التأثير إلى هذا الموضع ذكره في التبصرة وهذه فصول عراقية ليس تحتها كثير معنى غير أن كتب الجدل والأصول تزين بأمثال هذا من غغير أن يعود بفائدة فقهية واعلم أن في بيان حكم العلة مسألة خلافية ذكرناها من قبل وهى أن مذهب أصحاب أبى حنيفة أن حكم العلة ثبوت حكم الأصل في الفرع بمعنى الأصل وفى الحقيقة ثبوت مثل حكم الأصل مثل معنى الأصل وعندنا حكم الأصل بها ثم إن وجدت تلك العلة في موضع آخر ثبت مثل ذلك الحكم في ذلك الحكم في ذلك الموضع وإلا فلا يثبت وهذا الخلاف هو الذى ذكرناه من قبل أن العلة القاصرة تكون علة صحيحة وعنهم لا تكون علة صحيحة ثم أعلم أنه كما يجرى الاختلاف في الحكم فيجرى الخلاف أيضا في علة الحكم كاختلافهم في الإسلام هل هو علة العصمة أم لا؟ وكذك الاستيلاء على مال الغير عندنا علة الضمان وعندهم ليس بعلة ة قد يحجرى الهلاف في صفة العلة وهو علة وجوب الزكاة فعندنا ملك النصصاب علة لوجوب الزكاة من غير اعتبار صفة المعنى وعندهم ملك نصاب المغنى علة وقد يوجد الاختلاف في لشرط وهو مثل الخلاف في الشهاددة في النكاح وعندنا هو شرط١ وعند مالك ليس بشرط٢ وعلى هذا اخلافهم في عدالة الشهود في النكاح
قال أبو زيد: في تققديم الأدلة جملة أقسام ما يختلف فيه الفقهاء من الشرعيات رابعة أنواع الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟ أو في شرط العلة أو صفتها أو في حكم من الأحكامم أو صفته أو في حكم مشروع معلوم بوصف بلا منازعة في محل هل هو مقصور عليه أو هو متعدى عنه إلى غيره قال: والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية وة التعدية لا يتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما ععدا هذا لقسم لانعدام حكمه ولانه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما لليس موجود ولا يكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو ولأن الخلاف متى يحصل في الموجب للحكم أو شرطه ونفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن وهذا لا يهتدى إليه القياس لأنه ليس إلينا نصب الأحكام ولا رففعها بارأى ولا نصبب أسبابها لأن في نصب الأسباب نصب الأحكام ولا شروطها لأن في نصب الشروط المانعة رفع الأحكام فإذا لم يكن إلينا ذلك
стр. 702
بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل لنصب الشرع وبطل تعليل المنكر أيضا لأن المنكر يقول لم يشرع أصلا وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا حتى يمكن إثباته بالقياس وإنما يثبت بالقياس قسم واحد هو شيء يثبت في محل الشرع فيستعمل القياس لتعدية ثم ذكر الأقسام فقال أما قسم الموجب فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده هل هو علة محرمة للنساء أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس بل على مدعيها إقامة الدلائل على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه لأنه الثابت بذلك ثابت بالنص لا بالقياس وعلى المنكر الامتناع لعدم الدليل كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عمل زائد على الخمس وأنكره آخر لم يكن على المنكر أولا التمسك بعدم قيام الدليل ولزم المدعى إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من ادعى أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكره الآخر وكذلك إذا اختلفنا أن السفر هو مسقط لشطر الصلاة أم لا؟ لم يصح التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطا يلزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم لا لأنه يمكنه إفسادها إلا تفقد طرق الأدلة حتى يعلم بها أن الأدلة جائزة وليست بعادلة قال وكذلك إذا وقع الخلاف في الحربي يسلم أيكون إسلامه موجبا لجعل نفسه وماله مضمونين مثل الأحرار بدارنا أم لا؟ فهذا لا يعرف بالقياس وكذلك الخلاف أن العقل مثل الشرع أهو حجه قاطعة لعذر الكفار.
ما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي سببب الزكاة أهو سبب بصفة النماء أم دونها واليمين بالله سبب الكفارة بسبب أنها مقصودة أو معقودة وقتل النفس بغير حق سبب الكفارة بصفة الحرمة أو بصفة الإباحة مع الحرمة والإفطار سبب الكفارة باسم الجماع أو باسم اقتضاء إحدى الشهوتين وهذا لأن وصف الشىء منه فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبل ما يثبت به. قال: وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولى فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسا لأننا وجدنا ثبوت نعنى الولاية حكما ثابتا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فصح القياس لتعدية إلى المرأة وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية هل هي شرط فيها أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس وكذلك قلنا: إن شرط نفوذ الطلاق من جانبها النكاح أو العدة عنه وقال: خصمنا العدة ليست بشرط النفوذ وبالعدة وحدها لا يصير محلا وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالصلاة
стр. 703
والزكاة والصوم والكفارات ولزوم الإحرام وكذلك وجوب العقوبات كحرمات الإرث بالقتل والحدود لم يكن للقياس فيه مدخل وكذلك إذا أختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ وهو الإسلام أو لا؟ ثم سأل على نفسه سؤالا فقال فإن قيل: أليس اختلفنا في الطعام بالطعام أن القبض في المجلس هل هو شرط في بيع أحدهما بالآخر أم لا؟ وتكلمتم بالقياس فيها فأجاب وقال: البقاء على الصحة بلا شرط القبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع وهو بيع العبد بالدراهم وكل ما عدا الطعام من السلع فصحت التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنمعنا منه نص بخلافه فيجب على مدعى الفساد لوجود النص إقامته قال: ولا يلزم على هذا استعمال القياس في منع شرط التسمية في الزكاة بالقياس على الناسى لأنا إذا أحللنا زكاة تارك التسمية ناسيا على أنه في حكم المسمى بدليل النص كما يجوز صوم الآكل ناسيا على أنه في حكم من لم يأكل بدليل النص ثم لا يجوز أن يقاس عليه إذا ترك التسمية عمدا أوأكل في الصوم عمدا لأنه معدول به عن القياس قال: فبهذا يظهر بيان الفقه في طرق القياس.
وأما صفة الشرط فكشهود النكاح أهم رجال أو رجال ونساء وصفة طهارة الصلاة أهى مرتبة أم غير مرتبة أم بفصة الموالاة أو ليست بصفة الموالاة قال: أما الحكم فنحو اختلافنا في الركعه الواحدة مشروعة صلاة أم لا؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا والأربع مشروعة على المسافر والمسح على الخف مشروع أم لا وكذلك اختلافهم في القراءة هل تسقط بالإقتداء أم لا والصوم عل يسقط بالجنون أم لا؟ ثم سأل سؤالا فقال فإن قيل: اختلفنا في صوم يوم النحر مشروع أم لا وتكلمتم فيه بالقياس وأجاب وقال: لا كذلك فإن كون اليوم سببا لصيرورة الصوم مشروعا ثابت أصلا ووقع في استنساخه أنه يوم عيد فأنكرناه لأنا أثبتنا كون اليوم سببا بالقياس وأما وصف الحكم فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة على الشفع الثانى واختلفنا أنها فرض أو لا واتفقنا أنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملك مباحا والكراهة بعارض ويملك مكروها والإباحة بعارض وهذا مذهبنا على ما بينا في موضعه وكذلك يملك الطلاق مبينا قصدا إليه عندنا وعندي لا يملك فهذا لا يعرف بالقياس وأنا لا نجده بعينه أصلا آخر لتعديه إلى الفرع وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو
стр. 704
هو مشترك بين الزوجين لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لتعدية إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: "والفضل ربا" ١ أنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أهو في حكم يد الاستيفاء التي يتم بالتسليم إليه أم هو حق بيع الدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد وحكمه وقوع الملك للموهوب له وهذا لا يجوز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس وكذلك لا يجوز نفى هذا بالقياس لأن الانتفاء من حيث لم يكن لايكون حكما شرعيا ليمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية لم يكن للقياس فيه تدخل لأنا لا نجده في غيره لتعديه إليه.
وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق وبعد الدخول لأنا إنما اختلفنا في ذلك لاختلافنا في المتعة أوجب أصله على نفى وحشة الطلاق أم عوضا عن ذلك النكاح واجبا بالعقد مقام الساقط بالطلاق فهذا لا يعرف بالقياس وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت أبدا إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر من حيث المعانى التي تثبت بالأسامى العربية لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم.
وأما القسم الر ابع فنحو قولنا: إن المسح في الضوء يسن تثليثه لأنه مسح قياسا على مسح الخف فهذا يمكن إثباته بالقياس لأنا وجدنا مسحا في الوضوء وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا يتثليثه فعديناه إلى الفرع وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليثه وصيغته قياسا على الوجه فهذان القياسان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين فيتأدى بنية الصوم كالنفل في غير رمضان وقولهم إنه صوم فرض فيشترط فيه نية الفرض كالقضاء وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب وقولهم إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة بغير المديون فهذا الذى ذكرناه سياق كلامه واعلم أن أصلنا الذى يعرفه الأصوليون أن كل ما يمكن إثباته بالقياس يثبت
стр. 705
بالقياس من غير تخصيص وفى هذه المسائل التي ذكرناها في بعضها ما يمكن إثباته بالقياس وفى بعضها ما لا يمكن إثباته بالقياس وعلينا فيها أن نعرضها على الأصل الذى قدمناه فما لا يمكن إثباته بالقياس وافقناه على زعمه وما يمكن إثباته بالقياس أثبتناه وإن رغم أنف من رغم والله المعين على طلب الحق والهادى والمرشد إلى الصواب.
стр. 706
فصل يتصل بالذي ذكرناه
...
"فصل"
وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا فصلا يتصل بهذا الذى ذكرناه أحببت إيراده في هذا الموضع وأذكر ما يعتمد عليه من ذلك.
وقال قال الخائضون في هذا الفن رب أصل يتطرق إليه بالتعليل من وجه ويتقاعد من وجه ونذكر من ذلك مثالا أو مثالين فمن ذلك اختصاص القطع بالنصاب وهذا على الجملة متعلق بأمر ظاهر فإن الناس يهجمون على ما يوجب التغرير بالأرواح ويخاطر بالمهج بسبب التافه الوتح١ الحقير وإن فعل ذلك إنسان فإنما يغرر بمال نفيس وتشهد له القواعد التي تستحث الطباع على الهجوم على الفواحش فيها وانتصب مزجرة الحدود يزدجره عنها وأما المحرمات التي لا ميل للطباع إليها لم يرد الشرع في المنع فيها بالحدود فوقع الاكتفاء فيها بمجرد النهى مع الوعيد بالعذاب الشديد في الآخرة.
ثم قال هؤلاء: لإن القياس وإن اقتضى الفصل في الجملة بين التافه والنفيس ولكن مبلغ النفيس لا يعرف بالقياس وكان ذلك موكولا إلى الشرع ونصاب السرقة منصوص عليه٢. ومن أمثلة ذلك النصاب في الأموال الزكاتية والأقيسة قد ترشدنا إلى اختصاص
стр. 707
وجوب الإرفاق بالأموال المحتملة لذلك المتهيئة لارتفاق مالكه ليكون الإرفاق بمقابلة الاستمكان من الارتفاق ثم القدر الواجب لا يهتدى إليه الرأى فاتبع الشرع والدليل على أن الرأي لا يهتدى إلى ما قلناه أن الهمم تختلف بالخسيس والنفيس فالفقير قد يستعصم القلس والقلسين والملك لا يستكثر القناطير المقنطرة وكذلك هذا في النصب فإن القانع بالبلاغ قد يجتزئ بالارتفاق بما ينقص عن النصاب وذو البسطة والسعة لا يرفقه العشرون بل المائتان فلابد من الرجوع إلى الشرع ويكون هو المتبع أبدا لا غير ثم قال:
نحن نقسم أصول الشريعة خمسة أقسام:
أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويؤول المعنى المعقول فيه إلى أمر ضرورى لابد منه وهذا مثل القصاص فإنه معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحترمة والزجر عن التهجم عليها فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص تصرف فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى فيه وهذا هو الذى يسهل تعليل أصله والتحق به تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما تأيد بهم لجر ذلك إلى الضرورة ظاهرة فمستند البيع إذا زائل إلى ضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ثم قد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا تمهدت قواعدها فالنظر بتحقيق معنها في آحاد النوع ربما يعسر فيعرض عنه قال: وهذا ضرب من الضروب الخمسة وعندي أن تعليل إيجاب القصاص ما ذكر من حكمة وجوب القصاص وتعليل تجويز البيع بما ذكر من حكمه تجويز البيع بعيد جدا وإنما السبب لوجوب القصاص هو القتل والقتل مخيل في إيجاب القتل بعد أن تأيد بالشرع والنص عليه وكون الإنسان مالكا للشئ مخيل مؤثر بجواز تمليكه من غير قد تأيد بنص أيضا نعم يجوز أن يقال: وجب القصاص بسبب القتل وجاز التمليك فيه بسبب تملكه للمحل بحكمة الزجر أو الحكمة دفع حاجات الناس فأما تعليل أصل وجوب القصاص بالزجر أم تعليل أصل جواز البيع بالحاجة فبعيد وهذا لأن الأحكام في الشرع بأسبابها لا بحكمتها وفوائدها وكان البيع لفائدة البيع والتعليل غير وإظهار الفوائد غير ونحن
стр. 708
نعلم قطعا أن الشرائع لفوائد وحكم لكن لا نقول إنها معللة بها وهذا كالعبادات لا تعلل بعلى الثواب فإن كانت واجبة لفوائد الثواب والأنكحة لا تعلل بعلة حصول النسل في العالم وإن كانت مشروعة لفائدة النسل وكذلك الحدود واجبه لفائدة الزجر الحاصل بها ولا تعلل بها والقصاص من جملة ذلك. قال:
والضرب الثاني: ما يتعلق به الحاجة العامة ولا ينتهى إلى حد الضرورة وهذا مثل الإجازة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكين مع قصور اليد عن تملكها وفي نماكها ببدل على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة ولكن حاجة الجنس قد تبلغ ضرورة الشخص الواحد من جهة أن الكافة لو منعوا عن ما يظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرر لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس وعندي أن المنافع أموال وقد قام الدليل على ذلك فالإجازة فيها كالبيع في الأعيان وقد بينا ذلك في خلافيات الفروع. قال:
والضرب الثالث: مما لا يتعلق بضرورة حاققة ولا حاجة عامة ولكنه قد يلوح منه غرض في جلب مكرمة أو نفي ينقص بها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث وإن أجبنا عبرنا عن هذا فقلنا: مما لاح ووضح الندب إليه تصريحا كالتنظيف فإذا ارتبط الرابط أصلا كلياته تلويحا كان ذلك في الدرجة الآخرة والرتبة الثانية البعيدة في القياس وجرى وضع التلويح منه مع الامتناع عن التصريح مع حمل المكلفين على مضمونه مع الاعتضاد بالدواعي الجلية كما سبق تقرير هذا في المسالك السابقة والصور الممثلة المخيلة وهذه العبارات كلها تكلف صعب وحمل الطبع على ما بالمرء غنية عنه ولا أرى وراءها كثير معنى والطهارات كلها تعبدات وإن عللنا بالتنظيف فينبغي أن يكون على الندب لا على الإيجاب وأما عامة العبادات وتوابعها تكليفات لا يعقل معناها إلا القيام بالعبادة المحضة لله تعالى. قال:
والضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحا ابتداء وفي المسلك الثابت في تحصيله الخروج عن قياس كلي وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب عن الضرب الثالث وبيان ذلك بالمثال أن الغرض في الكتابة تحصيل العتق وهو مندوب إليه والكتاب المنتهضة سببا في تحصيل العتق يتضمن أمورا خارجه عن الأقيسة الكلية كمعاملة السيد عبده وكمقابلة ملكه بملكه والطهارات قصاراها إثبات.
стр. 709
التسبب وجوبا إلى ما لا يصرح بإيجابه وليس فيها اعتراض على أصل آخر سوي ما ذكرناه من التصريح والتلويح وقد مثلناها موضع الشرع بالنكاح لتحصين الزوجين قال:
والضرب الخامس من الأصول ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا لا مقتضيا من ضرورة وحاجة ولا استحثاثا على مكرمة وهذا يندر تصويره حدا فإنه إن امتنع استنباط معنى ضرورى فإنه لا يمتنع عليه كليا ومثال هذا القسم العبادات البدلية والمحضة وأنه لا يتعلق بها الأعراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد أن يقال: تواصل الوظائف يديم تروي العباد على حكم الانقياد وتجديد العهد بذكر الله ينهي عن الفحشاء والمنكر وهذا يقع على الجملة. ثم قال: فأما الضرب الأول وهو مما يستند إلى الضرورة فنظر القايس فيه ينقسم إلى اعتبار آخر الأصل بعضها ببعض وإلى اعتبار غير ذلك بذلك الأصل إذا اتسق له معنى فأما اعتبار الجزء بالجزء مع استجماع القياس لشرائط الصحة فهو يقع في الطبقة العالية من أقيسة المعانى ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي وإن كان جليا إذا صادم القاعدة ترك القياس الجزئي للقاعدة الكلية ومثال ذلك أن القصاص من حقوق الآدميين وقيامها رعاية التماثل عند التقابل في هذا القياس يقتضي أن لا تقتل الجماعة بالواحد ولكن في طرده والمصير إليه هذه القاعدة الكلية لان الاستعانة بالظلمة في القتل ليس بعسر وفي درء القصاص عند وجود الإجماع خرم أصل الباب وحاصل القول في هذا قوله إلى أن مقابلة الشئ بأكثر منه ليس يحرم أمرا ضروريا هذا معنى تسميته لهذا جزئيا وإلا فالتماثل في الحقوق التي للآدميين من الأمور الكلية في الشريعة غير أن القاعدة التي سميناها في هذا الضرب مستندها أمر ضروري والتماثل في التقابل أمر مصلحي والمصلحة أذا لم تكن ضرورة جزء بالإضافة إلى الضرورة وهذا يعتضد فيما ضربناه مثلا من القصاص بأمر آخر وهو أن يبقي القصاص على مخالفة الأعواض أجمع فإن أعواض المتلفات مبناها على جبران الفائتات كالمثلي إذا ضمن بالمثل وكالقيمة إذا وجبت جبرا للتقويم المتلف والقصاص لا يجبر الفائت وإنما الغالب عليه أمر الزجر وحظ مستحقه منه شفاء الغليل فلما خرج أصله عن مضاهاة الأعواض هذا الخروج احتمل فيه الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل وإذا قسنا الأطراف عند وجود الاشتراك في قطعها على النفوس كان واقعا جليا معتضدا بالمعنى الأصلي وهو الضرورة مع أجتماع الأطراف والنفوس في كونها مصونة بالقصاص وذكربعد هذا تخريج مسألة تمييز الفعلين واعلم أن هذا الذي ذكره المشايخ في المسألة التي
стр. 710
أشار إليها وعندي أن هذا غير معتمد وقياس الطرف على النفس وإن كان جليا في الصورة ولكن افتراق النفوس والأطراف في الأحكام غير ممتنع في الشرع فلابد من بيان اجتماع النفوس والأطراف فة المعنى الذي يجب به القصاص على العدد في مقابلة الواحد والذى أشار إليه من قوله: إن في نفى القصاص عن الجماعة بقتل الواحد خرم القاعدة مثل هذا لا يصلح لبيان السبب والأسباب لا تترك بأمثال هذا الكلام فإن حفظ الأسباب لإيجاب الأحكام من أهم الأمور وكذلك قوله إن القصاص عوض يخالف سائر الأعواض قد ذكرنا عندنا أن العوض الأصلى عندنا هو المال في القتل أعنى بقولي: الأصلى هو العوض الذى يصح على أصول الشرع قياسا وجاء الشرع وراء ذلك بعوض آخر وهو القصاص فالدية عوض قياسى والقصاص عوض شرعى لغرض زائد لا يوجد في العوض القياسى فخير ولى القتل بينهما لاختلاف الغرضين ولم يجمع بينها لاتفاقهما في العوضية وهذه كلمات قد حققناها في خلافيات الفروع ولا معنى لشحن أصول الفقه من ذلك ثم تكلم على الضرب الثانى وهو فصل الإجازة بكلام طويل يخالف القياس وهذا قد سبق بيانه من قبل وذكر تقريرا في إلحاق المنافع بالأعيان ونحن قد دللنا أنها مال وأن العقد عليها كالعقد على المال وقد ألحقت المنافع بالأعيان الموجودة شرعا وجعل العقد عليها كالعقد على الأعيان وذكر الضرب الثالث وأعاد فصل الطهارة بزيادة تقريرات وذكر عبارات رائعة في ذلك والتعليل في ذلك بعيد جدا وذكر الضرب الرابع وأعاد فصل الكتابة وحكى عن مالك أنه يوجب الكتابة وعندي أن هذه النسبة إلى مالك خطأ وإنما القول بوجوب الكتابة قول داود١ على الخصوص ومذهب مالك أن الكتابة مستحبة وهو مذهب الكافة٢ وجواز الكتابة خارج عن قياس سائر العقود وإنما جوز لنوع نظر وإرفاق للعبد ولهذا لزم في حق السادة ولم يلزم في جانب العبد لأن إلزام العقد في جانب العبيد يخالف النظر لهم وترك إلزامه في جانب السادة يخالف ما وضع عقد الكتابة لأجله ولأجل هذا الأصل جاز أن يبدل كسبه مع أنه عبد سيده سيجه وتنجز العتق من سيده فدل أنه مشروع محض النظر للعبيد وبهذا الوجه ندب السادة إلى فعل هذا العقد وكره لهم تركه إذا طلب العبيد ذلك ولهذا
стр. 711
الأصل وجب الإتيان لأن العجز من العبيد في أداء الأموال على التمام والكمال متوهم وأوجب حط بعض ذلك البذل عنهم ليتمحض العقد مرفقا للعبيد بكل وجه وذكر تعلق أصحاب أبى حنيفه في البيع الفاسد في الكتابة وهو تعلق معروف ثم. قال: وقال الشافعى: لا يقبل هذا القياس فإن الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاملات والفاسدة متفرعة عليها فإذا انحسم مسلك القياس في الأصلين يعنى البيع الصحيح والكتابة الصحيحة ويترتب عليه امتناع القياس في الفرعين وقال أصحاب أبى حنيفة: إذا ثبتت الكتابة والتحقت بالمعاوضات المحضة فلا ينظر بعد ذلك إلى خروجها عن قياس المعاوضات ولكنها تقضى فيها وعليها بقضايا المعاوضات حتى يقول بشرط فيها من التراخى وإعلام العوض واتصال الإيجاب بالقبول ما يشترط في المعاوضات فاعتبار البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة أولى من النظر في التفاصيل بعد تسليم الأصل والفاسد في كل باب حايد عن موجب أصله وكذلك فسد فإذا لم يمتنع إلحاق الفاسد بالصحيح في الكتابة مع حيد الفاسد عن الحقة الصحيحة فلا ينبغى أن يمتنع مثل ذلك في البيع والحاقة بالكتابة قال: ونحن الآن نقول: هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعانى ولا يجمعه قياس معنوى من قبل إن شرط المعنى انقداحه واتجاهه في الأصل ثم إذا تقرر في الأصل معنى واطرد في الفروع فحينئذ يجمع الجامع بالمعنى وليس معنا معنى متضمن لتنزيل الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة الصحيحة فإن الذى لا يتمارى فيه الناظر من نظره أن الفاسد ليس مطابقا للشرع والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة للشرع ويتهون على الرشيد الفطن تقرير خروج الكتابة الفاسدة في نزولها منزلة الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي والاعتبار الكلى فإذا فعل ذلك انحسم مطمع الخصم في قياس المعنى ولكن النظر إلى التشبيه فإن علة الخصم انحسام المعنى واجتزاء بالشبه فقال البيع الفاسد بالإضافة إلى الصحيح يشبهه الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا يلتزم أبدا معنى في الأصل وآخر في الفرع فالذى يدرأ ذلك النقض الصريح فإنا لم ننزل كل فاسد منزلة الصحيح بدليل النكاح وأقرب من ذلك البيع فإن فاسده من غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة قال: والشبه لابد في طرده فإذا لم يطرد وانتقض انحل ولم يبق له عمل وإذا سقط الشبه طولبوا بالمعنى وإلحاق الفاسد بالصحيح قال: ومما نذكره في هذا أيضا أن الكتابة الفاسدة في وضعها مخالفة للبيع الفاسد على رأى المخالف فإن المكاتب بالكتابة الفاسدة يتسلط على اكتسابه بنفس العقد تسلطا وينفذ تصرفاته فيها على الصحة
стр. 712
نفوذها في الكتابة الصحيحة وليس البيع الفاسد كذلك وإن اتصل به القبض وقال من دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة موجود الصفة ما يوجب القضاء لصحته فإن تعليق العتق على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم التعليق إذا صح فحقه أن لا يرفع وأثر فساد الكتابة في دفع وجوب التعليق والكتابة عقد أخذ من قياس بابين وعقدين أحدهما المعاوضة والثانى تعليق القول والعتق أنفذ التصرفات وأغلبها فإن مؤقته يتأيد ومبعضه يتم فالوجه استيلاء حكمه فلم يكتب معنى التعليق صفة الفساد من فساد المعاوضة وإذا لم يفسد عتق بجهته. ثم قال: وهذا منتهى كلام الفقهاء وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول قد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما تجرى الأقيسة من الأصول على الأصول وإذا لاحت المعانى قال: والمعنى المخيل في الكتابة هو الاستحثاث على مكرمة من المكارم مثل الطهارات فالطهارة واجبة مكرمة والكتابة مستحبة مكرمة قال: وإنما يظهر المعنى في الضروريات والحاجات قال: فالبيع من الضرورات والكتابة من المكرمات فكيف ينقدح بسببه فاسد هذا بفساد البيع وهذا القائل مع هذا التطويل لم يخرج عن أشكال الكتابة فإن الإشكال في الكتابة أنه لابد من أنعقاد الكتابة ليقع بها العتق والفساد لم يخرج من انعقادها فينبغى أن لا يمنع أيضا من انعقاد البيع وإذا انعقد وجب أن يفيد موجب لأن العقد لا ينعقد إلا لموجبه فالملك موجب البيع والعتق موجب الكتابة فإذا انعقدت الكتابة الفاسدة لإفادة موجبه فلينعقد البيع الفاسد لإفادة موجبه وعلى الجملة ما ذكره للأصحاب في دفع قياس البيع على الكتابة كان أبين وأظهر من الذى اعتمد عليه واستخرجه بذكره.
وقد قال على هذا الإشكال الذى ذكرناه أن الوجه في دفعه مسلكان:
أحدهما: أن يدعى أن الكتابة صحيحة في جهه مقصودها أى في العتق.
والمسلك الثانى: وهو الأصل أن لا يلزم في أقيسة المعانى النقض.
واعلم أن فضل الكتابة في البيع الفاسد في نهاية الإشكال ولأنى أعرف في جملة مسائل الخلاف ما يقارب هذا الإشكال إلا اليسير القليل ومن أراد دفع هذا الفصل فأولى الفصول أن يبين فساد البيع ويبين أن الفاسد غير مشروع وإذا كان غير مشروع لا يثبت بع حكم مشروع لأن الحكم المشروع لا يبتنى إلا على سبب مشروع ثم الكتابة لا ترد على هذا لأن هذا أصل من الأصول وقاعدة كلية من قواعد الشرع فلا يجوز
стр. 713
الاشتغال بإيراد النقض عليه وهذا كما أنه لا يجوز إيراد النقض على الكتاب والسنة فلا يجوز إيراد النقض على مثل هذه القواعد والأصول الثابته بالدلائل القطعية نعم وقد اعتنيت في كتاب الاصطدام زيادة اعتناء في الكلام على هذا الفصل واعترضت على كل ما قاله الاصحاب ثم اعتمدت في آخر الأمر على فصل وهو نهاية الإمكان وأحببت إيراده في هذا الموضع فقلت: الكتابة عقد عتاقة والعتق مبنى في الشرع على أنه يجب السعى في تحصيله ويطلب وجوده بالتمسك بأدنى شئ يمكن التمسك به من وجه ولهذا يكتفى في سببه ومحله بما لا يكتفى به في سائر عقود الأملاك أما المحل فالدليل عليه أنه لو أعتق جزءا من عبد وإن قل سرى إلى جميع الأجزاء مع ترك مباشرة العتق في سائر الأجزاء واقتصاره على عتق هذا القدر وأما السبب فلأن الشرع قد اكتفى به في تحصيله بمجرد القرابة ويعقد من السيد مع عبده في الكتابة بأداء ماله إليه في قوله إذا أديت إلى كذا فأنت حر وأيضا فإن الشرع حقق سببه بتحصيله من غير وجود تحصيل لذلك من الإنسان. ألا ترى أن في قوله أعتق عبدك عنى على ألف درهم فإن الشرع حكم بتحصيل الملك فيما يعود إلى تحصيل العتق من غير أن يوجد من الذى يعتق عليه بتحصيله ومثل هذا لا يوجد في حكم ما وأيضا فإنه احتمل فيه من الغرر والخطر ما لا يحتمل في شئ من المواضع وإذا عرف هذا الأصل في العتق منقول به في الكتابة باشر سبب العتق وأخل بشرطه فيجعل الشرط المتروك كالمذكور فيما يرجع إلى العتق كما جعل السبب المذكور في بعض المحل كالمفعول الموجود وإن لم يفعله فيجعل هنا أيضا الشرط المتروك من إعلام العوض وغيره كالمذكور والمشروط وكذلك جعل السبب المتروك تحصيله كالمحصل في المسألة التي قلناها فأما سلامة الاكتساب والأولاد وفك الحجر وغيره ابتاع في هذا العقد فإذا اعتبر هذا العقد شرعا فيما هو الأصل لحق به الاتباع. والحرف أن الإعتراض عن حكم الفساد في الشرع وقع لأجل العتق كما حصل الإعراض عن باقى المحل في المعتق بعضه ويتبين صحة هذا الجواب بأصلهم فإن عندهم البيع الفاسد لا يوجبه الملك بنفسه وإذا أوجبه أوجب ملكا مستحق النقض والفسخ وأما عقد الكتابة فيوجب العتق على ما يوجب الصحيح منها ووجب بها عتق مستقر ينقضى ولا يرفع وليست هذه المفارقة عندهم إلا لأن العقد عقد عتق وهذا الجواب نهاية الإمكان ولا يعرف معنى في الكتابة ووقوع العتق بها عندنا وعندهم على الوجه الذى قالوه وجعلهم ذلك أسوة الصحيح من كل وجه إلا لهذا المعنى الذى قلت
стр. 714
ولابد في قبوله من فضل نظر وتمام عناية وتأمل على الجهة الحسنى والله المعين بمنه وعلى الجملة والفقه عزيز جدا وقد غلب الجدليون غلبة عظيمة واقتنعوا بدفاع الخصوم ورضوا بعبارات مزوقة فاضلة عن قدر الحاجات والعبارات قوالب المعانى فإذا زادت على المعانى كانت من فضول القول والواجب على الفقيه أن يكون جل عنايته مصروفا إلى طلب المعانى ثم إذا هجم عليها فلا بأس أن يكسوها بالكسوة الحسنة ويبرزها عن خدرها في أحسن مبرز فيصير المعنى كالعروس تترفل١ في حلية وجللة فأما إذا اشتغل بالعبارات وأعرض عن المعانى وكان جل سعيه في التهوين على الخصوم وإيقاعهم في الأغاليط بعبارته خفى الحق والصواب فيما بين ذلك وجواب واحد يقام عليه برهان يكشف عن الحق ويسكن إليه القلب ويزول به تلجلجه خير من ألف جواب جدلى وإن كان يقع به دفاع الخصوم وإسكاتهم والله يعين على ذلك بمنه وطوله إن شاء الله تعالى.
مسألة: تخصيص العلة
العمل أن نشرع في هذه المسألة بذكر طرف مما يفسد به العلة: أعلم أنه قد ذكر الأصحاب ما يفسد به العلة وعدوا وجوها عشرة وأكثر وذكروا:
الوجه الأول: وهو أن لا يدل الدليل على صحتها.
والوجه الثانى: أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض وأكثره وإثبات الأسماء واللغات وغير ذلك وقد ذكرنا اختلاف الأصحاب في ذلك.
والوجه الثالث: أن تكون العلة مشروعة من الأصل لا يجوز انتزاع العلة منه مثل أن يقيس على أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم به وكذا لو كان الأصل قد ورد بتخصيصه الشرع ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبى حنيفة غير الرسول على الرسول ﷺ في جواز النكاح بلفظ الهبه.
والرابع: أن يكون الوصف الذى علل به لا يجوز التعليل به مثل أن يجعل العلة اسم لقب أو نفى شئ على قول من لا يجيز ذلك أو شبها على قول من لا يجيز قياس الشبه أو وصفا لم يثبت وجوده في الأصل أو في الفرع.
والخامس: أن لا تكون العلة مؤثرة في الحكم وهذا قد سبق.
стр. 715
والسادس: أن تكون العلة منتقضته وهى أن توجد وبها حكم معها والكلام في هذا سيأتى.
والسابع: أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك في الحكم ويقاس على الأصل والكلام يأتى في هذا أيضا.
والثامن: أن لا توجب العلة حكم به الأصل وذلك أن يفيد الحكم في الفرع بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل فيدل ذلك على فسادها وذلك مثل أن يقول الحنفي في إسقاط تعيين النية في رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى التعيين كرد الوديعة وهذا لا يصح لأنه لا يفيد في الفرع غير حكم الأصل لأنه يفيد في الأصل إسقاط التعيين مع وجوب أصل النية ومن حكم النية أن يثبت الحكم في الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه.
والتاسع: أن يعتبر حكما بحكم مع اختلافهم في الوضع وهو الذى تسمية الفقهاء فساد الوضع والاعتبار وذلك مثل أن يعتبر ما بنى على التخفيف على ما بنى على التغليط وما بنى على التغليط على ما بنى على التخفيف وما بنى على التضعيف والتأكيد بما بنى على خلافه وسيأتى هذا أيضا.
والعاشر: أن يعارضها بما هو أقوى منها فيدل ذلك على فسادها.
وهذه الوجوه ذكرها الشيخ أبو إسحاق رحمة الله تعالى في اللمع أوردتها على سبيل الاختصار وحين أذكر وجوه الاعتراض الصحيح على العلة ووجوه الاعتراض الفاسدة يدخل أكثر هذه الوجوه في أثناء ذلك فأما المسألة التي قصدناها وهى مسألة تخصيص العلة وهى داخلة فيما تفسد به العلة فنقول: اختلف العلماء في تخصيص العلل الشرعية وهى المستنبطة دون المنصوص عليها فعلى مذهب الشافعى وجميع أصحابه إلا القليل منهم لا يجوز تخصيصها وهو قول كثير من المتكلمين وقالوا تخصيصها نقض لها ونقضها يتضمن إبطالها.
وقال عامة العراقيين من أصحاب أبى حنيفة: يجوز تخصيصها وأما عامة الخراسانيين فإنهم أنكروا تخصيصهاوذهبوا إلى ما ذهبنا إليه.
وقال أبو منصور الماتوريدى السمرقندى القول بتخصيص العلة باطل ومن قال بتخصيص العلة فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث فأما أبو زيد فإنه قال بتخصيص العلة أو ادعى أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه واختلف أصحاب مالك في ذلك أيضا
стр. 716
وقال بعضهم بجوازه وأنكر بعضهم جوازه١ وقال بما ذهبنا إليه.
ومثال التخصيص في العلة ما صار إليه أصحاب أبى حنيفة فإنهم قالوا: إن علة جريان الربا في الذهب والفضة هو الوزن وجعلوا لذلك فروعا من الموزنات ثم جوزوا إسلام الدراهم في الزعفران والحديد والنحاس مع اجتماعهما في الوزن يحكم بتخصيص العلة فانتقضت العلة عندنا واحتج من أجاز تخصيص العلة وقال: إن العلل الشرعية أمارات وليس بموجبات وإنما صارت أمارات بجعل جاعل ونصب ناصب فجاز أن تجعل أمارات للحكم في عين دون عين كما جاز أن نجعل أمارة في وقت دون وقت وربما عبروا عن هذا وقالوا العلة أمارة على الحكم فجاز وجودها في موضع ولا حكم كما جاز وجودها قبل الشرع ولا حكم.
ببينة: أن الدليل الشرعى الظنى يجوز أن يكون دليلا في موضع دون موضع.
ألا ترى أن خبر الواحد يكون دليلا عند عدم نص القرآن قالوا: ولأن تخصيص العلة المنصوصة جائز فكذلك العلة المستنبطة وهذا لأن ما يجوز على الشئ وما يستحيل جواز على الشئ لا يختلف بحسب اختلاف طرقه ولم يوجدفى العلتين إلا اختلاف الطريق فإن الطريق في أحدهما النص وفى الآخر الاستنباط وليس هذا مما يوجب الاختلاف بعد أن يكون كل واحد علة ومما اعتمده الأصولين في جواز تخصيص العلة هو أن العلة الشرعية أمارة بوجدها في بعض المواضع من دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة لأن الأمارة ليس يجب وجود حكمها معها على كل حال وإنما الواجب أن يكون الغالب مواصلة حكمها معها وليس يبطل هذا الغالب بتخلف حكمها عنها في بعض المواضع.
والدليل عليه أن وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة لكونه في دار الأمير ولا يخرجه عن كونه أمارة على ذلك أن لا يكون القاضى في بعض الحالات في دار الأمير ويرى مركوبه على بابه. ألا ترى أنا نرى مرة مركوب القاضي على باب الأمير ولا يكون القاضي هناك فإن رأينا مرة أخرى مركوبة على باب الأمير غلب على ظننا كونه في داره ولم يمنع تخلف المرة من وجود الظن وغلبته وكذلك الغيم الرطب في الشتاء أمارة للمطر وقت يخلف في بعض الأحايين ولا يدل إخلافه في بعض الأحايين
стр. 717
أو ليس بأمارة.
قال أبو زيد في تقويم الأدلة: زعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص نقضا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط لغة وشريعة وإجماعا وفقها أما اللغة فلأن النقض اسم لفعل يرد فعلا سبق على سبيل المضادة كنقض البيان ونقض كل مؤلف ونقض العقد كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم. ألا ترى: أن نقض الخصوص العموم ونقيض النقض البناء والتأليف وأما الشريعة فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها والخصوص جائز على عموم النص فتبين أنه لم يكن دخل تحت الجملة ولم يرد به في الابتداء ألا ما بقى بعد الخصوص إلا أنه نقض بعد الثبوت.
وأما الإجماع فلأن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف القياس فخص النص عن موجب القياس ولولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك والشافعى يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولا بها عن القياس.
وأما الفقه فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئا غير أن سماه علة ويمكنه الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن يضيف العدم إلى مانع ودليل قام عليه دون فساد العلة وإنما عبروا عن هذا وقالوا إذا علمنا وصفا من جملة المنصوص أنه علة ثم وجدناه في موضع ولا حكم معه فعلم ضرورة أن مانعا يمنع من الحكم وهذا كما أن ما يضاد العبادات وجدناه مبطلا للعبادة ثم إنا وجدنا أكل الناسى وهو مضاد للصوم لا يبطل الصوم علمنا ضرورة أن مانعا منعه من العمل وكذلك وجدنا بيع من هو من [أهل البيع مزيلا للملك] ١ من البائع فإذا وجدنا بيعا فيه خيار البائع ولا يزيل الملك مع [....] ٢ محله علمنا ضرورة أن مانعا منعه من العمل.
ببينة: أنا نرى [فى العلل المحسوسة أنها] ٣ توجد ولا يوجد الحكم لمانع لها من العمل فإن النار علة الاحتراق والنار توجد ولا إحراق لمانع منعها من العمل فإن النار لم تحرق إبراهيم صلوات الله عليه وكذلك لا تحرق الطلق٤ ولا يحرق الذهب والفضة فإذا
стр. 718
جاز هذا في العلل الحسية فلأن يجوز في العلل الشرعية أولى.
وأما دلائلنا في منع تخصيص العلة فنبدأ بما ذكره الأصوليون من المتكلمين قالوا: معنى قولنا لا يجوز تخصيص العلة هو أن تخصيصها يمنع من كونها أمارة وطريق إلى الحكم وإذا بينا أن تخصيصها يمنع من كونها طريقا إلى الحكم فقد تم ما أردناه.
وبيان أنه يمنع: أنا إذا قلنا علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا كونه موزونا.
قلنا: إن بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا لا يجوز مع وجود الوزن فالقائل لذلك لا يخلو إما أن يقول نص أو يقول ذلك بعلة تقضى إباحة هى أقوى من علة بتحريم بيع الذهب بالذهب.
فإن قال علمت ذلك بعلة وهى أنى أقيس الرصاص على أصل مباح.
فيقال له: بأي معنى تقيس فإن ذكر وصفا من أوصاف الرصاص وقاسه على سائر الأصول التي يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا فإنا إنما نعلم حينئذ حرمة بيع الذهب باذهب متفاضلا بالوزن وبعدم ذلك الوصف الذي جعله علة للإباحة فتبين أنا نعلم بعد التخصيص أنا لا نعلم تحريم شئ بكونه موزونا فقد وأنت جعلت العلة هي الوزن فإن قال: الخصم الأمر كما قلتم غير أنى لا اشترط نفى ذلم الوصف في كون الوزن علة يقال: له سلمت أن العة ليست هى الوزن فقط فهو الذي نريده فإنه لابد من اعتبار نفى وصف آخر. فنقول لك: هلا اشترطت نفى ذلك الوصف؟ فإنك إذا لم تشترط أوهمت أن العة هي الوزن فقط وقد سلمت فساد كون ذلك علة فقط.
فإن قال: أنا لا أشترط غير أن لا أسمية جزءا من العلة وإن كان التحريم لا يحصل بدونه.
يقال له: قد ناقضت في هذا الكلام لأنك قد اشترطته في التحريم. ثم نقضت ذلك بقولك لا أسمية جزءا من العلة مع أنك وافقت في المعنى وخالفت في الاسم.
فإن قال: علمت إباحة بيع الرصاص بنص
يقال له: هل علمت علة إباحته. فإن قال: علمت فالقول في ذلك قد تقدم وإن قال: لا أعلم علة إباحته. فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا يتعداه لأنها لو تخطته لوجب في الحكمة أن ينصب الله تعالى علمنا على ذلك. لنعلم ثبوت حكمها فيما عدا الرصاص وإذا كان كذلك لم يعلم تحريم بيع الذهب بالذهب إلا لأنه موزون وأنه ليس برصاص. فيبطل بهذا الوجه أيضا أن تكون العلة هى الوزن فقط فثبت أن
стр. 719
التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة والذى يبين هذا أيضا أن الإنسان لو استدل على طريقة في برية بأميال منصوبة ثم رأى ميلا لا يدل على طريقه وعلم أنه لا يدل على طريقه لأنه أسود. فإنه لا يستدل بعد على طريقه بوجود ميل دون أن يعلم أنه غير أسود فقد صح بما أردناه أن تخصيص العلة يخرجها عن كونها أمارة على الحكم ثم الذي يؤيد صحة هذه الطريقة العلل العقلية فإن تخصيصها لا يجوز بالإجماع والعلل الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل. فلما لم يجز تخصيص العلة العقلية كذلك العلة الشرعية.
فإن قالوا: إنما لم يجز تخصيص العلة العقلية لا لإن الدلالة دلت على تعليق الحكم بها بل لأنها موجبة بنفسها فلا يجوز أن لا يتبعها حكمها إذا وجدت وأما العلة الشرعية أمارة والأمارات يتبعها حكمها وقد لايتبعها.
قالوا: ولا نسلم أن العلة الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل [ويمكن] ١ أن يجاب عن هذا فيقال: إن العلل الشرعية موجبة أيضا مثل العلل العقلية ولا فرق عندنا [بين] ٢ العلل الشرعية والعلل العقليه. فإن العلة قط لا تكون علة بنفسها إنما تكون علة بالشرع ولولا الشرع لو لم يعرف ثبوت [شيء و] ٣ لا انتفاؤه ولا تحليل شئ ولا تحريمه بالعقل بحال وعلى قول من يقول: إن العقل موجب يقال: لهذا السائل أيضا إنكم تقولون إن الشرائع مصالح والعلل الشرعية وجوه المصالح ووجوه المصالح موجبات أيضا فلا يجوز تخصيصها أيضا كما سلمتم من العلل العقلية.
وقد قال الأصحاب: إن العلل الشرعية وإن صارت عللا بالشرع إلا أنها بعد ما صارت عللا بمنزلة العقلية في وجوب الحكم بوجودها فوجب أن تكون بمنزلتها في أن تخصيصها يوجب فسادها.
دليل آخر: وهو أن العلة طريق في إثبات الحكم في الفرع فإنا إذا علمنا أن الوصف علة الأصل ودل الدليل على التعبد بالقياس. فإن الوصف يكون طريقا إلى العلم بحكم الآخر لأن طريق العلم بالشئ أو الظن له لا يجوز حصوله في أشياء. فيكون طريقا إلى العلم أو الظن بأحدهما ولا يكون طريقا إلى ذلك في الآخر والدليل
стр. 720
على أن الطريق لا يختلف فإن من ظن أن زيدا في الدار بخبر رجل بعيد من الكذب. فإنه لا يجوز أن يخبره ذلك الرجل بكون عمرو في الدار. ثم لا يظنه صادقا وإذا وجب ذلك في الأخبار فلأن يجب ذلك في الأمارات التي دل عليها الدليل أولى.
دليل آخر ثالث للفقهاء وهو: أن وجود العلة مع عدم حكمها مناقضة والمناقضة من آكد ما يفسد به العلة لأنه يفضى إلى العبث والسفه.
والدليل على أن هذا مناقضة أن العقلاء يعدونه مناقضة مفسدة حتى العوام منهم لأن قائلا لو قال: سامحت فلانا لأنه بصرى ثم لم يسامح غيره من البصريين يقول له الخواص والعوام زعمت أنك سامحت فلانا لأنه بصر فهذ بصري فهلا سامحته؟
فإن قيل: لو اعتذر عن هذا فهلا سامحته فإن قيل: لو اعتذر عن هذا وقال: لم أسامح فلانا وإن كان بصريا لأنه عدوى صح عذره ولم يكن لأحد أن يلزمه نفى اللعداوة في غلبة الأولى. قيل له: يجوز أن يلزم ذلك. فيقال: هلا قلت سامحت فلانا لأنه بصري ولأنه صديقي.
فإن قيل: [العلة] ١ المؤثرة لا يتصور انتقاضها. قلنا: إذا ورد عليها النقض دل أنها ليست بمؤثرة.
فإن [قالوا: إن الحكم] ٢ في صورة النقض ثبت بخلاف هذا الحكم بعلة أخرى لا بهذه العلة قلنا: وإذا [....] ٣ علة أخرى من علة والانتقال من علة إلى علة أمارة ضعف [الحكم.... جواز] ٤ صوم غير رمضان بالنية قبل الزوال وقال صوم يتأدى بنية متقدمة على وقت الشروع فيه فيتأدي بنية متأخره عن وقت الشروع فيقال بنتقض بالقضاء فمن يقول بتخصيص العلة يقول في القضاء منع مانع من الجواز
فإذا قيل له: ما المانع؟ يقول: المانع هو أن الإمساك موقوف على الصوم المشروع في ذلك الوقت وهو النفل فلا يجوز رد تنفيذه على صوم آخر بخلاف صوم رمضان فإنه يوقف الإمساك على الصوم المشروع فيه وهو صوم الفرض. فيجوز تنفيذه عليه وهذه علة أخرى سوى العلة الأولى وقد تطلب هذه العلة. فمن ارتكب مثل هذه المناقضة
стр. 721
ولم يبال بمثل هذا الانتقال. قلنا: من ضعفه على ضعف غيرته وقلة تصيرته في معنى الفقه والجملة أن النقض لا يلزمه إلا الضعف.
وقد قيل: أيضا إن من لم يبال بانتقاض علته يلزمه القول بتكافئ الأدلة وهو ساقط بالاتفاق.
وبيان ذلك: أن من قال في محاولة تحليل النبيذ هو مائع فيحل شربه كالماء والمعلل غير مبال بلزوم الخمر نقصا لأنه يقول بتخصيص العلة فللمعترض أن يقول مائع فيحرم كالخمر ولا يبالى بالنقض بالماء لأنه يقول بتخصيص العلة فيتكافأ الدليلان وليس أحدهما بأولى من الآخر وقد اعترضوا على هذا وقالوا بطلان هذين التعليلين إنما كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسلك المعانى والأشباه المعتبرة والنطق بمثل هذا باطل.
ونحن نقول: إنما قلتم معنى مبطل وما قلناه أيضا معنى مبطل فبطلت العلة من وجهين. وقد قال: أصحابنا إن القول بتخصيص العلة يؤدى إلى ما ذكرناه من تكافئ الأدلة يؤدى أيضا إلى أن يتعلق بالعلة الواحدة حكمان متضادان وذلك أنه إذا وجدت العلة في أصلين واقتضت التحليل في أحدهما دون الآخر لم ينفصل من علق عليهما التحليل في الفرع اعتبارا بأحد الأصلين ممن علق عليها التحريم في ذلك الفرع اعتبارا بالأصل الآخر فيتكافأ الدليلان ويستوى القولان وهذ لا يجوز وفى المسألة كلام كثير ونحن رأينا الاعتمادد على هذه الدلائل الثلاثة وهى أقوى ما يعتمد عليها وقد أيد ما قلنا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] والنقض من الاختلاف فدلت المناقظة على أن الدليل ليس من عند الله تعالى وما لا يكون من عند الله لا يكون حجة في حكم الجواب
قلنا: أما قولهم: إن العلل الشرعية أمارات بجعل جاعل.
قلنا: من تعنى الجاعل إن عنيت المعلل فلا نسلم أنها صارت علة بجعل الجاعل.
بل هى علة شاء المعلل أم أبى وقد يقصد المعلل إثارة حكم فيظهر العلة المؤثرة بغير ذلك الحكم وإن عنيت بجعل الشرع فمن أين لكم أن الشرع جعل هذا أمارة في موضع دون موضع؟ ثم نقول: الأمارة المعتبرة لنا الحكم عليها الأمارة اللغوية للظن وبالنقض يذهب قوة الظن أو يقال: هو أمارة بشرط أن لا ينتقض كما هو أمارة بشرط أن لا يعارضها نص كتاب أو نص خبر وأما تعلقهم بالعلة المنصوبة قلنا: من
стр. 722
أصحابنا من قال: لا يجوز تخصيص العلة المنصوص عليها١ لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة ومتى وجدناها مع عدم الحكم علمنا أنها بعض العلة غير أنا لا نقول: إن العلة الشرعية منقوضة لأن الشرع لا تناقض في كلامه فإذا كان مخصوصا علمنا أنه لم ترد كل العلة وأما المعلل يجوز أن يناقض. فإذا أطلق التعليل ودخل التخصيص وهو مناقضة كما بينا علمنا أن ما ذكره ليس بدليل أصلا إن سلمنا أن تخصيص العلة التي نص عليها يجوز ولا يجوز تخصيص العلة المستنبطة فالفرق بينهما أن العلة المنصوصة دليل صحتها النص فحسب وقد وجد فصحت وأما العلة المستنبطة فدليل صحتها التأثير أو الجريان على ما سبق وبالتخصيص بطل الجريان ويبطل التأثير أيضا لأنه تبين أنه ليس بأمارة أو تبين أنه لا يفيد قوة الظن وإنما صارت العلة علة لقوة الظن فإذا فات الظن فاتت العلة.
وأما كلامهم الذي اعتمدوا عليه: قلنا: لا ننكر أن توجد الأمارة في بعض المواضع من غير حكمها لكن إذا علمنا انتفاء حكمها في بعض المواضع العلة من العلل شرطنا في كونها أمارة انتفاء تلك العلة وانتفاء الموضع الذي لم يوجد حكم العة فيه حكمها ولا يكون العلة المذكورة طريقا إلى الحكم إلا إذا علمنا انتفاء ما شرطنا انتفاؤه وعلى أن بطلان العلة لمكان التخصيص أثبتناه بوجود المناقضة في كلامه أو لفوات التأثير الذى هو المعتمد في صحة العلة وفى المواضع التي استشهدوا بها في الحسيات ليس الموجود بكلام حتى يكون مناقضا وأما على قولنا: إن التأثير يفوت بالتخصيص فإنما أردنا بالتأثير قوة الظن وكذلك نقول في تلك المواضع إن قوة الظن تفوت خصوصا إذا تكرر رؤية دابة القاضى على باب الأمير من غير أن يكون القاضى ثم وكذلك إذا تكرر وجود الغيم ولا مطر والإشكال مع ما قلناه قائم لأنه تمكن دعوى زوال الأمارة في الغيم الرطب وفي الموضع الآخر بوجود الإخلاف مرة أو مرتين فكذلك في مسألتنا وجب أن لا تزول الأمارة بوجود التخصيص في موضع أو موضعين إلا أنا نقول: لابد أن تضعف الأمارة بما ذكرنا ولابد من توفر القوة من كل وجه لأن هذا ظن يثير حكما شرعيا فلا بد من بلوغه نهاية القوة وأن لا يتوهم في الظن قوة وراء قوته حتى يصح تعليق الحكم الشرعى به وذلك بوجود الإطراد حتى لا يخلف هذه الأمارة في موضع ما. فإذا اختلف لم يتوفر للحكم القوة من كل وجه وهذا جواب حسن
стр. 723
اعتمدته وهو بمحل الاعتماد.
فإن قال قائل: أليس أنكم لم تجعلوا الإطراد على صحة العلة.
قلنا: الدليل الأصلى في صحة العلة هو التأثير إلا أن الإطراد شرط لما ذكرنا وهو أولا يضعف الظن فوجب ترك تعليق الحكم به وأما الذى ذكره أبو زيد فليس فيه كبير دليل.
وقد بينا دلائل سوى ما ذكرناه وبينا وجه تأثير التخصيص في العلة [وأنا نقول: إن تخصيص العام المطلق لا يجوز كما لا يجوز تخصيص العلة المطلقة أن كل واحد منهما دليل] ١ والذي تعلق به من جواز تخصيص العموم.
فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن تخصيص العام من أدلة الشرع والدليل إذا اختلفت عدالته بطلت شهادته وإنما يجوز تخصيص العام المقيد ويتبين عند وجود علم التخصيص أنه كان مقرونا في الابتداء ولا يكون ذلك نقضا لدلالته وإنما كان النقض أن يقال: كان مطلقا مقيدا. وهذا الجواب فيه نظر على المذهب.
والجواب الثاني: إن لفظ العموم لفظ لغوى يجوز أن يشتمل على كل ما يصلح أن يكون أسما له ويجوز أن يشتمل على بعضه.
ألا ترى: أن أهل اللغة يستعملون ذلك على كلا الوجهين ولهذا نقول إذا ورد في الابتداء لابد من النظر في الأدلة. ثم إذا لم نجد مخصصا يعتقد عمومه فصار اللفظ العام محتملة لا يستقر قرار المراد بنفسه إلا بعد السير والنظر في الأدلة فلم يمتنع بذاته على المخصوص به.
واما المعنى فشئ له مقصود خاص. فمتى قام الدليل على صحته بالتأثير استقر المراد به. فلا يجوز أن يختلف المعنى المؤثر وهذا اختلف تغيرت صفته وأذا تغيرت صفته تغيرت سمته. وعندي أن الجواب بحرف واحد وهو أن العام كان حجة فيما يتناوله بنفس تناول اللفظ له وذلك التناول فيما وراء المخصوص لا يبطل بالتخصيص وأما
стр. 724
العلة كانت حجة بالتأثير المفيد لقوة الظن وهذا يبطل ويفوت بالتخصيص وعلى هذا يظهر الجواب عن العلة المنصوصة أيضا لأن صحتها بالنص لم يضره التخصيص الواقع عليه.
وأما المستنبطة فصحتها بالتأثير وشرطها الجريان لئلا تضعف قوة الظن الواقع بها فيمتنع تعليق الحكم به وعلى أن طائفة من أصحابنا سووا بين العلتين في المنع من التخصيص وعلى التسليم قد ظهر الجواب ظهورا قويا وقد سلم أبو إسحاق المروزى وأبو العباس بن القاص وفرقا بشئ طويل على ما هو سمت كلام المتقدمين وحرف الجواب ما قدمنا وفيه بلاغ ومقنع.
وقد قال بعضهم: إن الشافعى في إنكاره تخصيص العلة مناقض لأنه قال بتخصيص العلة في مسائل كثيرة: منها أنه يقول: إن الواجب على متلف اللبن مثله قياسا على إتلاف كل ماله مثل. ثم خص هذا الأصل في المصراة فأوجب في اللبن المستهلك فيها صاعا من تمر ومنها: أنه علل تحريم الخمر للشدة وقاس عليها تحريم النبيذ وللخمر ثلاث أحكام التحريم والتفسيق والحد وطرد علته في الفرع في الحد ولم يطرد في التفسيق. فإنه لم يرد شهادة شارب النبيذ ولم يحكم بفسقه وأيضا فإنه خص علة الزنا في مسألة العرايا.
وجوز العقد من غير وجود المماثلة كيلا أو كذلك قد خص ضمان الجنين بالغرة مع مخالفته سائر أجناسه وكذلك الدابة على العاقلة خص من بين المواضع ولا يوجد لها نظير في موضع ما وأمثال هذا كثير وما زال الفقهاء يقولون خص بموضع كذا بدليل كذا وقل ما يوجد أصل من أصول الشرع لم يخص منه موضع.
والجواب وبالله التوفيق: أنا لا ننكر وجود مواضع في الشرع وتخصيصها بأحكام تخالف سائر أجناسها بدليل شرعى يقوم عليه في ذلك الموضع على الخصوص فيقال إنه موضع يمتاز من سائر المواضع يختص بالحكم من غير أن يتعرض لع معنى أصلا فيكون ذلك مسلما لذلك الدليل ولا يصدم أصل ولا يصدم هو أصلا ولا يطلب له معنى قبل ما يطلب سائر المواضع وهذا مثل عوض اللبن في المصراة ومثل مسألة الميزابنه ومسألة تحمل العقل ومسألة الجنين وأمثال هذا فكما لا يقول أنه يقاس عليها من غيرها المواضع بمعنى لا نقول أنه تخصيص به أصل عرف بمعنى والقول الملخص في الباب: أن ما تخص به العلة المعنوية إذا عرف معناها ولابد للمخصص من فارق معنوى من
стр. 725
الموضعين فهذا التخصيص ممنوع منه لأنه إذا افترق الموضعان بعلة معنوية مؤثرة في التفريق تبين لنا أن المعلل في نصبه العلة التي خص منها هذا الموضع لم يستوف الحجة ولم يكمل نظره في بيان العلة لأنه لم يكن له غير استثناء المعنى الذى خص به الموضع المذكور ونظيره من جعل الوزن علة بانفراده في تحريم النساء ثم قال: يجوز أن يسلم الدراهم في الزعفران والحديد والرصاص وبين معنى مؤثرا في جواز ذلك خص هذا الموضع في الجواز مع وجود الوزن في الجانبين فحين ذكرنا معنى مؤثرا في جوازه دل أنه بجعله مجرد الوزن علة لم يستوف النظر ولم يدرك تمام الحجة وكذلك من جعل الطعم علة في تحريم الربا ثم قام للدليل أن الطعم مؤثر مع الجنس حتى أن الحنطة بالشعير يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع وجود علة الطعم فيها دل أنه لم يستوف النظر فإن لم يبين المعلل معنى مؤثرا في الجنسين فنبين عند ذلك أن الجنس محل وشرط وليس بعلة وكذلك نقول وقد ذكرنا في مسألة علة الربا إنه لا تأثير للجنس بوجه ما وأن التأثير للطعم على الخصوص فمن عرف الأصل الذى قد بيناه سهل له الكلام هذا لأن التخصيص عمله في تفويت قوة الظن بالأمارة وإنما يفوت مثل ما يستند المخصوص منه إلى معنى فأما إذا لم يستند إلى معنى أصلا فلا يفوت بذلك قوة الظن وهذا مثل من يقول إن اللبن من ذوات الأمثال لأن المثل أعدل الواجبين وكونه أعدل منه للقيمة لا يشكل على ناظر فبأن استثنى لبن المصراة من هذا الأصل بنص خصه لا يفوت قوة الظن في سائر المواضع وكذلك إذا قلنا: إن غير الجانى لا يوجد بضمان الجناية فإذا خص هذا الأصل بإيجاب الدية على العاقلة وتحميلهم إياها وسلم ذلك النقض لا يفوت قوة الظن في سائر المواضع وعلى عكس هذا إذا قال: إن الوزن علة الربا ثم قال: إسلام الدراهم في الموزونات تجوز ورام التفريق بين الوزن والكيل في أن الكيل بانفراده يحرم النساء والوزن بانفراده ولا يحرم النساء في هذه الصورة وفرق بما ذكروا من أن الوزن في أحدهما يشبه الكيل والوزن في الآخر لا يشبه الكيل أو قال: إن الوزن في أحدهما وزن الأثمان وفى الآخر وزن المثمنات ثم كان قد جعل أصل الوزن علة فعلى القطع نعلم أنه يزول قوة الظن في كون الوزن علة وقد ذكر بعضهم الكتابة الفاسدة في مسألة البيع الفاسد من هذا الجنس وقال: إذا قلنا: إن البيع الفاسد ليس بسبب شرعى فلا يفيد الملك الشرعى فإذا ألزم الخصم عليه الكتابة فيقال للملزم أتعرف بخروج الكتابة الفاسدة عن قاعدة المعانى أم تدعى جريانها على سمت المعاني؟
стр. 726
فإذا ادعى جريانها على المعنى فلا شك أنه لا يمكنه الوفاء به وإن سلم أنها خارجة على قاعدة المعانى الشرعية وصار يطلب فارقا معنويا بين البيع الفاسد والكتابة. فقال للمعلل: إن النقض إنما يلزم المعلل من جهة أنا نطالبه بطرد المعنى في كل موضع يوجد فيه فإذا سلمت أن النقض خارج حائد عن مسلك المعانى لم يدخل على الأصل المعنوى ولم يبطل به ذلك المعنى ولا فات به قوة الظن وهذا مثل إيجاب الدية على العاقلة لا يرد نقضا على الأصل الذى قلناه من قبل وهذا لأن الشاذ لا يورد نقضا على الأصول الكلية بل يترك الشاذ على شذوذه ويحكم بخروجه عن المنهاج المستقيم على قواعد الشرع بدليل دل على ذلك ولا يحكم بمصادمته أصلا كما لا يحكم بمصادمته أصل أياه وعلى هذا مسألة المزابنة وجعل الخرص سببا لمعرفة المماثلة والخلاص به عن الربا وعلى هذا مسألة الجنين وإيجاب الغرة من غير أن يعرف للجنين حياة ومن غير أن يبلغ بالواجب ضمانات النفوس ومن أحكم ما قدمناه سهل عليه الخروج عن مثل هذه المسائل واعلم أن هذه المسائل ليست ترد على الأصل الذى قدمناه وقد اختار أبو زيد في هذه المسائل جواز القول بتخصيص العلة واستدل بما قدمناه ثم سأل على نفسه سؤالا فإن قيل: لو جاز القول بتخصيص العلة ما اشتغل أهل النظر بالجواز من النقوض كما في العمومات ولاكتفوا بقولهم كانت علتى توجب كذبا فخصصها بدليل وبالإجماع لا يكتفى بذلك وأجاب وقال: إنما لم يكتفوا لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأى ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل عدم الحكم لفساد العلة واحتمل لمانع ولم تثبت جهة الانعدام لمانع بنفس الدعوى حتى تقيم عليه الدلالة بإظهار المانع في تلك الحادثة دون هذه وأما النظر فلا يحتمل الغلط فلا ينبغى لإنعدام الحكم مع وجود النص إلا الخصوص الذى يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى أن يثبت هذا الوجه ثم قال: وفرق ما بيننا وبينهم في الخروج عن المناقضة أنا خرجنا عن المناقضة بمعنى فقهى وهم خرجوا بلفظ سمعى إلا أن الدفع باللفظ يسير لآنه ظاهر محسوس والمعنى عسر لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر الميسر ولعمرى لو أنصفوا وعدلوا أنفسهم على ترك المعنى الفقهى بسبب الحرج الذى يلحقهم لشكروا من تحمل المشقة وجاهد هواه حتى وصل إليه وذكر في هذا كلاما طويلا ولا حاجة إليه ونحن قد بينا الدلائل المعتمدة في منع تخصيص العلة فيبقي أن يكون الكلام على ذلك والله أعلم.
стр. 727
فصل: ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم يثبت الحكم فيها في الاصل
...
"فصل"
قد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم بثت الحكم فيها في الأصل قالوا كما يجوز أن يثبت الحكم في الأصل بالنص ويستخرج معنى من الأصل ويعدى إلى الفرع وهذا مثل من يقول في أن الشهادة على السرقة لا تقبل عند تقادم العهد بأنه حد من حدود الله تعالى كحد الزنا وليست العلة في الأصل هذا لكن العلة في الأصل توهم الطعن في شهادتهم لأنهم لما لم يشهدوا فقد اختاروا الستر فإذا شهدوا بعد ذلك فالظاهر أنه حملهم على ذلك طعن وهذا لا يوجد في البينة على السرقة لأنه لا بد من الدعوى ولكن قاسوا السرقة على الزنا في المعنى الذي يثبت به الحكم في الأصل.
وأما عندنا فالتعليل بمثل هذا باطل لأن إقامة الدليل على صحة العلة لابد منه على ما سبق من قبل ولا يمكن إقامة الدليل على صحة هذه العلة لأن التأثير لا يوجد بحال فإنه إذا لم يمكن الحكم به ثبت في الأصل بتلك العلة فكيف يوجد تأثيرها ولا يجوز أن يستدل على صحتها بفساد ما عداها لأن العلة الأخرى صحيحة لم يفسد ما عداها ولا يمكن أن يستدل على صحتها عليها بأن الحكم يوجد بوجودها في الأصل وينتفى بانتفائها لأنا نعلم أنها لو وجدت في الأصل بدون العلة الأخرى لم يثبت لها الحكم وإذا لم يثبت لها الحكم لم ينتف بانتفائها فدل أنه لا دليل على صحة العلة وإذا لم يدل الدليل على صحتها فبطل بهذا الوجه والله المعين بمنه.
стр. 728
فصل: وجوه الاعتراض على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك
...
"فصل"
وحين ذكرنا في العلل وأوردنا ما يصح منها نذكر الآن:
وجوه الاعتراض الصحيح على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك:
اعلم أن العراقيين من أصحابنا ذكروا أن ما يعترض به على القياس من وجوه.
أحدها: الاعتراض بأن الحكم الذي نصبت له العلة لا يجوز إثباته بالقياس.
الثاني: الاعتراض عليه بأن ما جعله أصلا لا يجوز أن يكون أصلا.
والثالث: الاعتراض بأن ما جعله علة لا يجوز أن يكون علة.
والرابع: الاعتراض بالممانعة في الأصل.
стр. 729
والخامس: الاعتراض بالممانعة في الوصف.
والسادس: الاعتراض بعلة تصحيح العلة.
والسابع: الاعتراض بالقول بموجب العلة.
والثامن: الاعتراض بعدم التأثير.
والتاسع: الاعتراض بالنقض.
والعاشر: الاعتراض بالكسر.
والحادى عشر: الاعتراض بفساد الوضع.
والثانى عشر: الاعتراض بالقلب.
والثالث عشر: الاعتراض بالمعارضة.
قالوا: إن أول ما يبدأ به السائل من الاعتراض أن ينظر في المختلف فيه هل يجوز إثباته بالقياس فيمنع من القياس إن كان لا يجوز أثباته بالقياس ثم ينظر في الأصل هل يجوز أن يعلل ثم ينظر في العلة هل يجوز أن يكون مثله علة ثم يذكر الممانعة في الأصل إن لم يكن ملما ثم يطلب تصحيح العلة في الأصل ثم يقول بموجب العلة إن أمكنه ثم ينقض ومن الناس من يقدم النقض على موجب العلة ثم يأتى على ما بقى من عدم التأثير والكسر وفساد الوضع ثم يأتى القلب والمعارضة.
قالوا: وإن خالف ما ذكرناه وبدأ يغير ما قلناه جاز وإن كان قد ترك الأحسن إلا في الممانعة والنقض فأنه لا يجوز أن ينقض ثم يمانع لأن التناقض يعرف بوجود العلة وأما المانع فيمنع وجود العلة فإذا مانع بعد المناقضة فقد رجع فيما سلم وهذا لا يجوز ثم قد ذكروا لكل واحد من هذه الاعتراضات أمثلة ثم نذكر طرفا من ذلك فذكروا في وجه الاعتراض بان المختلف فيه لا يجوز إثباته بالقياس أمثلة:
منها: أن يستدل على أمر طريقة العادة والوجود بالقياس.
ومنها: إثبات اللغة بالقياس وعلى هذا قول بعض أصحابنا١.
стр. 730
وقالوا: مثال الأول من يعلل في أن التسمية من الفاتحة أو يعلل لنفيها من الفاتحة.
ومثال الثانى: إثبات الحيض للحامل بالقياس.
ومثال الثالث: إثبات اسم الخمر للنبيذ وإثبات اسم السارق للنباش.
وقال بعض أصحاب أبى حنيفة: إن التعليل لإثبات كون الفراق والسراح١ صريحين تعليل لإثبات اللغة بالقياس ولا يصح وكذلك التعليل لإثبات أصل مثل المساقاة لا يصح لأن الأصول لا تثبت بالقياس وكذلك قالوا: إن الحدود والكفارات لا يجوز إثباتها بالقياس وكذلك الأبدال لا يجوز إثباتها بالقياس مثل استدلال الشافعى رضى الله عنه أن المحصر ينتقل إلى الصوم عند عدم الهدى.
ونحن نقول في الأول وهو مسألة الفراق والسراح أن التعليل لإثبات حكم بالقياس
стр. 731
والحكم هو وقوع الطلاق بهذا اللفظ من غير نية.
ونقول في الثاني: إن إثبات الأصول والجمل يجوز بالقياس كما يجوز إثبات التفاصيل.
وأما الحدود والكفارات فقد بينا الكلام فيها.
وأما الأبدال فعندنا يجوز إثباتها بالقياس إذا أمكن إثباتها على الشريطة التي قلناها وقدمناها من قبل.
وأما الاعتراض بأن من قاس عليه لا يجوز أن يجعل أصلا. فمثاله: أن نقيس على اصل منسوخ مثل صوم عاشوراء فإنه لا يجوز القياس عليه وكذلك إذا قاس غير الرسول على الرسول ﷺ وكذلك القياس على أصل مركب وقد ذكرنا الكلام فيه وقد قال أصحاب أبى حنيفة: إن القياس على المخصوص من الأصل لا يجوز وقد بينا من قبل جوازه إذا أمكن القياس عليه وذلك بأن عرف له معنى يمكن قياس غيره به عليه وأما الاعتراض بأن يقول ما جعلته علة لا يجوز أن يجعل علة فمثال هذا أن يقول جعلت الاسم علة أو جعلت الشبه علة. أو يقول: جعلت صورة المسألة علة أو يقول جعلت نفى صفة علة أو يجعل الاختلاف أو الاتفاق علة والصورة في هذه الأشياء معلومة. وأما مثال قولنا: إنه جعل الاختلاف علة هو قول القائل في زكاة ما لا يؤكل لحمه حيوان مختلف في جواز أكله فيطهر جلده بالذكاة كالضبع والتعليل للكلب.
وأما مثال جعل الاتفاق علة فهو مثال ما قاله الأصحاب في المتولد بين الظباء والغنم حيوان منفصل من حيوان يجب فيه الذكاة بالإجماع فأشبه المتولد بين السائمة والمعلوفة.
واعلم أما قد بينا من قبل أنه لابد من إقامة الدليل على صحة العلة. فكل علة يمكن إقامة الدليل عليه بالوجه الذى قلنا فتلك العلة صحيحة وما لا فلا.
وأما الاعتراض بأن ما جعله حكما للعلة لا يجوز أن يجعله حكما فمثاله أن نقول في حكم العلة فأشبه ولا يبق الحكم فيه. ومنها أن نقول: فاستوى ولا يصرح بالحكم وقد أخبرنا اختلاف الأصحاب في هذا من قبل
وأما الاعتراض بالممانعة في الأصل فمثاله أن يقول القائل في موت أحد المتعاقدين في الإجارة عقد على المنفعة فبطل بموت المعقود له كالنكاح. فيقول السائل: لا نسلم أن النكاح يبطل بالموت بل يتم وقد يكون المنع بأحد القولين للشافعى وبإحدى
стр. 732
الروايتين عن أبى حنيفة وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفه منع الأصل بالقياس الذى يخالف الاستحسان على مذهب أبي حنيفة وهذا منع باطل لأن المذهب عندهم هو الاستحسان والكلام في هذا الأصل يكثر وسنبين من بعد.
وأما الاعتراض بمنع الوصف فمثاله أن يقول القائل في الاستئجار على الحج فعل يجوز أن يفعله الغير عن الغير فيجوز الاستئجار عليه١. فيمنع السائل ويقول لا يجوز عندي أن يفعله الغير عن الغير
فإن الحج يقع عن النائب وكذلك قول القائل في الترتيب الوضوء عبادة يبطلها الحدث فيكون التريب من شرطها. فيقول السائل: عندي لا تبطل الصلاة بالحدث إنما تبطل الطهارة به ثم الصلاة تبطل ببطلانها.
وأما الاعتراض بطلب تصحيح العلة وهذا قد بينا من قبل وقلنا إن المطالبة صحيحة وذكرنا وجه تصحيح العلة ومثاله قول القائل في تحريم النبيذ إنه شراب مسكر ومشتد يدعو قليله إلى كثيره كالخمر فإذا طولب بتصحيح العلة وجب عليه تصحيحها على ما عرف.
وأما الاعتراض بالقول بموجب العلة ومثال ذلك ما يقول الحنفى في مسألة بيع الغائب عقد معاوضة فلا يبطل بعدم الرؤية وإنما يبطل بالجعالة وسنبين بعد هذا في هذا الفصل ما يتصل به.
وأما الاعتراض على العلة بعدم التأثير. ومثاله ما نقول في الثيب الصغيرة حرة سليمة ذهبت بكارتها بالجماع فلا يجوز نصر رضاها كالبالغة. فيقول المخالف: ذهاب البكارة لا تأثير له في الأصول ألا ترى أن في المال وفى الولاية على الغلام لا فرق بين الثيب والبكر وقد بينا أن إثبات العلة واجب وسبيل المجيب أن يبين التأثير في مثال آخر وذلك قول القائل في الاستنجاء أنه لابد فيه من العدد فيقول عبادة تتعلق بالأحجار لم يتقدمها معصية فوجب فيها التكرار كرمى الجمار.
فيقول السائل: لا تأثير لقولك لم يتقدمها معصية لأن ما تقدمته معصية وما لم يتقدمة معصية نحو باب العدد سواء. ألا ترى أن الاستنجاء لا فرق فيه بين أن يتقدمه معصية أو لا يتقدمه معصية في أن العدد معتبر فيه عندكم. وكذلك في رمى الجمار
стр. 733
وقد عد المشايخ المتقدمون هذا السؤال في نهاية القوة وأبطلوا به العلة. ونحن نقول إن مثال هذه العلل من نوع الطرديات والصور ولا يجوز تعليق الحكم بها بوجه ما. وقد ذكر الجدليون في هذا النوع من السؤال كلاما كثيرا وكتب الجدل مملوءة من ذلك ولم أر للإتيان بذلك كبير فائدة لأنا إذا قلنا بطرد كل وصف لا يخيل في الحكم ولا يناسبه سقط أمثال هذه الأوصاف إذا دخلت في العلل.
وأما الاعتراض بالنقض فهو: أن توجد العلة في مسألة ولا حكم ومثاله: قول القائل في مسألة الأجرة عقد على المنفعة فلا يجب فيه تعجيل العوض بنفس العقد كالمضاربة فيقول السائل ينتقض بالنكاح وسنبين الكلام في النقض وجوابه.
وأما الاعتراض بالكسر١ فقد سموه نقضا من حيث المعنى. ومثاله: ما يقول القائل في بيع ما لم يره المشترى مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلا يصح بيعه. دليله: إذا قال: بعتك عبدا. فيقول السائل ينكسر بالنكاح وذلك أن يتزوج امرأة مجهولة الصفة عند العاقد ومع ذلك جاز النكاح. قالوا: والكسر سؤال مليح والاشتغال به ينتهى إلى بيان الفقه.
وأما الاعتراض ببيان فساد الوضع فهو أن يتعلق بما يوجب التخفيف تغليظا وبما يدل على التغليظ تخفيفا. ومثاله: قول الحنفى في قتل العمد إنه كبيرة فلا يوجب كفارة كالرده.
فيقول السائل: علقت بها لحكم التخفيف وهو سقوط الكفارة وقد يذكر بلفظ إفساده: ومثاله: قول الحنفى في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به نكاح النبى ﷺ فينعقد به نكاح أمته فيقول السائل هذا اعتبار فاسد لأن الله تعالى خص النبى ﷺ بهذا اللفظ. فقال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فمن جمع بينه وبين غيره بالتعليل فسد اعتباره لأنه تعليل منصوب لإبطال التخصيص الثابت بالقرآن.
стр. 734
واما الاعتراض بالقلب: فمثاله ما يقول القائل في أنه يعتبر الصوم شرطا لصحة الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يكون قربة بنفسه. دليله: الوقوف بعرفة فيقلب السائل فيقول وجب أن لا يكون الصوم شرطا في صحته. دليله ما قاسوا عليه.
وأما الاعتراض بجعل المعلول علة والعلة معلولا فمثاله: قول القائل في ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم فيقول السائل لا يصح ظهار المسلم لأنه صح طلاقة ولكن يصح طلاقه لأنه يصح ظهاره.
وأما الاعتراض بالمعارضة قالوا: قد يكون لعلة مبتدأة وقد يكون بالمعارضة في علة الأصل.
فأما المعارضة بالعلة المبتدأة. فمثاله أن يقول القائل في إزالة النجاسة بغير الماء طهارة تراد للصلاة فلا يصح بالخل كالوضوء فيعارض السائل فيقول هذا معارض بمثله فأقول عين تصح إزالتها بالماء فيصح إزالتها بالخل كالطيب عن ثوب المحرم.
وأما المعارضة في علة الأصل فتكون بالفرق ومثال هذا يكثر وقال بعض أصحابنا: الفرق أفقه شئ يجرى في النظر وبه يعرف فقه المسألة فهذا الذى ذكرناه جملة ما ذكره مشايخنا من وجوه الاعتراض على العلة وبعضهم يزيد وبعضهم ينقص وقد نقلت على ما وجدت في الجدل الذى صنفه بعض المتأخرين وقد استكثر الأصحاب في ذكر الأمثلة لهذه الأسؤلة ولا يعتقد صحة هذه الاعتراضات فإن هذه اعتراضات أرباب الظاهر اقتنع بها من يقتنع بظاهر من الكلام وقل وقوفه على حقائق المعانى ولابد من تنحل الأسئلة ووجوه الاعتراضات حتى يعرف الصحيح من ذلك ويعرف الفاسد ويذكر وجه الجواب الصحيح من الأسؤلة ويذكر الاعتراضات الفاسدة أيضا ووجه فسادها والله المعرف على ذلك والموفق له بمنه.
стр. 735
فصل: اعلم أن الاعتراض على العلة ينقسم إلى الصحيح والفاسد:
فالصحيح يكون بالممانعة وهى السؤال الأول ويكون بفساد الوضع ويكون بالمعارضة ويكون بالمناقضة فهذه أربعة من وجوه الأسؤلة وهى أسؤلة صحيحة وأحسنها سؤال الممانعة وسؤال المعارضة.
стр. 736
وأما المناقضة فقد قال كثير من المحققين أنه لا مناقضة على العلة المؤثرة وكذلك فساد الوضع وسنبين وجه الكلام في جميع ذلك ونبين كيف يوجه ذلك.
أما الممانعة فاعلم أنها أوقع سؤال على المعلل وقيل: إنها أساس المناظرة وبها يتبين الجواب والمجيب من السائل والملزم من الدافع والسائل منكر فسبيله أن لا يتعدى عن دفع حجة الخصم عن نفسه ما أمكنه وعلى هذا ثبتت الخصومة في الدعاوى الواقعة.
ثم الممانعة أقسام:
أولها: منع ما يدعيه الخصم أنه علة فإن من الناس من يتمسك بما لا يصح أن يكون علة فيجعله عله وهذا مثال ما يتمسك المعلل بالطرد وقد بينا أن الطرد لا يصلح أن يكون علة أو يتمسك بالنفى وقد ذكرنا أن النفى لا يصلح أن يكون علة كذلك قول الحنفى في مسألة تبييت النية إنه صوم عين. فيقول السائل: إنه صوم عين لكنه صوم فرض فيقول السائل: لم قلت: إن الصوم العين متى كان فرضا يصلح أن يكون علة في هذا الحكم وكذلك من قال من أصحابنا في هذه المسألة: إنه صوم فرض فيقول السائل: هو وإن كان صوم فرض ولكنه عين. فلم قلت: إن صوم الفرض متى كان عينا يصلح أن يكون علة لهذا الحكم وكذلك من يعلل في نفى الكفارة عن غير الوطء في الصوم. فنقول: إن الكفارة متعلقة بعين الجماع فلا يشارك غير الجماع الجماع في إيجابها كالقضاء في الحج والحد فيمنع السائل ويقول لا أسلم أن الكفارة متعلقة بعين الجماع وإنما هى متعلقة بإفطار كامل لا بالجماع ومن ذلك قول القائل في مسألة الثيب الصغيرة ثيب يرجى مشاورتها فيقول الخصم يرجى مشاورتها برأى قائم أو برأى يحدث أو بأيهما كان. فإن قال: بأيهما كان يبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه وإن قال برأى قائم لم يجد في الفرع ويتبين بهذا حرف المسألة فإن القاطع هو رأى قائم لا رأي سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث والرأى هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ونحن نجيب عن هذا فنقول: وإن لم يوجد رأى في الحال. ولكن يوجد سبب حدوث الرأى فقام سبب الرأى مقام حقيقة الرأى.
وأما المجنونة فقد ذكرنا في المسألة على وجوه يخرج فصل المجنونة وربما يقولون قولكم فلا يجوز تزويجها كرها أيش تعنون به إن قلتم نعنى بدون رأيها ولها رأى
стр. 737
معتبر شرعا فلابد أن تقولوا رأى معتبر ثم لا تجدونه في الفرع ويتبين عند ذلك حرف المسألة وهذه ممانعات عائدة إلى محض الفقه وبهذا السؤال يتبين المحقق من الفقهاء من غيره. ثم وهذه الممانعة بعد أن يقع التسليم لأصل القياس في أنه معلل فإن الأحكام لابد أن تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فمن استمسك بأصل فلابد أن يثبت كونه معللا إلا أنه يقال: هذا إنما يتبين كون الأصل معللا بأن يتجه للشيء معنى يصلح كونه علة أو يدل الدليل على أنه علة فالسؤال الصحيح هو الأول ومتى أثبت المعلل صلاحية كون الوصف علة فقد ثبت أن الأصل معلل ويتبين الجواب عن المطالبة وخرج المعلل عن السؤال وهذا أيضا بعد أن يسلم الحكم في الأصل فإنه ربما يمنع السائل الحكم في الأصل وإذا اتجه السائل منع الحكم في الأصل لفابد للمسؤل من إنبائه والنبأ مقبول من المسئول. بل أن يقول السئول إن لم يسلم الفرع فهذا الفرع مبنى على تسليم هذا الأصل فإن لم تسلمه أنبأته بالدليل.
والقسم الثاني: من المنع: ما يتجه في العلل المركبة وقد ذكرنا وجه ذلك وقد سبق أن المركبات هى من الطرديات التي لا تصلح للاعتماد عليها إلا في بعض الوجوه وهي التي تؤل إلى المعنى.
والقسم الثالث: منع الحكم١ وهو عائد إلى القول بموجب العلة ومثاله أن يقول الحنفى في مسألة بيع الغائب عقد معارضة فلا يشترط في صحته رؤية المعقود عليه فيمنع السائل فيقول: عندي لا يشترط رؤية المعقود عليه أنما يشترط إعلامه وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة مسح الرأس المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل. فيقول: لا أسلم أن الغسل يسن تثليثه إنما يسن إكماله إلا أن إكمال الغسل بالتكرار يكون لضيق المحل ولإكمال المسح الاستعانه لسعة المحل وقد يمانع الحنفى في هذه العلة الحكم من وجه آخر. فيقول في هذه العلة: عندي يسن تثليث المسح لأن المفروض قدر ربع الرأس وعندي يسن مسح جميع الرأس فكان التثليث مسنونا وزيادة ومن منع الحكم قول القائل في مسألة بيع الطعام بالطعام مالان جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض بينهما إذا بيع أحدهما بالآخر كالذهب بالذهب فيقول الخصم القبض ليس بشرط في الأصل وإنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين فرجع إلى حرف المسألة وهذا مثال المنع في الأصل.
стр. 738
والقسم الرابع: يقع الوصف١ فإن التعليل قد يقع بوصف مختلف فيه مثل قول الحنفى في مسألة الإيداع من الصبى له مسلط على الاستهلاك فمنع. ويقال: ليس بمسلط والإيداع ليس بتسليط وكذلك شفعوى المذهب يقول في يمين الغموس معقودة فيمنع السائل ويقول: لا أسلم أنها معقودة.
ويقول الحنفى في مسألة الجنس: إن الجنس حد وصفى علة تحريمه الفضل فيقول السائل لا أسلم أن الجنس علة بل هو شرط بمعنى أو يحل على ما عرف.
قال القاضى أبو زيد:
أقسام الممانعة الصحيحة أربعة:
أولها: الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم ليس بحجة؟
ثم في نفس الوصف الذى يدعيه المجيب علة موجودة أم لا؟
ثم في شروطه.
ثم في كينونته واجب العمل به.
ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة قال:
أما الممانعة في نفس الحجة فما مر من قبل أن كثيرا من وجوه حجج الناس يرجع إلى دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلا فلابد من إثبات الوصف في الأصل والفرع لأنه ركنه. ثم شروط الصحة لأنها تكون سابقة على دليل وجوب العمل به. ثم دليل التأثير الذى يجب به العمل ثم العلة عامة عندنا وكل هذه الممانعات بالإنكار ومطالبة دلالة العلة.
قال: وللممانعة في الشرط فقد ذكرنا شروط التعليل قال: ومانع الشرط من شرط يكون ثابتا بالإجماع. فيقول: قد عدم في الفرع أو الأصل وهذا مثل قول الشافعي في السلم الحال أنه أخذ عوض البيع فيثبت حالا ويؤجلاه كالثمن في البيع فيقول السائل لا خلاف أن من شرط التعليل أن لا يغير حكم النص وأن لا يكون الأصل معدولا به عن القياس بحكمه الذى صار به الدليل دليلا والممانعة والتأثير لأن مجرد الوصف بلا تأثير ليس بحجة فلا يصلح للاحتجاج حتى يتبين تأثيره وإن قال في موضع الخلاف ليس بشرط عندي فنقول: المعترض عندي هو شرط فلا يصلح الاحتجاج به على من لا يراه دليلا.
стр. 739
وأما القول لموجب العلة فهو سؤال صحيح إذا أخرج مخرج الممانعة وقد بينا نظيره ولابد أن توجه القول بالموجب من شريطة وهى إلى مسند الحكم الذى نصب له العلة إلى شئ مثلما يقول حنفي المذهب في ماء الزعفران: ما خالطه طاهر بالمخالطة لا تمنع صحة التوضؤ. فيقول السائل: المخالطة لا تمنع إنما المانع أنه ليس بماء مطلق وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة تمكين العاملة البالغة جنون أحد الواطئين لا يوجب درأ الحد من الموصوف بالعقل كجنون الموطؤة.
فيقول السائل: بل أقول بموجبه فإن عندي الجنون غير مانع فما المانع خروج الوطء عن كونه زنا ففى مثل هذه المواضع يتوجه هذا السؤال.
فأما مع إثباته الحكم من نفى أو إثبات لا يستقيم إلا أن ينتقل السائل إلى مذهبه وقد قال جماعة من الأصوليين: إن القول الموجب ليس بسؤال ولا تبطل به العلة لأنه إذا صحت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تصح العلة وحكمها متفق عليه أولى وسبيل صحته أن يكون الخروج على مسلك المنع والجملة في القول بموجب العلة أن السائل إذا أمكنه القول بموجب العلة مع الاستقرار على الخلاف في الحكم فيتبين به أن المعلل لم يدل في موضع الخلاف ومثاله أن يعلل المعلل في الاعتكاف فيقول لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه نعنى ما دليله الوقوف. فيقول: إن أقول من شروطه معنى ما هو النية فعلى المعلل أن يستدل في موضع الخلاف.
стр. 740
فصل: وأما السؤال بفساد الوضع:
فاعلم أنه سؤال يمكن إيراده على الطرود ويضطر به المعلل إلى إظهار التأثير وإذا ظهر التأثير بطل السؤال وهذا طريق سلكه كثير من أصحابنا المتقدمين وأورد كثير من الأصوليين يرد عند اختلاف موضوع الأصل والفرع وذلك مثل أن يكون الأصل مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويكون الفرع مبتنيا على التغليظ كالوضوء وغسل الرجلين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مخففا أو يكون الأصل مبتنيا على التغليط ويكون الفرع مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مغلطا وقد يأتى فساد الوضع أيضا من اختلاف موضوع العلة والحكم وهو أن يكون مبتنيا على التغليط والآخر على