صحة العلة حشوية أهل القياس قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء واحتج من قال: إن الطرد حجة بالأدلة التي دلت على أن القياس حجة وقالوا إنها لم تخص وصفا دون وصف وهذا لأن علل الشرع أمارات على الأحكام وليست
стр. 665
من قبل العلل العقلية فصح تعليقها بالصور وتصير تلك الصور أمارات على الأحكام كالنصوص التي ترد في أحكام ولا يعقل معانيها فهذه العلل مثل تلك النصوص في الأحكام.
واستدل من قال: إن الإطراد دليل صحة العلة قال: لأن عدم الإطراد دليل على فساد العلة فالإطراد دليل صحة العلة ولأن الإطراد والجريان هو الاستمرار على الأصول من غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول لها بالصحة فوجب أن نحكم بصحتها.
ببينة: أنها إذا أطردت فقد عدم ما يوجب فسادها فوجب أن نحكم بصحتها لأنه ليس بين الصحة والفساد واسطة.
وأما دليلنا في أن الطرد ليس بحجة هو أنا اتفقنا على أن الاحتكام على الشرع باطل ألا ترى أنه لو أحتكم المحتكم من غير ذكر علة أصلا فيكون قوله باطلا وصفه المحتكم على الشرع أن لا يكون لقوله الذي يقوله طريق معلوم ولا مظنون ونحن نعلم قطعا أن أحكام الشرع مرتبطة إما بطريق علمى أو ظنى ويستند إلى سبب وإذا خلا عن هذين الطريقين يصير مجرد احتكام على الشرع من قائله والدليل على أن الظن لابد من إشارة إلى سبب حتى يعمل به أن العلميات في الشرع لابد من استنادها إلى طريق يوجب العلم فالظنيات لابد من استنادها إلى سبب يفيد الظن ولأن من ادعى يظن أن وراء هذا الجبل المطل علينا جيشا عظيما أو بحرا أو سباعا أو غير ذلك من الأشياء فإنه لابد من استنادها إلى أسباب فإنه إذا لم يربط بسبب كان مما ظنه مهموسا وفى قوله هاذيا ثبت أن الظن لابد له من سبب ليعمل عليه والطرد لا يفيد علما ولا ظنا لأن الحكم الذى ربط به إثباتا لو ربط به نفيا لم يترجح في مسلك الظن احدهما على صاحبة فبطل التعلق به. فإن قيل: سلامته عن النقض يفيد علية الظن كونه علما على الحكم قلنا هذا الذى قلت هو طرد الطارد وهذا الطارد مطالب بتصحيح علة وطرده لعلته لا يكون دليلا على صحة علته فإن فعله لا يكون دليل صحة قوله ثم هذا المعترض يقول إن الإطراد في محل النزاع وعندي أنه لا إطراد. فإن قال: المعلل قد طرد في غير محل النزاع يقال له: جريانه في غير محل النزاع لا يوجب إطراده في هذا الموضع الذى وقع فيه النزاع وهذا لأن الطارد منازع في طرده فكيف يستدل بإطراده وإنما غاية دعواه أنه يقول إن الدليل على صحة طردى دعواى بإطراده في صورة النزاع قال القاضى أبو بكر لو جاز
стр. 666
التمسك بالطرد لما عجز عنه أحد من طبقات الخلق لما كان من اشتراط استجماع أوصاف المجتهدين معنى ثم قال فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم عن العوارض والمبطلات ولا يهتدى إلى ذلك إلا عالم فقال كيف لا يهتدى بأن يذكر علة ويطردها أين وجدت قال: وإذا انتهى التصرف في الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك استهزاء بقواعد الدين واستهانة بضبطها وتطريقا لكل قائل أن يقول ما يريد ويحكم بما شاء ولهذا صرف علماء الشرع تبعتهم إلى البحث عن المعانى المختلة المؤثرة.
ببينة: أنا جعلنا إجماع الصحابة هو الدليل الأقوى في صحة القياس ولم يرو عن احد منهم أنه تعلق بطرد لا يناسب الحكم ولا يؤثر فيه وإنما نظروا إلى الأقيسة من حيث المعانى وسلكوا طريق المراشد والمصالح التي تشير إلى محاسن الشريعة ولو كان الطرد قياسا صحيحا لما عطلوه لوما أهملوه ولما تركوا الاعتلال به وكذلك سائر الأئمة االمقتدى بهم من بعدهم وضرب الحليمى لذلك مثلا فقال من رأى دخانا نائرا فظن أن وراءه حريقا كان مصيبا في ظنه ومن رأى غبارا ثم ظن أن وراءه حريقا كان مختلا في ظنه نعم لو ظن أن وراءه عسكرا أو سرحا كان مصيبا ونقول أيضا أنا قد بينا أن العلة هى الصفة الجالبة للحكم ويجوز أن يقال: إن العلة هى المقتضية للحكم فأما إذا لم نعتبر وجود ما يقتضى الحكم أو وجود ما يجلب الحكم في الصفة التي جعلت علة لم تكن هذه الصفة بأن يجعله علة بأولى من غيرها من الصفات فإن للاصل صفات كثيرة وقد جعل أحدهما علة فلابد أن يكون لها اختصاص أو مناسبة بالحكم الذى جعلت الصفة علة له حتى تكون جالبة له أو مقتضية إياه وهذا لأن التغييرات الاتفاقية قد تقع كثيرا فلا يقع الفرق بين التغير الاتفاقى وبين التغير بالعلة إلا بما ذكرناه من وجود اختصاص ومناسبة بين العلة والحكم.
فإن قال قائل: إن المناسبة والاختصاص في إنه يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم بعدمها أو المناسبة بالإطراد فقد أجينا عن هذا من قبل ويدل عليه أن دوران الحكم معه وجودا وعدما لا يدل على الصحة لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط ألا ترى أن من قال: لعبده أنت حر إن كلمت زيدا دار وجود العتق مع الكلام كما دار مع قوله أنت حر وهو علة فدل أن هذا القدر لا يصلح أن يستدل به على صحة العلة وسيعود الكلام في هذا من بعد فإن كثيرا من أصحابنا جعلوا الإطراد والانعكاس دليلا وأما الجواب عن الذى ذكروه أما تعلقهم بالأدلة التي دلت على صحة
стр. 667
القياس قلنا: هذا الكلام دليل عليكم لأن الأدلة التي دلت على صحة القياس على الأصول وهذا القياس يوجد ببعض الأوصاف ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة أخرى ألا ترى أن نصوص القرآن دلت أن الأمة شهداء في الأصل ولم يدل أن كل لفظ فهم شهادة بل دلت أنه يوجد منهم الشهادة وذلك يحصل ببعض الألفاظ ولا يتميز ذلك عن غيره إلا بدليل ولأن كل وصف لو صلح علة والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المناسبات ولما اختص القياس بالفقهاء علمنا أن المقايسة مبنية على معان تفقه لا على أوصاف وأسامى تسمع وقد ذكرنا هذا من قبل بلفظ آخر.
وأما قولهم: إن علل الشرع أمارات وليست بموجبات قلنا: لا يسلم هذا الأصل على الإطلاق فإن الفقهاء وإن كانوا يطلقون هذا ولكن معنى ذلك أنها لا توجب بذواتها شيئا بل يجعل الشارع إياها موجبة وإن لم تكن بنفسها موجبة بل صارت موجبة بالشرع لا يمنع أن يقوم الدليل على أن القياس إذا احتاج صحته إلى علة فلابد أن تكون العلة مناسبة للحكم مؤثرة فيه مقتضية إياه وقد دللنا أنه لابد من ذلك.
فإن قيل: ما قولكم في الشرع إذا نصب الطرد علما هل يجوز أم لا؟ قلنا: يجوزقالوا إذا جاز من الشارع جاز من المعلل قلنا: وإن جاز من الشارع لكنه لا يكون علة.
لكنه تعريف للحكم أو تجديد له ولو ذكر الشرع الحكم من غير علة له قوبل بالقبول فإذا ذكره وذكر علما عليه قبل وصدق أيضا وهذا لأن الشرع له التحكم علينا كما يشاء ولكن ليس لنا التحكم على الشرع كما شئنا فتبين الفرق قطعا وباقى ما ذكروه ليس بشئ ينبغى الاشتغال به وفيما ذكرناه من قبل جواب عنه وقد ذكر القاضى أبو الطيب إن الإطراد زيادة دعوى والدعوى لا تثبت بزيادة الدعوى قال: ولأن القياس الفاسد قد يطرد ولو كان الاطراد دليل صحة العلة لم يقم هذا الدليل إلا على الأقيسة الفاسدة فالأقيسة الفاسدة المطردة مثل قول من يقول في إزالة النجاسات بغير ماء مائع لا يبنى عليه القناطر ولا يصطاد منه السمك فأشبه الدهن ومثل من يقول في الكلب أنه كلب فيكون نجسا كالكلب الميت ومثل من يقول في مس الذكر مس ذكره فصار كما لو مس وبال ومثل من يقول في وطء الثيب شرع من نافد فصار كما لو مشى في شارع أو أدخل من يدخل في المدخل فصار كما لو أخرج رأسه من الروزنة وأدخل رجله في الحف
стр. 668
ومثل ما يقول في القهقهة اصطكاك الأجرام العلوية فلا ينقض الطهارة كالرعد ولا يلزم الظراط لأنه اصطكام الأجرام السفلية قال القاضى: وهذا مع سخفه ينتقض بما لو اصفع امرأته وصفعته وقد قال قوم: من أصحاب أبي حنيفة: في مس الذكر مس آلة الحرث فأشبه إذا مس اليدان وقال: طويل مشقوق ينقض الوضوء كالقلم والبوق وقال: تعلق منكوس فأشبه الدبوس وقال في السعى: بين الصفا والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركنا في الحج كالسعى بين جبلى نيسابور أو غيرها من البلاد وهذه حكايات سخيفة والاشتغال بأمثالها هزو ولعب بالدين ولولا أن هذا الإمام أوردها وإلا لم نوردها وأيضا فإن المتأمل يتأمل هذه التحقيقات السخيفات التي لا يمكن مناقضتها بشيء ويطردها ومباحثها١ طردا أو يعرف أن سائر الطرد على مثالها وبمثابتها واللعب والضحك ليس من باب الدين في شئ وقولهم إنه لا يوجد دليل بعده قلنا عدم تأثيره ومناسبته للحكم دليل على فساده يدل عليه أن من ادعى النبوة وقال الدليل على صحة دعواى عدم ما يفسدها لا يسمع منه ذلك وكذلك كل من يدعى صحة شئ بهذا الوجه فثبت أن ما قالوه باطل والله العاصم منه.
стр. 669
فصل: ويدخل في هذا ال فصل القول في المركبات:
اعلم أنه ذكر أبو زيد بابا في أقسام الطرديات وقال:
الطرديات الفاسدة أربعة أنواع:
نوع منها يعرف فاسدها ببداءة العقول من غير تأمل في الأصول كقولهم في قراءة الفاتحة فرض في الصلاة إن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحليل وتحريم فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع دليله الحج ومثل قولهم إن السبع أحد عددى صوم التمتع فوجب أن لا يجوز الصلاة إذا قرأ دونها دليله الثلاث وكقولهم إن الوطء فعل ينطلق مرة وينغلق أخرى فلا يثبت به الرجعة كالقبلة وقال سمعت بعض شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه دليله قطع اليد قصاصا أو في السرقة وهذه علل تعرف فسادها ببداءة العقول لأنه لا مشابهة بين الأصول في هذه الأصول وبين فروعها وهذا الضرب لا يوجد له نظير
стр. 670
من كلام السلف ولكنه شئ أحدثه حشوية أهل الطرد. قال:
والنوع الثاني: رد فرع إلى أصل لا يكاد الفرع يمتاز عن الفرع إلا بضم ما هو علة الحكم إليه نحو قولهم: إن مس الذكر حدث كما لو مس وبال فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول لأنه حدث بالإجماع وقد عدم ذلك في الفرع فسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إن إعتاق مكاتب عن الكفارة فصار كما لو رأى بعض الدلائل لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض البدل وإنه علة مانعة من التكفير وقد عدمت في الفرع فبقي العبرة لما وراء هذه الزيادة وهو أنه إعتاق مكاتب وهذا مختلف فيه وكذلك قولهم في شراء الأب لا يكون تكفيرا كما لو حلف بعتقه إن اشتريه ولا زيادة في الأصل إلا اليمين بعتقه وهو علة مانعة من التكفير بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدم هذا في الفرع وليس وراء هذا إلا شراء الأب وهذا مختلف فيه. قال:
وأما النوع الثالث: رد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك من العلماء لأنه لما ظهر الاختلاف فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل الكلام إليه لقولهم إن الكتابة الحالة لا تمنع التكفير عن العتق وكانت فاسدة كالكتابة على القيمة فالخلاف ظاهر بيننا وبينهم في الكتابة الصحيحة أنها هل تمنع الإعتاق عن الكفارة أو لا فلم يصر عدم المنع دليلا علينا في فساد الكتابة وعن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة دليله ابن العم وهذا فاسد لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكتابة ويعتق بالقرابة وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز عن الكفارة ومن ذلك قولهم إن رهن المشاع باطل لأنه رهن لا يتبع للإنتفاع به ومن هذا الجنس يكثر وقال:
والنوع الرابع: التعليل بعدم الوصف كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة الرجال مع النساء كالحدود وهذا فاسد لأن العدم لا يوجب حكما وهذه العلل تذكر للإيجاب والعلل توجد ولا تعدم وكذلك قولهم: إن الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما وكذلك قولهم إن المرض لا يبيح التجلد لأن المرض معنى لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال وكذلك قولهم: المبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما وإسلام الشئ في جنسه لا يجوز لأنه لا يجمعهما صفة الطعم والثمنيه واعلم أنى ما ذكرت ما أورده على طريق الاختصار ونحن نقول في الأنواع الثلاثة التي قدمها