أقاليم التوزيع السكاني المبعثر:
تعد المناطق الجافة والغطاءات القطبية والجبال المرتفعة والغابات الكثيفة أقاليم التبعثر السكاني على خريطة العالم فتبدو الصحاري مناطق بيضاء شاسعة على خريطة السكان لندرة المياه وبالتالي ندرة الحياتين النباتية والحيوانية وهناك إقليمان صحراويان شاسعان في نطاق الرياح التجارية في كل من نصفي الكرة وإن كانت صحراء النصف الشمالي أكبر بكثير من مثيلتها
стр. 492
في النصف الجنوبي. ولا يتوزع السكان في هذه الصحاري إلا في جيوب منعزلة حيث تتوفر المياه كما في مصر، التي تبدو كواحة طويلة تعتمد على
شكل "١٤٧" توزيع السكان في العالم
стр. 493
مياه النيل وهي بالرغم من كثافة السكان العالية بها فإنها لا تمثل إلا منطقة ضئيلة للتركز السكاني في الصحاري؛ ذلك لأن الصحاري بصفة عامة تعد أقل مناطق العالم كثافة للغاية حتى إن بعض مناطقها تصل الكثافة بها إلى فرد واحد لكل عشرة كيلو مترات مربعة ومع ذلك ففي بعض الواحات يتركز السكان بدرجة عالية من الكثافة لا تتمشى مع مواردها المحلية، ويحدث ذلك عندما توجد المياه بكميات وفيرة.
وتساعد الأمطار التي تسقط في بعض المناطق الجافة على قيام حياة رعوية تمد أعدادا قليلة من السكان باحتياجاتهم الرئيسية، ففي إستبس القرغيز تتفوق أعداد الحيوانات على عدد السكان وحتى على حواف الصحراء الاسترالية فإن القطعان الضخمة من الأغنام التي تزيد على ٥٠.٠٠٠ رأس لا تتطلب سوى عمل حوالي ١٥ شخصا فقط. وفي بعض الحالات القليلة يجذب استخراج المعادن السكان إلى قلب الصحراء حيث تنشأ مدن صغيرة تعدينية في هذه البيئة القاحلة وحيث يعتمد العاملون في هذه المدن على جلب احتياجاتهم من الغذاء والماء من خارج هذه البيئة. وقد ساعد التعدين على خلق مدن صحراوية وتضخمها مثل تعدين الذهب في الصحراء الاسترالية "كالجورلي" والولايات المتحدة "كربيل كريك Cripple Creek" كذلك في قلب صحراء شبه الجزيرة العربية ساعد استخراج النفط على قيام مراكز عمرانية مشابهة تعتمد على الخارج.
أما البرودة فإن تأثيرها على توزيع السكان أقل من الجفاف ومع ذلك فإن شعوب القنص والصيد البدائية في النطاق القطبي قليلة العدد وتقل أعدادهم بالاتجاه شمالا حتى إن عددا قليلا من الإسكيمو الذين يصيدون عجول البحر لديهم القدرة على اختراق الأصقاع الشمالية حتى خط عرض ٥٤ - ٨١ شمالا. أما في نصف الكرة الجنوبي فإن العمران البشري يبتعد كثيرا عن القطب الجنوبي حيث تبتعد تيراد لفويجو عن القارة المتجمدة الجنوبية بحوالي ٦٠٠ أو ٨٠٠ كيلو متر.
وتتمثل مناطق التركز البشري في الشمال البارد لدى بعض الجماعات مثل الإسكيمو واللاب والصامويد وغيرها، ولا يتجاوز عدد السكان شمال خط عرض ٦٥ درجة شمالا مليون نسمة فقط وتبلغ مساحة النطاق القطبي وشبه القطبي
стр. 494
قرابة ٢٧ مليون كيلو متر مربع، ومن هذا النطاق ألاسكا ومساحتها ١.٦ مليون كيلو متر مربع وسكانها ١٣٠.٠٠٠ نسمة وشمال كندا ومساحتها ٦ ملايين كيلو متر مربع وسكانه أقل من ١٠٠.٠٠٠ نسمة وجرينلندا ومساحتها ٢.٢ مليون كيلو متر مربع وسكانها ٢٥.٠٠٠ نسمة والنطاق القطبي السوفيتي ومساحته ٦ ملايين كيلو متر مربع وسكانه قرابة نصف مليون نسمة وانتاركتيكا في الجنوب ومساحتها ١٢ مليون كيلو متر مربع ولا يسكنها إلا عدد محدود من علماء الأرصاد الجوية وبعض رجال القواعد العسكرية ومعنى ذلك أن حوالي ٢٠% من جملة مساحة اليابس لا يقطنه سوى ٠.٠٢% من جملة سكان العالم١.
وترجع ندرة السكان في النطاقات القطبية إلى قسوة مناخها وعدم ملاءمة الظروف الفسيولوجية للجسم البشري في الأحوال العادية فهذه المناطق تعد أقاليم شتاء دائم ولا يتعدى أكثر الشهور حرارة بها ١٠ درجات مئوية فوق الصفر وتظل الحرارة من - ٣٠ درجة إلى - ٦٠ درجة مئوية في معظم شهور السنة.
أما في الجبال فيقل عدد السكان بالارتفاع، ولذا فإن الجبال الشاهقة غير معمورة دائما فلا يعيش في هضبة التبت سكان على مستويات أعلى من ١٥٠٠٠ قدم وفي سويسرة فإن المناطق التي تعلو على ٣٣٠٠ قدم لا تحوي سوى ٥% فقط من جملة سكان البلاد والمناطق التي تزيد على ٥٠٠٠ قدم لا يعيش بها سوى ٠.٥% من السكان. وفي البيئة الباردة فإن عدد السكان يتناقص في مناسيب ارتفاعات أقل من البيئات الأخرى ففي سكوتلاند وويلز تبدأ ندرة السكان على ارتفاع عدة مئات من الأقدام عن سطح البحر وعلى ذلك فإن الجبال تتباين في دورها في توزيع السكان حسب العروض التي توجد بها حيث يتركز السكان في المناسيب التي تلائم ظروفها الطبيعية معيشتهم وقد يكون استخراج المعادن من المناطق الجبلية المرتفعة سببا في جذب السكان وتركزهم في هذه المرتفعات ففي بيرو يتم استخراج المعادن الثمينة في مدينة سيرودي باسكو Cerro de Pasco "١٤٢٧٠ قدم وبوتوسي Potosi "١٣٣٥٠ قدم" وأورورو Ouroro "١٢٣٥٠ قدم".
стр. 495
كذلك فإن هناك مناطق جبلية لعبت دورا هاما في جذب اللاجئين إليها وأدى ذلك إلى ارتفاع الكثافة السكانية بصورة غير عادية كما في جبال القبائل في الجزائر وجبال الألب الترانسلفانية ومع كل ذلك فإنه رغم جذب الجبال في بعض الأقاليم للسكان فإنها تدخل ضمن المناطق المبعثرة على خريطة السكان في العالم.
أما المناطق الغابية فيصعب إقامة مراكز عمرانية بها وكانت غابات النطاق المعتدل خالية من السكان يوما ما، واليوم فإن غابات الأمازون الشاسعة لا يوجد بها إلا عدد قليل للغاية من السكان نسبيا بالمقارنة مع المناطق المرتفعة الخالية من الغابات والتي تتراوح كثافة السكان بها من ٨٠ - ١٠٠ نسمة في الميل المربع، ويمكن ملاحظة نفس التناقض في الفلبين حيث تكون الجبال المغطاة بالغابات غير مسكونة بينما تكون السهول الخالية من الغابات والتي تسود فيها الزراعة كثيفة السكان.
وتتميز كل هذه الأقاليم المبعثرة السكان بملمح مشترك هو العمران غير المنتظم ذو النمط المشتت Sporadic ومثل هذا التبعثر يجعل من الحديث عن الكثافة أمرا غير ذي معنى وذلك لأن هناك مساحات واسعة غير مسكونة على الإطلاق، بينما توجد نقط صغيرة هي التي يتركز فيها السكان وأحسن الأمثلة على ذلك تلك البؤرات الكثيفة السكان الممثلة في الواحات المبعثرة في صحاري أفريقيا وغرب آسيا وهذه مناطق تتصف بمزايا تعوضها عن الجفاف البيئي فهي ذات تربات خصبة فيضية منقولة أو محلية وبمناخ مشمس ودافئ أو بتوافر مورد للمياه وهي سمات يتميز بها نطاق الواحات الذي يمتد من البنجاب حتى بكتريانا "Bactriana" شمال أفغانستان وفي غرب آسيا من العراق حتى ساحل سوريا ولبنان "الهلال الخصيب" وفي مصر التي عرفت الزراعة منذ عهود قديمة وشهدت ثورة اقتصادية في القرن التاسع عشر تمخضت عنها زيادة ضخمة في عدد السكان من ٤.٤ مليون نسمة سنة ١٨٤٦ إلى ١٤ مليونا ١٩٢٧ ثم إلى ٣٨ مليونا ١٩٧٦.
стр. 496
أقاليم التوزيع السكاني الكثيف:
تبدو على خريطة العالم أربع مناطق كثيفة السكان تفصلها عن بعضها
стр. 497
البعض صحاري أو بحار، وهذه المناطق هي شرق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والهند والصين واليابان وتقع كلها في نصف الكرة الشمالي وبالتحديد بين مدار السرطان وخط عرض ٦٩ درجة شمالا، وهي تحوي أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم ومن بين هذه المناطق نشأت الولايات المتحدة منذ قرابة مائتي عام فقط. وفيما عدا اليابان فإن هذه المناطق تتميز بسمة مشتركة، في أنها كلها مناطق ذات سهول واسعة تتكون من أودية نهرية مثل الهوانجهو واليانجتسي كيانج والجانج وسهل شمال وشرق أوروبا ثم أودية المسيسبي وروافده كذلك فهي دول أنهار كبرى وقريبة من البحر وأصبحت كلها من مناطق إنتاج الحبوب بوفرة سواء إنتاج القمح والذرة والأرز وتعد أوروبا وأمريكا الشمالية منطقتان للتركز السكاني يفصلهما المحيط الأطلسي الشمالي ولكنهما في الواقع امتداد لبعضهما؛ ذلك لأن سكان أمريكا الشمالية من أصول أوروبية ولها نفس المستوى الحضاري.
توزيع السكان في أوروبا:
أوروبا من القارات التي يأخذ توزيع السكان فيها نمطا متدرجا منتظما حيث منطقة الكثافة العظمى بها في الشمال الغربي وتقل بالاتجاه شمالا وشرقا وجنوبا، وباستثناء سكان الاتحاد السوفيتي فإن عدد سكانها يبلغ ٤٨٦ مليون نسمة يعيش ثلثا هذا الرقم في مناطق عالية الكثافة وليست هناك مساحات واسعة خالية السكان أو فجوات متسعة ذات تخلخل سكاني واضح كما تبدو صورة السكان في شبه القارة الهندية مثلا وهذا التجمع السكاني الأوروبي الضخم كان منبعا للهجرة الخارجية من القارة والتي غيرت من صورة التوزيع السكاني في العالم الجديد وفي الأمريكتين واستراليا بل وفي بعض مناطق أفريقيا كذلك.
وبالرغم من الحقيقة المعروفة من أن أوروبا قد شهدت هجرة خارجية على نطاق واسع في القرنين الأخيرين -بخلاف أي قارة أخرى- إلا أنها أكثر القارات ازدحاما "تعد آسيا أكثر سكانا إلا أن بها مناطق واسعة تخلو من السكان" وقد يكون ارتفاع كثافة السكان في أوروبا راجعا إلى أنها لا تضم مناطق صحراوية جافة، مع صغر المساحة الواقعة في النطاق البارد في شمالها ثم توافر الموارد المعدنية الطبيعية والغابات والتربة الخصبة في نطاق العروض الوسطى، كذلك فإن سكان هذه القارة موزعون توزيعا غير عادل ومع ذلك فإنها أكثر القارات تجانسا في توزيعهم بالمقارنة بباقي القارات، يرجع ذلك إلى ضآلة مناطق
стр. 498
التخلخل السكاني فيها بصفة عامة فإن منطقة الكثافة السكانية العالمية بها تمتد من وسط بريطانيا عبر شمال شرق فرنسا والأراضي المنخفضة وتستمر حتى الحدود الغربية للاتحاد السوفيتي وهناك مناطق أخرى ذات كثافة عالية مثل حوض البو في إيطاليا وحوض الرون الأدنى في فرنسا.
وتبدو درجة التباين في مستويات الكثافة إذا ما قورنت بعض الدول بغيرها فتعتبر هولندا أكثر الدول كثافة حيث تصل إلى ٨٠٠ نسمة في الميل المربع وتليها بلجيكا "٧٥٠" ثم بريطانيا "٥٤٣" وألمانيا "٥٠٠" وإيطاليا "٤٢٥" ثم فرنسا "٢٠٣".
ويرتبط توزيع السكان في أوروبا بعامل التضاريس حيث تعد المناطق السهلية أكثر ملاءمة للسكنى مما يترتب عليه تركز واضح للسكان وأوضح الأمثلة على ذلك تلك المنطقة السهلية الممتدة من غرب فرنسا خلال الأراضي المنخفضة وشمال ألمانيا مشتملة على أجزاء من جنوب شرق إنجلترا وكذلك في مناطق السهول الصغرى مثل سهل البو وسهل الرون ومنخفضات جنوب إسبانيا وقد تكون بعثرة السكان وتخلخلهم في المرتفعات الأوروبية -هضابا كانت أم جبالا- ناتجة عن برودتها بالنسبة للسهول المجاورة مما يجعلها أقل ملاءمة للزراعة ومن ثم للتركز السكاني كذلك يبدو أن هناك ارتباطا قويا في شمال غرب أوروبا بين توزيع السكان وحقول الفحم والتي تتصل اتصالا سهلا بمناجم الحديد ومن ثم كونت أساسا مبكرا لقيام الصناعة.
стр. 499
شكل "١٤٨" أكثف المناطق سكانا في أوروبا
стр. 500
الفصل الثاني: النمو الطبيعي للسكان
مدخل
...
الفَصلُ الثَّاني: النّمُو الطبيعِي لِلسُّكان:
يعد النمو السكاني في العالم أبرز الظاهرات الديمغرافية المميزة في العصر الحديث حيث يمثل تحديا هاما للبشرية وخاصة بالنسبة للشعوب النامية التي يتزايد سكانها بمعدل كبير يزيد على معدل التزايد في التنمية الاقتصادية بها وتوفير الغذاء لسكانها، ويرتبط نمو السكان بالزيادة الطبيعية -وهي الفرق بين المواليد والوفيات- دون أن تدخل الهجرة في حسابها، ولذلك فإن دراسة النمو السكاني القائم على أساس الزيادة الطبيعية في بلد ما يسهم في تحديد المدة التي يستغرقها هذا البلد في الوصول إلى حجم معلوم إذا استمرت المعدلات بنفس مستواها، وإذا كان معدل الزيادة الطبيعية في دولة ما هو ١٠ في الألف فإنه يزيد بمعدل١ في المائة سنويا بطبيعة الحال وإذا استمر هذا المعدل ثابتا فإن عدد سكان هذه الدولة يتضاعف في مدى ٧٠ عاما فقط ذلك لأن السكان يزيدون وفقا لمبدأ الفائدة المركبة وليس مبدأ الفائدة البسيطة أي أن القاعدة وهي حجم السكان في سنة الأساس تزيد سنويا بمقدار الزيادة خلال السنة السابقة١.
ويبين الجدول التالي عدد السنوات التقريبي الذي يتطلبه شعب ما كي يتضاعف عدده وفقا لمعدلات سنوية مختلفة للنمو الطبيعي وذلك بافتراض ثبات هذا المعدل من ناحية وأنه لا وجود لهجرة صافية من البلد أو إليه من ناحية أخرى.
стр. 501
معدل الزيادة الطبيعية في المائة سنويا عدد السنوات اللازمة لتضاعف عدد السكان
٣.٥ ٢٤
٢.٥ ٢٩
٢.٠ ٣٥
١.٥ ٤٧
١.٠ ٧٠
٠.٥ ١٤٠
وفي ضوء معدلات النمو السكاني للعالم سنة ١٩٧٠ فإن سكانه سيتضاعفون في مدة ٣٥ سنة، وتختلف قارات العالم النامي والمتقدم فيما بينها في هذا العدد وذلك انعكاسا لتباين معدلات النمو السكاني بها بطبيعة الحال وتتراوح المدة اللازمة لتضاعف السكان بين ٢٤ سنة في أمريكا اللاتينية و٢٧ سنة في أفريقيا و ٣١ سنة في آسيا مقابل ٦٣ سنة في أمريكا الشمالية و ٧٠ سنة في الاتحاد السوفيتي و٨٨ سنة في أوروبا. أما فيما بين الدول فإن أدنى مدة تسود في الباكستان والفلبين وتايلاند "٢١" وأعلى مدة تسود في فنلنده والنمسا "١٧٥" سنة.
وتعتمد دراسة النمو السكاني على مقياس هام هو معدل النمو السكاني وهو يعد أساسا لدراسة درجة التغير في حجم السكان في إقليم ما في فترة زمنية محددة ويحسب هذا المعدل بطريقتين إحداهما هي حساب الفرق بين السكان في تعدادين مختلفين والأخرى هي تقدير معدل التغير من سجلات المواليد والوفيات والهجرة.
والطريقة الأولى التي تعتمد على جملة عدد السكان في تعدادين مختلفين هي الطريقة الشائعة لحساب معدل تغير السكان في المجتمع ويمكن الحصول على هذا المعدل باستخدام طريقتي المتوالية العددية والمتوالية الهندسية.
стр. 502
تطور النمو السكاني في العالم:
بلغ عدد سكان العالم في سنة ١٩٧٦ نحو ٤٢٥٧ مليون نسمة وقد تطور
стр. 503
عددهم تطورا كبيرا في الأجيال الثلاثة أو الأربعة الأخيرة وليس من السهل تقدير عدد سكان العالم في الفترات التاريخية القديمة قبل سنة ١٦٥٠ التي تعد لدى كثير من الباحثين بداية التقدير المعقول للسكان وذلك اعتماد على تفسير الحقائق المستقاة من كتابات الرحالة والأجانب الذين امتدت إقامتهم بين الشعوب المختلفة.
وقد اختلف تقدير العلماء لسكان العالم فيما قبل بداية القرن العشرين "جدول رقم٢" ويعد تقدير كارسو ندرز Saunders أبرز هذه التقديرات وقد قدر عدد سكان العالم في سنة ١٦٥٠ بنحو ٥٤٥ مليون نسمة إلا أنه يبدو أن معدل النمو السنوي للسكان قد تضاعف فيما بين عامي ١٦٥٠ و ١٨٥٠ فتعدى السكان الألف مليون نسمة ثم تضاعف مرة أخرى في العشرينات من القرن العشرين ثم مرة ثالثة فيما بعدها حتى وصل عدد السكان إلى ٢٥٠٠ مليون نسمة سنة ١٩٥٠ ثم ٣٦٣٥ مليون نسمة سنة ١٩٧٠ ومعنى ذلك أن سكان العالم قد تضاعفوا خلال القرن الحالي وتزايد خلال الخمسينات فقط بما يصل إلى قرابة ٥٠٠ مليون نسمة وهذا الرقم يعادل إجمالي سكان العالم في منتصف القرن السابع عشر، وتربو الزيادة السنوية في الوقت الحاضر على ٨٠ مليون نسمة في المتوسط يضافون إلى حجم سكان العالم سنويا وإذا استمر معدل النمو السكاني بمستواه الحالي فإن سكان العالم سيتضاعفون حوالي ست مرات خلال مائة عام، ولقد قدر خبراء الأمم المتحدة أن سكان العالم سيصل عددهم إلى رقم يتراوح بين ٦٠٠٠ مليون إلى ٧٠٠٠ مليون نسمة سنة ٢٠٠٠.
ويكون الآسيويون حتى بدون الاتحاد السوفيتي غالبية سكان العالم على امتداد الفترات التاريخية المختلفة وحتى الوقت الحاضر ويليهم في ذلك قارة أوروبا بما فيها الاتحاد السوفيتي وإن كانت نسبة الزيادة لدى السكان الأوروبيين قد قلت في العصر الحديث عما كانت عليه من قبل وذلك ناتج عن انخفاض الزيادة الطبيعية لديهم من ناحية وتعرض القارة الأوروبية لهجرات خارجة إلى قارات العالم الجديد من ناحية أخرى، وقد أسهمت هذه الهجرات في تزايد أعداد سكان هذه القارات التي تمثلهم أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية أوضح تمثيل ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر ثم استراليا في أواخره.
стр. 504
شكل "١٤٩" نمو السكان في العالم
стр. 505
جدول رقم "٢"
تقديرات سكان العالم في السنوات ١٦٥٠ - ١٩٧٦ بالملايين١
أ- a.thompson, w., lewis, D., Population Problems, op.cit, P.٣٨٤.
ب- B. U. N. Demographic Year book, ١٩٦٠ and ١٩٧٠.
ج- U. S. Dept. of Commerce, World Population, ١٩٨١.
стр. 506
عوامل النمو السكاني في العصر الحديث:
تضافرت مجموعة من العوامل أدت إلى التزايد السكاني الكبير الذي يشهده العالم في العصر الحديث، وكان من أبرزها تلك الثورة الزراعية في وسائل الإنتاج الزراعي وأساليبه، وقد تمكن البشر بواسطتها من مواجهة أثر الكوارث التي كانت تقلل من أعداد السكان في الماضي، وقد بدأت الثورة الزراعية الحقيقية في دول الغرب منذ أوائل القرن الثامن عشر في إنجلترا وبعض الدول الأوروبية ثم ما لبثت أن انتشرت نحو دول أخرى في العالم بل إن هذه الثورة ما زالت مستمرة في بعض الدول النامية التي أخذت بأساليبها حديثا.
وقد واكب هذه الثورة الزراعية انقلاب صناعي كذلك في القرن الثامن عشر كان له أبرز الأثر في زيادة الإنتاج وتطور وسائل النقل وكان أبرز مظاهر هذا الانقلاب اختراع الآلة البخارية سنة ١٦٩٨ وما أدخل عليها من تعديلات في السنوات التالية ثم ما لبث استخدام البخار أن انتشر بعد ذلك كطاقة رئيسية في الآلات ولم ينته الربع الأول من القرن التاسع عشر حتى بدأ استخدامها في النقل بالسكك الحديدية وبالسفن.
وكان أثر هذه الوسائل التقنية في الزراعة والصناعة والنقل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالغا في زيادة قدرة الإنسان على إنتاج الغذاء والضروريات الأساسية الأخرى وأهم من ذلك كله ساعد التحسن في فنون النقل على فتح أراضٍ جديدة شاسعة خاصة في نصف الكرة الغربي والأوقيانوسية وما ترتب على ذلك من هجرة سكانية ضخمة إليها حتى إن أمريكا الشمالية مثلا كان يسكنها قبل وفود الأوروبيين إليها في القرن السابع عشر والسنين التالية عدد يتراوح بين ٥٠٠.٠٠٠ إلى مليون نسمة من الهنود الحمر ولكنها تحتوي اليوم ما يزيد على مائتي مليون نسمة.
وفي خلال الفترة من ١٦٥٠ - ١٨٥٠ كان تطور الأساليب الجديدة في الزراعة والصناعة والنقل والاستقرار السياسي النسبي من العوامل الهامة التي أدت إلى تزايد سكان الغرب زيادة جعلت روبرت توماس مالثوس يكتب نظريته المشهورة في الفترة من ١٨٠٠ - ١٨٠٢ محذرا عن عواقب التزايد السكاني والصراع بينه وبين الموارد الغذائية السائدة.
стр. 507
وقد بدت معدلات المواليد في دول شمال وغرب أوروبا في الهبوط منذ سنة ١٨٥٠ وبدأت كثير من الدول الأوروبية في التحصين ضد بعض الأمراض الوبائية مثل الجدري كما ساعد النقل على تلبية الاحتياجات الغذائية في الأماكن البعيدة وأدى ذلك كله إلى انخفاض معدل الوفيات في هذه الدول الغربية حيث هبط في دول غرب أوروبا من ٢٤ في الألف سنة ١٨٥٠ إلى ١٦ في الألف سنة ١٩٠٠ مما يعكس التقدم الصحي الذي بدأ يميز هذه الدول١.
ومعنى ذلك أن الطفرة السكانية في العصر الحديث قد نتجت عن الزيادة الطبيعية الكبيرة والتي نتجت بدورها عن انخفاض معدل الوفيات مع بقاء معدلات المواليد ثابتة أو انخفاضها انخفاضا طفيفا في بعض مناطق العالم ولقد أوضحت الإحصاءات أن الانخفاض السريع في معدلات الوفاة كان سببا رئيسيا للتزايد السكاني السريع في العصر الحديث وقد ارتبط انخفاض معدلات الوفاة بارتفاع في متوسط أعمار الأفراد فمنذ مائتي عام مثلا كان لا ينتظر الوليد الجديد أن يعيش أكثر من ٣٥ - ٤٠ سنة وذلك حتى في البلاد التي كانت الظروف الصحية ملائمة بها، أما في الوقت الحاضر فقد ارتفع أمد الحياة وتجاوز ٦٥ سنة في بلاد متعددة وما زال في اتجاهه نحو التزايد في معظم دول العالم بفضل التقدم العلمي الكبير الذي تصدى لكثير من أسباب الوفيات وخاصة في الأعمار المبكرة والتي تكون نسبة عالية من جملة الوفيات.
وقد بدأ الانخفاض الواضح في معدلات الوفيات في دول شمال أوروبا في وقت مبكر من القرن التاسع عشر، واستمر هذا الانخفاض بعد ذلك حتى صار المتوسط الحالي للوفيات في دولها حوالي ١٠ في الألف -وهو يعد أقل من ثلث المعدل الذي كان سائدا في أوائل القرن التاسع عشر، كذلك نتج عن انخفاض معدل الوفيات في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا بدرجة ملحوظة في العقود الأخيرة مع ارتفاع معدلات المواليد أن أصبحت هذه القارات تعاني من النمو السريع للسكان حتى إن معدل النمو في كثير من دولها يبلغ ضعف معدل النمو العالمي.
стр. 508
والواقع أن الدول الأوروبية لم تشهد في تاريخها معدلا للنمو السكاني كالذي تشهده حاليا كثير من الدول النامية، فقد كانت قمة الزيادة الطبيعية في إنجلترا وويلز ١٤ في الألف وإسكنديناوه ١٢ في الألف وتعد بذلك نصف معدل الزيادة الطبيعية السائد في كثير من الدول النامية في الوقت الحاضر والسبب الرئيسي كما سبق القول هو الهبوط الكبير في معدل الوفيات، ففي موريشيوس مثلا تزايد أمد الحياة من ٣٣ إلى ٥١ سنة في فترة ثمانية أعوام فقط بعد الحرب العالمية الثانية في الوقت الذي استغرقت فيه السويد ١٣٠ سنة لتحقق هذه النتيجة كذلك فإن نجاح سري لانكا "سيلان سابقا" في القضاء على الملاريا قلل من معدل الوفيات من ٢٢ إلى ١٠ في الألف فقط في الفترة من ١٩٤٥ - ١٩٥٢ فقط وربما يكون الهبوط في معدل الوفيات مؤثرا في خفض الخصوبة على المدى الطويل من خلال ارتفاع معدلات البقاء للأطفال.
ونظرا لتباين معدلات المواليد والوفيات بين مناطق العالم الجغرافية فإنها تختلف كذلك في معدلات نمو السكان بها ففي خلال الخمسينات من هذا القرن كان أقل معدل للنمو السكاني "٠.٨%" سنويا سائدا في أوربا وخاصة في شمالها وغربها وكذلك في الاتحاد السوفيتي وأمريكا الشمالية حيث بلغ معدل النمو واحدا في المائة سنويا.
ويبين الجدول رقم "٣" التباين في معدلات النمو السكاني في أقاليم العالم المختلفة، ويمكن تقسيم العالم إلى نطاقين كبيرين أحدهما يتمثل في الدول المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية والاتحاد السوفيتي حيث ينخفض معدل النمو السكاني بها والنطاق الآخر هو القارات النامية آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وتعد أمريكا اللاتينية المدارية أكثر مناطق العالم في معدل النمو السكاني وتليها أفريقيا ثم آسيا حيث زاد معدل النمو بها على ٢% سنويا وهو بذلك يبلغ ضعف مثيله في الدول المتقدمة وتعتبر الأوقيانوسية من القارات المتقدمة ولكنها ذات معدل نمو مرتفع وذلك ناتج عن الأثر القوي الذي أحدثته الهجرة التي تسهم بحوالي ٣٠% من جملة نمو السكان.
стр. 509
جدول رقم ٣ المعدلات الحيوية في العالم سنة ١٩٧٦ ١
المصدر:
U.S. Dept. of Commerce, world Population, ١٩٧٧
وتسهم هذه الأنماط المتعددة في معدلات النمو السكاني في تزايد السكان في أقاليم العالم بدرجات متفاوتة باستثناءات نادرة متمثلة في بعض المجتمعات البدائية مثل الفويجيين وبعض قبائل وسط أفريقيا والأوقيانوسية وغيرهم من الجماعات التي تتناقص في أعدادها نتيجة للتغيرات التي اعترضت حياتها الاقتصادية والبيئية ولذلك فإن معدل النمو السكاني الحالي في العالم لم يسبق أن شهدته البشرية من قبل على امتداد التاريخ البشري، وقد سبق القول بأن سكان العالم قد واصلوا نموهم وتزايدهم من ١٠٠ مليون نسمة سنة ١٨٥٠ إلى ٢٠٠٠ مليون نسمة سنة ١٩٤٠ ثم إلى ٤٠٠٠ مليون نسمة سنة ١٩٧٥ وتبلغ الزيادة
стр. 510
السنوية في الوقت الحاضر قرابة ٨٠ مليون نسمة، أي أن عددا مشابها لسكان فرنسا أو إنجلترا يضاف إلى سكان العالم سنويا.
стр. 511
مراحل النمو السكاني
مدخل
...
مراحل النمو السكاني:
سبق القول بأن الارتباط بين معدل المواليد والوفيات هو الذي يؤدي إلى تغير حجم السكان بصفة أساسية وذلك لأن الفرق بين هذين المعدلين -والذي يعبر عنه بالزيادة الطبيعية- هو العامل الأساسي في نمو السكان ويزيد معدل المواليد على معدل الوفيات في كل دول العالم ولكن الفرق بينهما يختلف من دولة لأخرى كما أنه يختلف بين أقاليم الدولة الواحدة بل وبين الطبقات الاجتماعية في داخل الإقليم الواحد ولذلك فإن لكل دولة نمط خاص للنمو السكاني وإذا كانت هناك دولتان تتشابهان في معدلات النمو بها فإنهما قد وصلتا إلى هذا التشابه نتيجة ظروف ديموغرافية متشابهة في صورتها العامة ولكنها تختلف في التفاصيل التي أثرت في اتجاه النمو بها.
وقد أدت دراسة النمو السكاني إلى محاولة تقسيمه إلى مراحل رئيسية أو دورات ديموغرافية تتميز كل منها بسمات خاصة معتمدة على تطور المواليد والوفيات وتعرف هذه النظرية بنظرية النمو الطبيعي للسكان أو بالنظرية الديموغرافية الانتقالية Demographic Transitional Theory وقد أقيمت على أساس تجارب بيولوجية معملية في بادئ الأمر أجريت على بعض الكائنات وقام بها ريموند بيرل واستنتج أن النمو الطبيعي يحدث في دورات مميزة ففي خلال الدورة الواحدة وفي مساحة معينة ووسط معين فإن النمو يبدأ بطيئا ثم ما يلبث أن يتزايد بالتدريج وبنسبة ثابتة حتى يصل إلى منتصف الدورة وبعد هذه النقطة فإن الزيادة المطلقة بالنسبة للوحدة الزمنية تصبح أقل حتى نهاية الدورة وقد اتخذ لوصف هذه النظرية قانونا رياضيا مستخدما معادلة المنحنى اللوجستي لشرح منحنى النمو السكاني وتحديد دوراته المتتابعة.
وهناك نظرية مشابهة هي التي نادى بها Gini الإيطالي وقد رأى أن دورة النمو السكاني تشبه دورة حياة الفرد: تتميز بمرحلة نمو سريع مبكر ثم مرحلة نضج وثبات وبعد ذلك مرحلة شيخوخة ويرى كلا الباحثين "بيرل وجيني" أن دورة النمو السكاني تتأثر تأثرا كبيرا بعامل المواليد وهبوطه وينتج
стр. 512
عن هذه الدورات في النهاية منحنى يأخذ شكل حرف S المائل وتختلف ديناميكية كل دورة عن الأخرى حسب الظروف الديموغرافية المؤدية إليها.
وتعد نظرية الانتقال الديموغرافي من أبرز المظاهر المرتبطة بدراسة السكان وربما حظيت باهتمام كبير يماثل الاهتمام الذي قوبلت به نظرية مالثوس من قبل وهي باختصار تمثل العلاقة بين معدل المواليد ومعدل الوفيات وما تنتجه من مؤثرات ديموغرافية تنعكس على معدل النمو السكاني في المجتمع وهي في ذلك تعتمد على عنصر الزمن لتحديد تطور منحنى النمو وتقسيمه إلى مراحل مميزة لكل منها سماتها الخاصة في هذين العنصرين الحيويين: المواليد والوفيات.
وعلى أساس تباين معدلات المواليد والوفيات في دول العالم فإنه يمكن تقسيمها نظريا حسب هذه النظرية إلى أنماط متعددة تضمنها المراحل التالية التي يوضحها
стр. 513
١- المرحلة الأولى High stationary stage:
وتعرف أحيانا بالمرحلة البدائية Primitive Stage وتتميز بارتفاع معدل المواليد والوفيات ويتعرض السكان فيها لأوبئة ومجاعات ترفع معدل الوفيات إلى أرقام كبيرة وكذلك ترتفع فيها معدلات وفيات الأطفال الرضع ارتفاعا كبيرا قد يصل إلى أكثر من ٢٥٠ في الألف كما أن أكثر من نصف الأطفال يموتون قبل وصولهم سن الخامسة عشر ولقد مرت كل شعوب العالم بهذه المرحلة التي سادت العالم في كل أجزائه تقريبا حتى القرن السابع عشر الميلادي ولكن قلت المجتمعات التي تتمثل فيها هذه المرحلة في العصر الحديث قلة واضحة وأصبحت مقصورة على بعض أجزاء وسط أفريقيا وبعض جزر جنوب شرق آسيا وبعض مناطق دول أمريكا اللاتينية حيث يتعدى معدل المواليد والوفيات ٣٠ في الألف وبالتالي لا يزيد معدل النمو السكاني زيادة كبيرة ويظل مرتبطا بظروف التخلف الصحي والاجتماعي السائدة.
وتشبه ظروف هذه المناطق المختلفة ظروف أوروبا منذ مائتي سنة، ولكنها تشمل بعض المجتمعات المنعزلة في العالم والتي يقدر البعض عددها بنحو ١٠٠
стр. 514
مليون نسمة ولا شك أن ازدياد اتصالها بالعالم المتحضر سيؤدي إلى تقليل معدلات الوفيات بها وبالتالي دخولها في المرحلة التالية من مراحل الدورة الديموغرافية.
شكل "١٥١" مراحل النمو السكاني
стр. 515
٢- المرحلة الثانية:
وتعرف بمرحلة التزايد السكاني المبكر أو المرحلة الديموغرافية الشابة وتتميز بالنمو المتزايد والسريع للسكان الناتج عن انخفاض معدل الوفيات مع استمرار معدل المواليد مرتفعا ومن ثم تتسع الهوة بين المواليد والوفيات وترتفع نسبة الزيادة الطبيعية، ويتميز الهرم العمري للسكان باتساع القاعدة -أي ارتفاع نسبة الصغار- وقد انتهت بريطانيا من هذه المرحلة في السبعينات من القرن الماضي أو منذ ما يزيد على مائة سنة وتعيش معظم دول العالم في هذه المرحلة حيث تسود في دول أمريكا اللاتينية المدارية وكذلك في معظم الدول الأفريقية والآسيوية وقد دخل كثير من هذه الدول تلك المرحلة منذ عقد أو عقدين
стр. 516
من الزمان فقط حيث أدى الهبوط المفاجئ في معدل الوفيات بها واستمرار معدل المواليد ثابتا إلى تزايد واضح في معدل الزيادة الطبيعية الذي وصل إلى درجة عالية في دول هذه المرحلة مثل كولومبيا "٣.٤%" سنويا، وإكوادور "٣,٤%" وفنزويلا "٣,٤%" وباراجواي "٣.٤%" وكوستاريكا "٣,٨%" وتايلاند "٣.٢%" والفلبين "٣.٤%" والسودان "٣.٢%" والجزائر "٣.٢%" والعراق "٣.٤%" ودول هذه المجموعة هي التي تحظى بأعلى معدلات للنمو السكاني في العالم والذي يكشف عن زيادة كبيرة حالية ومرتفعة في عدد السكان الذي بها يمكن أن يتضاعف في مدى الثلاثين عاما القادمة وبمعنى آخر فإن هذه الدول تعيش الآن مرحلة الانفجار السكاني الذي يعد من أبرز مشكلاتها المعاصرة.
ويعد التطور التكنولوجي الكبير من أهم العوامل التي مكنت الدول من الدخول إلى المرحلة الثانية -مرحلة الانفجار السكاني- حيث استطاعت بواسطته أن تسيطر على الأمراض الوبائية وأن تخفض من معدل الوفيات بها في فترة قصيرة مع بقاء معدل المواليد مرتفعا ولذلك فإن ديناميكية الانفجار السكاني ترجع في الأساس إلى الهبوط الكبير في معدل الوفيات نتيجة السيطرة على أسبابها.
стр. 517
٣- المرحلة الثالثة:
وتعرف بمرحلة التزايد السكاني المتأخر Late expanding stage وهي المرحلة التي تعيشها الدول ذات الخصوبة المتوسطة "معدل المواليد أكثر قليلا من ٢٠ في الألف" ووفيات منخفضة "معدل وفيات حوالي ١٠ في الألف" ويتميز النمو السكاني بأنه أقل من مستواه من المرحلة السابقة ذات التزايد المبكر وتتراوح الزيادة الطبيعية فيما بين ١% إلى ٢% سنويا، مثل إسبانيا ويوغوسلافيا "١.١%" وهولندا "١.١%" ورومانيا "١.٣%" والاتحاد السوفيتي "١.٠%" والولايات المتحدة "١.٠%".
وفي هذه المرحلة توجد دول أخرى مثل الأرجنتين "١.٥%" واستراليا "١.٩%" ونيوزيلندا "١.٧%" وكندا "١.٧%" وفي هذه الدول تلعب الهجرة الوافدة دورا ليس صغيرا في مكونات النمو السكاني، وتعد هذه المرحلة أولى المراحل التي تضم سكانا أوروبيين، ويشبه معدل النمو السكاني لديها معدل النمو العالمي في الوقت الحاضر.
стр. 518
المرحلة الرابعة Late expanding stage:
وهي المرحلة الأخيرة في الدورة الديموغرافية وهي تشمل الدول التي وصلت إلى مرحلة الثبات والاستقرار الديموغرافيين حيث انخفض فيها معدل المواليد ومعدل الوفيات انخفاضا ملحوظا وبالتالي هبط النمو السكاني بها إلى أدنى مستوياته في العالم حيث يتراوح بين ٠.٥% سنويا - ١.٠% سنويا كما هي الحال في معظم دول شمال وغرب أوروبا وأوضح الأمثلة فنلنده حيث يصل معدل النمو إلى ٠.٤% سنويا وبلجيكا والنمسا ٠.٤% والمملكة المتحدة ٠.٥% وألمانيا الغربية ٠.٦% وفرنسا ٠.٨%، وفي أقصى حدود هذه المرحلة قد يحدث نقص طبيعي للسكان كما حدث في فرنسا مثلا بين عامي ١٩٣٤، ١٩٣٨ عندما كان معدل المواليد ١٤.٥ في الألف والوفيات ١٥.٣ في الألف وقد عاد التوازن إلى السكان بعد ذلك.
وتمثل اليابان نوعا فريدا في العصر الحديث حيث استطاعت أن تمر من المرحلة الثالثة الى المرحلة الرابعة التي تعيشها حاليا في أقل من عشرين سنة وذلك نتيجة سياسة حازمة لتخفيض معدل النمو السكاني بها حتى وصل إلى ١% سنويا فقط وهي تعد بذلك الدولة الآسيوية الوحيدة التي تعيش في المرحلة الرابعة.
وبالرغم من أنه يمكن التنبؤ بأن كثيرا من الدول ستصل إلى المرحلة الرابعة في النهاية إلا أن ذلك الانتقال المرحلي يرتبط بتغيرات كبيرة في التركيب الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول يمكنها من الهبوط بمعدلات المواليد والوفيات إلى المستوى المنخفض السائد في دول المرحلة الرابعة من الدورة الديموغرافية.
стр. 519
مستقبل النمو السكاني في العالم:
يعد تقدير حجم السكان في المستقبل نتاجا هاما للدراسة الديموغرافية بل هو هدفها الرئيسي والمتمم لها في الواقع حيث يعتمد على عوامل النمو السكاني الحيوية وعلى الفروض الخاصة بها.
وتختلف تقديرات السكان في المستقبل حسب اتجاه الخصوبة والوفيات،
стр. 520
وقد جرت العادة على وضع ثلاث تقديرات للسكان، تقدير عالٍ وتقدير متوسط وتقدير منخفض ويرتبط التقدير العالي بافتراض ثبات معدلات الخصوبة والوفيات بينما المنخفض يرتبط بهبوط الخصوبة. ويكون التقدير المتوسط وسطا بينهما وإذا أخذنا التقدير المتوسط فيبدو أن سكان العالم سيتعدون الستة بلايين نسمة، ومعنى ذلك أن عددا يصل إلى ٢٤٠٠ مليون نسمة سيضافون إلى سكان العالم في الربع الأخير من القرن العشرين.
جدول رقم "٤" تقدير سكان القارات حتى سنة ٢٠٠٠. ١
تقدير متوسط
القارة ١٩٧٠ ١٩٨٥ ٢٠٠٠
أفريقيا ٣٤٤ ٥٣٠ ٧٦٨
آسيا ٢٠٥٦ ٢٨٧٤ ٣٤٥٨
أمريكا اللاتينية ٢٨٣ ٤٣٥ ٦٣٨
أمريكا الشمالية ٢٢٨ ٢٨٠ ٣٥٤
أوروبا ٤٦٢ ٥١٥ ٥٢٧
الاتحاد السوفيتي ٢٤٣ ٢٨٧ ٣٥٣
الأوقيانوسية ١٩ ٢٧ ٣٢
العالم ٣٦٣٥ ٤٩٣٣ ٦١٣٠
١ THe Population Reference Bureau, April ١٩٧٠.
٢ The Population Council, Reports on Population and Family Planning, No. ١٥ January, ١٩٧٤.
ويبين الجدول رقم "٤" والشكل التالي التقدير المتوسط لعدد السكان في قارات العالم في الفترة من ١٩٧٠ إلى ٢٠٠٠، وفي ضوء هذه الأرقام، فإنه يمكن تقسيم قارات العالم إلى مجموعتين: مجموعة القارات النامية وتشمل أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومجموعة القارات المتقدمة وتضم أوروبا "الاتحاد السوفيتي" وأمريكا الشمالية والأوقيانوسية، ويبدو واضحا أن المجموعة الأولى سيتضاعف عدد سكانها في حوالي ثلاثين عاما ١٩٧٠ - ٢٠٠٠ وهي تعيش الآن مرحلة الانفجار السكاني، وإذا كان سكان هذه المجموعة يشكلون
стр. 521
قرابة ثلاثة أرباع سكان العالم في الوقت الحاضر فإن نسبتهم ستصل إلى قرابة أربعة أخماس سكان العالم في سنة ٢٠٠٠، وعموما فإنه حسب هذا التقدير المتوسط سيزيد عدد سكان القارات النامية زيادة مطلقة بنحو ٢١٨٤
شكل "١٥٢" تقديرات سكان العالم حتى سنة ٢٠٠٠
стр. 522
مليون نسمة بنسبة ٨٠% في الفترة من ١٩٧٠ حتى ٢٠٠٠، أي بمعدل نمو ٢.٥% سنويا.
أما سكان المجموعة الثانية وهي القارات المتقدمة، فيتميزون بمعدل نمو منخفض ناجم بطبيعة الحال عن انخفاض معدلات المواليد بها ولذلك فإن سكانها سيزيدون بنسبة الثلث فقط في هذه الفترة.
стр. 523
الفصل الثالث: الهجرات السكانية
مدخل
...
الفَصلُ الثَّالِث: الهجرات السكانية
مقدمة:
تعد الهجرة عنصرا رئيسيا من عناصر الدراسة السكانية؛ ذلك لأنها فيما عدا الزيادة الطبيعية تعد المصدر الوحيد لتغير حجم السكان، ومع هذا فإن دراستها ليست ميسرة مثل دراسة المواليد والوفيات؛ وذلك لاختلاف البيانات بينهما اختلافا جوهريا، وإذا كانت الهجرة عاملا مؤثرا في نمو السكان فإنها تؤثر بالتالي في خصائصهم الديموغرافية والاقتصادية حيث يعد التغيير في التركيب العمري والنوعي مثلا نتاجا هاما من نتائج الهجرة من الأقاليم أو إليها، ولما كان صافي الهجرة يعني انتقال السكان من مكان لآخر فإن ذلك يعيد توزيع السكان في أي منطقة مما يترتب عليه من نتائج إيجابية كتوفر الأيدي العاملة وزيادة فرص الحصول على المدرب منها، أو نتائج سلبية مثل زيادة عبء الإعالة في المناطق المهاجر منها وخلق كثير من المشكلات السكانية والإسكانية في المناطق المهاجر إليها.
والهجرة ظاهرة جغرافية تميز بها السكان على مر العصور، وتماما كما يهتم دارس النبات والحيوان بتوزيع وهجرة أنواع الحياتين النباتية والحيوانية فإن دارس جغرافية السكان يهتم هو الآخر بالحركة الجغرافية للبشر، وتعكس معظم الحركات السكانية رغبة الإنسان في مغادرة منطقة ما تصعب معيشته بها إلى منطقة أخرى يعتقد في إمكان العيش بها بصورة أفضل وأحسن، وليس ذلك في الهجرات الدولية فقط بل في الهجرات المحلية كذلك مثل انتقال الأيدي العاملة من مكان لآخر وانتقال سكان الريف للعيش في المدن وانتقال السكان من المناطق المزدحمة إلى المناطق الأقل ازدحاما وهكذا.
وعلى ذلك فإن الدوافع للهجرة قد تكون واحدة في الغالب والعامل المشترك
стр. 524
الأعظم بينهما هو عدم الرضا Dissatisfaction عن البيئة الأصلية للمهاجرين مما يحفزهم للانتقال نحو بيئة أخرى أكثر ملاءمة، وتشترك معظم الهجرات في ذلك ابتداء من الانتقال الموسمي للعمال الزراعيين مثلا إلى موجات الهجرة الضخمة لتعمير مناطق حديثة العهد بالاستيطان -مثل الخروج الأوربي العظيم نحو العالم الجديد-.
وللهجرة أنماط متعددة ويتميز كل منها بخصائص ديموغرافية خاصة وإن كان يقصد بها عموما الانتقال الجغرافي من منطقة لأخرى وهي تنقسم إلى قسمين من حيث الاستمرار والدوام هما الهجرة الدائمة Life-time migration والهجرة المؤقتة Temporary migration ولسهولة الدراسة فإنه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية من حيث المدى والاتجاه وهي:
١- الهجرات الدولية وتتمثل في الانتقال السكاني عبر حدود الدول أي من دولة لأخرى.
٢- الهجرات الداخلية، أو المحلية وهي تتمثل في انتقال السكان فيما بين أجزاء الدولة الواحدة.
٣- الهجرة الدورية Rhythmic Migrations أو المؤقتة: وتتمثل في الانتقال الجغرافي من مكان لآخر لفترة محددة ثم ما يلبث المهاجرون أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية بعد ذلك وأبرز أمثلتها هجرة الأيدي العاملة والانتقال الموسمي لبعض السكان.
ويلاحظ أن النوع الثالث من الهجرات السكانية قد يتدرج جزئيا تحت واحد من النوعين السابقين، فقد تضم الهجرة الدولية مثلا هجرة الأيدي العاملة من دولة لأخرى لفترات محددة وتعرف بهجرة عمال الأهداف كما في أفريقيا المدارية مثلا كذلك فقد تضم الهجرات الداخلية نفس الظاهرة أي انتقال الأيدي العاملة من مكان لآخر داخل الدولة الواحدة لفترات محددة. كذلك قد تضم هجرات لجماعات سكانية Trans humance وفي مسالك محددة كانتقال رعاة الجبال إلى السهول أو الانتقالات من مناطق الحشائش الفقيرة إلى تلك المناطق الغنية بمراعيها.
стр. 525
الهجرة الدولية
مدخل
...
الهجرة الدولية:
يشمل هذا النوع من الهجرات الانتقال السكاني عبر حدود الدول ليس فقط الدول المجاورة بل ومن قارة إلى أخرى، وليست المسافة ذات اعتبار كبير في تعريف هذا النوع من الهجرة ذلك لأن الأوكراني الذي ينتقل مثلا للعمل في فلاديفوستك يقطع مسافة أكبر بكثير من البولندي الذي يهاجر للعمل في فرنسا بالرغم من أن الأول يتحرك داخليا عبر حدود دولة واحدة بينما انتقل الثاني عبر حدود أكثر من دولة ومن ثم يدخل في عداد الهجرة الدولية.
وعلى ذلك فإن دراسة الهجرة الدولية تبدو سهلة في ضوء هذا التعريف البسيط لها واعتمادا على سجلات الهجرة عند حدود الدول، ولكن ما ينبغي ملاحظته هو أن الاعتماد على هذه السجلات لا يؤدي إلى دراسة دقيقة، ذلك لأنها قد لا تحوي كل الحقائق عن المهاجرين من ناحية كما أنها سجلات لحظية من ناحية أخرى تسجل حالة المهاجر وقت عبور الحدود دون اعتبار للتغيير الوظيفي والاجتماعي الذي سيطرأ عليه في دولة المهاجر بعد ذلك كذلك قد لا تتوافق بيانات الهجرة للدولة الموفدة مع بيانات الدولة المستقبلة فعلى سبيل المثال لا تتفق البيانات التي تنشرها ألمانيا عن المهاجرين الألمان إلى الأرجنتين مع تلك التي تنشرها الأرجنتين عن هؤلاء الأشخاص الوافدين إليها.
ولا تعني الهجرة الدولية الانتقال الجغرافي عبر الحدود السياسية بقصد الاستقرار الدائم في المهجر فقط بل إنها تضم أنواعا أخرى أهمها الهجرة المؤقتة لبعض السكان ويرتبط ذلك بمغادرة بعض المهاجرين لمواطنهم الأصلية في دولهم للعمل فترة من الزمن في دولة أخرى ثم ما يلبثوا أن يعودوا لدولهم مرة أخرى بعد أن يكونوا ثروة تساعدهم على العيش في مستوى أعلى مما كانوا عليه قبل الهجرة، وتسود هذه الظاهرة في كثير من المناطق مثل صقلية في جنوب إيطاليا واليونان وبعض مناطق جنوب شرق أوروبا مثل ألمانيا أو بلغاريا حيث يتميز المهاجرون العائدون من الأمريكتين إلى وطنهم بمستوى معيشي مرتفع وفضلوا العودة لقضاء بقية حياتهم في موطنهم الأصلي ولقد كانت الهجرة المؤقتة سمة هامة لحركة الهجرة نحو أمريكا الجنوبية، ذلك أنه في الأرجنتين مثلا فيما بين سنة ١٩١٠ وسنة ١٩٥٠ لم يستقر بها من جملة المهاجرين إليها وعددهم ١٤.١٥٩.٨٧٦ مهاجرا فقط استوطنوها بصفة دائمة.
стр. 526
وتعكس هذه الظاهرة مدى التلاؤم مع العيش في البيئة الجديدة التي يهاجر إليها الفرد وعودته إلى موطنه الأصلي نتيجة عدم قدرته على التكيف الدائم مع المهجر وإن كان كثير من أبناء هؤلاء المهاجرين وأحفادهم يستمرون في دولة المهجر مكونين بذلك جيلا من المهاجرين الدائمين أكثر ارتباطا بالمهجر من الوطن الأم.
стр. 527
الهجرة الدولية الأوروبية:
أسهمت قارة أوروبا الصغيرة المساحة والواقعة في أقصى الطرف الشمالي الغربي من العالم القديم أكثر من أي قارة أخرى في العالم في الهجرة الدولية فقد شهدت هجرة مغادرة ضخمة في المائة وخمسين سنة الأخيرة حتى إنه يقدر أن عدد الأوروبيين الذين غادروا قارتهم إلى باقي أقاليم العالم يتراوح بين ٥٠ - ٦٠ مليون نسمة اتجه أكثر من نصفهم إلى أمريكا الشمالية، وقد قدر معدل الهجرة الدولية الخارجية من أوروبا فيما بين سنتي ١٨٤٦ - ١٩٣١ بنحو ٣ في الألف سنويا من مجموع السكان الأوروبيين.
ولم يكن الخروج الأوربي جديدا بل جاء في أعقاب حركة الكشوف الجغرافية على أكتاف الرواد الأوروبيين الأوائل، وقد تمثل هذا الخروج المبكر في هجرة أعداد من الفرنسيين والإنجليز والهولنديين والبرتغاليين والإسبان منذ القرن السادس عشر نحو جزر الهند الغربية وسواحل الأمريكتين وأفريقيا والهند، ولكن الهجرة الضخمة ذات الأعداد الكبيرة ارتبطت بتزايد سكاني كبير شهدته أوروبا وواكبه تطور في وسائل النقل وكذلك تزايد في الثروات المكتشفة في العالم الجديد مما شجع الكثيرين على الهجرة إلى أقطار هذا العالم وإلى بعض مناطق العالم القديم أيضا.
ويمكن أن تنقسم قصة الهجرة الأوروبية الضخمة إلى مراحل عديدة: فقد عبرت أولى موجاتها المحيط الأطلسي فيما بين سنتي ١٨٥٠ - ١٨٥٥ والثانية نحو سنة ١٨٧٥ والثالثة فيما بين سنتي ١٨٨٥ - ١٨٩٠ والرابعة وهي الأكثر أهمية فيما بين سنتي ١٩٠٥ - ١٩١٣ والخامسة في سنة ١٩٢٥ والسادسة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، ولقد شهدت سنة ١٩١٣ أكبر عدد من المهاجرين يغادر القارة في أي سنة من السنوات حيث بلغ ١.٥٢٧.٠٠٠ نسمة
стр. 528
منهم ٥٦٥.٠٠٠ إيطالي و ٣٨٩.٠٠٠ بريطاني و ٢٠٦.٠٠٠ إسباني و ١٠٤.٠٠٠ نمساوي، وكان شمال غرب أوروبا أكثر أقاليم القارة دفعا بأبنائه للهجرة عبر المحيط وأسهمت بعض أقطاره بنسبة عالية من المهاجرين فقد أرسلت الجزر البريطانية واسكنديناوه وبلجيكا وهولنده بما يقرب من ٢٥ مليون مهاجر ثلثا هذا العدد من البريطانيين وحدهم وقد اتجه ٥٦% من هؤلاء إلى الولايات المتحدة و ١٥% إلى كندا و ٥% إلى استراليا و ٥% إلى جنوب أفريقيا.
وقد بدأت أقطار أوروبية أخرى في الإسهام بعدد من المهاجرين فقد خرج من ألمانيا نحو ٧ ملايين مهاجر في الفترة من ١٨٧٨ - ١٨٩٢ وكذلك فيما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما هاجر حوالي ١٠ ملايين إيطالي خاصة بعد سنة ١٨٨٥، ذهب ٤٢% منهم إلى الولايات المتحدة و ٢١% إلى البرازيل و٢٠% إلى الأرجنتين و١٠% إلى فرنسا، وإن كان الكثيرون منهم قد عادوا إلى الوطن الأم لقضاء بقية عمرهم به. ومنذ بداية القرن العشرين بدأت دول وسط وشرق أوروبا في الإسهام في حركة الهجرة الخارجية نحو العالم الجديد، وقد بلغ عدد المهاجرين ٢٠ مليونا من النمسا والمجر و ٣ ملايين من شبه جزيرة أيبيريا و ٧٠٠.٠٠٠ من اليونان ومثلهم من الروس والبولنديين.
الهجرة الأوروبية فيما وراء البحار:
تعد الهجرة التي خرجت من أوروبا أكبر حركة في التاريخ وقد بدأ تيار الهجرة عبر المحيط قبل القرن التاسع عشر عقب اكتشاف الأمريكتين واستعمارها على يد الإسبان ولكن قدر أنه في الفترة من سنة ١٨٢١ حتى سنة ١٩١٠ غادر أوروبا ٢٦ مليون مهاجر على الأقل نحو الولايات المتحدة وحدها. وقد تباينت أجزاء القارة في تيارات الهجرة الخارجة منها ولكن من المؤكد أن كل دول القارة الأوروبية قد أسهمت في حركة الهجرة حتى أصبحت المهاجر البعيدة تضم خليطا متميزا بخصائص الشعوب الأوروبية مجتمعة، وكانت دوافع الهجرة مشتركة بين كل الأقطار الأوروبية وأحيانا كانت تبدو ذات تأثير جماعي وأحيانا أخرى يبدو تأثيرها انفراديا حسب فترة التطور الاقتصادي ومستواه السائد.
وقد عانت أوروبا من التضخم السكاني مبكرا -أي أن مواردها كانت غير كافية لأعداد السكان المتزايدين بها، فالاقتصاد الزراعي تعرض لإجهاد التربة
стр. 529
وزيادة الضغط السكاني على الأرض حتى أصبح كثير من المزارعين بدون أراضٍ ومن ثم أصبحت روابطهم بالأرض معدومة، ثم جاءت ميكنة الزراعة وجعلت الهجرة أمرا ضروريا ملحا، وقد تحققت الرغبة في الهجرة عندما اكتشفت أراضٍ واسعة في العالم الجديد، وفي عروض ملائمة مناخيا لاستيطان الأوروبيين، وعندما أصبحت وسائل النقل الحديثة قادرة على نقل أعداد ضخمة من المهاجرين عبر المحيط.
وفي القرن السادس عشر غادر ثلاثة ملايين إسباني بلادهم نحو أمريكا وتوالى تيار الهجرة الأوروبية بعد ذلك ووصل إلى ذروته في فترات محددة خاصة بين سنة ١٨٥٠ وبين ١٨٨٠، ١٨٨٩ ثم في أوائل القرن العشرين ومن ناحية أخرى فقد هبط منحنى الهجرة الأوروبية الخارجية هبوطا حادا عقب الحرب العالمية الأولى وذلك لفرض الولايات المتحدة قيودا على الهجرة إليها واتجاه كثير من الدول الأوروبية إلى الإصلاح الزراعي ومحاولة بعضها الحد من هجرة الأيدي العاملة بها.
ولم تؤثر الهجرة الأوروبية المغادرة في كل الدول الأوروبية في وقت واحد فقد بدأت مبكرة للغاية في إسبانيا والبرتغال، وحتى أوائل القرن التاسع عشر كانت تتضمن أساسا الإنجليز والاسكتلنديين والأيرلنديين والألمان والفرنسيين وعندما وفرت الملاحة البخارية وسيلة سريعة نسبيا ورخيصة للنقل بدأت حركة الهجرة تتنوع وتسابقت دول القارة نحو الهجرة خارجها. وبدأت الحركة أولا من أقطار شمال غرب أوروبا خاصة إنجلترا وإسكتلندا وأيرلنده والدول الإسكندنافية وألمانيا، ثم جاء بعد ذلك الإسبان والإيطاليون من الجنوب، ثم تلاهم من شرق أوروبا.
وكان العالم الجديد هو المهجر الرئيسي للمهاجرين من أوروبا واتجه تيار الهجرة الرئيسي حتى سنة ١٩١٤ نحو الولايات المتحدة وقد بلغ أقصاه في فترات زمنية سابقة كما حدث في الفترة من سنة ١٨٥١ - ١٨٦٠ - ١٨٩٠ - ١٩٠٠ - ١٩١٤ وفي بعض الفترات كان عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة أكثر من مليون أوروبي في السنة الواحدة، وتتمشى الفترات الثلاثة لتدفق المهاجرين بمعدلات عالية مع ثلاثة دوافع رئيسية فالأولى تمشت مع الضغط الديموغرافي في القارة الأوروبية والثانية تمشت مع الزيادة السريعة في استعمار
стр. 530
الغرب الأمريكي والتصنيع في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة والثالثة كانت مواكبة للنمو الاقتصادي الصناعي فيها بصفة عامة.
ولكن تيار الهجرة الأوروبية للولايات المتحدة تعرض لتغير جوهري في حجمه وذلك بسبب القانون الذي أصدرته في سنة ١٩٢١ والخاص بتحديد حصص المهاجرين إليها وكان السبب وراء هذا القانون هو رغبة الطبقة العاملة الأمريكية في المحافظة على مستوى معيشتها المرتفع، كذلك رغبة الأمة الأمريكية كلها في المحافظة على تجانسها كدولة أنجلو ساكسونية وكان لذلك تأثير جذري على الخروج الأوروبي نحو أمريكا الشمالية فقد قل حجمه إليها بدرجة كبيرة.
وقد اتجهت تيارات هجرة نحو أقطار الكمنولث، ولكنها كانت مقيدة بتشريعات خاصة لتحديد عدد المهاجرين غير البريطانيين إلى هذه الأقطار بل ولحماية الطبقة العاملة في الدول المستقبلة من منافسة العمال الوافدين حتى العمال البريطانيين ذاتهم. وليس هناك دولة من دول الكمنولث أسهمت بدور كبير في استقبال المهاجرين مثلما أسهمت أستراليا وبالرغم من أن كندا لعبت دورا هاما كذلك فإنها فرضت قيودا حادة وطبقت مفهوم الانتقاء الهجري الوظيفي فكانت تفضل هجرة الفنيين والزراع والعمال الذين تحتاجهم البلاد.
وقد حاولت كثير من دول أمريكا الجنوبية جذب مهاجرين إليها من أوروبا حتى عندما حدت الدول الأنجلو ساكسونية من حركة الهجرة إليها، ومن الطبيعي أن تيار الهجرة إلى أمريكا الجنوبية تدفق من دول البحر المتوسط حيث تتشابه الظروف الحضارية مع مثيلتها في هذه القارة ولذا فإنه بين عامي ١٨٢٠ - ١٩١٠ استقبلت البرازيل حوالي ٢.٨٥٠.٠٠٠ مهاجر، ٤٣% منهم من الإيطاليين و ٣٨% من البرتغاليين والإسبان وما زالت الشعوب اللاتينية تكون العنصر السائد من المهاجرين نحو أمريكا الجنوبية حتى الوقت الحاضر.
كذلك استقبلت الأرجنتين في الفترة من سنة ١٨٥٧ - ١٩١٠ قرابة ٥.٧٠٠.٠٠٠ مهاجر وكان تيار الهجرة يتكون في المتوسط من ٥٠% إسبان و ٢٥% إيطاليين. وما زالت بيرو وكولومبيا وفنزويلا من المهاجر التي يتجه إليها بعض المهاجرين من شعوب البحر المتوسط وخاصة إسبانيا.
وقد اتجهت الهجرة الأوروبية فيما بعد الحرب العالمية وخاصة من شمال