← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

التمسك بالطرد لما عجز عنه أحد من طبقات الخلق لما كان من اشتراط استجماع أوصاف المجتهدين معنى ثم قال فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم عن العوارض والمبطلات ولا يهتدى إلى ذلك إلا عالم فقال كيف لا يهتدى بأن يذكر علة ويطردها أين وجدت قال: وإذا انتهى التصرف في الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك استهزاء بقواعد الدين واستهانة بضبطها وتطريقا لكل قائل أن يقول ما يريد ويحكم بما شاء ولهذا صرف علماء الشرع تبعتهم إلى البحث عن المعانى المختلة المؤثرة. ببينة: أنا جعلنا إجماع الصحابة هو الدليل الأقوى في صحة القياس ولم يرو عن احد منهم أنه تعلق بطرد لا يناسب الحكم ولا يؤثر فيه وإنما نظروا إلى الأقيسة من حيث المعانى وسلكوا طريق المراشد والمصالح التي تشير إلى محاسن الشريعة ولو كان الطرد قياسا صحيحا لما عطلوه لوما أهملوه ولما تركوا الاعتلال به وكذلك سائر الأئمة االمقتدى بهم من بعدهم وضرب الحليمى لذلك مثلا فقال من رأى دخانا نائرا فظن أن وراءه حريقا كان مصيبا في ظنه ومن رأى غبارا ثم ظن أن وراءه حريقا كان مختلا في ظنه نعم لو ظن أن وراءه عسكرا أو سرحا كان مصيبا ونقول أيضا أنا قد بينا أن العلة هى الصفة الجالبة للحكم ويجوز أن يقال: إن العلة هى المقتضية للحكم فأما إذا لم نعتبر وجود ما يقتضى الحكم أو وجود ما يجلب الحكم في الصفة التي جعلت علة لم تكن هذه الصفة بأن يجعله علة بأولى من غيرها من الصفات فإن للاصل صفات كثيرة وقد جعل أحدهما علة فلابد أن يكون لها اختصاص أو مناسبة بالحكم الذى جعلت الصفة علة له حتى تكون جالبة له أو مقتضية إياه وهذا لأن التغييرات الاتفاقية قد تقع كثيرا فلا يقع الفرق بين التغير الاتفاقى وبين التغير بالعلة إلا بما ذكرناه من وجود اختصاص ومناسبة بين العلة والحكم. فإن قال قائل: إن المناسبة والاختصاص في إنه يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم بعدمها أو المناسبة بالإطراد فقد أجينا عن هذا من قبل ويدل عليه أن دوران الحكم معه وجودا وعدما لا يدل على الصحة لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط ألا ترى أن من قال: لعبده أنت حر إن كلمت زيدا دار وجود العتق مع الكلام كما دار مع قوله أنت حر وهو علة فدل أن هذا القدر لا يصلح أن يستدل به على صحة العلة وسيعود الكلام في هذا من بعد فإن كثيرا من أصحابنا جعلوا الإطراد والانعكاس دليلا وأما الجواب عن الذى ذكروه أما تعلقهم بالأدلة التي دلت على صحة

стр. 667

القياس قلنا: هذا الكلام دليل عليكم لأن الأدلة التي دلت على صحة القياس على الأصول وهذا القياس يوجد ببعض الأوصاف ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة أخرى ألا ترى أن نصوص القرآن دلت أن الأمة شهداء في الأصل ولم يدل أن كل لفظ فهم شهادة بل دلت أنه يوجد منهم الشهادة وذلك يحصل ببعض الألفاظ ولا يتميز ذلك عن غيره إلا بدليل ولأن كل وصف لو صلح علة والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المناسبات ولما اختص القياس بالفقهاء علمنا أن المقايسة مبنية على معان تفقه لا على أوصاف وأسامى تسمع وقد ذكرنا هذا من قبل بلفظ آخر. وأما قولهم: إن علل الشرع أمارات وليست بموجبات قلنا: لا يسلم هذا الأصل على الإطلاق فإن الفقهاء وإن كانوا يطلقون هذا ولكن معنى ذلك أنها لا توجب بذواتها شيئا بل يجعل الشارع إياها موجبة وإن لم تكن بنفسها موجبة بل صارت موجبة بالشرع لا يمنع أن يقوم الدليل على أن القياس إذا احتاج صحته إلى علة فلابد أن تكون العلة مناسبة للحكم مؤثرة فيه مقتضية إياه وقد دللنا أنه لابد من ذلك. فإن قيل: ما قولكم في الشرع إذا نصب الطرد علما هل يجوز أم لا؟ قلنا: يجوزقالوا إذا جاز من الشارع جاز من المعلل قلنا: وإن جاز من الشارع لكنه لا يكون علة. لكنه تعريف للحكم أو تجديد له ولو ذكر الشرع الحكم من غير علة له قوبل بالقبول فإذا ذكره وذكر علما عليه قبل وصدق أيضا وهذا لأن الشرع له التحكم علينا كما يشاء ولكن ليس لنا التحكم على الشرع كما شئنا فتبين الفرق قطعا وباقى ما ذكروه ليس بشئ ينبغى الاشتغال به وفيما ذكرناه من قبل جواب عنه وقد ذكر القاضى أبو الطيب إن الإطراد زيادة دعوى والدعوى لا تثبت بزيادة الدعوى قال: ولأن القياس الفاسد قد يطرد ولو كان الاطراد دليل صحة العلة لم يقم هذا الدليل إلا على الأقيسة الفاسدة فالأقيسة الفاسدة المطردة مثل قول من يقول في إزالة النجاسات بغير ماء مائع لا يبنى عليه القناطر ولا يصطاد منه السمك فأشبه الدهن ومثل من يقول في الكلب أنه كلب فيكون نجسا كالكلب الميت ومثل من يقول في مس الذكر مس ذكره فصار كما لو مس وبال ومثل من يقول في وطء الثيب شرع من نافد فصار كما لو مشى في شارع أو أدخل من يدخل في المدخل فصار كما لو أخرج رأسه من الروزنة وأدخل رجله في الحف

стр. 668

ومثل ما يقول في القهقهة اصطكاك الأجرام العلوية فلا ينقض الطهارة كالرعد ولا يلزم الظراط لأنه اصطكام الأجرام السفلية قال القاضى: وهذا مع سخفه ينتقض بما لو اصفع امرأته وصفعته وقد قال قوم: من أصحاب أبي حنيفة: في مس الذكر مس آلة الحرث فأشبه إذا مس اليدان وقال: طويل مشقوق ينقض الوضوء كالقلم والبوق وقال: تعلق منكوس فأشبه الدبوس وقال في السعى: بين الصفا والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركنا في الحج كالسعى بين جبلى نيسابور أو غيرها من البلاد وهذه حكايات سخيفة والاشتغال بأمثالها هزو ولعب بالدين ولولا أن هذا الإمام أوردها وإلا لم نوردها وأيضا فإن المتأمل يتأمل هذه التحقيقات السخيفات التي لا يمكن مناقضتها بشيء ويطردها ومباحثها١ طردا أو يعرف أن سائر الطرد على مثالها وبمثابتها واللعب والضحك ليس من باب الدين في شئ وقولهم إنه لا يوجد دليل بعده قلنا عدم تأثيره ومناسبته للحكم دليل على فساده يدل عليه أن من ادعى النبوة وقال الدليل على صحة دعواى عدم ما يفسدها لا يسمع منه ذلك وكذلك كل من يدعى صحة شئ بهذا الوجه فثبت أن ما قالوه باطل والله العاصم منه.

стр. 669

فصل: ويدخل في هذا ال فصل القول في المركبات: اعلم أنه ذكر أبو زيد بابا في أقسام الطرديات وقال: الطرديات الفاسدة أربعة أنواع: نوع منها يعرف فاسدها ببداءة العقول من غير تأمل في الأصول كقولهم في قراءة الفاتحة فرض في الصلاة إن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحليل وتحريم فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع دليله الحج ومثل قولهم إن السبع أحد عددى صوم التمتع فوجب أن لا يجوز الصلاة إذا قرأ دونها دليله الثلاث وكقولهم إن الوطء فعل ينطلق مرة وينغلق أخرى فلا يثبت به الرجعة كالقبلة وقال سمعت بعض شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه دليله قطع اليد قصاصا أو في السرقة وهذه علل تعرف فسادها ببداءة العقول لأنه لا مشابهة بين الأصول في هذه الأصول وبين فروعها وهذا الضرب لا يوجد له نظير

стр. 670

من كلام السلف ولكنه شئ أحدثه حشوية أهل الطرد. قال: والنوع الثاني: رد فرع إلى أصل لا يكاد الفرع يمتاز عن الفرع إلا بضم ما هو علة الحكم إليه نحو قولهم: إن مس الذكر حدث كما لو مس وبال فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول لأنه حدث بالإجماع وقد عدم ذلك في الفرع فسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إن إعتاق مكاتب عن الكفارة فصار كما لو رأى بعض الدلائل لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض البدل وإنه علة مانعة من التكفير وقد عدمت في الفرع فبقي العبرة لما وراء هذه الزيادة وهو أنه إعتاق مكاتب وهذا مختلف فيه وكذلك قولهم في شراء الأب لا يكون تكفيرا كما لو حلف بعتقه إن اشتريه ولا زيادة في الأصل إلا اليمين بعتقه وهو علة مانعة من التكفير بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدم هذا في الفرع وليس وراء هذا إلا شراء الأب وهذا مختلف فيه. قال: وأما النوع الثالث: رد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك من العلماء لأنه لما ظهر الاختلاف فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل الكلام إليه لقولهم إن الكتابة الحالة لا تمنع التكفير عن العتق وكانت فاسدة كالكتابة على القيمة فالخلاف ظاهر بيننا وبينهم في الكتابة الصحيحة أنها هل تمنع الإعتاق عن الكفارة أو لا فلم يصر عدم المنع دليلا علينا في فساد الكتابة وعن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة دليله ابن العم وهذا فاسد لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكتابة ويعتق بالقرابة وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز عن الكفارة ومن ذلك قولهم إن رهن المشاع باطل لأنه رهن لا يتبع للإنتفاع به ومن هذا الجنس يكثر وقال: والنوع الرابع: التعليل بعدم الوصف كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة الرجال مع النساء كالحدود وهذا فاسد لأن العدم لا يوجب حكما وهذه العلل تذكر للإيجاب والعلل توجد ولا تعدم وكذلك قولهم: إن الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما وكذلك قولهم إن المرض لا يبيح التجلد لأن المرض معنى لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال وكذلك قولهم: المبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما وإسلام الشئ في جنسه لا يجوز لأنه لا يجمعهما صفة الطعم والثمنيه واعلم أنى ما ذكرت ما أورده على طريق الاختصار ونحن نقول في الأنواع الثلاثة التي قدمها

стр. 671

علل فاسدة كما ذكروا للأصحاب كلام في المركبات وهى التي ذكرها في النوع الثالث وقد رأيت من الأئمة في العصر الذى أدركته من شغف بأمثال هذا وقد ملأ كتبه من ذلك ومن أمثال ذلك ما قاله بعض أصحابنا في النكاح بغير ولى أنثى فلا تزوج نفسها دليله إذا كانت بنت خمس عشرة سنة والخصم يعتقد في الأصل أنها صغيرة فتكون علة المعلل مقيسة على الصغيرة عند الخصم ولابد من كون الأصل متفقا عليه ولو اعتقد الخصم أنها كبيرة لكانت تزوج نفسها والخلاف واقع في الكبيرة وطائفة من الجدليين يصححون هذا ويقولون الحكم يتفق عليه في الأصل والمعلل علل الأنوثة وهى تعليل صحيح فقاس على أصل مسلم فتشعب المذاهب واختلافها ليس يضر ومثل هذا التعليل والدليل لا يرضى به محقق لأن المخالف يقول بنت خمس عشرة فيما أذهب إليه صغيرة ولو كانت فالقياس عليها باطل فإنه لو قال ابتداء أنثى فلا تزوج نفسها كالصغيرة يكون قياسا لأن لمعلل ذكر الأنوثة والصغر في الأصل والصغر على حاله مانع من العقد بدليل الغلام فقد ضممت إلى الأنوثة في الأصل صفة مستقلة بالحكم المطلوب فيكون مثاله ما يقول القائل في مس الذكر مس ذكره فينتقض وضوءه كما لو مس وبال فيصير التعليل باطلا لأن قياس الفرع على الأصل إنما يجوز بعلة الحكم في الأصل فأما تغيير علة الحكم في الأصل فيكون باطلا. قالوا: وهذا إذا كانت بنت خمس عشرة سنة صغيرة على ما نقول نحن فأما إذا كانت كبيرة على ما يقولون فعندنا يجوز لها أن تزوج نفسها والتقدير لا يخلو من هذين فالعلة مترددة بين منع الحكم في الأصل على تقدير وبين سقوط العلة على تقدير فلم تصح. صورة أخرى من التركيب الذى قاله الأصحاب وهو قولهم في البكر البالغة: بكر فيجبرها أبوها كبنت خمس عشرة سنة وهذا أمثل من الأول فإن بنت خمس عشرة سنة إن ثبت صغرها فالقياس على البكر الصغيرة جائز لأن الصغر لمجرده على مذهب الشافعى١ لا يستقل بإفادة الإجبار بدليل الثيب الصغيرة فإن قال الخصم ظني أن بنت خمس عشرة سنة صغيرة وإن كانت كبيرة لا يجبرها أبوها على النكاح فهذا كلام صحيح غير أن هذه الصورة تنفصل عن الصورة الأولى لأن في الصورة الأولى تبطل العلة على تقدير الصغر والبلوغ جميعا وفى الصورة الثانية لا تبطل على تقدير الصغر لكن يتوجه

стр. 672

على تقدير الكبر منع من الخصم ويضطر المعلل إلى رد القياس إلى الصغيرة البكر فيلغوا تعيين خمس عشرة سنة. فأما التركيب في الوصف فمثاله ما قال أصحابنا في قتل المسلم بالذمى من لا يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجبه بقتله بالسيف كالأب في حق ابنه وهذا أيضا فاسد لأن الخصم يقول: إن المثقل ليس كآلة القتل والقتل به لا يكون عمدا محضا على ما عرف من مذهبهم فإن كان الأمر على ما قلنا: فقد قست العمد على غيرالعمد وإن كان الأمر على ما قلتم إنه عمد محض يوجب القود فأنتم بين منع وإطلاق وقد قال بعض أصحابنا: في مسألة الثمار التي تؤبر وتبعيتها للأشجار في مطلق التسمية ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت تسميتها بالأغصان وهذا فيه معنى حسن وهو أن الشفعة في وضعها لا تتعلق بالمنقولات فأشعر ثبوت أخذ الشفيع بكونها معدودة من أجزاء الشجرة ملحقة بها. فإن قال الخصم: سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى وكذلك أثبتنا أخذ الثمار المؤبرة للشفيع فالوجه أن يقال الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما قلنا هنا بين وتسويتكم بين المؤبر لا يقدح في هذا. ومثال هذا أيضا ما يقوله أصحابنا في مسألة قتل الحر بالعبد من قياس النفس على الطرف ويقول الخصم: هذا تركيب لأن مذهبنا أن طرف العبد لا يكون محلا للقصاص له وعليه محال غير أنا إذا صححنا التعلق بالشبه على ما سنبين فهذا أقوى شبه وقد تأيد هذا الشبه بكون الأطراف محلا للقصاص على الجملة مثل ما تكون النفوس محلا للقصاص ولم يوجبه منع وهذا من قوة الشبه كأنه مناقضة من الخصم. فإن ناقض الخصم مناقضة ثانية ومنع كون طرف العبد محلا للقصاص بخلاف طرف الحر فلا يمنع هذا من صحة القياس مع قوة الشبه على ما زعمنا والتخبط لهم في قطع الأطراف عن النفوس عظيم والرفق الذى يذكرونه في تنزيل الأطراف منزلة الأحوال فرق بعيد مرامه عويص تصحيحه سهل إبطاله والجملة في التركيبات أنه لا يتعلق بها محقق وطالب لمعنى وإنما التعلق بها من باب أرباب الصور وبابه من لم يشم رائحة الفقه وعزيز على أهل الدين أن يسمعوا بناء أحكام البارى عز اسمه على مثل هذه التعليلات التي هى شبه الخرافات عند مقابلتها بالعلل المعنوية والقواعد العقلية التي يشهد لها أصول الشرع وتقوم يتصحيحها قوانين الملة وتناضل دونها براهين معانى

стр. 673

الكتاب والسنة فلا ينبغى للفقيه أن يشتغل بمثل هذه الأشياء فإنه تضييع للوقت وحيد عن مسالك الفقه وترك لسبيل السلف الصالح وجرأة على أحكام الله تعالى وجر المعللين إلى التلاعب بالدين فإنه إذا دخل في أمثال هذا وسهل على نفسه ينجر شيئا فشيئا إلى أمثال ما حكينا من العلل السخيفة ثم حينئذ ينسلخ عن الفقه أصلا ويصير ضحكة عند المحققين ومعدودا من جملة الهاذين المخرفين ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من أشباه ذلك وأمثاله بمنه وطوله وقد ذكر جماعة من أصحابنا جوابا من الأصل المركب وسموه التعدية ولست أرى في ذلك معنى غير أنا نذكر صوره لئلا يخلو الكتاب عن ذكر ذلك لو قال المعلل في مسألة النكاح بلا ولى أنثى فلا توزج نفسها كبنت خمس عشرة سنة فيقول المعترض المعنى في الأصل أنها صغيرة وأعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات فإذا قال المعلل دعوى الصغر ممنوع فيقول المعترض كذلك الأنوثة ليست بعلة وقد أدعيت أنها ععلة فقد ادعيت علة وعديتها إلى فروعك وادعيت علة وأعديتها إلى فروعى فاستوى القدمان وآل الكلام إلى التزامك إبطال علتى أو ترجيح علتك على علتى وأجابوا عن هذا وقالوا معنانا نسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما المنازعة لكم في كونها علة وأما الذى ادعيت علة فلا أسلم وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده منتقلا إلى علة أخرى فالانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوى فيه السائل والمسئول وقد سلكوا أيضا في إبطال التعدية مسلكا آخر وهو أن يقول لو ثبت معناك لقلت به ضما إلى معناى فإن الحكم الواحد لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا قد لا يجرى في بعض المركبات فأما إذا قلنا في البكر البالغة بكر فتجبر على النكاح كما ذكرناه في بنت خمس عشرة سنة فإذا ذكر المعدى الصغر لم يمكنا أن نقدر الصغر علة في الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر على النكاح عندنا قال الأستاذ أبو إسحاق سبيل المركب إذا عورض بالتعدية أن يقول معناى عندك دعوى غير مثبتة بما تثبت بمثله معانى الأصول أو قد ثبت بدليله فإن قلت لم يقم عليه دليل فلست معللا بعد ولا مقيما متمسكا في محل النزاع فمعارضتك إياى بالتعدية غير متجه وإن اعترفت يكون معناى ثابتا فمعناك الذي أبديته ليس مناقضا لمعناى وإنما يقدح المعارضة إذا جرت مناقضة في المقتضى وهذا الذى ذكرناه أورده الأصحاب نقلته على ما أوردوه وعندي أن الاشتغال بأمثال هذا تضييع الوقت العزيز وإهمال العمر النفيس ومثال هذه التعليلات لا يجوز أن يكون معتصم الفتاوى والأحكام ولا مناطا لشرائع الدين الرفيع وهذا وأمثاله تعمية على المبتدئين وإيقاعهم في الأغلوطات

стр. 674

وحيد بهم عن سنن الرشد ومسالك الحق وقد كانت أنواع هذا طريقا مسلوكا من قبل يجرى النظار على سنتها ويجادلون ويناطحون عليها غير أن زماننا الذى نحن فيه غلب عليه معانى الفقه وقد جرى الفقهاء فيه على مسلك واحد فتناظموا في مسلك واحد يطلبون الفقه المحض والحق الصريح وقد تناهت معانى الفقه إلى نهاية أظن أن ليس بعدها مبلغ الحق لطالب ولعلها قاربت في الوضوح الدلائل العقلية التي يدعها المتكلمون في أصول الدين فالنزول عن تلك المعانى إلى مثل هذه الصور زلة في الدين وضلة في العقل واالله العاصم بمنه نعم. وقد ذكر أبوزيد من أقسام الطرديات: مسألة شهادة رجل وأمراتين في النكاح وتعليل الشافعي فيها أن النكاح ليس بمال١ وذكر لهذا أمثلة والعجب أنه يفهم منا هذا وقد سلكوا مثل هذا المسلك قال محمد بن الحسن: لا ضمان في إتلاف ملك النكاح لأنه ليس بمال وذكر أنه لا [خمس] في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وقال في ولد الغصب إنه أمانة لأنه لم يغصب وقال أبو حنيفة في العقارات إنها لا تضمن لأنه لم ينقلها اعتذر عن هذه المسائل وقال: إنما قال محمد بن الحسن ما قال في هذه المسائل على سبيل الاستدلال لا على سبيل التحليل ووجه ذلك ان حكم العلة لابد أن يتقدم إذا عدمت العلة كما كان تعد وما قبل العلة فإن هذه المسائل من هذا وإنما أبينا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به لأن العدم لا يقبل الإضافة وإذا بطلت الإضافة لم يكن علة وإنما يبقى الحكم عند عدم العلة بعلة أخرى وأما الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم صحيح إذا لم توجد علة أخرى تقوم بذلك الحكم قال فمتى اختلفنا في ضمان الغصب لم يجب بدونه وكذلك إذا وقع الاختلاف في ضمان ما هو مال لم تجب فيما ليس بمال لأن الضمان بشرط المماثلة يجب وإذا كان الضمان مالا المتلف ليس بمال تزول المماثلة وذكر في كل مسألة مما ذكرنا شيئا من هذا الجنس وأما في الشهادة فالخصم يحتاج إلى أن يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه ويحتاج إلى أن يذكر أن العتق من حكم البعضية لا غير حتى ينعدم بعدم [البعضية] وعلى أن غاية ما في الباب أن ما تعلق بالبعضية ينعدم بعدم البعضية إلا أن عندنا في مسألة إذا ملك أخاه لا يتعلق ما تعلق بالبعضية وإنما يقع ما تعلق بالمجزئة والجواب أنا في هذه المسألة لا نعلق الحكم بمجرد

стр. 675

العدم وقد ذكرنا معنى في المال يوجب سهولة شأنه وحرمان المسامحة من الشرع فيه في الحجة وذكرنا في النكاح معنى يشعر باستقصاء الشرع فيه وإنما يحتاج إلى اعتبار القوة في الحجة ما لا يحتاج إليه المال وقول الشافعى إنه ليس بمال وقعت به الإشارة إلى ما ذكرناه وكذلك ذكرنا في البعضية معنى يفيد العتق وعلى أنا سلكنا طريقة متبينة في شراء الأخ أخاه أنه لا يعتق ويستمر ملكه وذكرنا أن الأصل في الأب والأخ وغيرهما انتفاء العتق وإنما العتق وقع في جانب الأب معدولا عن الأصل المعهود بعلة [المجازاة] وهذ لا يوجد في الأخ وأبطلنا المعنى الذى ذكر من الجانبين وقدمنا بحق هذه الطريقة في كتاب الاصطلام فليكن الاعتماد عليه وقد انتهى الكلام في الطرد وما يتبعه وحين فرغنا من الكلام فيه رجعنا إلى ما كنا فيه في الأصل وهو الكلام في علة القياس.

стр. 676

فصل: لابد للعلة من الدلائل على صحتها ... "فصل" قال المحققون من أصحابنا: إن العلة لابد من الدلائل على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعى وكما لابد من الدلالة على الحكم لابد من الدلالة على العلة وقد قالوا إذا ثبت حكم متفق عليه وادعى المستنبط أنه [تحلل بمعنى أبداه] فهو مطالب بتصحيح دعواه في الأصل وذكر بعض أهل الجدل أنه لا يسوغ هذه المطالبة لكن على المعترض أن يبطل معناه الذى ذكره إن كان عنده مبطل له وهذا ليس بشئ والصحيح هو الأول وذلك لأنا قد ذكرنا فساد الطرد وذكرنا بطلان التحكم في الدين ولابد من علة مقتضية للحكم مناسبة له مغلبة في الظنون أنها المثيرة هذا الحكم فإذا ادعى أنه أصابها فهو مطاب بإبدالها فإذا [اقتصر] على محض الدعوى كانت دعواه [العلة] بمنزلة دعواه الحكم. ببينة: أن المعلل يدعى كون هذا الوصف علة ولابد من إقامة البرهان على الدعوى وإن قال: لا يلزمنى إقامة البرهان فهو إذا متحكم على الشرع بعلته فهو [كتحكمه] بالحكم فإن قال هذا المعلل: إن الصحابة نصبوا علامات١ على الأحكام فإنا أيضا ننصب من جنس ما نصبوه فبين ذلك وبرهن عليه فإن قال الدليل على صحة العلة عجز المعترض عن الاعتراض قلنا: ومن أين قلت إن عجز المعترض يدل على صحة العلة

стр. 677

فالسائل مسترشد مستهدى يطلب دليل صحة العلة لينقاد لقضيتها والأصل أن إقامة الدليل على المدعين ولو قال المدعى عليه للمدعى الدليل على أنى محق عجزك عن إقامة البينة هل يسمع هذا وهل تسقط عنه اليمين فهذا هوى بين وقد يقع العجز عن الطعن في الباطل لعدم آلته وكم من حق مستور خفى في العالم وكم من باطل ظاهر مجهور به. وإذا ثبت أنه لابد من الدليل على صحة العلة وقد قال القاضى أبو الطيب الدليل على صحة العلة من أربع طرق: أحدها: لفظ صاحب الشرع بنصه أو ظاهره أو شبهه. والثانى: إجماع الأمة. والثالث: التأثير. والرابع: شهادة الأصول. فأما لفظ صاحب الشرع فقد يكون في الكتاب وقد يكون في السنة. أما في الكتاب مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] وهذا عبارة عن الإسكار الذى يحدث هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى وقال : ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [النساء: ٢٠] ثم قال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] والإفضاء اسم للوطئ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وذكر مثال هذا. وقد ذكرنا بعض ذلك من قبل وذكر من أمثال هذا والتنبية قوله ﵇: "أينقص الرطب إذا جف" ١وقوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" ٢ وقوله: "نهى عن بيع مالم يقبض" ٣ وقوله: " إنها من الطوافين

стр. 678

عليكم" ١ وقوله: " إنما هو دم عرق" ٢ وفى بعض الروايات قال لبريرة: "ملكت بضعك فاختاري" ٣. وقد ذكرنا من قبل نظائر هذا. قال: وأما الإجماع فهو دليل مقطوع به فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب المصير إليه ومثاله قوله ﷺ : "لا يقضى القاضي وهو غضبان" ٤ وأجمعوا أن النهى عن ذلك لأن الغضب يشغل قلبه ويغير طبعه ويمنعه من التوفر على الاجتهاد وكذلك على مثال قوله تعالى ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . قال: وأما التأثير فهو أن يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم بعدمها وذكر نظائر لهذا منها الشدة في الخمر يثبت التحريم عند وجودها وتزول بزوالهها وكذلك الرق في علة نقصان الحد يوجد النقصان بوجوده ويكمل بزواله وذكر مسائل من أمثال هذا وأورد كلاما طويلا فيما وجد تأثيره من هذا الجنس وفيما لا يوجد تأثيره من هذا الجنس وبيان هذا يدل على صحة العلة أنه يفضى إلى غلبة الظن لأنه إذا رأى الحكم يدور مع الشئ وجودا وعدما غلب على ظنه أن هذا الشئ هو الأمارة على ذلك الحكم وإذا وجد عند وجوده ولم يعدم عند عدمه لم يوجد عليه الظن. قال: وأما شهادة الأصول مثل قولنا لا تجب الزكاة في أناث الخيل لآنه لا تجب في ذكورها فالأصول شاهدة لهذا لأنها مبنية على التسوية بين الذكور والإناث في وجوب الزكاة وسقوطها وهذا طريق يفضى إلى غلبة الظن لأن الإنسان إذا علم أن فلانا إذا أعطى بناته شيئا يعطى بنية مثلها فإذا سمع أنه أعطى البنات غلب على ظنه إعطاء البنين مثلها فثبتت أن شهادة الأصول دليل صحة العلة من هذا الوجهه وقال: ومن نظير ما ذكرناه قول المعلل من صح صلاته صح ظهارة وكذلك قوله من لزمه العشر لزمه ربع العشر في مسألة زكاة الصبى وكذلك قوله ما حرم فيه النساء حرم فيه التفرق قبل التقابض وأمثال هذا تكثر فالأصول تشهد لصحة هذا القليل وهذا الذى ذكرنا لمجموع كلامه واعلم أن إقامة الدليل على صحة العلة فصل مشكل وقد اختلف الأصوليون في

стр. 679

ذلك أختلافا عظيما وإن وجدنا من الأصول في الشرع وهى الكتاب والسنة والإجماع نوع دليل على صحة العلة من نص أو تنبيه أو إشارة أو مفهوم صرنا إلى ذلك واستدللنا بذلك على صحتها وقدمنا ذلك على غيره مما يدل على صحة العلة إذ النص ودليله مقدم على كل دليل عندنا فإن قال قائل فإنكم لم تقولوا بهذه الدعوى فإن النبي ﷺ قال في دم الاستحاضة: "فإنه دم عرق انفجر" ١. وقال ﷺ لبريرة: "ملكت بضعك فاختاري" ٢. وقال ﷺ في أخبار الربا: "كيلا بكيل ووزنا بوزن" ٣ فالأول يدل على أن سيلان الدم وخروجه من الباطن إلى الظاهر علة انتقاض الوضوء والثانى يدل أن ملكها نفسها بالحرية علة ثبوت الخيار والثالث يدل أن الكيل هو العلة ولم تقولوا بشئ من ذلك. الجواب: إن هذه الألفاظ لها معان غير ما ظننتموها وتعرف بمخارج الألفاظ والتأمل فيها أما اللفظ الأول فقد كان اشتبه على السائلة أن الدم الذى تراه ما حكمه وكانت تظن أن ذلك دم حيض فذكر الرسول ﷺ هذا اللفظ ليميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإن دم الحيض دم يرخيه الرحم ويخرج من جوفه في زمان مخصوص٤ تعتاد النساء ذلك بأصل بنيتهن وخلقتهن وأما دم الاستحاضة دم ينفصل من العرق لا من الرحم٥ ولا رخاء لذلك وإن كان في الظاهر ينفصل من المحل الذى ينفصل منه دم الاستحاضة وكانت الإشارة منه ﷺ واقعة إلى هذا وعلى أن قوله ﷺ انفجر كلمة زائدة لا يعرف [ثبوتها] وأما الذى رووا من قوله ﷺ : "ملكت بضعك فاختاري" ٦ فعلى هذا الوجه لا يعرف هذا الخبر وعلى أنه يقال لهم هل تقولون: إنها ملكت نفسها بالعتق

стр. 680

حتى تصير كامرأة لا زوج لها فإنها هى التي تملك نفسها على الإطلاق ونعلم قطعا أنها لم تملك نفسها كذلك فلابد من تأويل وتأويله ملكت الفسخ لتملكى نفسك فاختارى ثم قام الدليل أن زوجها كان عبدا وأن ملكها الفسخ كان في هذه الصورة وأما قوله عليه ﷺ : "كيلا بكيل" ١ فهو من ﷺ إشارة إلى علة الخلاص عن الربا وقد بينا في مسائل الفروع أن قوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام" ٢ يدل ذكر الطعام أن الطعم علة وقوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها من وليها" ٣ يدل أن الثيابة علة وقوله ﷺ : "من باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" ٤ دليل أن التأبير علة في كون الثمرة للبائع وقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] يدل أن الحمل علة وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] يدل أن السرقة علة وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] يدل أن الزنا علة وقوله ﷺ في النهى عن بيع الطعام قبل القبض٥ يدل أن عدم القبض علة وأمثال هذا توجد كثيرا وأما قوله ﷺ في الرطب "أينقص إذا جف" نص في التعليل به وقوله: " أينقص إذا جف" ٦ تقرير وأبين باستفهام مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ومعنى الخبر إذا علمت له ينقص الرطب إذا جف فلا يجوز البيع إذا ومن البينة على العلة قوله ﷺ : "العينان وكاء السه" ٧ فيكون الدليل دليلا أن بزوال الاستمساك علة لإنقاض الوضوء.

стр. 681

فصل: هل الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة ... "فصل" وأما إذا أعوز الدليل من هذا الوجه ولم يكن بد من إقامة الدليل فقد جعل بعض أصحابنا مجرد الاطراد والجرى دليلا وقد ابطلنا ذلك وذكر كثير من أصحابنا وأصحاب أبى حنيفة أن الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة وهو أن يوجد الحكم بوجود وصف زائد وتزول بزواله فيدل أن لذلك الوصف التأثير في الحكم ما ليس لغيره. واستدل من قال إن هذا دليل صحة العلة بأن العلل الشرعية علل ظنية وليس لها عمل إلا إفادة غالب الظن ونحن نعلم قطعا أن الحكم إذا وجد بوجود وصف وانتفى بعدمه غلب على الظن أنه العلة وهو كالشدة في الخمر فإنه يوجد التحريم بوجودها وينعدم بعدمها دل أنها العلة. قالوا: ومن أنكر أن هذا يفيد غلبة الظن فقد عاند. ببينة: أن مثل هذا يعتمد عليه في المؤثرات العقلية فكيف لا يعتمد عليه في المؤثرات الشرعية وإذا ثبت وجود غلبة الظن ولم يبطل كونه علة بمسلك من المسالك ثبت كونه علة وافاد الحكم الذى بنى عليه. وقد قيل إن الحكم إذا ربط بالطرد والتنكيس فهو في العكس أبين من جهة أن الطارد في محل النزاع مدعى الاطراد وهو منازع فيه لا محالة وأما الانعكاس فهو متفق عليه لأن الانعدام عند عدم الوصف متفق عليه واعلم أن الاستدلال بهذا الدليل في نهاية الإشكال لأنا بينا أن الاطراد ليس بدليل على صحة العلة وهى شئ يلزم المعلل بكل حال حتى إذا لم يطرده والتزم ما ينقضه ظلت علته على ما سنبين من بعد. ويقال للحنفى إذا قال: إن علة جريان الربا الكيل لم قلت إن الكيل علة؟ قال: لأنها علة مطرده قال لأنى أتبعها الحكم أين وجد الكيل فيقال هذا باتفاق بينى وبينك فإن قال: باتفاق لم يسلم له ذلك وإن قال: لا باتفاق لكنى أطرد العلة وأتبع الحكم الكيل أين وجد فيقال له ليسوغ لك ذلك فإن قال: لا كفى الخصم شغله وإن قال: نعم فيقال له لم ساغ لك ذلك فإن قال: لأنها علة الحكم يقال: له ولم قلت إنها علة الحكم فيعود إلى ما بينا من قبل فهو يستدل على صحة العلة بالجريان ويستدل على صحة الجريان بالعلة وهذا فاسد. فإن قال: ساغ لى لأنها غير منتقضة يقال: معنى قولك غير منتقضة أنك علقت الحكم بها في كل موضع وجدت فيه العلة

стр. 682

فكأنك قلت إنما ساغ لى تعليق الحكم بها لأنى علقت الحكم أين وجدت. فإن قال إنما ساغ لى تعليق الحكم أين ودت لأنه لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع. يقال له ولم إذا لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع وجب تعليق الحكم بها وما أنكرت أن يكون هاهنا مانع غير ما ذكرت لأن وجوه الفساد تكثر به فإن قال: ليس هاهنا وجه فساد. يقال: أبعد في وجوه الفساد فقد الدلالة على صحتها. فإن قال: نعم قيل: فدل على صحتها واترك حديث الجريان والاطراد وإن قال: لا يعد ذلك من وجوه الفساد رجع الأمر إلى ما سبق وهو أن مدعى صحة العلة لابد له من إقامة الديل على صحتها. فإن قال: ما لا يوجد فيه وجه من وجوه الفساد فهو صحيح. قلنا قد بينا. أن هذا عدم الدليل على الصحة والفساد وعلى أنك إذا لم تدل على وجه الصحة فيجوز أن يكون فيه وجه فاسد وانت لا تشعر لأن الفساد كما لا يثبت إلا بدليل الفساد فالصحة لا تثبت إلا بدليل الصحة ولأن العدم لا يدل على شئ ما بصحة ولا فساد. فإن قال: لو لم تكن العلة صحيحة لأعلمنا الله تعالى ذلك. قيل له يكفى في النفى فقد دليل الإثبات ولا يكفى في الإثبات فقد دليل النفى. ألا ترى: أنا ننفى صلاة سادسة لفقد الدليل على وجوبها ولا نوجبها لفقد الدليل على نفيها فلا تثبت الصحة ها هنا لفقد دليل الفساد وهذا لأن الأصل نفى صلاة ساسة فلا ينتقل عنه إلا بدليل. فإن قالوا: عجز الخصم عن إفسادها يدل على صحتها. قيل الخصم قد يعجز عن إفساد الفاسد. فإن قيل: أليس أن المعجزة إنما صارت حجة لعدم ما يعارضها فقد صار عدم المعارضة دليلا على صحته فكذلك ها هنا عدم المعارض يصير دليلا لصحة العلة قلنا: العجز إنما كان حجة لا بما قلتم ولكن بوقوعها خارجا عن معتاد قدرة البشر إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا هو في مقدور البشر فقيل لهم ائتوا بمثلها ليقطع تعنتهم ثم إذا انقطع تعنتهم

стр. 683

بعجزهم فالحجة صحتها بما بينا وقد كان سبق بعض هذا الكلام غير أنا ذكرنا في هذا الموضع على وجه السؤال والجواب ما يبين أن الإجراء والطرد ليس بدليل الصحة العلة فكذلك العكس بل هذا أبعد لأن الاطراد يلزم المعلل والانعكاس ليس بشرط لصحة عند أكثر الأصوليين فإن كان الإطراد الذى هو شرط العلة لا يدل على صحة العلة فالانعكاس الذى ليس بشرط لأن لا يكون دليلا أولى ومن جعل ما ذكرناه دليلا يجيب عن هذا فيقول إن مجموع الأمرين يفيد غلبة الظن في انتصاب الشئ علما على الحكم ومن زعم أنه لا يفيد لابد أن ينسب إلى العناد وإن سلم فالقائس غايته إظهار علم على الحكم بجهة تفضى إلى غلبة الظن. وعندي: أن الإشكال لا يزول بهذا ويدخل على ما ذكروا فصل الشرط الذى قدمنا فإنه يوجد عند وجوده ويعدم عند عدمه وليس بعلة ومن يقول إنه علة ولا يفرق بين اشرط والعلة فهو مجازف ولأن الشئ قد يوجد عند الشئ اتفاقا وينعدم عند عدمه اتفاقا ولا يدل على أنه علة. وقد حكى الإمام أبو المعالى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الدليل على صحة العلة إنما يكون بتقرير إحالته ومناسبته للحكم مع سلامته عن العوارض والمبطلات ومطابقته الأصول وعبر عن هذا فقال وأنا أقرب في ذلك قولا فأقول إذا ثبت حكم في أصل وكان يلوح في سبيل الظن استناد ذلك الحكم إلى أمر ولم يناقض ذلك الأمر بشئ فهذا هو الضبط الأقصى الذى ليس عليه مزيد فإذا أشعر الحكم في ظن الناظر بمقتضى استناد إليه فذلك المعنى هو المظنون علما وعلة لاقتضاء الحكم ثم سأل على هذا سؤالا فقال فإن قيل: الإخالة مع السلامة هي الدالة على صحة القياس إذا لا ما اعتمدتم عليه من إجماع الصحابة. قلنا: إذا أثبت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ذلك بمسالك نظر الصحابة فالدليل على القياس إجماعهم لكن إجماعهم هو على مثل هذا القياس ثم سأل سؤالا فقال المآخذ على هذا الوجه محصورة والوقائع غير محصورة فكيف يستند ما لا نهاية له إلى المتناهى وقال إن هذا السؤال عسر جدا. قال الإمام جمال الإسلام: وعندي هذا السؤال ليس يدخل على فصل الإخالة وإنما هو إشكال إن كان في مسألة القياس أنه حجة أو لا وليس يتصور فرع يقع إلا ويستند ذلك إلى أصل مناسب له ويكون معنى الأصل مؤثرا فيه وقد ذكر بعض الأصوليين

стр. 684

فى الدليل على صحة العلة طريق السبر والتقسيم وهو أن يبحث الناظر عن المعانى في الأصل ويتتبعها واحدا واحدا وبين خروج آحادها عن الصلاح للتعليل به إلا واحدا يرضاه. واعلم أن الفصل اختلف فيه أهل الأصول وهو أن القائس إذا خالفه قائس آخر في علة الأصل فأبطل هذا القائس علة خصمه هل تصح علته؟ فبعضهم قال: يدل ذلك على صحة العلة مثل الحنفى يبطل علة الكيل فتصح بذلك علته التي يدعيها لأن القائلين بالقياس اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة والأخرى باطلة فإذا بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى ضرورة وهذا الوجه في تصحيح العلة ضعيف لأن البطلان ضد الصحة فكيف يكون دليل الصحة ولأن الصحة لا تدل على الصحة مع تجانسها فكيف يدل البطلان على الصحة مع تضادهما وهذا لأنه يجوز أن تكون العلتان جميعا فاسدتين ويكون الصحيح العلة الثالثة ويجوز أن لا يكون المنصوص عليه معلولا بعلة ما وأيضا فإن العلم ببطلان إحدى العلتين لا يدل على صحة العلة الأخرى إذا توهم البطلان قائم في العلة الأخرى ولأن شرط صحته العلة أن يكون مخيلا مقتضيا للحكم الذي ربط به وإن بطلت العلة الأخرى لا يثبت هذا المعنى لهذه العلة وقولهم إنهم اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة قلنا ليس على هذا الوجه بل كل فريق يقول علتى صحيحة وعلة الخصم باطلة وإن بطلت علته لا يعترف بصحة علة الخصم لأنه مقيم على اعتقاد بطلان علة الخصم سواء صحت علته أو بطلت. فإن قيل: قد اتفقوا أن هذا الأصل معلول وإذا اتفقوا أنه معلول فلابد أنه إذا بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى. قلنا: إنما اتفقوا على أن الأصل معلول بعلة صحيحة لو وجدت فإذا لم نجد علة صحيحة لا يكون معلولا ونقول أن بطلت علتي ولم يدل البطلان على صحة علتك بقيت علتى صحيحة وعلتك غير مدلول على صحتها فيكون الأصل من قبيل ما هو معلول إلا أن تأتى بعلة وتدل على صحتها. وذكر أبو زيد عن بعضهم أن العلة المخيلة ما يوقع في القلب خيال الصحة وذلك بالملاءمة والصلاحية. وتقسيم الملاءمة أن يكون على وفق ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الصحابة. قال: وعلماؤنا قالوا ما لم يقم الدليل على أن الوصف ملائم

стр. 685

لا يقبل التعليل ولا يلتفت إليه وإذا صار ملائما يعمل به إلا بسبب العدالة وذلك بكونه مؤثرا في ذلك الحكم كالشاهد لابد أن يأتى بلفظ الشهادة لأنه الملائم للشهادة ولابد بعد ذلك من التعديل والتعديل هناك مثل التأثير ها هنا فإن عمل قبل التأثير يصح وإن عمل قبل الملائمة لا يصح كالشهادة لو عمل القاضى بها بلا لفظ الشهادة لا يصح واستدل في أن الإخالة ما أوقع في القلب خيال الصحة لأن العلة ما تغير الحكم لعلة المريض تغير وصفه والمغير لابد أن يكون لتغييره أثر لأن ما لا يحس لا يعرف ثبوته بآثار محسوسة فما لا أثر له لا يكون علة ثم هذا الأثر ليس مما يحس لكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب وشهادته تحكيمة كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل يحس وجب الرجوع إلى القلب وشهادته فإذا شهد القلب بصحته قبلت الشهادة وقد قال النبي ﷺ : "الإثم ما حاك في قلبك وإن أفتاك الناس" ١ والاعتراض على هذا الفصل هو إن الإخالة بما يقع في القلب تكون حجة يقع في قلبه ولا يكون حجة على غيره وكذلك في أمر القبله إذا اختلفت الجهات بجماعة لا يكون قول بعضهم حجة على البعض٢. قال: ولأن كل معلل يمكنه أن يقوله قد وقع في قلبى خيال الصحة فيصير قوله معارضا لقول صاحبه فبطل دعوى الإخالة بهذا الوجه. وذكر أبو زيد أن الطريق الصحيح في تصحيح العلل أن يكون الوصف ملائما للحكم. ويستدل على الملاءمة بدليل يمكن الوقوف عليه بأن التمثيل وهو أن يبنى عمل مثل ذلك الوصف في أصول الشرع وهذا لأن الوصف مع صلاحه وملاءمته للحكم يحتمل أن لا يكون علة فلابد من دليل عليه ولا دليل عليه سوى الاستشهاد بأصل صحيح ثابت لترجيح جهة الصواب على جهة الغلط وذكر على هذا مسألة الإفطار بالأكل وأنه يوجب الكفارة. والعلة إنه إفطار كامل والاستشهاد عليه بالوطء وذكر مسألة السلم الحال وأن المفسد له العجز عن التسليم والاستشهاد بكل عقد يوجد فيه العجز عن تسليم المبيع. وذكر مسألة حرمة المعاهدة وأن علة إثباتها البعضية والاستشهاد عليه بالوطء الحلال

стр. 686

والوطء بالشبهة وذكر هو غيره ممن ينصر طريقته كلاما طويلا في الأصول التي صنفوها فجعلت فيه هذا القدر وهو الذى يفهم ويقع في القلب من التطويل العظيم في كلامه وجعل يردد هذا المحرف وهو أن ما لا يحس يعرف بأثره فيعرف صحة العلة ببيان أثرها واستشهد بالشهادة في عامة كلامه في هذا الفضل وقال عدالة الشاهد إنما تثبت بأمر دينه في منعه من ارتكاب ما اعتقده حراما بدينه فيستدل به على منعه من الكذب الذى هو حرام في دينه فكذلك عدالة الوصف الذى هو بمنزلة الشاهد على الحكم إنما يعرف بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلا على نظيره ويكون استدلالا بوجود معلوم ولا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا يجوز المحاجة به وهذا إنما يقوله على من يجعل دليله في صحة العلة عدم قيام الدليل على فساده ويقول من يتعلق بذلك الدليل على صحة العلة متعلق بمحض العدم. قال ولأنا ذكرنا أن الحكم كما يوجد مع العلة ويطرد معه فكذلك يوجد مع الشرط ويطرد معه فلابد من دليل آخر يميز بين الشرط والعلة وذلك في بيان الأثر وأنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر فهذا الذى ذكرت قدر ما وجدت من كلام المحققين في بيان الدليل على صحة العلة. واعلم: أن الاشتغال بدليل الإطراد بمجرده لا معنى له وكذلك بدليل الإطراد والانعكاس وإن كان هذا أمثل من الأول وأوقع في القلب ولأصحابنا العراقيين شغف عظيم بهذا ولعل بعضهم يقول لا دليل فوق هذا ولكن الاعتراض الذى قلناه اعتراض واقع. وأما الاستدلال بشواهد الأصول فضعيف أيضا كثرة الشواهد لا يكون فيها دليل كثير وهذا لأن الوصف هو المقتضى للحكم فلا بد من بيان معنى في الوصف يدل على الاقتضاء حتى تصح العلة وأما إبطال علة الخصم وطلب تصحيح العلة بهذا الطريق فضعيف أيضا بما قد بينا فلم يبق في الدليل على صحة العلة سوى الإخالة والمناسبة. وقد ذكر أبو الحسين البصرى في أصوله أن مما يدل على صحة العلة أن يكون الوصف مؤثرا في قبيل ذلك الحكم لأن العلة ما يؤثر في الحكم وما لا يؤثر لا يكون علة. قال: وهذا كالبلوغ يؤثر في رفع الحجر عن المال فكان أولى أن يكون علة في رفع

стр. 687

الحجر عن النكاح من الثيوبة لأن الثيوبة لا تؤثر في جنس هذا الحكم الذى هو رفع الحجر١. واعلم أنا بينا تأثير الثيابة في مسائل الخلاف في الفروع وأوردنا ما فيه الكفاية ورجحنا اعتبار الثيابة على اعتبار الصغر وتركنا إيراد ذلك في هذا الموضع واعلم أن مجموع ما يحصل من معنى الإخالة والمناسبة وهو أن يقال دليل صحة العلة وجود وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر في إثباته متى عرض الوصف على قواعد الشرع وقوانينه وأصوله فإذا وجد الوصف بهذا الحد عرف صحته وهذا أمر لا يتم بالمكابرات والمعاندات وإنما يعرف ذلك بعرضه على أصول الشرع وقواعده وبيان هذا في الشدة المسكرة: فإنا نقول: إنها العلة في تحريم الخمر ونقيس النبيذ على الخمر بهذا الوصف وهذا وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر في إثباته ونعنى بالتأثير إشعاره في القلوب وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة ووجود شاهد الأصل على ذلك وكذلك الطعم مشعر بالتحريم بالوجه الذى ذكرناه في كتاب الاصطلام وقد أبى بعض أصحابنا وجود معنى في الطعم يؤثر في الحكم ويشعر وجعل يلوذ بالخير واللياذ بالخير وإن كان حسنا لكنا ندعى إن علة الربا علة مستنبطة لا منصوص عليها وقد استنبط الشافعى علة الطعم واستنبط أبو حنيفه علة الكيل فلابد من إقامة الدليل على تصحيحه من حيث الإخالة والمناسبة وفى هذا خطب عظيم ولا يمكن إقامة الدليل عليه إلا بعد معرفة حكم النص ولابد من الإعراض عن الترجيحات لأن الحاجة ماسة إلى إقامة الدليل على تصحيح العلة فلا معنى للاشتغال بالترجيح وعندنا أن الكيل علة فاسدة وليس لها مناسبة لحكم النص بوجه ما. وأما الطعم فهو المخيل المشعر بثبوت حكم النص فذكر الترجيح في مثل هذا يبعد فدل أنه لابد من ذكر دليل في نفس الطعم وأنه علة وقد أوردنا وحققنا وليس هذا الكتاب لمسائل الفروع وإنما هو لمسائل الأصول وعلى الأصل الذى أوردناه مسألة بيع الفاسد فإن الفساد مشعر بانتفاء الحكم وفى مسائل النكاح بغير ولى الأنوثة مشعرة ببقاء الولاية للمرأة في الأنكحة والبكارة مشعرة بثبوت الإجبار وأمثال هذا يكثر فهذا هو الأصول وعلى أمثالة هذه العلل ينبغى أن يقع الاعتماد من الله المعونة والتوفيق بمنه. وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنقول قد بينا أن الاطراد ليس بدليل لصحة العلة

стр. 688

لكنه شرط لصحة العلة وسيأتى هذا من بعد فأما الانعكاس ليس بشرط ونذكر هذه المسألة في هذا الموضع. مسألة: اعلم أن الانعكاس ليس بشرط لصحة العلة في قول أكثر الأصحاب: وهو قول جمهور من انتمى إلى الأصول من الفقهاء وهو أيضا قول بعض المتكلمين وذهب بعض أصحابنا إلى أن الانعكاس شرط فإذا ثبت الحكم بوجود العلة ولم يرتفع بارتفاعها بطلت العلة وهو قول بعض المعتزلة١. ويعلق من ذهب إلى هذا بالعلل العقلية. وقال: العلل الشرعية وإن كانت مظنونة ولكن ينبغى أن تكون على مضاهاة العلل العقلية إلا في كون إحديهما معلومة والأخرى مظنونة ثم العلل العقلية يجب انعكاسها كذلك العلل السمعية ولأن العلل الشرعيه إنما تفيد الحكم لآنها تفيد غلبة الظن فإذا وجد الحكم بوجود الوصف ولم ينعدم بعدمه ولم يفد غلبة الظن فلا يبقى حجة. وأما دليلنا نقول: العلة المنصوبة للإثبات فلا تدل على النفى وكذلك إذا نصبت للنفى لا تدل على الإثبات. فنقول علة منصوبة فلا يطلب منها إلا التأثير في ذلك الحكم كالعلة المنصوص عليها لا يطلب منها إلا إثبات الحكم الذى تناوله النص وهذا لأن المقصود من التعليل إثبات الحكم دون نفيه فلا يعمل في النفى لأن العلة إنما تعمل فيما قصد بالعلة. ونقول أيضا إن العكس لو كان شرطا لكان لا يقتل إلا قاتل من حيث كان القتل علة قتل القاتل أو لا يقتل إلا مرتد فإذا كان الحكم الثابت بعلة تطرد مع ارتفاعها لوجود علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك أن الانعكاس ليس بشرط. فإن قالوا: إن القتل قصاصا قد لنعدم بعدم القتل وكذلك الفعل بالردة لنعدم بعدم الردة وإنما تقتل بعلة أخرى. قلنا: فإذا كان وجوب القتل بعلة القتل من حيث انعدام وجوب القتل عند عدم القتل فإذا حدث علة أخرى للقتل فينبغى أن يحكم بتعارض ما يوجب القتل وما لا

стр. 689

يوجب القتل ويسقط القتل لأن الدليل الشرعى دليل مثل الدليل العقلى ثم الدليل العقلى يجوز أن لا يدل على وجود الحكم في الموضع الذى وجد فيه الحكم ثم ينعدم ويثبت الحكم بدليل آخر فكذلك الدليل الشرعى يجوز أيضا أن يكون كذلك بل هذا أولى لأن الدليل العقلى قد صار دليلا بنفسه والدليل الشرعى إنما صار دليلا بجعل جاعل فإذا لم يكن هذا شرطا في الدليل العقلى ففى الدليل الشرعي أولى وقد ظهر بهذا الجواب عما تعلقوا به وقد ظهر الذى قالوه لا يشرط في الدليل العقلى وفى الحسيات أيضا ليس كل من نصب علما على إثبات شئ ينبغى أن ينصب علما على ضده. وأما قولهم إن قوة الظن تذهب بعدم الانعكاس دعوى لا دليل عليها وعلى أنا بينا أن الدليل على صحة العلة الإخالة والمناسبة وذلك قائم وإن لم ينعكس وهذا هو الدليل المعتمد وإذا بقى الدليل على صحة العلة بقيت العلة مفيدة لحكمها ثم إذا انعدمت العلة فيجوز أن يقوم دليل آخر على بقاء الحكم ويجوز أن يدل دليل فينتفى لعدم الدليل. ويقال أيضا إن العلة الشرعية أمارة فيجوز أن يدل على الحكم الواحد أمارتان أيهما وجدت دلت عليه فإحدى الأمارتين وإن عدمت بقى الحكم بالأمارة الأخرى ولم يدل ذلك على أن الأمارة الأخرى لم تكن صحيحة١. والله أعلم.

стр. 690

فصل: قياس الشبه ... فصل: قد فرغنا من ذكر قياس المعنى فهذا قياس الشبه٢: وقد اختلف العلماء في كونه حجة في الأحكام أو ليس بحجة. مسألة: اعلم أن ظاهر مذهب الشافعى رحمة الله أنه حجة وقد أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه وأقرب شئ في ذلك قوله: في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم:

стр. 691

طهارتان فكيف يفترقان وتابعه أكثر الأصحاب على ذلك غير أبى إسحاق المروزى فإنه روى عنه أنه قال: ليس بحجة. وقال الشافعى في أدب القاضى القياس قياسان: أحدهما: ما كان في معنى الأصل. والآخر: أن يشبه الشيء بالشئ من أصل ويشبه [الشئ] ١ من أصل [غيره] ٢ ثم قال: وموضع الصواب عندنا في ذلك أن ينظر إن أشبه أحدهما في خصلتين وأشبه الآخر في خصلة ألحقه بالذي أشبه في خصلتين٣. قال بعض أصحابنا: إن قوله هذا يدل على أنه حكم بكثرة الأشباه من غير أن يجعلها على الحكم. وقال بعضهم: إنما حكم بترجيح إحدى العلتين في الفرع بكثرة الشبه. وقال كثير من أصحاب أبى حنيفة أن قياس الشبه ليس بحجة وإليه ذهب من ادعى التحقيق منهم وصار إليه القاضى أبو زيد ومن تبعه وذهب إلى هذا القول أيضا:

стр. 692

القاضى أبو بكر والأستاذ أبو منصور البغدادي١. ثم اعلم أن الشبه ضربان: أحدهما: في الأحكام. والثانى: في الصورة. فأما الشبه في الأحكام فقد ذهب عامة أصحابنا إلى جواز التعليل به كوطء الشبهة مردود إلى النكاح في سقوط الحد ووجوب المهد لشبة بالوطء في النكاح في الأحكام. وأما الشبه في الصورة فكقياس الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة بصورة الشبه أو كقياس الخيل على البغال والحمير في حرمة اللحم كقول القائل: ذو حافر أهلى وقد جعل بعضهم مثل هذا القياس حجة لأن الشبه قد وجد. قال: وإذا جاز أن يعلل الأصل بصفة من ذاته جاز أن يعلل بصورة من صفاته ولأن العلل أمارات فيجوز أن يكون الشبه في الصورة أماره على الحكم كما يجوز أن الشبه في المعنى أو في الحكم أمارة على الحكم وهذا ليس بصحيح. والصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به لأن التعليل ما كان له تأثير في الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها والشبه في الصورة لا تأثير له في الحكم وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما. وقد استدل من قال: إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة في الأوصاف لا توجب المشابهة في الأحكام فإن جميع المحرمات يشابهه بعضها بعضا في الأوصاف ويختلف في الأحكام ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة في الحكم لأن العلة هى الجالبة للحكم فيما لا يتعلق به الحكم لا يجلب الحكم ولأن من جعل الشبه حجة لا يخلو إما أن يجعل المشابهة بهذا في جميع الأوصاف حجة أو يجعل المشابهة في بعض الأوصاف حجة فإن جعل المشابهة في جميع الأوصاف حجة فهذا لا يوجد وإن جعل المشابهة في بعض الأوصاف حجة فإذا لم يكن لذلك الوصف تأثير في الحكم فليس بأن يجعل المشابهة في ذلك الوصف علة للمشابهة للحكم بأولى بأن يجعل المفارقة في غيرها من الأوصاف علة للمفارقة في الحكم.

стр. 693

قالوا: وأما المكاتب فنحن لا نقول: ألحق بالأحرار لمشابهته بالأحرار فإن العبد يشبه الأحرار في معانى كثيرة ومغ ذلك لا يلحق بالأحرار وكذلك الدواب تشبه بنى آدم في صفات خمس ولا يلحق هذا الشبه ببنى أدم ولكن المكاتب حر يد أثبتت له بحكم عقد الكتابة ورقيق رقبة فلحرية يده يستحق ما يستحق الحر بيده ولرق رقبته لا يستحق ما يستحقه الحر برقبته. والصحيح: أنه ثبت له أحكام الأحرار بالكتابة نظرا له ليصل إلى الحرية مع بقاء الرق على الكمال. وقد قال أيضا من يرد قياس الشبه أن مجرد الشبه صورة أوحكما لا يشعر بمناسبة بين العلة والحكم لجواز افتراق المحلين في الحكم. وبيانه: أن من قاس الوضوء على التيمم في إيجاب النية بقوله طهارة فليس في قوله طهارة ما يؤثر في إيجاب النية ويجوز افتراق الوضوء والتيمم في حكم النية وغيرها فلا يدل نفس وجوب النية في التيمم على وجوبها في الوضوء فلابد من اجتماعهما في المعنى الذى يوجب نية الفعل إذا اتصف بكونه طهارة حتى إذا اجتمع الفعلان في وصف الطهارة يجتمعان في الحكم وعلى هذا من علل في منع قتل الحر بالعبد يقول قصاصا وقاس على الطرف فيقال نفس قول قصاص لايدل على امتناع الجريان ويجوز أن يمنع الحكم بين الطرف والنفس في ذلك المعنى ليجتمعان في حكم النفى وأمثال هذا تكثر جدا يدل عليه أنه ليس الشبه إلا اشتراك الشيئين في وجه من الوجوه وإن اشتركا في وجه من الوجوه افترقا في كثير من الوجوه ومن اكتفى بمجرد اشتراك في الشبه بوجه ما يعارض بمجرد افتراق الشبه بوجه ما أو بوجوه شتى لأن وجوه الافتراق في الأشياء أظهر من وجوه الاجتماع فدل على أن قياس الشبه بنفسه لا يكون حجة. ويقولون أيضا: قولك إن الفرع كالأصل في الحكم أبعلم تقول هذا أم أبظن أو لا بعلم ولا بظن؟ فإن قلت: بعلم فأين العلم وإن قلت بظن فأين الظن وهذا لأن العلم والظن لابد لهما من مستند فاذكر المستند حتى يصح قولك إنه بعلم أو بظن وإلا فهو هذيان وإن قلت لا بعلم ولا بظن فحكم الله تعالى لا يثبت بالجزاف. وإن قلت: تشابههمافى وجه يغلب على الظن تشابههما في الحكم فهذا دعوى مجردة وإن كانت المشابهة في وجه يفيد ظنا فالمفارقة في سائر الوجوه تبطل الظن

стр. 694

وتشوش على الظان ظنه. وقالوا أيضا: إن الأصل في القياس هم الصحابة والمنقول من الصحابة النظر إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما. وأما دليل من جعل قياس الشبه حجة فنذكر أولا الفرق بين قياس المعنى وقياس الشبه والطرد ويمكن أن يقال: على الإطلاق قياس المعنى تحقيق وقياس الشبه تقريب وقياس الطرد تحكم. ونقول: إن قياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه ويؤثر فيه ويقتضيه وهو تعليق التخفيف بما يوجب التخفيف وتعليق العقوبات بالجنايات وتعليق وجوب الحق بالايجابيات وأمثال هذا تكثر وأما الطرد فعلى عكس هذا هذا فإنه تعليق الحكم بما لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولا يقتضيه وقد سبق بيان هذين جميعا والكلام فيهما. واما قياس الشبه فلابد وأن يكون في فرع يتجاذبه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع شبه يقرب من غير تعرض لبيان المعنى ونعنى بالمقرب شبها يقرب الفرع من الأصل في الحكم المطلوب ويجوز أن يقال قياس يشعر باجتماع في حكم من غير بيان المعنى وقد استدل من جعله حجة بأن الشرع ورد باعتبار الشبه في جزاء الصيد وباعتبار الأشباه في العدالة والفسق يعنى اعتبار السدد في القول بالسداد في الأفعال وبذلك عدم السداد في القول بعدم السداد في الأفعال وكذلك ورد الشرع باعتبار الأشباه في الضيافة وأيضا فإن القياس ليس إلا بمثيل الشئ بالشئ وتشبيهه به والشئ إنما يمثل بما يشتبهه ويجانسه فيجب إلحاق الشئ بما يشابهه ويجانسه جريا على هذا الأصل. يدل عليه: أن التساوى في الذوات والأوصاف يوجبه التساوى في الأحكام فإن المستويين ذاتا ووصفا يستويان في الحكم لتحقيق التساوي. ألا ترى أن المكاتب ملحق بالأحرار في كثير من الأشياء وليس ذلك إلا باعتبار مجرد الشبه والمعتمد من الدليل أنا أجمعنا أن قياس المعنى حجة ولا موجب لكونه حجة إلا أنه يفيد قوة الظن أو يخيل في القلب أنه متعلق بذلك المعنى فإن طريق العلم القطعى مسدود مردوم ومثل هذا المسلك يوجد في قياس الشبه ولا يعرف هذا إلا ببيان المثال هذا قول تعالى القائل في الوضوء: إنه يجب فيه النية إنه طهارة حدث فيجب فيها النية كالتيمم أو يقول في مسألة المضمضة والاستنشاق: إنهما لا يجبان في الغسل من الجنابة إنه غسل حكمى فلا يتعدى من الظاهر إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت

стр. 695

وكذلك قوله القائل في زكاة الصبى زكاة فتجب على الصبى كزكاة الفطر. ويقول في مسألة تبييت النية صوم فرض فلا يتأدى بنية من النهار كالقضاء ويقول في نفى القصاص عن الحر بقتل العبد قصاص كالطرف وأمثال هذا لا تعد ولا تحصى كثرة. فنقول في هذه الأقيسة إن هذه الأقيسة مغلبة للظن مفيدة قوته في كون الحكم على ما نصب له المعلل فإنه يغلب على ظن كل عاقل شبيهة الوضوء بالتيمم وشبيهة الغسل بالغسل والزكاة بالزكاة والصوم بالصوم والقصاص بالقصاص. ومن قال: إن هذا لا يفيد غلبة الظن فلا شك أنه معاند. ونقول في قول الشافعى في الوضوء والتيمم إنهما طهارتان فكيف يفترقان لمن يأتى هذا القياس أيغلب على ظنك كون الوضوء مثل التيمم فإن كل واحد منهما طهارة عن حدث لا يعقل معناه وقد غلب التعبد على كل واحد منهما؟ فإن قال: نعم فهذا هو الذى قصدناه من وجود غلبة الظن وهو أيضا معنى شبه التقريب الذى ادعيناه. وإن قال: لا يغلب على ظنى فلا شك أنه معاند ولهذا الذى قلناه عسر الفرق بين الوضوء والتيمم على المفرق بينهما ولهذا سوى الأوزاعي وهو أحد أئمة الدنيا بينهما في نفس وجوب النية وعلى هذا جملة ما ذكرنا من المسائل وكذلك قول القائل في مسألة ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره فهذا مفيد لقوة الظن بقرب حكم الفرع من حكم الأصل في الذى نصب له العلة لأن كل واحد منهما بملك النكاح وكل واحد منهما يحرم البضع مع كون الزوج مالكا للبضع متمكنا من التصرف فيه بالتحريم على وجه ينفرد بإثباته ومما يؤيد ما ذكرناه من التعلق بقياس الشبه أن القياس إنما أطلقه الشرع في أصل الأحكام لضرورة الحاجة فإنا قد ذكرنا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولله تعالى في كل حادثة حكم لو لم يجز القياس أدى إلى التوقف في كثير من الأحكام المطلوبة إقامتها بين الناس. وإذا عرفت هذا الأصل فنقول: لابد من وضع الأقيسه على وجه يسهل طلبها ووجودها ليتيسر بناء الأحكام عليها ولا يشتد باب البحث على العلماء فيها فإذا قلنا: إن القياس الصحيح هو قياس المعنى فهذا وإن وجد في كثير من الأحكام والأصول ولكن ليس مما يسهل وجودها فإنا نعلم أن كثيرا من أصول الشرع يخلو عن المعانى خصوصا في العبادات وهيئاتها والسياسات ومقاديرها وكذلك شرائط المناكحات

стр. 696

والمعاملات ثم تلك الأصول لها فروع وتلك الفروع تتجاذبها أشباه وإذا كانت المعانى تعدد في الأصول فكيف يسهل وجودها في الفروع فلم يكن بد في استعمال القياس لكن مع الحيد عن طريقة الطرد لأن غلبة الظنون لابد منها ولا ضرورة في استعمال مجرد الطرد الذى لا يفيد ظنا أصلا فجعلنا غلبة الأشباه والقياس المنصوب في هذه الجهة مع وجود ما يقرب في الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل وجعله في مسلكه وضمنه إلى مسلكه حجة ثم ظهور الفرق يكون محصلة واحدة وهو عسر الفرق على الفارق بين الوضوء والتيمم وزكاة الرأس وصدقة الماشية وصدقة النبات وكذلك الفرق بين القصاص في الطرف والقصاص في النفس ويعضد هذا الكلام بالأصل المعهود وهو أن الأقيسة الشرعية أمارات وعلامات وليس بموجبات وفى الأمارات والعلامات من سهولة المأخذ ما لا يوجد في الموجبات. والقول الجامع: إن التأثير لابد منه إلا أن التأثير قد يكون بمعنى وقد يكون بحكم وقد يكون بغلبة شبه فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق الحكم به لقوة أمارته والشبه قد يعارضه شبه آخر فربما يظهر فضل قوة أحدهما على الآخر وربما يخفى ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد ويجوز أن ترجع إلى أصلين فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع وهذا كالعبد يشبه الحر من حيث إنه آدمى مكلف ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك والجص يشبه البر من حيث إنه مكيل ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول وعلى عكس ذلك الرمان والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل وكذلك الذرة وما يشبه ذلك. وقد قال القاضى أبو حامد المروروزي في أصوله: إنا لا نعني بقياس الشبه أن يشبه الشئ بالشئ بوجه أو أكثر من وجه لكن نعنى أن لا يوجد شئ أشبه به منه ومثال هذا لا يوجد شئ أشبه من الوضوء بالتيمم وكذلك في الزكاة والزكاة وكذلك القصاص في الطرف والنفس فإنه لا يوجد شئ أشبه من القصاص في الطرف بالقصاص في النفس أو على عكس هذا لأن إلحاق الشئ بنظائره وإدخاله في مسلكه أصل عظيم فإذا لم يوجد شئ أشبه به منه لم يكن بد من إلحاقه به وهذا الذى قاله القاضى أبو حامد تقريب حسن وهو عائد إلى ما ذكرناه. واعلم أن هذا الذى ذكرناه نهاية ما يمكن إيراده في كون قياس الشبه حجة والذى ذكروه في نفى قياس الشبه كلمات مخيلة والأولى أن يقال: إن من يتحرى طلب الحق

стр. 697

وطلب إيراد معنى مناسب للحكم فينبغى أن يشتغل بذلك ويبذل غاية مجهوده وعندي أن من طلب ذلك فلابد أن يجده إلا في أفراد من المسائل وردت بها النصوص واتفقت الأمة على تعديها من المعانى فأما عامة الأحكام فالشارع للحكم لم يخلها من المعانى المؤثرة في تلك الأحكام وإن أعوز المجتهد وجود المعنى حينئذ ينبغى أن يرجع إلى قياس الشبه على الطريقة التي قدمناها فلا بأس بذلك وغير مستبعد من الشرع أن ننبه بحكم على حكم ويمثل شيئا بشئ إما معنى أو حكما أو غلبة شبه بسائر الوجوه والله أعلم بالصواب وقد ذكر الأصحاب على ما ذكرناه أمثلة كثيرة ولا حاجة إلى الاشتغال بكثرة الأمثلة بعد أن تبين أصل الكلام.

стр. 698

فصل: جعل الاسم علة للحكم ... "فصل" وأما إذا جعل الاسم علة للحكم فقد قال الأصحاب: إن الاسم على ضربين: اسم اشتقاق واسم لقب. فأما الاسم المشتق فعلى ضربين: أحدهما: مشتق من فعل كالضارب والقاتل اشتق من الضرب والقتل فيجوز أن يجعل هذا الاسم علة معنى في قياس المعنى لأن الأفعال يجوز أن تكون عللا في الأحكام. والضرب الثانى: أن يكون مشتقا من صفة كالأبيض والأسود مشتقق من البياض والسواد فهذا الاسم من علل الأشباه الصورية فمن جعل شبه الصورة حجة قال: يجوز أن يجعل هذا علة وحجة وقد قال: النبى ﷺ في الكلاب: "فاقتلوا منها كل أسود بهيم" ١ فجعل السواد علما على إباحة القتل. وأما اسم اللقب فعلى وجهين: أحدهما: مستعار كقولنا زيد وعمرو ولا يدخله حقيقة ولا مجاز لأنه قد ينقل اسم زيد إلى عمرو واسم عمرو إلى زيد فلا يجوز التعليل بهذا الاسم لعدم لزومه وجواز انتقاله وإنما يوضع موضع الإشارة وليست الإشارة بعلة كذلك الاسم القائم مقامها.

стр. 699

والضرب الثانى: اسم لازم كالرجل والمراة والبعير والفرس فقد ذكر أالصحاب في هذا وجهين: فمنهم من جوز التعليل ومنهم من لم يجوز تجويز التعليل به. والصحيح عندي: أنه لا يجوز التعليل بالأسامى بحال لأنها تشبه الطروه وأما الأسامى المشتقة فالتعليل بموضع الاشتقاق لا بنفس الاسم والله أعلم. وإذا فرغنا من بيان العلة فقد اشتمل هذا الفصل على ما يحتاج إليه الفقيه ولا يستغنى عنه بحال فنذكر بعد هذا الكلام فى:

стр. 700

فصل: بيان الحكم ... الفصل الرابع: وهو بيان الحكم فالحكم هو ما تعلق بالعلة في التحليل التحريم الإيجاب والإسقاط هو على ضربين مصرح به ومبهم. فالمصرح به أن يقول فجاز أن يجب كذا أو يقول فوجب أن يجب كذا وما أشبهته والمبهم أن يقول فأشبه كذا فمن الناس من يقول إن ذلك لا يصح لأنه حكم مبهم. ومنهم من يقول: إنه يصح وهو الأصح عند الجدليين لأنه المراد به فأشبه كذا في الحكم الذى وقع السؤال عنه وذلك بشئ معلوم بين السائل والمسئول فيجوز أن يمسك عن بيانه اكتفاء بالمعلوم الموجود بينهما ومنها أن تعلق عليها التسوية بين حكمين كقولنا في إيجاب النية في الوضوء طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال: إن هذا لا يصح لأنه يريد التسوية بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفى الفرع في إيجاب النية وهما حكمان متضادان والقياس أن يستقى حكم الشئ من نظيره لا من ضده ومنهم من قال: إن ذلك صحيح وهو الأصح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد في النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجودة في الأصل فصح القياس عليه وإنما يظهر الاختلاف في التفضيل وليس ذلك بحكم عليه حتى يضر فيه الاختلاف ومن حكم العلة أيضا أن يذكر التأثير فنقول: في مسألة السواك للصائم تطهير يتعلق بالفم من غير النجاسة فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه دليله المضمضة فهذا تعليل لهذا الحكم صحيح لأن تأثير الصوم في المضمضة صحيح موجود وهو منع المبالغة فصح إثبات تأثيره في الفرع وذلك بالمنع منه بعد الزوال واختلافهما في كيفية التأثير لا يمنع من التعليل لأصل التأثير لأن الغرض إثبات أصل

стр. 701

التأثير إلى هذا الموضع ذكره في التبصرة وهذه فصول عراقية ليس تحتها كثير معنى غير أن كتب الجدل والأصول تزين بأمثال هذا من غغير أن يعود بفائدة فقهية واعلم أن في بيان حكم العلة مسألة خلافية ذكرناها من قبل وهى أن مذهب أصحاب أبى حنيفة أن حكم العلة ثبوت حكم الأصل في الفرع بمعنى الأصل وفى الحقيقة ثبوت مثل حكم الأصل مثل معنى الأصل وعندنا حكم الأصل بها ثم إن وجدت تلك العلة في موضع آخر ثبت مثل ذلك الحكم في ذلك الحكم في ذلك الموضع وإلا فلا يثبت وهذا الخلاف هو الذى ذكرناه من قبل أن العلة القاصرة تكون علة صحيحة وعنهم لا تكون علة صحيحة ثم أعلم أنه كما يجرى الاختلاف في الحكم فيجرى الخلاف أيضا في علة الحكم كاختلافهم في الإسلام هل هو علة العصمة أم لا؟ وكذك الاستيلاء على مال الغير عندنا علة الضمان وعندهم ليس بعلة ة قد يحجرى الهلاف في صفة العلة وهو علة وجوب الزكاة فعندنا ملك النصصاب علة لوجوب الزكاة من غير اعتبار صفة المعنى وعندهم ملك نصاب المغنى علة وقد يوجد الاختلاف في لشرط وهو مثل الخلاف في الشهاددة في النكاح وعندنا هو شرط١ وعند مالك ليس بشرط٢ وعلى هذا اخلافهم في عدالة الشهود في النكاح قال أبو زيد: في تققديم الأدلة جملة أقسام ما يختلف فيه الفقهاء من الشرعيات رابعة أنواع الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟ أو في شرط العلة أو صفتها أو في حكم من الأحكامم أو صفته أو في حكم مشروع معلوم بوصف بلا منازعة في محل هل هو مقصور عليه أو هو متعدى عنه إلى غيره قال: والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية وة التعدية لا يتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما ععدا هذا لقسم لانعدام حكمه ولانه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما لليس موجود ولا يكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو ولأن الخلاف متى يحصل في الموجب للحكم أو شرطه ونفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن وهذا لا يهتدى إليه القياس لأنه ليس إلينا نصب الأحكام ولا رففعها بارأى ولا نصبب أسبابها لأن في نصب الأسباب نصب الأحكام ولا شروطها لأن في نصب الشروط المانعة رفع الأحكام فإذا لم يكن إلينا ذلك

стр. 702

بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل لنصب الشرع وبطل تعليل المنكر أيضا لأن المنكر يقول لم يشرع أصلا وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا حتى يمكن إثباته بالقياس وإنما يثبت بالقياس قسم واحد هو شيء يثبت في محل الشرع فيستعمل القياس لتعدية ثم ذكر الأقسام فقال أما قسم الموجب فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده هل هو علة محرمة للنساء أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس بل على مدعيها إقامة الدلائل على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه لأنه الثابت بذلك ثابت بالنص لا بالقياس وعلى المنكر الامتناع لعدم الدليل كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عمل زائد على الخمس وأنكره آخر لم يكن على المنكر أولا التمسك بعدم قيام الدليل ولزم المدعى إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من ادعى أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكره الآخر وكذلك إذا اختلفنا أن السفر هو مسقط لشطر الصلاة أم لا؟ لم يصح التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطا يلزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم لا لأنه يمكنه إفسادها إلا تفقد طرق الأدلة حتى يعلم بها أن الأدلة جائزة وليست بعادلة قال وكذلك إذا وقع الخلاف في الحربي يسلم أيكون إسلامه موجبا لجعل نفسه وماله مضمونين مثل الأحرار بدارنا أم لا؟ فهذا لا يعرف بالقياس وكذلك الخلاف أن العقل مثل الشرع أهو حجه قاطعة لعذر الكفار. ما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي سببب الزكاة أهو سبب بصفة النماء أم دونها واليمين بالله سبب الكفارة بسبب أنها مقصودة أو معقودة وقتل النفس بغير حق سبب الكفارة بصفة الحرمة أو بصفة الإباحة مع الحرمة والإفطار سبب الكفارة باسم الجماع أو باسم اقتضاء إحدى الشهوتين وهذا لأن وصف الشىء منه فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبل ما يثبت به. قال: وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولى فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسا لأننا وجدنا ثبوت نعنى الولاية حكما ثابتا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فصح القياس لتعدية إلى المرأة وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية هل هي شرط فيها أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس وكذلك قلنا: إن شرط نفوذ الطلاق من جانبها النكاح أو العدة عنه وقال: خصمنا العدة ليست بشرط النفوذ وبالعدة وحدها لا يصير محلا وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالصلاة

стр. 703

والزكاة والصوم والكفارات ولزوم الإحرام وكذلك وجوب العقوبات كحرمات الإرث بالقتل والحدود لم يكن للقياس فيه مدخل وكذلك إذا أختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ وهو الإسلام أو لا؟ ثم سأل على نفسه سؤالا فقال فإن قيل: أليس اختلفنا في الطعام بالطعام أن القبض في المجلس هل هو شرط في بيع أحدهما بالآخر أم لا؟ وتكلمتم بالقياس فيها فأجاب وقال: البقاء على الصحة بلا شرط القبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع وهو بيع العبد بالدراهم وكل ما عدا الطعام من السلع فصحت التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنمعنا منه نص بخلافه فيجب على مدعى الفساد لوجود النص إقامته قال: ولا يلزم على هذا استعمال القياس في منع شرط التسمية في الزكاة بالقياس على الناسى لأنا إذا أحللنا زكاة تارك التسمية ناسيا على أنه في حكم المسمى بدليل النص كما يجوز صوم الآكل ناسيا على أنه في حكم من لم يأكل بدليل النص ثم لا يجوز أن يقاس عليه إذا ترك التسمية عمدا أوأكل في الصوم عمدا لأنه معدول به عن القياس قال: فبهذا يظهر بيان الفقه في طرق القياس. وأما صفة الشرط فكشهود النكاح أهم رجال أو رجال ونساء وصفة طهارة الصلاة أهى مرتبة أم غير مرتبة أم بفصة الموالاة أو ليست بصفة الموالاة قال: أما الحكم فنحو اختلافنا في الركعه الواحدة مشروعة صلاة أم لا؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا والأربع مشروعة على المسافر والمسح على الخف مشروع أم لا وكذلك اختلافهم في القراءة هل تسقط بالإقتداء أم لا والصوم عل يسقط بالجنون أم لا؟ ثم سأل سؤالا فقال فإن قيل: اختلفنا في صوم يوم النحر مشروع أم لا وتكلمتم فيه بالقياس وأجاب وقال: لا كذلك فإن كون اليوم سببا لصيرورة الصوم مشروعا ثابت أصلا ووقع في استنساخه أنه يوم عيد فأنكرناه لأنا أثبتنا كون اليوم سببا بالقياس وأما وصف الحكم فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة على الشفع الثانى واختلفنا أنها فرض أو لا واتفقنا أنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملك مباحا والكراهة بعارض ويملك مكروها والإباحة بعارض وهذا مذهبنا على ما بينا في موضعه وكذلك يملك الطلاق مبينا قصدا إليه عندنا وعندي لا يملك فهذا لا يعرف بالقياس وأنا لا نجده بعينه أصلا آخر لتعديه إلى الفرع وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو

стр. 704

هو مشترك بين الزوجين لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لتعدية إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: "والفضل ربا" ١ أنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا. وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أهو في حكم يد الاستيفاء التي يتم بالتسليم إليه أم هو حق بيع الدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد وحكمه وقوع الملك للموهوب له وهذا لا يجوز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس وكذلك لا يجوز نفى هذا بالقياس لأن الانتفاء من حيث لم يكن لايكون حكما شرعيا ليمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية لم يكن للقياس فيه تدخل لأنا لا نجده في غيره لتعديه إليه. وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق وبعد الدخول لأنا إنما اختلفنا في ذلك لاختلافنا في المتعة أوجب أصله على نفى وحشة الطلاق أم عوضا عن ذلك النكاح واجبا بالعقد مقام الساقط بالطلاق فهذا لا يعرف بالقياس وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت أبدا إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر من حيث المعانى التي تثبت بالأسامى العربية لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم. وأما القسم الر ابع فنحو قولنا: إن المسح في الضوء يسن تثليثه لأنه مسح قياسا على مسح الخف فهذا يمكن إثباته بالقياس لأنا وجدنا مسحا في الوضوء وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا يتثليثه فعديناه إلى الفرع وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليثه وصيغته قياسا على الوجه فهذان القياسان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين فيتأدى بنية الصوم كالنفل في غير رمضان وقولهم إنه صوم فرض فيشترط فيه نية الفرض كالقضاء وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب وقولهم إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة بغير المديون فهذا الذى ذكرناه سياق كلامه واعلم أن أصلنا الذى يعرفه الأصوليون أن كل ما يمكن إثباته بالقياس يثبت

стр. 705

بالقياس من غير تخصيص وفى هذه المسائل التي ذكرناها في بعضها ما يمكن إثباته بالقياس وفى بعضها ما لا يمكن إثباته بالقياس وعلينا فيها أن نعرضها على الأصل الذى قدمناه فما لا يمكن إثباته بالقياس وافقناه على زعمه وما يمكن إثباته بالقياس أثبتناه وإن رغم أنف من رغم والله المعين على طلب الحق والهادى والمرشد إلى الصواب.
следующие страницы →