← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وأما المناقضة فقد قال كثير من المحققين أنه لا مناقضة على العلة المؤثرة وكذلك فساد الوضع وسنبين وجه الكلام في جميع ذلك ونبين كيف يوجه ذلك. أما الممانعة فاعلم أنها أوقع سؤال على المعلل وقيل: إنها أساس المناظرة وبها يتبين الجواب والمجيب من السائل والملزم من الدافع والسائل منكر فسبيله أن لا يتعدى عن دفع حجة الخصم عن نفسه ما أمكنه وعلى هذا ثبتت الخصومة في الدعاوى الواقعة. ثم الممانعة أقسام: أولها: منع ما يدعيه الخصم أنه علة فإن من الناس من يتمسك بما لا يصح أن يكون علة فيجعله عله وهذا مثال ما يتمسك المعلل بالطرد وقد بينا أن الطرد لا يصلح أن يكون علة أو يتمسك بالنفى وقد ذكرنا أن النفى لا يصلح أن يكون علة كذلك قول الحنفى في مسألة تبييت النية إنه صوم عين. فيقول السائل: إنه صوم عين لكنه صوم فرض فيقول السائل: لم قلت: إن الصوم العين متى كان فرضا يصلح أن يكون علة في هذا الحكم وكذلك من قال من أصحابنا في هذه المسألة: إنه صوم فرض فيقول السائل: هو وإن كان صوم فرض ولكنه عين. فلم قلت: إن صوم الفرض متى كان عينا يصلح أن يكون علة لهذا الحكم وكذلك من يعلل في نفى الكفارة عن غير الوطء في الصوم. فنقول: إن الكفارة متعلقة بعين الجماع فلا يشارك غير الجماع الجماع في إيجابها كالقضاء في الحج والحد فيمنع السائل ويقول لا أسلم أن الكفارة متعلقة بعين الجماع وإنما هى متعلقة بإفطار كامل لا بالجماع ومن ذلك قول القائل في مسألة الثيب الصغيرة ثيب يرجى مشاورتها فيقول الخصم يرجى مشاورتها برأى قائم أو برأى يحدث أو بأيهما كان. فإن قال: بأيهما كان يبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه وإن قال برأى قائم لم يجد في الفرع ويتبين بهذا حرف المسألة فإن القاطع هو رأى قائم لا رأي سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث والرأى هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ونحن نجيب عن هذا فنقول: وإن لم يوجد رأى في الحال. ولكن يوجد سبب حدوث الرأى فقام سبب الرأى مقام حقيقة الرأى. وأما المجنونة فقد ذكرنا في المسألة على وجوه يخرج فصل المجنونة وربما يقولون قولكم فلا يجوز تزويجها كرها أيش تعنون به إن قلتم نعنى بدون رأيها ولها رأى

стр. 737

معتبر شرعا فلابد أن تقولوا رأى معتبر ثم لا تجدونه في الفرع ويتبين عند ذلك حرف المسألة وهذه ممانعات عائدة إلى محض الفقه وبهذا السؤال يتبين المحقق من الفقهاء من غيره. ثم وهذه الممانعة بعد أن يقع التسليم لأصل القياس في أنه معلل فإن الأحكام لابد أن تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فمن استمسك بأصل فلابد أن يثبت كونه معللا إلا أنه يقال: هذا إنما يتبين كون الأصل معللا بأن يتجه للشيء معنى يصلح كونه علة أو يدل الدليل على أنه علة فالسؤال الصحيح هو الأول ومتى أثبت المعلل صلاحية كون الوصف علة فقد ثبت أن الأصل معلل ويتبين الجواب عن المطالبة وخرج المعلل عن السؤال وهذا أيضا بعد أن يسلم الحكم في الأصل فإنه ربما يمنع السائل الحكم في الأصل وإذا اتجه السائل منع الحكم في الأصل لفابد للمسؤل من إنبائه والنبأ مقبول من المسئول. بل أن يقول السئول إن لم يسلم الفرع فهذا الفرع مبنى على تسليم هذا الأصل فإن لم تسلمه أنبأته بالدليل. والقسم الثاني: من المنع: ما يتجه في العلل المركبة وقد ذكرنا وجه ذلك وقد سبق أن المركبات هى من الطرديات التي لا تصلح للاعتماد عليها إلا في بعض الوجوه وهي التي تؤل إلى المعنى. والقسم الثالث: منع الحكم١ وهو عائد إلى القول بموجب العلة ومثاله أن يقول الحنفى في مسألة بيع الغائب عقد معارضة فلا يشترط في صحته رؤية المعقود عليه فيمنع السائل فيقول: عندي لا يشترط رؤية المعقود عليه أنما يشترط إعلامه وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة مسح الرأس المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل. فيقول: لا أسلم أن الغسل يسن تثليثه إنما يسن إكماله إلا أن إكمال الغسل بالتكرار يكون لضيق المحل ولإكمال المسح الاستعانه لسعة المحل وقد يمانع الحنفى في هذه العلة الحكم من وجه آخر. فيقول في هذه العلة: عندي يسن تثليث المسح لأن المفروض قدر ربع الرأس وعندي يسن مسح جميع الرأس فكان التثليث مسنونا وزيادة ومن منع الحكم قول القائل في مسألة بيع الطعام بالطعام مالان جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض بينهما إذا بيع أحدهما بالآخر كالذهب بالذهب فيقول الخصم القبض ليس بشرط في الأصل وإنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين فرجع إلى حرف المسألة وهذا مثال المنع في الأصل.

стр. 738

والقسم الرابع: يقع الوصف١ فإن التعليل قد يقع بوصف مختلف فيه مثل قول الحنفى في مسألة الإيداع من الصبى له مسلط على الاستهلاك فمنع. ويقال: ليس بمسلط والإيداع ليس بتسليط وكذلك شفعوى المذهب يقول في يمين الغموس معقودة فيمنع السائل ويقول: لا أسلم أنها معقودة. ويقول الحنفى في مسألة الجنس: إن الجنس حد وصفى علة تحريمه الفضل فيقول السائل لا أسلم أن الجنس علة بل هو شرط بمعنى أو يحل على ما عرف. قال القاضى أبو زيد: أقسام الممانعة الصحيحة أربعة: أولها: الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم ليس بحجة؟ ثم في نفس الوصف الذى يدعيه المجيب علة موجودة أم لا؟ ثم في شروطه. ثم في كينونته واجب العمل به. ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة قال: أما الممانعة في نفس الحجة فما مر من قبل أن كثيرا من وجوه حجج الناس يرجع إلى دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلا فلابد من إثبات الوصف في الأصل والفرع لأنه ركنه. ثم شروط الصحة لأنها تكون سابقة على دليل وجوب العمل به. ثم دليل التأثير الذى يجب به العمل ثم العلة عامة عندنا وكل هذه الممانعات بالإنكار ومطالبة دلالة العلة. قال: وللممانعة في الشرط فقد ذكرنا شروط التعليل قال: ومانع الشرط من شرط يكون ثابتا بالإجماع. فيقول: قد عدم في الفرع أو الأصل وهذا مثل قول الشافعي في السلم الحال أنه أخذ عوض البيع فيثبت حالا ويؤجلاه كالثمن في البيع فيقول السائل لا خلاف أن من شرط التعليل أن لا يغير حكم النص وأن لا يكون الأصل معدولا به عن القياس بحكمه الذى صار به الدليل دليلا والممانعة والتأثير لأن مجرد الوصف بلا تأثير ليس بحجة فلا يصلح للاحتجاج حتى يتبين تأثيره وإن قال في موضع الخلاف ليس بشرط عندي فنقول: المعترض عندي هو شرط فلا يصلح الاحتجاج به على من لا يراه دليلا.

стр. 739

وأما القول لموجب العلة فهو سؤال صحيح إذا أخرج مخرج الممانعة وقد بينا نظيره ولابد أن توجه القول بالموجب من شريطة وهى إلى مسند الحكم الذى نصب له العلة إلى شئ مثلما يقول حنفي المذهب في ماء الزعفران: ما خالطه طاهر بالمخالطة لا تمنع صحة التوضؤ. فيقول السائل: المخالطة لا تمنع إنما المانع أنه ليس بماء مطلق وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة تمكين العاملة البالغة جنون أحد الواطئين لا يوجب درأ الحد من الموصوف بالعقل كجنون الموطؤة. فيقول السائل: بل أقول بموجبه فإن عندي الجنون غير مانع فما المانع خروج الوطء عن كونه زنا ففى مثل هذه المواضع يتوجه هذا السؤال. فأما مع إثباته الحكم من نفى أو إثبات لا يستقيم إلا أن ينتقل السائل إلى مذهبه وقد قال جماعة من الأصوليين: إن القول الموجب ليس بسؤال ولا تبطل به العلة لأنه إذا صحت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تصح العلة وحكمها متفق عليه أولى وسبيل صحته أن يكون الخروج على مسلك المنع والجملة في القول بموجب العلة أن السائل إذا أمكنه القول بموجب العلة مع الاستقرار على الخلاف في الحكم فيتبين به أن المعلل لم يدل في موضع الخلاف ومثاله أن يعلل المعلل في الاعتكاف فيقول لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه نعنى ما دليله الوقوف. فيقول: إن أقول من شروطه معنى ما هو النية فعلى المعلل أن يستدل في موضع الخلاف.

стр. 740

فصل: وأما السؤال بفساد الوضع: فاعلم أنه سؤال يمكن إيراده على الطرود ويضطر به المعلل إلى إظهار التأثير وإذا ظهر التأثير بطل السؤال وهذا طريق سلكه كثير من أصحابنا المتقدمين وأورد كثير من الأصوليين يرد عند اختلاف موضوع الأصل والفرع وذلك مثل أن يكون الأصل مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويكون الفرع مبتنيا على التغليظ كالوضوء وغسل الرجلين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مخففا أو يكون الأصل مبتنيا على التغليط ويكون الفرع مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مغلطا وقد يأتى فساد الوضع أيضا من اختلاف موضوع العلة والحكم وهو أن يكون مبتنيا على التغليط والآخر على

стр. 741

التخفيف وقد يأتى فساد الوضع أيضا من وجه آخر وهو أن يتقدم حكم الفرع على حكم الأصل ومثاله الوضوء إذا قيس على التيمم في اشتراط النية وذلك أن الوضوء وجب بمكة والتيمم بعد الهجرة فلا يجوز أن يكون شرط ما يقدم وجوبه مستفادا مما تأخر وجوبه لأن الدليل لا يجوز تأخره عن المدلول عليه وكذلك في مسألة الأصل إذا قاسوا الثمن على المبيع فهو فاسد وضعا لأن البيع شرع في المبيع لإيجاب الملك شرط لا ابتداء وفى الثمن لإيجاب الملك ابتداء في الذمة على المشترى للبائع فلما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشترى كان شرطه قيام الملك في المحل. قال أبو زيد: فساد الوضع من الشهادة يجرى مجرى فساد الأداء وهو قبل النقص لأنه إنما يشتغل باطراده بعد صحته علة كالشهادة إنما يشتغل بتعديل الشهادة بعد صحة الأداء وهو أقوى من النقص لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال والنقص مجلس يمكن الاحتراز منه في مجلس آخر. قال: وبيان فساد الوضع أن الشافعي متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد الزوجين أنها فرقة وجب لاختلاف الدين فأشبه الفرقة بالردة كان فاسد الوضع لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما وقد كان الاتفاق ثابتا قبله وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك والحقوق لا مبطلا وكان الوصف ثابتا على الحكم قال وكذلك الطعم إذا جعل علة لأنه به القوام فهذا فاسد في الوضع لأن المال خلق بذله لحاجته إليه وأشد الحاجات حاجة البقاء فيزيد هذا على ابتذاله وسعة وجه كسبه لا أن يزيد تضييعا حتى أكل طعام الغنيمة قبل أن يخمس بخلاف سائر الأموال. قال: وكذلك من علل لحرمة نكاح الأمه بوجود طول الحرة فإنه مستغن عن تعريض خبر منه للرق فلا تحل له كما لو كان تحته حرة قال وهذا يفسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح نسب الحرية والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق دون الحجر وكذلك اعتبار الحجر عن تسليم الثمن بالعجز عن تسليم المبيع في ثبوت حق الفسخ فإن البيع شرع لنقل الملك في العين واليد للبائع ليعمل العقد عليه فلم يصح العقد قبل أن يقدم ملكا ويدا ولما كان الشراء لإيجاب الثمن ابتداء في ذمة المشترى لا في عين اشتراط في صحته قيام ذمة قابلة لثمن يجب فيها بحيث يقبل النقص بمثلها من غير بشرط القدرة على التسليم بالمثل لأنه لا قدرة إلا بملكه ولم يشترط للجواز قيام

стр. 742

الملك ولا يد في عين مثله ولما لم تكن القدرة على التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا لصحة عقد بما جعل شرطا. قال: وكذلك إذا قال قائل في الأثمان: إنها أموال فتتعين في التبرعات فتتيعن في المعاوضات فهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال في الذمة. بل للإتيان بعين ماله والمعارضات شرعت لإيجاب الأثمان في الذمم لأن المتعارف بين الناس فعلا هو المتعارف شرعا والمتعارف في الأثمان بين الناس هو العقد بلا إشارة في الأثمان. بل بمجرد التسمية وهى موجبه في الذمة فلما كان الإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى عين كما لو أضاف هبة الألف إلى ذمته فإنه لا يصح وإذا عرف هذا صار اعتبار البيع بالهبة في التعيين وإثبات المحل فاسدا وضعا وقد أجبنا عن هذا وأمثاله في الخلافيات. وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا أن حاصل القول يحصره نوعان: احدهما: أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب الأدلة ومثال ذلك أن يقول: إن التعليل على خلاف الكتاب أو على خلاف السنة ومن هذا أيضا أن يقول إنه بالقياس حاول الجمع بين شيئين فرق الشرع بينهما أو فرق بين شيئين جمعت الشريعة بينهما. والملخص في هذا النوع أن يكون القياس يخالف وضعه موجب متمسك في الشرع هو مقدم على القياس فإذا كان كذلك فيكون القياس فاسد الوضع. والنوع الثاني: أن يكون الوصف مشعرا بخلاف الحكم الذى ربط به وهذا زائد في الفساد على فساد الطرد لأن الطرد مردود من جهة أنه لا يناسب الحكم ولا يشعر به فالذى لا يشعر به ويخيله خلافه يكون أولى بالرد ومثاله ما ذكرناه وهو ذكر وصف يشعر بالتغليظ في روم تخفيف أو على العكس من ذلك. قال: وإذا اعتبر القائس القصاص بالدية في الثبوت على الشركاء أو اعتبر الدية بالقصاص في السقوط أو قاس الحد على المهر في طلب الثبوت أو قاس المهر على طلب الحد في محاولة السقوط فقد ذهب جماعة من الجدليين إلى فساد هذا القياس لأن العقوبات تدرأ بالشبهات. وأما الواجب بالجنايات يثبت مع الشبهات فاعتبار أحدهما بالآخر في السقوط أو

стр. 743

الثبوت يكون فاسدا في الوضع وقد منع بعضهم قياس الرخص على الوظائف التامة وكذلك قياس الوظائف التامة على الرخص وقد أجابوا عن السؤال من كل هذه الوجوه بإظهار التأثير والإخالة في القياس والجمع بين الفرع والأصل أو الجمع بين العلة والوصف. فقد قال أبو زيد وكثير ممن تبعه: إن هذا السؤال لا يرد إلا على الطرد والطرد ليس بحجة. وأما العلة التي ظهر تأثيرها وقام الدليل على صحتها فلا يرد هذا السؤال ونحن نقول: نعم وإن كان الطرد ليس بحجة على ما سبق وإظهار التأثير لابد منه ولكن السؤال ينفى وهو أن يقول السائل: لا يجوز أن يدل الدليل على صحة مثل هذه العلة أو يقول لا يجوز أن يظهر له تأثير فلابد في الجواب من نقل الكلام إلى ذلك وبيانه أن الدليل قد قام على صحة هذه العلة فبهذا الوجه صححنا هذا السؤال.

стр. 744

فصل: الاعتراض بالنقض ... فصل: وأما الاعتراض بالنقض: فهو سؤال يبطل به العلة والنقض أن توجد العلة في موضع دون حكمها وقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض سؤال صحيح تبطل به العلة ولكن من ألزم عليه نقض فعليه تعليل تلك المسألة التي نقضت علته بيان الفصل بينها وبين المسائل التي يدعى اطراد العلة فيها١.

стр. 745

قال أبو زيد: النقض لا يرد على العلة المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل يجمع عليه ومثل ذلك الدليل لا ينقض وإنا تجئ المناقضة على الطرد لأن أصحاب الطرد إنما جعلوا العلة علة باطرادها فإذا لم تطرد بطلت. قال: وأما المؤثرة لا يرد عليها النقض ولكن يرد عليها الخصوص فيبين المعلل أن الذى جاء ناقضا في الظاهر لا يدخل تحت ما جعله المعلل علة من حيث المعنى وبيان ذلك بطرق أربعة من حيث اعتبار معنى الوصف الذى هو ركن العلة ثم باعتبار معنى دلالة التأثير الذى صار الوصف به حجة يجب العمل بها ثم باعتبار الحكم الذى وقع التعليل لإثباته ثم بالغرض الذى قصد المعلل التعليل لأجله وأثبت الحكم بقدره. أما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس المسح فلا يثلث كوظيفة الخف ولا يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هى إزالة النجاسة الحقيقية. ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل منها لأنها أتم ولو كانت الوظيفة مسحا لكره التبديل بالغسل كما في [وظيفة] ١ الرأس. قالوا: كذلك قولنا في الدم السائل: إنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم الدم إذا لم يسل لأنه طاهر وليس بخارج لأن الخروج بالانتقال من مكان باطن إلى مكان ظاهر وتحت كل جلدة رطوبة وفى كل عرق دم فالذى هو على رأس الجرح ظهر بزوال الجلدة عنه وقد كانت سترة له ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان طاهر من بدنه خلقه فهو مثل رجل ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء وآخر ظهر بالخروج عن الباب فالأول ليس بخارج والثانى خارج. وأما التأثير وبيان دفع النقض به قال هو مثل قولنا في مسألة تثليث المسح:

стр. 746

مسح وإيراد الخصم الاستنجاء عليه ووجه دفعنا ذلك بالتأثير وهو أن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث لأنه قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف لأنه إذا قوبل المسح بالغسل كان المسح في نهاية التخفيف وكذلك ثبت التخفيف له قدر التأدية ببعض المحل وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء لأن الأصل المأمور مسح موضع النجاسة بإزالتها فيكون على وصف التغليط مثل الغسل ولا يتأدى أيضا ببعض محل النجاسة مثل ما يتأدى فرض مسح الرأس ببعض المحل. قال: وكذلك المسألة الثانية. فإن النجاسة الخارجة إنما كانت حدثا لأنها أوجبت تطهرا في نفسها. ألا ترى: أنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الحرج كما وجب الغسل إذا سال البول عن رأس القضيب فلما ساوت النجاسة البول في إيجاب الحقيقة ساوت في الحكمية ولا يلزم النجاسة التي لم تسل لأنها تصير كالبول في إيجاب الطهارة في محلها فكذلك في غيره فيتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل يزيد قولا بانعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير. وأما الحكم وبيان الدفع به فنحو قولنا: فيمن نذر صوم يوم النحر أنه يوم فلا يفسد النذر بالإضافة إليه قياسا على سائر الأيام ولا يلزم إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض والحيض صفة لها لا لليوم. قال: وكذلك على قولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك الأصل قياسا على البيع ولا يلزم المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم نعلل لبيان المحل الذى يعمل فيه وفى المدبر الغصب سبب للملك إلا أن التدبير منع عمله كما لو باعه. قال: وكذلك قولنا: إن الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به كالإجارة ولا يلزم إذا أدى بعض البدل لأن المنافع أحد العوض عن العتق لا الكتابة وهو معنى قول أهل النظر إن العلة المنصوبة للجملة لا تنقض بالإفراد. وأما الغرض بوجه الدفع به نحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر ولا يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن يجعل كونه ذكرا علة بشرع المخافتة وإنما وجب الجهر لعلة أخرى وهى أنها شرعت إعلاما والعلة مع كونها علة قد يجب ضد حكمها بمعاوضه أخرى أولى منها.

стр. 747

قال: وكذلك قولنا في الدم السائل: إنه حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم دم الاستحاضة لأن الغرض أن يجعل النجس الخارج علة لنقض الطهارة وهو علة ناقضه للطهارة في الاستحاضة بعد الوقت ولكن امتنع النقض في حال لعلة أخرى مانعة وهى أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن يمنع من عملها لدفع ضرورة العجز في الإمكان فلا يخرج من كونه علة تأخر العمل إلى مدة كالبيع بشرط الخيار ثلاثة أيام وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وهى أن العموم لم يدخل تحت التعليل. قال: وجملة الحد في الخروج عن المناقضة أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم علته وهذا الذى جاء مناقضا لم يكن نقضا ومتى لم يمكنه يكون نقضا كما في تناقض الدعاوى وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور وبهذه الوجوه من البيان يمكن الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول وذكر بعد هذا كلاما آخر في آخر الفصل لا يحتاج إليه فهذا سر ما ذكره في تقويم الأدلة في دفع النقض وبيان قوله إن النقض لا يرد على العلل المؤثرة. ونحن نقول: إن سؤال النقض بناء على أن تخصيص العلة لا يجوز وإذا لم يجز تخصيصه على ما سبق ذكره فلابد أن يكون النقض مبطلا للعلة وقولهم: إن العلل إذا كانت مؤثرة لا تنقض. قلنا: بالنقض يتبين فقد تأثير العلة وهذا قد سبق بيانه. ببينة: أن الناصب للعلة بنصبه العلة قد التزم طردها وادعى أن هذه العلة متى وجدت فالحكم يتبعها فإذا لم يف بقوله ووجد علة مناقضة بطلت علته لعدم وفائه بدعواه وصحة ما يزعمه. فأما دفع النقض فقد اشتغل الجدليون بدفع النقض بمجرد اللفظ وليس ذلك بشيء والأولى أن يدفع النقض ببيان أنه لم يرد على المعنى الذى جعله علة إن كانت العلة معنوية وإن كان قد وقعت له ضرورة إلى جواز العلة حكمية واستقام تعلقه به من الوجوه التي سبقته فسبيل دفعه أن يدفع ببيان أنه لا يرد على ذلك الحكم الذى تعلق به فإن ورد ولم يمكنه دفعه انتقضت علته وبطلت وقد يوجد موضع يظن المتناظر أن يوجه النقض وهو مما ليس يتوجه وقد قيل: إن الإثبات المجمل لا ينقض بمنفى مفصل والنفى المفصل لا ينقض بإثبات مجمل والنفى المفصل ينقض بإثبات مفصل

стр. 748

وكذلك الإثبات المفصل ينقض بالنفى المجمل يعنى المطلق ومثال الأول: أن يقول القائل في قتل المسلم بالذمى محقون الدم على التأبيد فيثبت بينهما القصاص كالمسلمين فينقض تاآخر بما إذا قتله خطأ وهذا لا يرد نقضا لأن نفى القصاص في موضع الخطأ لا يمنع من صحة التعليل من المعلل بقوله فوجب أن يكون بينهما قصاص فلا ينتفى حكم العلة بما يقوله من قول الخطأ فلم يكن نقضا. وأما مثال الثانى: إن يقول المعلل مكلفا فلا يثبت بينهما قصاص فإذا نوقض بالمسلمين انتقض لأن ثبوت القصاص بينهما في موضع يمنع صحة التعليل بقوله فموجب أن لا يجرى القصاص وقد احترز بعضهم من النقض بقول المعلل: أنا أقول في الأصل مثل ما أقوله في الفرع ومثاله أن يقول قائل في مسألة المسلم يقتل ذميا هل يقتل فنوجب القود كالمسلم إذا قتل مسلما فينتقض بالخطأ فيقول أنا أقول في الفرع مثل ما قلته في الأصل وإنما أوجب القصاص في العمد دون الخطأ وقد أشار أبو زيد في كلامه إلى هذا الاحتراز وهذا الاحتراز باطل لأن العلل ما صرح به المعلل دون ما أضمره وكذلك الحكم وقد علل بالفسخ وصرح بالحكم بوجوب القصاص وقد ورد النقض على هذا ولم يعلل لاستواء المسلم والكافر في حكم القتل حتى يدفع النقض به فليس هذا الدفع بشئ وقد دفع بعضهم النقض بذكر الأحرار في الحكم مثال أن يقول القائل محقونا الدم على التأبيد فوجب أن يثبت بينهما القصاص إذا قتل أحدهما صاحبه عمدا فإذا نوقض بالخطأ وقال: قد احترزت بقولى في الحكم فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا وقد قيل أيضا: إن هذا ليس بدفع لأن المعلل قد حكم بأن علة القصاص كونهما محقونى الدم على التأبيد فحسب وأنه لا مزيد على العلة التي ذكرتها فإذا قال: وجب أن يوجب القصاص إذا كان عمدا فقد اعترف بانتقاض العلة لأن اقتران الحكم يوجد من الموضعين والحكم يتبع العلة في أحد الموضعين دون الآخر. فإن قال هذا المعلل: لا يمتنع أن يكون حقن الدم على التأبيد يؤثر في إيجاب القصاص في العمد دون الخطأ. قيل: إن كان ذلك يؤثر في أحد الموضعين لمعنى يختص به أحدهما فينبغى أن نذكر ذلك المعنى في جملة العلة لأن له تأثيرا في غيجاب القصاص وإن لم يكن لذلك المعنى تأثير وكانت الأوصاف المذكورة تؤثر في أحد الموضعين دون الآخر لا لأمر يفترق

стр. 749

لأجله الموضعان فقد اعترف أن العلة تقتضى الحكم في موضع دون موضع مع وجوده تتميما على السؤال والجواب الصحيح عن السؤال أن الشرط المذكور في الحكم متأخر في اللفظ يتقدم في المعنى لأن معنى القياس أنهما محقونا الدم على التأبيد قتل أحدهما صاحبه عمدا لأن صفة العمدية مؤثرة في القصاص فإذا قلنا: على هذا الوجه يتم الدفع وقد دفع بعضهم النقض بوجه آخر وهو أن يحذف الحكم حذفا. فيقول في الثيب الصغيرة: إنها مجبرة الزواج فأشبهت الكبيرة فلو قال: المعلل فلم تجبر على النكاح ينتقض بالثيب المجنونة والثيب الأمة. فإذا قال: فأشبهت الكبيرة نوقض بها بين المسألتين فيقول إنما شبهت الصغيرة بالكبيرة فعلى أن أقول في الثيب الصغيرة ما أقول في الثيب الكبيرة وفى اليب الكبيرة لا تجبر على النكاح إذا لم تكن مجنونة أو مملوكة وأجبرت إذا كانت مملوكة أو مجنونة فلم ينتقض قولى فأشبهت الكبيرة وإنما عللت لهذا وهذا دفع حسن غير أن بعض الجدليين قد قال: إنه لا يجوز التعليل ما لم يصرح بالحكم وقد ذكرنا هذه المسألة من قبل وبينا جوابه وأحسن وجوه الدفع هو الدفع بالمعنى كما تقدم وجهه. وقد قال أبو زيد في موضع من كتابه: إن النقض يلجئ إلى إظهار التأثير والقول به مثل من يقول في النية في الوضوء وقياسه على التيمم طهارة الصلاة فإذا نقض طهارة النجاسة فلابد من ذكر التأثير ليتخلص عن النقض وهو أن يقول طهارة حكمية أى حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة وكذلك قول من قال إن النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال وهذا يبطل بالبكارة فلا تجد بدا من الرجوع إلى طلب التأثير وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن وكثرة غفلتهن لكن جوز في باب المال لكثرة حاجة الناس إليه وتكرر المعاملات فيه في الأسواق وغيرها فجوز شهادة النساء مع الرجال حتى لا يضيق الأمر على الناس ولا يقعوا في الحرج العظيم وهو معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل فيه هذه الشهادة وهذا كما تثبت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا يحضرونها ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال لعدم الضرورة وكذلك قول القائل في أن الزنا لا يوجب لحرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه والنكاح عقد حمدت عليه. فإن قال المعلل فوجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال والمهر. فإن قال: في حكم المصاهرة. يقال: ولم قلت فإن قال: لأن الصهرية نعمة والزنا حرام فقد رجع

стр. 750

إلى بيان التأثير ولا يبطل هذا بالوطء في النكاح الفاسد لأن الصهرية هناك إنما ثبت لما فيه من جهة المحل. قال: ونحن نقول: إن لزنا معصية والمصاهرة كرامة ولا تضاف الكرامة إلى العاصى ولكن تثبت الصهرية لحراثة الواد في هذا المحل على ما عرف وبينا في موضعه ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه. قال: وكذلك قوول القائل: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل فإذا نقض بالاستيراد أحد الشريكين جارية بينهما يقول إنما أوجبنا الملك في هذا الموضع للشريك لماا فيه من تأويل الحل شرعا لا من حيث العدوان فقد رجعوا إلى تأثير العلة. قال: ونحن نقول: إنما أوجب الملك في الغصب لأنه سبب ملك البدل وهذا حكم شرعى ليس بعدوان. وكذلك ققول القائل في مسألة المنافع إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف. دليله الأعيان فإذا نقض هذا بالمتلف إذا كان معسرا. قال: هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة فهذا رجوع إلى التأثير وها هنا المتلف ضامن لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز والعدوان موجب ضمان المثل فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل وعندنا الأعيان أجود من المنافع مالية وليسا بمثلين وعنهم مثلان ويرجع اللكلام إلى هذا. وكذلك قول القائل في إسلام الهروى في المروى أسلم مذروعا في مذروع كما لو أسلم الهروى في المروى. فيقول الخصم يبطل هذا بما إذا شرط شرطا فاسدا. فيقول المعلل إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذى ققلنا فيكون هذا رجوعا إلى حرف المسألة فإن عنده الجنس ليس بعلة محرمة وعندنا علة محرمة فيكون الفساد بالعلة المحرمة لا بالذرع ومرجع الكلام إلى أن الجنس علة أم لا؟ ويبل الطرد فهذا كلام يحسن ونحن لا نرى لللرطد صحة ولابد من بيان التأير غير أن ورود النقض في موضعه يخل بالتأثير ففإنما كام وروده من هذه الجهة ولابد من معرفة بطلان القول بنخصييص العللف ن أيراد المعللل شرع لذلك والله المعين بمنه.

стр. 751

فصل: بقية القول بموجب العلة ... "فصل" وقبل أن نصل إلى سؤال المعارضة قد بقيت بقية فيما يرجع إلى القول بموجب العلة وتفسيره التزام ما أوجبته العلة وقد ذكرنا مثاله وصورته وقد ذكر في تقويم الأدلة أنهم إذا قالوا في صوم النفل: قربة لا يجب المضى في فسادها فلا يجب القضاء في إفسادها قياسا على الوضوء. قلنا لهم نقول بموجب العلة فإنه لا يجب القضاء بإفسادها بل وجب بالشروع. فإن قيل: فلا يجب بالمشروع والإفساد. قلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضى في فاسدها. بل بالشروع في عبادة تلزم بالنذر ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكرنا من الوصف لأن الأوصاف تذكر عللا وبما ذكر من الوصف لا تصير العابدة محلا يلتزم بالشروع فيه بل بوصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة في بيان أن الشروع ليس بسبب للإلزام الذى فيه النزاع. قال: وكذلك قولهم في إسلام المروى في الهروى: إنه جائز لأنه أسلم مذروعا في مذروع. فيقول: من حيث إنه مذروع في مذروع يجوز العقد ويعلق الجواز بهذا الوصف لا بنفي تعلق الفساد بأمر آخر. ألا ترى: لو شرط شرطا فاسدا ولم يقبض رأس المال في المجلس كان العقد فاسدا فكذلك عندنا صفة الجنس بأنه علة مفسدة وهو كالشرط الفاسد في الإفساد فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليس بعلة محرمة وكذلك قول من قال في المطلقة الرجعية: إنها مطلقة فيحرم وطؤها كالمطلقة بمال. فيقال: [لا] ١ من حيث إنها مطلقة محرمة ولكن من حيث إنها منكوحة محللة كما لو ابانها ثم تزوجها وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى الرجوع إلى بيان ضلل في النكاح أوجب التحريم وهو حرف المسألة. قال: وكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق لأنها منقطعة النكاح. فنحن نقول: الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح ولكن من حيث العدة الواجبة عن النكاح التي هى أثره.

стр. 752

قال: وكذلك إذا قالوا: في تحرير الكافر عن كفارة اليمين إنه تحرير في تكفير فأشبه كفارة القتل وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير ولكن من حيث أنه ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين ولا يجوز بالكسوة في كفارة القتل فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق يحمل على المقيد أو لا؟ قال: وكذلك إذا قال: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ مال الغير بلا تدين ولا تأويل كالغصب. فيقال إنا نقول إن هذه العلة موجبة للضمان لكنا نقول إن القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفى الضمان وهو حرف المسألة. قال: وقد يجئ هذا السؤال على أكثر العلل الطردية لأن اصحابهم تعلقوا بأوصاف محتملة أن لا تكون عللا فهذا السؤال يردهم إلى القول بالتأثير وفى هذا السؤال تكلف عظيم ومن يجعل الطرد حجة يستجيز أن يكون بمجرده أمارة على الحكم فلا يرضى بمثل هذا السؤال لأنه يقول: إن علتى صحيحة بوجود الإطراد وصلاحيته علة من حيث إنه لم يقم دليل على فسادها أو لأنه صالح أمارة وعلل الشرع أمارات وهذا القدر لى كاف ولا ينافى بمثل هذا السؤال لأنه يقول: أنا أعلم منك ولا نثبت الحكم بهذه العلة بل نثبته بعلة أخرى ومرجه هذا السؤال ليس إلا هذا القدر لكني مع منعك أجعله علة ولا احتاج إلى إقامة دليل على كونه علة ولا إلى إظهار تأثير لها سوى الوفاء بالإطراد الذى ضمنته وسوى وجود المعنى في الأصل وصلاحية كونه أمارة شرعا وأما من يقول إن الطرد لا يكون حجة وهو الذى نختاره ولابد من كون العلة مؤثرة فمتى طولب بالدلالة على صحة العلة فهو لا يترك إقامة الدليل عليها ويظهر تأثير العلة مناسبة الحكم وإخالته فلا معنى لهذا التكلف الشديد واستخراج السؤال بهذا الاستقصاء بل المطالبة كافية والله المعين بمنه.

стр. 753

فصل: السؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة ... "فصل" فالسؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة وقبل أن نشرع فيه نقول: قد ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير١. ولست أرى لذلك وجها بعد أن يبين المعلل التأثير

стр. 754

لعلته وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم الدليل على صحتها بالتأثير بالوجه الذى قدمناه. وقد ذكر مشايخ اصحابنا في سؤال عدم التأثير وتصحيحه كلاما كثيرا وعدوه سؤالا قويا واقعا على المعلل. وقالوا: إذا أورد السائل هذا السؤال فيجب أن ينظر المعلل فإن وجد له تأثيرا في الحكم بين التأثير وإن لم يجد له تأثيرا فله أن يجيب ويقول إن له تأثيرا في طرد العلة والمأخوذ على طرد العلة لا العكس وعلل الشرع من شرطها الاطراد دون الانعكاس بل إذا كانت مطردة منعكسة تترجح به العلة ومثاله ما يحتج به في زكاة الحلى فيقول إنه مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه مباح يسقط عنه الزكاة كما لو جعل مال التجارة للقنية فقالوا قولكم لوجه مباح لا تأثير له في الأصل فإنه إن كان بوجه محظور يسقط الزكاة أيضا فإنه لو كان له إبل سائمة فصيرها معلوفة بعلف مغصوب تسقط عنه الزكاة وإن كان بوجه محظور والمعلل يقول له تأثير في الطرد والعكس غير مأخوذ على بل إذا كانت تطرد يكفى فأجيب عنه أيضا فقيل إن عدم التأثير هو نقض لعكس العلة ولا يلزم نقض العكس. وبيان هذا: أنى إذا قلت: مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه مباح فإذا ادعيت عدم التأثير صار كأنك قلت لى: إذا عللت بهذه العلة تصير كأنك عللت بعكسه وقلت إن المال إذا كان مصروفا من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه محظور يجب فيه الزكاة ثم نقضت هذا العكس بالإبل السائمة إذا جعلها معلوفة بعلف مغصوب أو جعلها عوامل في قطع الطريق فإنه مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه محظور والزكاة ساقطة فيكون هذا نقضا لعكس العلة ونقض عكس العلة لا يقدح في العلة بعد أن سلم الطرد والأصل في الجواب عن هذا السؤال أن التأثير إذا ذكر للعلة. فيقول القائل: لا تأثير له غير مسموع والعكس الذى يورده

стр. 755

السائل فسبيل المعلل أن يبين المعنى فيه ويخرجه على المعنى الذى اعتمده. وأما الكلام في المعارضة١ فقد قال: أبو زيد ليس للسائل بعد الممانعة إلا المعارضة ونحن قد بينا الممانعة قبل المعارضة سؤالين واقعين وهو النقض وفساد الوضع وذكرنا وجه توجههما على العلة. واعلم أن المعارضة قد تكون بعلة أخرى وقد تكون بعلة المعلل بعينها فالمعارضة بعلة المعلل تسمى قلبا٢ وتسمى مشاركة في الدليل. ومثاله أن يقول المخالف٣: عضو٤ من أعضاء الطهارة فلا يكفى في إيصال الماء إليه ما يقع الاسم عليه٥ دليله الوجه. فيقول خصمه: وجب أن لا يكون مقدرا بالربع قياسا على الوجه وسائر الأعضاء. ويقول القائل: في الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يكون بمجرد قربة٦ قياسا على الوقوف بعرفة فيقول خصمه٧: وجب أن لا يكون الصوم شرطه دليله الوقوف بعرفة. واختلف أصحابنا في هذه المعارضة فمنهم من قال: هذه المعارضة غير صحيحة لأنها معارضة في غير الحكم الذي علله فلا يلزم الجواب عنه. ألا ترى: أنه إذا استأنف قياسا في حكم آخر لم تكن معارضة وأيضا فإن أوصاف

стр. 756

علة المعلل لا تصلح للحكم الذى ذكره القلب١. وقال أبو علي الطبرى: القلب من ألطف ما يستعمله المناظر وهو معارضة صحيحة لأن المعلل لا يمكنه الجمع بين علته وبين موجب قلبه فصارا متعارضين وأنزل ذلك منزلة المعارضة من أصل آخر وقد استدل المخالف في المنع من نقض البناء لرد الساجة بأن في الرد إضرار والضرر والضرار منفى في الشرع. فيقال له: في المنع من الرد أو إطلاق المنع إضرار يعنى لصاحب الساجة فإن منع الملك من المالك ضرر فيتعارض الضرر والضرار فتحصل المشاركة في نفس ما جعل المعلل دليلا لنفسه وكذلك يستعمل مثل هذا في مسألة الملتجئ إلى الحرم فإن المخالف يقول وجب أن يصير آمنا في نفسه. فيقول الخصم له: وجب أن يصير آمنا على نفسه حتى لا يلحقه الفوات والذى قاله من دفع القلب بأن المعارضة وجدت في غير الحكم الذى علل له المعلل فليس بشئ لأن الجمع بين موجبى التعليل إذا تعذر تبين وجود المعارضة وأما قوله: إن الأوصاف ليست بمؤثرة في القلب. قلنا: قد تكون مؤثرة وقد تكون مثل أصل العلة من المعلل على أن بينا أن طلب التأثير واجب فإذا بين المعلل التأثير فيجب أن يطلب من القالب التأثير أيضا وعلى هذا ينبغى أن يصحح ماله التأثير وإذا قلب التسوية فقد اختلف فيه الأصحاب والأصح أن لا يكون متوجها لأنه لا يمكن فيه التصريح بحكم العلة ويقال في توجيه سؤال القلب: إنه إذا علق على العلة ضد ما علقه المعلل من الحكم فلا يكون تعليق أحد الحكمين أولى من الآخر فبطل تعليقهما بها وهو على أضرب:

стр. 757

أحدهما: أن يكون الحكمان مفصلين. والآخر: أن يكونا مجملين. والثالث: أن يكون أحدهما مجملا والآخر مفصلا. أما المفصلان فضربان: أحدهما: أن تناقضا بأنفسهما حتى يقول المعلل وجب أن يجوز. والآخر يقول: وجب أن لا يجوز وهذا شئ لا وجود له. وإنما إذا لم يتناقضا بأنفسهما بل بواسطة مثل أن يقول في استيفاء القصاص بغير حق قتل على جملة القصاص فيجوز بالآلة التي وقع القتل بها كما لو قتل بالسيف وقد بينا توجه هذا السؤال لأن أحد الحكمين إذا ثبت انتفى الآخر فليست العلة بأن تدل على أحد الحكمين بأولى من أن تدل على الآخر. وأما إذا كانا مجملين: فيجوز أن يقول أحدهما: وجب أن يكون من شرط هذه العبادة معنى ما. والآخر أن يقول: وجب أن لايكون من شرطها معنى من المعانى وهذا أيضا لا وجود له. وأما إذا كان أحدهما مجملا والآخر مفصلا فضربان: أحدهما: أن يكون المجمل على حكم التسوية نحو أن يقول القائل وجب أن يستوى حكم كذا وكذا وقد بينا. والآخر: أن لا يكون على وجه التسوية مثل تعليل المعلل في الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى من المعانى دليله الوقوف فيقول الخصم وجب أن لا يكون الصوم من شرطه وهذا سؤال متوجه لما بينا من قبل بأن اعترض على قلب وجه من وجوه الفساد فسد القلب وصح التعليل المعلل ومن القلب أيضا جعل المقلوب علة وجعل العلة معلولا ومثاله في ظهار الذمي فإن أصحابنا قالوا: من صح طلاقه صح ظهاره فقلبوا وقالوا في الأصل إنما صح طلاقه لأنه صح ظهاره ونظائر هذا تكثر. وقد قيل: إن القلب نوعان: أحدهما: جعل الأسفل أعلى وجعل الأعلى أسفل كقلب الإناء بجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله.

стр. 758

والقلب الآخر: أن يجعل باطنه ظاهره وظاهره باطنه مثل قلب الجراب. فمثل الأول أن يجعل المعلول علة والعلة معلولا وهو مبطل للتعليل لأن العلة واجبة والمعلول هو حكم الواجب به كالفرع من الأصل فلم يجز أن يكون الحكم علة والعلة حكما فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل ومثاله كثير من ذلك أن يقول القائل في مسألة إيجاب الرجم إن الكفار جنس يجلد أبكارهم مائة فيرجمهم قياسا على المسلمين فيقال في الأصل جنس رجم ثيبهم فجلد أبكارهم وكذلك في قول القائل: إن القراءة تكررت فرضا في الأوليين فتكررت في الأخرتين كالركوع والسجود فيستعمل في الأصل على الوجه الذ بينا وقد أجابوا عن هذا وقالوا: هذا القلب لا يضر لأن الشئ يصح أن يكون دليلا على الشئ وذلك الشئ يكون دليلا عليه كما في العقليات فإن يجوز أن يقال: بوجوده فيجوز رؤيته ويقال يجوز رؤيته فيكون موجودا وكذلك تكون النار دليلا على الدخان والدخان دليلا على النار. ويتأيد هذا الجواب بقول من قال: أنا أجعل أحد الحكمين دليلا على الآخر ولا أخرج الكلام مخرج التعليل وهذا كلام صحيح إذا ثبت أن الشيئين نظيران شرعا فيدل ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر أنهما كانا كالتوأمين فإن عتاق أحدهما إنما كان يدل على عتاق الآخر وأما القلب الآخر فهو أن نجعل العلة شاهدا لك على خصمك وهو من قلب الجراب فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرا فانقلبت وصارت لك على خصمك وقد كان ظهرها أليك فصار وجهها أليك وإنما توجه هذا السؤال لأن العلة لما شهدت لك وعليك في حكم واحد فصار أحدهما يعارض الآخر ويفضى كل واحد منهما [إلى] صاحبه فبطلا جميعا وذكروا لهذا نظيرا وقالوا في قول من قال من أصحابنا إنه صوم فرض فيشترط لصحته نية العين قياسا على صوم القضاء. فيقال في قلبه: صوم فرض فلا يشترط له نيه التعيين بعد التعيين قياسا على قضاء رمضان فإن صوم رمضان متى تعين لم يشترط بعده نية التعيين إلا أنه يتعين بعد الشروع وهذا يتعين قبل الشروع والملخص من القلب بذكر ما هو الوصف في الحكم الذى علل له دون الحكم الذى قاله خصمه وقد ذكر والعكس عند ذكر القلب وجود عكس حكم العلة بقلبها وهو ضد الطرد ونظيره. قول القائل: جنس يجلد أبكارهم مائة فيرجم بينهم وعكسه العبيد كما قال المخالف في الصوم: إنه عبادة يلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع

стр. 759

كالحج وعكسه الوضوء وهذا مما يقوى الاستدلال بالحكم ويدل أنه نظير حيث استويا طردا وعكسا وثبوتا وسقوطا. وأما المعارضة بعلة أخرى فنوعان: أحدهما: معارضة في حكم الفرع. والآخر: معارضة في علة الأصل. أما المعارضة في حكم الفرع فالصحيح في ذلك أنه إذا ذكر المعلل علة في إثبات حكم في الفرع أو نفى حكم فيعارض خصمه بعلة أخرى توجب ضد ما يوجب علة المعلل فتتعارض العلتان فيمتنعان في العمل إلا أن يترجح إحدى العلتين على الأخرى فحينئذ يعمل بالعلة الراجحة. وهذا المعارضة تجئ على كل علة يذكرها المعلل مثاله ما يقول في تكرار مسح الرأس١: إن هذا ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه. فيعارض الخصم فيقول مسح الرأس [مسح] ٢ فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين٣. وأما المعارضة في علة الأصل فهو أن يبين في ألصل علة سوى علة المعلل. وتكون تلك العلة معدومة في الفرع ويقول: إن الحكم ثبت بهذه العلة التي ذكرتها في الأصل لا بالعلة التي ذكرتها. مثاله ما يقول الحنفى في تبييت النية إن هذا صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل٤. فيقال: ليس المعنى في الأصل ما ذكرت لكن المعنى في الأصل النفل بناء على السهولة والخفة فلما بنى أمر على الخفة والسهولة له جاز أداؤه بنية متأخرة عن الشروع بخلاف الفرض فإنه لم يبن على السهولة والخفة فلا يجوز بنية متأخرة وهذا هو الفرق الذى جعله كثير من فقهاء الفريقين أقوى سؤال وظنوه فقه المسألة وبه تمسك المناظر من فقهاء [غزنة] وكثير في بلاد خراسان زعموا أن الفقه هو الفرق والجمع وعند المحققين هذا ضعف سؤال يذكر وليس مما تتبين العلة التي نصبها المعلل بوجه لأن نهاية ما في الباب أن الفارق بين الفرع والأصل يدعى معنى في الأصل عدم ذلك المعنى في الفرع ولم يتعرض للمعنى الذى نصبه المعلل. ويجوز أن يكون الأصل معلولا بعلتين وكل علة موجبة للحكم بانفرادها ووجدت إحدى العلتين

стр. 760

فى الفرع وعدمت الأخرى وإحدى العلتين كافية لوجوب الحكم والحرف أن يقال بأن وجد في الأصل معنى لا يوجد في الفرع من أن ينبغى أن تفسد هذه العلة. ببينة: أنا ذكرنا يعنى في الفرع ووجد هذا المعنى في الأصل وهو ذكر معنى في الأصل وعدم ذلك المعنى في الفرع والعدم لا يكون حجة والعلة الموجودة لا تعارض بما عدم في العلة ويعتبر مما ذكرنا بعبارة أخرى فيقول ليس فيما ذكر من الفرق إلا وجود علتين في الأصل ووجدت إحدى العلتين في الفرع ولم توجد الأخرى فيقول إذا وجدت إحدى العلتين في الفرع وجب وجود حكمها فيه ولم يلزم انتفاؤه لانتفاء العلة الأخرى لأن انتفاء العلة لا يقتضى انتفاء حكمها إذا خلفتها علة أخرى وأيضا فإن الفارق بين مفارقة الأصل والفرع ووجود المفارقة دليل صحة العلة فإن الأصل يكون مفارقا للفرع في بعض الوجوه ولولا تلك المفارقة لم يمكن الجمع بينهما ببعض الوجوه مفيدا للحكم لأن الشئ لا يدل على نفسه ولأن القياس إلحاق فرع بأصل فلابد من وجد المفارقة بينهما ليكون أحدهما أصلا والآخر فرعا. وصورة هذا أنا نقيس الأرز والذرة على الحنطة والشعير في حكم الربا وعلى قطع نعلم وجود المفارقة بينهما في أوصاف كثيرة والمفارقة في تلك الأوصاف لم تمنع صحة القياس. وقد ذكر بعضهم نوعا آخر من الفرق وهو أن يبين الخصم في الأصل علة غير علة صاحبه ويعديه إلى فرع آخر واختلفوا فيه وسموا هذا فرق تعدية فبعضهم حكم بصحته وبعضهم بفساده مثاله ما يقول الحنفى في نكاح الأخت في عدة الأخت معتدة عن طلاق فيمنع زوجها عن نكاح أختها دليله المعتدة عن طلاق بائن فيقول خصمه ليس المعنى في الأصل أنها معتده بل المعنى أنها منكوحة لأن عندنا الطلاق البائن لا يقطع النكاح وفى هذه الصورة لا يمكن كل واحد من الخصمين أن يقول بالمعنيين صاحبه فيعارض كل واحد من المعنيين فيبطلان ويبقى الأصل بلا معنى فلا يكون حجة. واعلم أنه إذا فرق على هذا الوجه فلابد أن يبين المعلل صحة علته وفساد علة الخصم فإذا بين ذلك بطل السؤال والفرق مع التعدية في مسألة الثيب الصغيرة وإجبار البكر البالغة أبين ولابد من الرجوع إلى حرف المسألة وبيان الإخالة في الوصف الذى يدعيه المعل علة فثبت أن الفرق اعتراض فاسد وكذلك أراه الحكم مع

стр. 761

عدم العلة اعتراض فاسد فإن الحكم ثبت بعلل. ألا ترى: أن ملك اليمين يثبت بالشراء والارث والهبة وأسباب أخر فثبوت الملك بلا شراء لا يدل على أن الشراء ليس بعلة الملك فكذلك ثبوت الحكم بدون علة جعلها المعلل علة لا تدل أن ما جعله من العلل ليس بعلة بل هو علة وغيره علة فإن وجدت هذه العلة يثبت الحكم وإن وجد غيرها وابعد من هذه يثبت الحكم أيضا وقد ذكرنا من قبل طرفا من هذا١.

стр. 762

فصل: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها ... فصل: ونقول: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها: فالمتنافية أحكامها لابد أن يكون أصلها أكثر من واحد ويستحيل أن يكون أصلها واحدا لأنه لو كان أصلها واحدا على وجه واحد لكان قد اجتمع في الأصل حكمان متنافيان وذلك محال. ومثال التنافى في العلتين المردودتين إلى أصلين: وجوب النية في التيمم ونفى وجوبها في إزالة النجاسة ورد الوضوء إلى إزالة النجاسة بعلة أنها طهارة بالماء ورده إلى التيمم بعلة أنها طهارة عن حدث فالتنافى موجود في هاتين العلتين لتنافى حكمهما وإنما تحقق التنافى لاختلاف الأصلين فأما مع الاتفاق الأصلى فلا يتصور وقد يمتنع كون العلل عللا لوجه سوى تنافى الحكمين وذلك بأن لا يكون في الأمة من علل ذلك الأصل بعلتين. بل تكون الآمة قد افترقوا فكل فريق منهم علله بعلة واحدة وهذا كتعليل من علل تحريم التفاضل في الربا بالطعم٢ وتعليل من علل

стр. 763

بالكيل١ وتعليل من علل بالقوت٢ وليس واحد من هؤلاء من يعلله بجميع هذه العلل فوجب القول بتنافى هذه العلل فمن علل في القليل من البر بأنه مطعوم جنس فأشبه الكثير فإذا رد الخصم: وقال: المعنى في الكثير أنه مكيل جنس فلا يمكن للمعلل أن يقول بالمعنيين جميعا كما ذكرنا فلابد من بيان الترجيح وبيان التأثير لإحدى العلتين دون الأخرى حتى تصح العلة المؤثرة وتبطل الأخرى. واعلم: أن بعض الجدليين ذهب إلى أن المعارضة غير مقبولة من السائل لأنه ينتهض مستدلا والذى يقتضيه رسم الجدل أن يحصر السائل كلامه كله في الاعتراض المحض يدل عليه أن العلة لا تكون مخيلة صحيحة ألا بعد إقامة الدليل على صحتها وإذا انتصب السائل لذلك تصور بصورة البانيين المبتدئين لا بصورة الهادمين المعترضيين وهذا فصل تعلق به طائفة من الجدليين وهو باطل عند ذوى التحقيق من جهة أن المعارضة اعتراض وإنما قلنا إنه اعتراض لأن العلة التي يتمسك بها المجيب لا تكون حجة ما لم يسلم عن المعارضة فإن المعارضة توجب وقوف الحجة بدليل البينات وبدليل أن القرآن إنما صار حجة عند سلامته من المعارضة وإذا ثبت أن المعارضة تمنع ثبوت الحجة وكان إيراد المعارضة اعتراضا صحيحا لأن الدليلين إذا تعارضا في محل واحد بحكمين مختلفين فلا يكون أحد الحكمين أولى من صاحبه وأيضا فإنه إنما يعتمد في القياس قوة الظن وإذا تعارض الدليلان ولم يظهر ترجيح يفوت قوة الظن لأن الظن إذا قابله مثله يقع بينهما التعارض تفوت الحجة من كل واحد منهما حتى يترجح أحد الظنين على صاحبه فيصير القوة له على الآخر ويكون الحكم له. فإن قال: قائل إن السائل وأن قصد الاعتراض ولكنه قد أتى بصورة الدليل المبتدأ فيكون ممنوعا من ذلك. قلنا: صورة الأدلة ما امتنعت من السائلين من حيث إنها تسمى أدلة وإنما امتنعت إذا كان السائل مضربا عن قصد الاعتراض آتيا بكلام مبتدإ لا معترضا وقد بينا أن بهذه المعارضة معترض. ببينة: أنه لما سمع منه اعتراض لا يستقل في نوعه كلاما مفيدا فإذا كان يستقل في

стр. 764

نوعه كلاما مفيدا ويقدح في كلام الخصم اعتراضا أولى أن يقبل. فالجواب عن المعارضة: أن يعترض عليها المجيب بمسلك من المسالك المذكورة في الاعتراضات الصحيحة أو يبين ترجيح علته على علة صاحبه فإن لم يتأت له واحد من المسلكين كان منقطعا وأن يرجح المجيب علته فللسائل أن يبين ترجيح علته فيعارض الترجيح بالترجيح كما عارض العلة بالعلة ومن نزق١ السائل وقلة فهمه أن يتشوف إلى الازدياد على قصد المساواة فإنه إذا فعل ذلك يكون على منهج المبتدئين لا على منهج المعترضين فيكون حينئذ منسوبا إلى الجهل بمراسم الجدل ولم يقبل منه قصده إلى شئ ورأى المساواة فإن ذكر المعلل ترجيحا واحدا وذكر السائل ترجيحين فهو محاور ليتبوأ القصد وإن عارض ترجيح واحد ولكنه أوقع من ترجيح المسئول فهذا لا يقبل منه فإنه قد لا يوجد غيره.

стр. 765

فصل: هل الفرق اعتراض صحيح ... "فصل" وقد يزعم بعض أصحابنا أن الفرق اعتراض صحيح واستدل في ذلك بأن شرط صحة علة الخصم خلوها عن المعارضة فإذا عارض معارض امتنعت صحتها. قال: وحقيقة هذا الكلام راجعة إلى أن المعلل لا يستقر كلامه لما لم يبطل بمسلك السبر كل ما عدا علته مما يقدر التعليل به فإذا علل ولم يسبر بعوض معنى الأصل فكأنه طولب بالوفاء بالسبر ويتبع كل ما سوى علته بالنقض والإبطال. ثم قالوا: هذا راجع إلى تعليل الأصل بعلتين لا يجوز. واعلم أن هذا باطل أما قوله: إن شرط صحة التعليل خلوها من المعارضة فليس بشئ لأن المعارضة إنما تكون قادحة إذا وجدتا في حكمين على التضاد واما إذا أدركته علتان لحكم واحد فلا يكون قادحا ولا يسمى معارضة. وقوله: إنه لا يصح تعليل المعلل ما لم يبطل كل ما عدا علته فقال لهذا القائل: ومن قال هذا؟ ولأى معنى يجب؟ وإنما وجب عليه أن يذكر علة مخلة في الحكم مناسبة له. ثم إذا وجد لها فرعا ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلة في الحكم٢.

стр. 766

فأما السبر والتقسيم وإبطال كل علة سوى العلة المذكورة فليس بشئ وقد نسب هذا إلى أبى بكر الباقلانى ومن كلف المعلل هذا أو رام تصحيح العلة من نفسه فقد أعلمنا من نفسه أن الفقه ليس من بابته١ ولا من شأنه وإنما دخل فيه مدعيا له وقد بينا من قبل بطلان قول من يطلب تصحيح العلة بهذا الطريق وبلغنا فيه شفاء يثلج الصدر. وقولهم: إنه التزم ذلك من يقول إنه التزم ذلك وأبى في تعليل المعلل إبطال كل علة سوى علته فهذا من الترهات والخرافات وكذلك قول من يقول: إن تعليل الأصل لا يجوز بعلتين وقد بينا هذا من قبل وذكرنا جوازه ومتى يمتنع في شرع أو حكم أن يكون على الحكم الواحد دلائل وهذا أيضا فإن سبق فلا معنى للإعادة وهذا لأن الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع والأصل في كل القضايا وأنما مغزاه ومقصده اجتماع الفرع والأصل الذى يبغيه فإذا استتب له ما يريده من ذلك لم يلزمه سواه.

стр. 767

ببينة: أن كل سؤال استمكن المعلل من الاعتراف بمقتضاه مع الاستقرار على مقصده من العلة فليس هو بقادح وإنما الاعتراض القادح ما يرد مناقضا لمقصود المستدل نعم يجوز أن يمكن من إبطال الجمع بأن يحرم ما جاء به المعلل زاعما أنه مناسب مخل فيبين أن الذى تعلق به غير متبع بالحكم فيكون هذا سؤالا واقعا يستغنى به عن الفرق. وحكى الشيخ أبو المعالى عن القاضى أبى بكر أن الفرق سؤال صحيح واحتج في ذلك بأن السلف الذين تبعناهم في أمر القياس والاحتجاج به قد كانوا يفرقون ويجمعون وثبت اعتبارهم بالفرق حسب ثبوت تعلقهم بالجمع وقد نقل ذلك في وقائع جرت في مجامع من أصحاب النبى ﷺ منها القصة المعروفة في إجهاض المرأة وإلقائها الجنين واستشارة عمر الصحابة رضى الله عنهم في ذلك. فقال عبد الرحمن ابن عوف: إنما أنت مؤدب ولا أرى عليك شيئا. فقال علي: إن لم يجتهد فقد غشك فإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة فكأن عبد الرحمن حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا وجعل الجامع أنه فعل ما له أن يفعله فاعترض عليه على وتشبث بالفرق وأبان أن المباحات المضبوطة ليست كالتعزيرات التي يجب الوقوف فيها دون ما يؤدى إلى الإتلاف. قال: ولو تتبعنا معظم ما خاض فيه الصحابة من المسائل علمنا أنهم كانوا يفرقون ويجمعون. ثم قال: بعد هذا ولا يبين مدرك الحق إلا بتفصيل نبديه وبه يتبين المختار ويدرك الحق في الفرق. فنقول رب فرق ملحق للجامع بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع مؤثرا مخيلا. فما كان كذلك فهو مقبول لا محاله غير معدود من الفروق التي لا تقبل ومن آيه هذا القسم أن الفارق يعيد جمع الجامع ويزيد فيه عليه ما يوضح بطلان أثره مثال ذلك أن الحنفى إذا قال في البيع الفاسد معاوضة جرت على تراضى فيصير الملك كما في البيع الصحيح فيقول الفارق المعنى في الأصل أنه معاوضة جرت على وفق الشرع فنقل الملك بالشرع بخلاف البيع الفاسد فإنه ينتقض هذا الكلام مبطلا إخاله المعلل وما ادعاه من إشعاره بالحكم مقبول ومن خصائصه إمكان البوح فيه بالغرض على سبيل الفرق بأن يقول السائل لا تعويل على التراضى على البيع الشرعى في الطرق الناقلة للملك قال: ومما يقع مدانيا لهذا أن الحنفى إذا قال: طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة

стр. 768

فالفارق بعيد [فى] كلامه ويقول المعنى في الأصل أنه طهارة عينية بالماء والضوء طهارة حكمية ومقصودة أن يجزم فقه الجامع ويلحقه بالطرد وهذا الأول وذكر مثالا آخر في مسألة مع ملك ثم قال: إن الفرق إذا بطل فقه الجمع فلا شك في كونه اعتراضا والفرق والجمع إذا ازدحما على فرع في محل النزاع فالمختار فيه عندنا اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل بطل الجمع وإن كان الجمع أخيل سقط الفرق وإن استويا أمكن أن يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتتا على صيغة التساوى وإن أمكن أن يقال: إن الجمع مقدم من جهة وقوع الفرع بعده غير مناقض له والجامع يقول لم ألتزم انسداد مسالك الفرق جملة. قال: وحاصل القول في مذاهب الجدليين يئول إلى ثلاثة مذاهب: أحدها: رد الفرق ورد المعارضة أيضا في الأصل والفرع جميعا. والمذهب الثانى: وهو منسوب إلى ابن سريج وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق أن الفرق ليس بسؤال على حالة واستقلاله وأما المعارضة في الفرع فمقبولة وهى سؤال متوجه. والمذهب الثالث وهو الصحيح: أن الفرق مقبول١ وليس الغرض منه مقابلة علة الأصل بعلة الغرض منه مناقضة الجمع ثم المقبول منه ينقسم إلى ما يبطل الجمع ويلحقه بالطرد أصلا ومنه ما لا يبطل فقه الجمع بالكلية ولكنه يشترط على فقه آخر مناقض لقصد الجامع ثم ذلك ينقسم إلى زائد في الإخالة على العة وإلى مساو لهما. قال: والقول الوجيز: إن قصد الجمع ينتظم بفرع وأصل ومعنى يشتمل على ذكر أصل وفرع وهما يفترقان وهذا يقع على نقيض غرض الجمع ومن ضرورته معارضة

стр. 769

الأصل والفرع ولكن الغرض منه مضادة الجامع بوجه فقهى أو بوجه تشبيه إن كان القياس من نفس التشبيه فعلى هذا لو سمى مسمى الفرق معارضة لم يكن متعديا ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمعارضين على الطرد والعكس بل المقصد منه فقة ينتظم من معارضات يشعر بمفارقة الفرع للأصل على مناقضة الجمع فهذا سر الفرق ومن وفر حظه من الفقه وذاق حقيقته أستبان أن المعارضة الكبرى التي عليها يتنجاز الفقهاء وهو الفرق والجمع والجامع أبدا يأتى ما يخيل اقتفاء الجمع والفارق يأتى بأخص منه مع الاعتراف بالجمع له الذى أبداه الجامع وبين الفارق الفرع والأصل إذا افترقا في الوجه الخاص كان الحكم بافترقهما أوقع من الحكم بالجمع الذى أبداه باجتماعهما في الوصف ثم يتجاذب الجامع والفارق أطراف الكلام هنا سرد كلامه مع اختصاره اخترته لئلا يطول ونحن نقول أما الذى حكاه عن أبى بكر الباقلانى فقد حاول شيئا بعيدا لأن الفرق والجمع على الوجه الذى نخوض فيه ما نقل عن الصحابة أصلا وإنما كانوا يتتبعون التأثيرات ومن تأمل فيما نقل عنهم علم مغزاهم في كلامهم وتيقن أنهم كانوا ينقلون المعاني المؤثرة والذى نقل عن عبد الرحمن بن عوف أنه أشار إلى عمر مؤدب وإن ما فعله حق فهو معنى صحيح والذى أشار إليه على في وجوب الضمان عليه معنى هو ألطف من المعنى الأول وإن كان لم يصرح به فقد بينا أن المراد من كلامه أنه وأن كان مباح التأديب ولكنه مشروط بالسلامة لأنه أمر ليس بحتم بل هو جائز فعله وجائز تركه ولم يكن على حد مضبوط في الشرع وتقدير قدره فيطلق فعله بشرط السلامة فليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذى نحن فيه بسبيل ولا ندرى كيف وقع هذا الخبط من هذا القائل وأين وقع الفرق فنحن لا ننكر الفرق بالمعانى المؤثرة وترجيح المعنى على المعنى وإنما الكلام في شئ وراء هذا وهو أن المعلل إذا ذكر علة قام له الدليل على صحتها بالوجوه التي قلناها فإذا فرق فارق بين الأصل والفرع بمعنى أبداه فإن كان فرقا لا يقدح في التأثير الذى لو كان المعلل في الحكم فيكون الفرق فرق صورة ولا يلتفت إليه وإن فرق معنى مؤثر في حكم الأصل فنهاية ما في الباب أن الحكم في الأصل يكون معللا بعلتين مؤثرتين وإحدى العلتين وجدت فرعا أثرت فيه وألحقته بالأصل والأخرى لم تجد فرعا يؤثر فيه فكيف يقدح هذا في الجمع الذى قصده المعلل وأن يبقى الفارق معنى مؤثرا في التفريق بين الفرع والأصل فالذى يقدح هو بيان معنى مؤثر في الفرع يفيد خلاف الحكم الذى أفاده المعنى الأول فلابد لهذا من اسناده إلى أصل فحينئذ يكون

стр. 770

معارضة ولا يكون الفرق الذى يقصد بالسؤال ونحن قد بينا أن المعارضة قادحة والتقسيم الذى قسمه في الفرق يبين أن الفرق على ما يقتضيه بعض التأثير ليس بصحيح بل إنما يصح الفرق على وجه يكون فيه إبداء سقوط فقه المعلل من العلة لكن أخرجه على صيغة الفرق والمثال الذى ذكره من مسألة البيع الفاسد ليس مما يتكلم فيه من شيء لأن البيع الذى لا يمكن إثبات المشروعية فيه لا يكون مفيدا للملك عند أحد من العلماء وهم لا يعتمدون على مجرد المعنى الذى ذكره لكن يثبتون وصفا من المشروعية في البيع الفاسد الذى وقع فيه الاختلاف فيقولون هو مشروع بأصله غير مشروع بوضعه فلهذا أوجبوا الملك ونحن ننفيها من كل وجه فنقول لا يفيد الملك لأن المشروع من الملك لا يثبت إلا بسبب مشروع فعلى هذا يقع تنازع الخصوم وتجالب المعانى وأما مسألة النية في الوضوء فعندنا قولهم طهارة بالماء علة باطلة ما لم يثبتوا المعنى المؤثر في ذلك وقول من قال من أصحابنا طهارة حكمية أيضا باطلة مل لم يبين التأثير على الجملة لا يتصور بوجهه سؤال الفرق معنى بيان علة أخرى في الأصل للحكم نعم إذا عكس ذلك المعنى في الفرق وبين تأثيره في الحكم على خلاف ما توجبه العلة وبين أصلا له فحينئذ تكون معارضة وقد بينا الكلام في المعارضة ونحن لا نبالى بغضب من يغضب بسبب إفساد الفروق على ما يعتاده المتفقهة الذين لا يرجعون إلى تحقيق ورضوا بصور ينتصبون للذب عنها والدفع عن حزبها ويتصالحون عليها من الجانبين ويظنون أن ذلك هو المطلوب في المسائل في الفقه منهم كبعد الإنسان من مناط الثريا والذى ادعاه هذا الذى حكينا قوله أن فيما قلته بيان سر المسألة فلا ينكشف من سره إلا الذى قدمناه ومن حاول توجيه سؤال الفرق إلا معارضة المعنى في الفرع بمعنى آخر وتمسكة بأصل آخر فقد رام شيئا بعيدا وطلب ما لا يوصل إليه بحيلة ما فليفهم المعترض وجوه الاعتراضات على النمط الذى قلناه وليعلم أن السؤال الصحيح على العلة المؤثرة الممانعة المعارضة ويورد النقض وفساد الوضع على بيان أن الوصف غير مؤثر ويظهر الوجه الذى قلنا عدم تأثيره بتوجه هذين السؤالين والله ولى المعونة في التمييز بين الحق والباطل منه وقد ذكر الأصحاب فيما يتصل بالفرق كلاما طويلا كثيرا ونحن إذا لم نره صحيحا إلا في المعارضة بجانب الفرع لم نر لذكر ذلك فائدة فاعترضنا عن جميعه وذكروا أيضا كلاما كثيرا وأمثلة في وجوه الاعتراضات الفاسدة وفيما ذكرناه كفاية فلا معنى لتسويد البياض وإملال الناظر فيما لا يعود بفائدة والله العاصم بمنه.

стр. 771

فصل: الترجيحات في العلل ... "فصل" ولما ذكرنا توجه سؤال المعارضة فلابد أن نذكر الكلام في الترجيحات ونبين وجوه ذلك فنقول: أولا إن: تعارض العلتين على ضربين: أحدهما: أن تتعارضا في حق المجتهدين فلا يوجب التعارض فسادهما لأن كل واحد منهما مكلف باطل ما أداه إليه اجتهاد. والضرب الثانى: إن تعارضا في حق مجتهد واحد فيوجب التعارض فسادهما إلا أن يوجد ترجيح لإحدى العلتين على الأخرى. ثم اعلم: أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم لأن العلم لا يتزايد وإن كان يجوز أن يكون بعضه أقوى من بعض وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب للعلم وبين دليل موجب للظن لأن المفضي إلى الظن لا يبلغ رتبة الموجب للظن ولو رجح الدليل المفى إلى الظن بكل ترجيح لكان الدليل الموجب للعلم مقدما عليه ثم متى تعارضت العلتان المقربتان للظن فلا شك أن العلة القياسية لا تفيد الظن فإذا لم يكن بد من ترجيح إحديهما على الأخرى فنقول: الترجيح يكون من وجوه: أحدها: أن تكون إحديهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى منتزعة من أصل غير مقطوع به فالمنتزعة من المقطوع به أقوى وأولى لأن مثلها أولى فتكون أقوى١. والثاني: أن تكون إحديهما عرفت بنطق والأخرى عرفت بمفهوم واستنباط فما عرفت بالنطق أقوى فيكون المنتزع منه أقوى٢. والثالث: أن تكون إحديهما عموما لم يخص وأصل الأخرى يكون عموما قد دخله التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف فإن من الناس من قال: قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه٣.

стр. 772

والرابع: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص بالقياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه يكون أولى. والخامس: أن يكون أصل إحديهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى من القياس على ما ليس من جنسه. والسادس: أن تكون إحديهما مردودة إلى أصل واحد والأخرى مردودة إلى أصول فتكون المردودة إلى أصول أولى. ومن أصحابنا من قال: هما سواء والأول أصح لأن ما كثرت أصوله يكون أقوى. والسابع: أن تكون إحديهما صفة ذاتية١ والأخرى صفة حكمية فالحكمية تكون أولى ومن أصحابنا من قال: الذاتية أولى لأنها ألزم والأول أصح لأن الحكم بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى: والثامن: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط٢. والتاسع: أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفى لا يكون علة على الأصح٣. والعاشر: أن تكون إحداهما اسما والأخرى صفه فتكون الصفة أولى من الاسم لأن الأصح أن الاسم [لا يمكن] ٤ أن يكون علة. الحادى عشر: أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا ومن أصحابنا من قال: القليلة الأوصاف أولى لأنها أسلم ومنهم من قال: التي كثرت أوصافها أولى لأنها أكثر شبها بالأصل٥.

стр. 773

والثاني عشر: أن تكون إحداهما أكثر فرعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال: ما كثرت قفروعها أولة لأنها أكثر فائدة ومنها من قال: هما سواء١. الثالث عشر: أن تكو إحداهما متععدية والأخرى واقفة بالمتعدية أولى لأنها مجمع على صحتها والواقفة مختلفف في صحتها٢. الرابع عشر: أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتى تطرد وتنعكس أولى لأن التي تطرد وتنعكس تكون أقوى في الظن ولأن الاطراد ليس بدليل لصحة العلة وأما الاطراد والانعكاس فدليل على ما سبق٣. الخامس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى احتياطا في الغرض والأخرى لا تقضى احتياطا فالتى تقتضى الاحتياط أولى لأم القلب يكون عليه أسكن. السادس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى الحظر والأخرى تقتضى الإباحى فمن أصحابنا من قال: هما سواء والأصح التي تقتضى الحظر أوللى لأنها أحوط٤. السابع عشر: أن تكون إحداهما تقتضى النقل من الأصل إلى الفرع الشرعى والأخرى تقتضى التبقية على الأصل فالناقلة أولى ومن اصحابنا من قال: المتبقية أوى والأول أصح لآنها تفيد حكما رشعيا لا تفيده هذه الثامن عشر: أن تكون إحداهما توجب حدا والخرى تسقطه أو إحديهما توجب العتق والأخرى تسقطه فمن أحابنا نت قال التي توجب العتق تسقط الحد أولى لأن العتق مبنى على الإيقاع والتكميل والحد من على الاستنباط والدرأ ومن اصحابنا من قال: لا يترجح بما بينا لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في الحكم الشرع على السواء٥. التاسع عشر: أن تكون إحديهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها عموم فما يوافقها العموم أولى ومن أصحابنا من قال: لا يكون أولى والأول أصح لأن العموم دليل بنفسه فإذا انضم إلى القياس يقويه.

стр. 774

العشرون: أن بكون مع إحديهما قول صحابى ولا يكون مع الأخرى فالتى معها قول الصحابى أولى لأن قول الصحابى حجة في قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس قواه ففالأقوى أولى١. الحادى والعشرين: أن تكون إحديهما تعم حكم أهلها والأخرى تخص حكم أصلها كتعليل البر بالطعم يعم ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيرة وتعليله بالكيل ينفى ثبوت الربا فيما رر يكال من ابر ومن التعليل منه فرجح التعليل بالطعم لأنه عم حكم أصله على التعليل بالكيل لأنه خص حكم أصله. الثانى والعشرين: أن تكون إحديهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى مأخوذ من أصل مختلف في تعليله فتكون المأخوذة من أصل متفق على تعليله أولى. الثالث والعشرون: أن تكون إحديهما تدخل فروعها في فروع الأخرى فيكون الأعم أولى وهذا مثل تعليل الربا بالطعم يكون أولى من التعليل بالقوت لأن القوت يدخل في الطعم والطعم لا يدخل في القوت. الرابع والعشرين: أن تكون إحديهما تفيد حكما هو أزيد من الآخر كالندب والإباحة فرجح الندب على الإباحة وكذلك الوجوب والندب. الخامس والعشرون: أن تكون إحديهما موافقة للأصول والأخرى مخالفة لها. فهذا جملة ما ذكره العراقيون٢ من أصحابنا في الترجيح ذكرها القاضى أبو الطيب والقاضى أبو الحسن الماورددى والشيخ أبو إسحاق الاشيرازى. واعلم بعد هذا أت الترجيح في اللغة عبارة عن إثبات الرجحان وهو الزيادة لأحد المثلين على الآخر صفة٣. فقال: هذه الدراهم راجحة إذا مالت كفة الدراهم على كفة السنجاات صفة وهى صفة الثقل فرجحان أحد العلتين ععلى الأخرى زيادة قوة إحدى العلتين وتلك القوة رجحان. قال أبو زيد: ولنا انضمام علة إلى علة أخرى لا توجب رجحان تلك العلة وقد قال بعض أصحابنا: يترجح بذلك إلا أن الأول أصح لأن الشئ لا يتقوى إلا بصفة توجد في ذاته وإنما يغير انضمام غيره إليه لا يقوى الدليل عليه المحسوسات فكذلك

стр. 775

العلة لا يتصور تقويها بانضمام علة أخرى إليها وإنما تتقوى بوجود صفة فيها ولهذا قلنا: إن الشهادة لا ترجح بكثرة العدد حتى أن شهادة الأربع تساوى شهادة الاثنين هذا قد منعه بعض أصحابنا ولهذا الأصل قلنا: إن صاحب النصيب القليل وصاحب النصيب الكثير في الشفعة على السواء لأن كل جزء من العرصة١ والشقص علة تامة في الاستحقاق بالشفعة فلا يترجح أحدهما بزيادة نصيبه لأنه انضمام علة إلى علة أخرى. قالوا: ولهذا لا يصير صاحب الكثير أولى بالاستحقاق من صاحب القليل ولكن ثبت استحقاقه بقدر النصيب ولا يقال إن لصاحب الكثير طرفا في الاستحقاق ولصاحب القليل طريقا واحدا فيوجب أن يقدم صاحب الكثير الذى له طرق كثيرة في الاستحقاق فدلت هذه المسألة أن نضمام علة إلى علة لا يوجب رجحان العلة. قالوا: ولهذا نقول إذا ماتت المرأة وتركت ابنى عم أحدهما زوج لها وأحدهما أخ لأم فإن صاحب القرابتين لا يترجح في الاستحقاق على الآخر بل يكون لابن العم الذى هو زوج نصف المال بالزوجية والباقى بينه وبين ابن العم الآخر نصفان وكذلك في المسألة الثانية يكون لابن العم الذى هو أخ لأم سدس المال والباقى بينهما نصفان بالعصوبة لأن الأخوة والزوجية علة على وحدة فانضمامها إلى العصوبة لا يوجب رجحان العصوبة والأصل ما بينا أن انضمام علة لا يوجب زيادة قوة في العلة قالوا: وإنما تترجح العلة بزيادة التأثير والعلة تصير علة بالتأثير فما كان أكثر تأثيرا يكون أولى بالعمل وضرب لهذا مثلا في طول الحرة وذكر ما بينا لهم في تلك المسألة وزعم أن الذى قالوا: أكثر تأثيرا وذكر أيضا مسألة غصب المنافع وحكى عن أصحاب الشافعى أنهم قالوا: لم يجب ضمان المنافع إذ أتلفت لم يجبر لأن التضمين يضمن إيجاب زيادة على المتلف في الضمان وفيه إلحاق الضرر ولكن مع هذا الإيجاب أولى لأن فلى الإيجاب إبطال من بعض حق المتلف وفى الامتناع من الإيجاب إلحاق الضرر بالمظلوم وإلحاق الضرر بالظالم أولى فكان الإيجاب أولى من الامتناع منه قال: إلا أنا نقول: إن الامتناع عن إيجاب الضمان مع كون المتلف متقوما مشروع بدليل إتلاف الحربى والباغى وأما القضاء بزيادة في الضمان غير مشروع فكان الامتناع من إيجاب الضمان أولى ولأن في الامتناع عن القضاء بإيجاب الضمان تأخير
следующие страницы →