← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12054

قواعد الجغرافيا العامة الطبيعية والبشرية

جودة حسنين جودة

Полный текст (742 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وتعكس هذه الظاهرة مدى التلاؤم مع العيش في البيئة الجديدة التي يهاجر إليها الفرد وعودته إلى موطنه الأصلي نتيجة عدم قدرته على التكيف الدائم مع المهجر وإن كان كثير من أبناء هؤلاء المهاجرين وأحفادهم يستمرون في دولة المهجر مكونين بذلك جيلا من المهاجرين الدائمين أكثر ارتباطا بالمهجر من الوطن الأم.

стр. 527

الهجرة الدولية الأوروبية: أسهمت قارة أوروبا الصغيرة المساحة والواقعة في أقصى الطرف الشمالي الغربي من العالم القديم أكثر من أي قارة أخرى في العالم في الهجرة الدولية فقد شهدت هجرة مغادرة ضخمة في المائة وخمسين سنة الأخيرة حتى إنه يقدر أن عدد الأوروبيين الذين غادروا قارتهم إلى باقي أقاليم العالم يتراوح بين ٥٠ - ٦٠ مليون نسمة اتجه أكثر من نصفهم إلى أمريكا الشمالية، وقد قدر معدل الهجرة الدولية الخارجية من أوروبا فيما بين سنتي ١٨٤٦ - ١٩٣١ بنحو ٣ في الألف سنويا من مجموع السكان الأوروبيين. ولم يكن الخروج الأوربي جديدا بل جاء في أعقاب حركة الكشوف الجغرافية على أكتاف الرواد الأوروبيين الأوائل، وقد تمثل هذا الخروج المبكر في هجرة أعداد من الفرنسيين والإنجليز والهولنديين والبرتغاليين والإسبان منذ القرن السادس عشر نحو جزر الهند الغربية وسواحل الأمريكتين وأفريقيا والهند، ولكن الهجرة الضخمة ذات الأعداد الكبيرة ارتبطت بتزايد سكاني كبير شهدته أوروبا وواكبه تطور في وسائل النقل وكذلك تزايد في الثروات المكتشفة في العالم الجديد مما شجع الكثيرين على الهجرة إلى أقطار هذا العالم وإلى بعض مناطق العالم القديم أيضا. ويمكن أن تنقسم قصة الهجرة الأوروبية الضخمة إلى مراحل عديدة: فقد عبرت أولى موجاتها المحيط الأطلسي فيما بين سنتي ١٨٥٠ - ١٨٥٥ والثانية نحو سنة ١٨٧٥ والثالثة فيما بين سنتي ١٨٨٥ - ١٨٩٠ والرابعة وهي الأكثر أهمية فيما بين سنتي ١٩٠٥ - ١٩١٣ والخامسة في سنة ١٩٢٥ والسادسة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، ولقد شهدت سنة ١٩١٣ أكبر عدد من المهاجرين يغادر القارة في أي سنة من السنوات حيث بلغ ١.٥٢٧.٠٠٠ نسمة

стр. 528

منهم ٥٦٥.٠٠٠ إيطالي و ٣٨٩.٠٠٠ بريطاني و ٢٠٦.٠٠٠ إسباني و ١٠٤.٠٠٠ نمساوي، وكان شمال غرب أوروبا أكثر أقاليم القارة دفعا بأبنائه للهجرة عبر المحيط وأسهمت بعض أقطاره بنسبة عالية من المهاجرين فقد أرسلت الجزر البريطانية واسكنديناوه وبلجيكا وهولنده بما يقرب من ٢٥ مليون مهاجر ثلثا هذا العدد من البريطانيين وحدهم وقد اتجه ٥٦% من هؤلاء إلى الولايات المتحدة و ١٥% إلى كندا و ٥% إلى استراليا و ٥% إلى جنوب أفريقيا. وقد بدأت أقطار أوروبية أخرى في الإسهام بعدد من المهاجرين فقد خرج من ألمانيا نحو ٧ ملايين مهاجر في الفترة من ١٨٧٨ - ١٨٩٢ وكذلك فيما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما هاجر حوالي ١٠ ملايين إيطالي خاصة بعد سنة ١٨٨٥، ذهب ٤٢% منهم إلى الولايات المتحدة و ٢١% إلى البرازيل و٢٠% إلى الأرجنتين و١٠% إلى فرنسا، وإن كان الكثيرون منهم قد عادوا إلى الوطن الأم لقضاء بقية عمرهم به. ومنذ بداية القرن العشرين بدأت دول وسط وشرق أوروبا في الإسهام في حركة الهجرة الخارجية نحو العالم الجديد، وقد بلغ عدد المهاجرين ٢٠ مليونا من النمسا والمجر و ٣ ملايين من شبه جزيرة أيبيريا و ٧٠٠.٠٠٠ من اليونان ومثلهم من الروس والبولنديين. الهجرة الأوروبية فيما وراء البحار: تعد الهجرة التي خرجت من أوروبا أكبر حركة في التاريخ وقد بدأ تيار الهجرة عبر المحيط قبل القرن التاسع عشر عقب اكتشاف الأمريكتين واستعمارها على يد الإسبان ولكن قدر أنه في الفترة من سنة ١٨٢١ حتى سنة ١٩١٠ غادر أوروبا ٢٦ مليون مهاجر على الأقل نحو الولايات المتحدة وحدها. وقد تباينت أجزاء القارة في تيارات الهجرة الخارجة منها ولكن من المؤكد أن كل دول القارة الأوروبية قد أسهمت في حركة الهجرة حتى أصبحت المهاجر البعيدة تضم خليطا متميزا بخصائص الشعوب الأوروبية مجتمعة، وكانت دوافع الهجرة مشتركة بين كل الأقطار الأوروبية وأحيانا كانت تبدو ذات تأثير جماعي وأحيانا أخرى يبدو تأثيرها انفراديا حسب فترة التطور الاقتصادي ومستواه السائد. وقد عانت أوروبا من التضخم السكاني مبكرا -أي أن مواردها كانت غير كافية لأعداد السكان المتزايدين بها، فالاقتصاد الزراعي تعرض لإجهاد التربة

стр. 529

وزيادة الضغط السكاني على الأرض حتى أصبح كثير من المزارعين بدون أراضٍ ومن ثم أصبحت روابطهم بالأرض معدومة، ثم جاءت ميكنة الزراعة وجعلت الهجرة أمرا ضروريا ملحا، وقد تحققت الرغبة في الهجرة عندما اكتشفت أراضٍ واسعة في العالم الجديد، وفي عروض ملائمة مناخيا لاستيطان الأوروبيين، وعندما أصبحت وسائل النقل الحديثة قادرة على نقل أعداد ضخمة من المهاجرين عبر المحيط. وفي القرن السادس عشر غادر ثلاثة ملايين إسباني بلادهم نحو أمريكا وتوالى تيار الهجرة الأوروبية بعد ذلك ووصل إلى ذروته في فترات محددة خاصة بين سنة ١٨٥٠ وبين ١٨٨٠، ١٨٨٩ ثم في أوائل القرن العشرين ومن ناحية أخرى فقد هبط منحنى الهجرة الأوروبية الخارجية هبوطا حادا عقب الحرب العالمية الأولى وذلك لفرض الولايات المتحدة قيودا على الهجرة إليها واتجاه كثير من الدول الأوروبية إلى الإصلاح الزراعي ومحاولة بعضها الحد من هجرة الأيدي العاملة بها. ولم تؤثر الهجرة الأوروبية المغادرة في كل الدول الأوروبية في وقت واحد فقد بدأت مبكرة للغاية في إسبانيا والبرتغال، وحتى أوائل القرن التاسع عشر كانت تتضمن أساسا الإنجليز والاسكتلنديين والأيرلنديين والألمان والفرنسيين وعندما وفرت الملاحة البخارية وسيلة سريعة نسبيا ورخيصة للنقل بدأت حركة الهجرة تتنوع وتسابقت دول القارة نحو الهجرة خارجها. وبدأت الحركة أولا من أقطار شمال غرب أوروبا خاصة إنجلترا وإسكتلندا وأيرلنده والدول الإسكندنافية وألمانيا، ثم جاء بعد ذلك الإسبان والإيطاليون من الجنوب، ثم تلاهم من شرق أوروبا. وكان العالم الجديد هو المهجر الرئيسي للمهاجرين من أوروبا واتجه تيار الهجرة الرئيسي حتى سنة ١٩١٤ نحو الولايات المتحدة وقد بلغ أقصاه في فترات زمنية سابقة كما حدث في الفترة من سنة ١٨٥١ - ١٨٦٠ - ١٨٩٠ - ١٩٠٠ - ١٩١٤ وفي بعض الفترات كان عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة أكثر من مليون أوروبي في السنة الواحدة، وتتمشى الفترات الثلاثة لتدفق المهاجرين بمعدلات عالية مع ثلاثة دوافع رئيسية فالأولى تمشت مع الضغط الديموغرافي في القارة الأوروبية والثانية تمشت مع الزيادة السريعة في استعمار

стр. 530

الغرب الأمريكي والتصنيع في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة والثالثة كانت مواكبة للنمو الاقتصادي الصناعي فيها بصفة عامة. ولكن تيار الهجرة الأوروبية للولايات المتحدة تعرض لتغير جوهري في حجمه وذلك بسبب القانون الذي أصدرته في سنة ١٩٢١ والخاص بتحديد حصص المهاجرين إليها وكان السبب وراء هذا القانون هو رغبة الطبقة العاملة الأمريكية في المحافظة على مستوى معيشتها المرتفع، كذلك رغبة الأمة الأمريكية كلها في المحافظة على تجانسها كدولة أنجلو ساكسونية وكان لذلك تأثير جذري على الخروج الأوروبي نحو أمريكا الشمالية فقد قل حجمه إليها بدرجة كبيرة. وقد اتجهت تيارات هجرة نحو أقطار الكمنولث، ولكنها كانت مقيدة بتشريعات خاصة لتحديد عدد المهاجرين غير البريطانيين إلى هذه الأقطار بل ولحماية الطبقة العاملة في الدول المستقبلة من منافسة العمال الوافدين حتى العمال البريطانيين ذاتهم. وليس هناك دولة من دول الكمنولث أسهمت بدور كبير في استقبال المهاجرين مثلما أسهمت أستراليا وبالرغم من أن كندا لعبت دورا هاما كذلك فإنها فرضت قيودا حادة وطبقت مفهوم الانتقاء الهجري الوظيفي فكانت تفضل هجرة الفنيين والزراع والعمال الذين تحتاجهم البلاد. وقد حاولت كثير من دول أمريكا الجنوبية جذب مهاجرين إليها من أوروبا حتى عندما حدت الدول الأنجلو ساكسونية من حركة الهجرة إليها، ومن الطبيعي أن تيار الهجرة إلى أمريكا الجنوبية تدفق من دول البحر المتوسط حيث تتشابه الظروف الحضارية مع مثيلتها في هذه القارة ولذا فإنه بين عامي ١٨٢٠ - ١٩١٠ استقبلت البرازيل حوالي ٢.٨٥٠.٠٠٠ مهاجر، ٤٣% منهم من الإيطاليين و ٣٨% من البرتغاليين والإسبان وما زالت الشعوب اللاتينية تكون العنصر السائد من المهاجرين نحو أمريكا الجنوبية حتى الوقت الحاضر. كذلك استقبلت الأرجنتين في الفترة من سنة ١٨٥٧ - ١٩١٠ قرابة ٥.٧٠٠.٠٠٠ مهاجر وكان تيار الهجرة يتكون في المتوسط من ٥٠% إسبان و ٢٥% إيطاليين. وما زالت بيرو وكولومبيا وفنزويلا من المهاجر التي يتجه إليها بعض المهاجرين من شعوب البحر المتوسط وخاصة إسبانيا. وقد اتجهت الهجرة الأوروبية فيما بعد الحرب العالمية وخاصة من شمال

стр. 531

وغرب القارة إلى كندا أو الولايات المتحدة والأوقيانوسية أما جنوب أوروبا فقد تميزت الهجرة المغادرة منه باتجاهها في معظمها إلى أمريكا اللاتينية حيث تتشابه اللغات والعادات والديانة وقد اتجه أكثر من نصف المهاجرين من جنوب أوروبا إلى هذه القارة واتجه الإسبان إلى الدول الناطقة باللغة الإسبانية بينما اتجه البرتغاليون إلى البرازيل. وهكذا لعبت الهجرة الأوروبية دورا في حياة العالم السكانية والاقتصادية فقد ترتب عليها نتائج بارزة وعميقة في كل مظاهر الحضارة خاصة في العالم الجديد فقد أدخلت حاصلات زراعية جديدة وحيوانات مستأنسة وخلفت تيارات ضخمة للتجارة بين العالم الجديد والعالم القديم، حتى إن التأثير الأوروبي في العالم -أو ما ما يعرف بأَوْرَبَة العالم- كان من أبرز معالم التاريخ البشري الحديث في كل مجالات الحضارة، وإن نظرة واحدة للعالم اليوم تبين لنا مدى الدور الذي لعبته الهجرة الأوروبية في العصر الحديث ولنا أن نتصور العالم الجديد "الأمريكتين واستراليا" إذا لم يتدفق عليه الأوروبيون ويجعلوه امتدادا بشريا حضاريا لقارتهم الأصلية.

стр. 532

الهجرة الداخلية تعد الهجرة الداخلية من المظاهر الهامة لحركة السكان داخل الإقليم أو القطر، ومن الصعب قياسها على المستوى القومي إلا إذا تضمنت التعدادات بيانات عن المهاجرين ومواطنهم الأصلية وتواريخ قدومهم إلى أماكن العد، وتختلف عوامل الجذب والطرد للمهاجرين من بيئة لأخرى بطريقة تجعل تيارات الهجرة تأخذ اتجاهات مختلفة على رقعة الدولة وينظر إلى العوامل الاقتصادية على أنها أكثر العناصر المؤثرة في الهجرة جذبا وطردا وكذلك فإن العوامل الديموغرافية التي تتمثل في ارتفاع معدلات النمو السكاني وتزايد الضغط البشري على الموارد الاقتصادية تؤثر هي الأخرى في طرد كثير من السكان من تلك البيئات التي تتميز بهذه المعدلات العالية وعموما فإنه في دراسة دوافع الهجرة يكون الفصل بين عامل وأخر صعبا وذلك للترابط الكبير بينها وتفاوت الأهمية النسبية لعامل عن الآخر ومن بيئة لأخرى. وتعد الهجرة من الريف إلى الحضر Rural - Urban Migration

стр. 533

أهم مظاهر الهجرة الداخلية وخاصة في الدول التي أخذت بأسباب التنمية الصناعية حديثا مما أثر في تقدمها الاقتصادي وارتفاع دخول أفرادها في القطاعات المرتبطة بالصناعة، ودفع بأعداد كثيرة من السكان الريفيين إلى الاتجاه نحو المراكز الحضرية والتي غالبا ما تكون مراكز رئيسية للصناعة. وتكون الهجرة عاملا هاما من عوامل نمو المراكز الحضارية وتختلف درجة إسهامها في هذا النمو باختلاف العوامل الكامنة في تلك المراكز وقدرتها على جذب مهاجرين إليها ويقابل ذلك بطبيعة الحال وجود عوامل طرد في البيئات الأصلية للمهاجرين تحفزهم على الهجرة وتتفق معظم دول العالم النامي في تلك الظاهرة والتي تجلب في تدفق أعداد كبيرة من سكان الريف إلى المدن ارتفاعا يفوق متوسط معدل النمو في القطر كله، ولعل في مصر مثل واضح على ذلك حيث يبدو التفاوت الشديد في معدل الزيادة السكانية السنوية في المحافظات الحضرية والمحافظات الريفية فالأولى يصل معدل النمو السنوي بها إلى أكثر من ٣% "القاهرة ٤.٥%" والإسكندرية "٣.١%"، أما الثانية فهي أقل من ذلك حيث يتراوح هذا المعدل بها بين ١.٥% و ٢.٥% سنويا. وكما سبق، فليست هذه الظاهرة في نمو المدن وقفا على مصر وحدها بل إنها عالمية وخاصة في الدول النامية، فالملاحظ أن االمناطق الريفية يزداد فيها ضغط السكان على الأرض الزراعية مما يدفع بالكثير من سكانها إلى التفكير في الهجرة وخاصة إذا كان هذا الضغط السكاني مرتبطا بانخفاض المستوى المعيشي وبديهي أن عوامل الطرد في أماكن المغادرة يقابلها عوامل جذب في أماكن الوفود وأبرز عوامل الجذب الحضري تزايد فرص العمالة وتوفر الخدمات المتعددة وتسهم وسائل المواصلات وخاصة السكك الحديدية في إيجاد تيارات هجرة على امتدادها.

стр. 534

نتائج الهجرة مدخل ... نتائج الهجرة للهجرة نتائج واضحة في حجم وتوزيع وتركيب السكان في منطقتي الأصل والوصول، ويمكن أن تتحدد أهم هذه النتائج في النواحي التالية: ١- تغير حجم السكان.

стр. 535

٢- تغير التركيب العمري والنوعي للسكان. ٣- مشكلات الاختلاط السكاني في المهجر. ٤- النتائج الاقتصادية.

стр. 536

تغير حجم السكان: يعد تغير حجم السكان من أبرز نتائج الهجرة، وتتحدد ملامح هذا التغير في اتجاهين عكسيين أحدهما يتمثل في زيادة السكان في المناطق المستقبلة سواء كانت مدنا أو مناطق زراعية حديثة العهد بالاستيطان، والآخر يتمثل في تناقص عدد السكان في المناطق المرسلة "مناطق الأصل" خاصة الريف الذي يتعرض باستمرار لتناقص سكاني Depopulation بسبب الهجرة والمغادرة. وتبدو هذه الظاهرة بجلاء في الهجرة الدولية بين مناطق الطرد ومناطق الجذب ولعل في أيرلنده والولايات المتحدة ما يدل على ذلك خاصة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ففي سنة ١٨١٩ كان عدد سكان الولايات المتحدة ٥.٨ مليون نسمة ارتفع هذا الرقم ليصل إلى ٧٦ مليون نسمة في أوائل القرن العشرين ثم إلى ١٨٠ مليون نسمة في سنة ١٩٦٠. ويرجع هذا النمو السكاني الكبير إلى الزيادة الطبيعية والهجرة الوافدة والواقع أن دور الهجرة في هذه الزيادة كان كبيرا تراوح بين ٣٠ - ٤٠% من مجموع الزيادة الكلية للسكان كما يبين الجدول رقم "٥". جدول رقم "٥": تطور دور الهجرة في الزيادة الكلية لسكان الولايات المتحدة الفترة نسبة النمو الطبيعي نسبة الهجرة الوافدة % ١٨٧٠ - ١٨٨٠ ٧١.٥ ٢٨.٥ ١٨٨٠ - ١٨٩٠ ٥٧.١ ٤٢.٩ ١٨٩٠ - ١٩٠٠ ٦٨.٥ ٣١.٥ ١٩٠٠ - ١٩١٠ ٥٨.٢ ٤١.٨

стр. 537

١٩١٠ - ١٩٢٠ ٦٤.٤ ٣٥.٦ ١٩٢٠ - ١٩٣٠ ٧٧.٦ ٢٢.٤ ١٩٣٠ - ١٩٤٠ ٩٤.١ ٩.٥ ١٩٤٠ - ١٩٥٠ ٩٤.٦ ٥.٤ وقد قابل هذا التزايد السكاني في الولايات المتحدة تناقص سكاني في أوروبا بطبيعة الحال والتي كانت القارة الرئيسية التي أوفدت المهاجرين إلى العالم الجديد، ففيما بين سنتي ١٨٢٠ و ١٩٤٣ هاجر ٧% من سكان سويسرا و ١١% من سكان إيطاليا إلى الأمريكتين، ولكن من كل دول القارة تبقى أيرلنده خير دليل على الأثر الذي أحدثته الهجرة في تناقص عدد السكان، فقد استقبلت الولايات المتحدة ثلاثة أخماس المهاجرين الأيرلنديين في القرن التاسع عشر، ولكن بعد ذلك وفي الفترة من سنة ١٩٠٠ - ١٩٢٤ اتجه الأيرلنديون إلى أقاليم الدومينيون ومنذ سنة ١٩٣١ استقبلت إنجلترا حوالي ٧٠% من المهاجرين الأيرلنديين وتعرض سكان أيرلنده للنقص الكبير في حجمهم نتيجة هذه الهجرة المغادرة بمعدلات كبيرة.

стр. 538

الهجرة والنمو الحضري: يعد النمو الحضري الذي شهده العالم في المائة سنة الأخيرة من السمات البارزة في نمط توزيع السكان، وقد أسهمت الهجرة إلى المراكز الحضرية بدور كبير في توازن السكان بين الحضر والريف. وقد نشأت المدن الكبرى منذ عهود بعيدة حتى بالرغم من عدم توفير وسائل نقل بدرجة كافية تربطها بأقاليمها المجاورة، ومع ذلك فقد بلغت أحجام بعضها حدا كبيرا، فمدينة باريس مثلا بلغ عدد سكانها ٤٩٨.٠٠٠ نسمة في عهد لويس الثالث عشر و ٥١٨.٠٠٠ في عهد نابليون الأول، ولكن بعد ذلك بخمسين عاما فقط تعدت المليون نسمة، وذلك في سنة ١٨٦٠ ثم وصلت إلى ٦.٧ مليون نسمة سنة ١٩٥٠ وفي نفس الفترة فإن لندن التي لم يزد عدد سكانها على نصف مليون نسمة في نهاية القرن السابع عشر نمت وتضخمت حتى وصلت إلى قرابة المليون نسمة في سنة ١٨٠١، ثم وصلت إلى ٢.٣٦٢.٠٠٠ نسمة بعد ذلك بستين عاما فقط في سنة ١٨٦١، وتزايد عدد سكانها بمعدل كبير حتى وصل إلى قرابة ١١ مليون نسمة سنة ١٩٦٠.

стр. 539

وعلى ذلك فإنه يمكن القول بأن القرنين التاسع عشر والعشرين قد شهدا توسعا ضخما في العمران الحضري، ويمكن الاستنتاج أن جذور هذا التوسع الكبير ترجع إلى عدة عوامل أبرزها استيعاب نسبة المهاجرين الذين لفظتهم المناطق الريفية لعوامل الطرد الكامنة فيها. وتتميز المدن بانخفاض معدل الزيادة الطبيعية إذا قورنت بالريف -كقاعدة عامة- ولذا فإن نسبة كبيرة من نموها السكاني ترجع إلى تدفق تيارات الهجرة المستمرة نحوها. وتتعدد الأمثلة في دول العالم على ذلك، ففي البرازيل مثلا كانت نسبة الزيادة الطبيية في ثمان مدن رئيسية بها أقل من نصف الزيادة الناجمة عن الهجرة "في الفترة من عام ١٩٤٠ - ١٩٥٠"، وفي فرنسا نمت باريس في العقدين الأخيرين بمعدل يصل إلى ضعف مثيله على مستوى القطر كله، وفي مصر فإن معدل النمو السكاني لمدينة القاهرة يصل إلى أكثر من ضعف مثيله على مستوى الجمهورية. وقد أدت هذه الهجرات إلى زيادة سكان الحضر كما سبق القول بدرجة أوصلت نسبتهم إلى أكثر من أربعة أخماس سكان المملكة المتحدة وأكثر من نصف سكان ألمانيا الغربية والدانمرك واستراليا وفلسطين المحتلة وأكثر من نصف سكان الولايات المتحدة وبلجيكا والأرجنتين وكندا ونيوزيلندا وإسبانيا والسويد وهولنده وفرنسا وشيلي والنرويج وفنزويلا والنمسا. ويرتبط نمو المدن بمعدلات الهجرة إليها والتي تؤدي إلى تزايد سكان المدينة الأصلية أو التوابع التي تنشأ وتتضخم حولها، وتعد هذه الظاهرة سمة واضحة في المدن الكبرى في العالم، فالإقليم الحضري urban region لمدينة نيويورك مثلا يحوي ١٥ مليون نسمة، وتزايد بنحو ثلاثة ملايين نسمة في العشرين سنة الواقعة بين ١٩٤٠ - ١٩٦٠، وكذلك فإن عدد سكان مجمعة طوكيو الكبرى "طوكيو - يوكوهاما" يصل إلى ١٣.٦ مليون نسمة، ولندن الكبرى يسكنها ١١.٥ مليون نسمة وهكذا. لا تختلف المدن المتوسطة الحجم عن المدن العملاقة في دورها في جذب تيارات الهجرة، وإن كانت معدلات الهجرة تختلف من مدينة لأخرى حسب عوامل الجذب والطرد الكامنة في هذه المدن وفي مناطق إرسال المهاجرين.

стр. 540

وقد بلغ عدد سكان المدن التي يزيد حجم كل منها على ١٠٠.٠٠٠ نسمة ١٤١٣ مدينة في العالم "في الستينات"، وتتميز بأن عددها يتزايد بسرعة مذهلة، ففي الولايات المتحدة مثلا كان عدد هذه المدن ٦٨ مدينة في سنة ١٩٢٠ ولكنه ارتفع إلى ١٣٠ مدينة سنة ١٩٦٠، وفي فرنسا تزايد العدد من ١٥ مدينة إلى ٣٤ مدينة في هذين التاريخين على الترتيب، ويتزايد مع هذا العدد بطبيعة الحال نسبة سكان الحضر إلى جملة سكان القطر بصورة مطردة. وترتبط الهجرة الريفية - الحضرية بتوطن الصناعة الحديثة ارتباطا وثيقا ولذلك فقد أصبحت المدن مراكز توطن صناعي وجذب سكاني بمعدلات تفوق متوسط معدل النمو في الدولة مرتبطة في ذلك بخطط التنمية الصناعية حتى أصبحت ظاهرة النمو الحضري في الأقطار النامية الآخذة بأسباب التصنيع أبرز السمات الديموغرافية في حركة السكان وتوزيعهم. وبالإضافة إلى ما سبق فإن قوة جذب المدن تكون انتقائية selective بالنسبة للمكان المهاجر منه كما يبدو ذلك في توزيع المهاجرين إلى الحضر حسب مكان المولد ومع ذلك فقد لا يقيم المهاجرون إلى المدينة بصفة دائمة بل إن هناك حركة عودة دائمة لبعض الأفراد إلى المناطق الريفية أو إلى مدن أخرى صغيرة أو كبيرة حسب عوامل الطرد والجذب وتأثيرها المختلف على المهاجرين.

стр. 541

تغير التركيب العمودي والنوعي ... ٢- تغير التركيب العمري والنوعي: سبق القول بأن الهجرة تتميز ببعض الخصائص الديموغرافية سواء في التركيب العمري أو النوعي أو الاقتصادي للمهاجرين، ومن أبرز الخصائص ظاهرة الانتقاء الهجري migration selectivity، أي اختيار المهاجرين ونوعيتهم، وانعكاس ذلك على خصائص السكان في مكاني الأصل والوصول، ويعني ذلك ببساطة أن المهاجرين ليسوا من عينة عشوائية من السكان في مكان الأصل ذلك لأن الأشخاص الذين يستجيبون إلى مجموعة من العوامل الإيجابية والسلبية في كلا المكانين لهم قدرات مختلفة للتغلب على العوائق الوسيطة ولذا فإن أبرز سمات الهجرة هي الشباب -والذكور منهم على وجه الخصوص- وتؤدي حركة الهجرة لهذه الفئة العمرية إلى تغير في التركيب السكاني في المجتمع المهاجر منه والمجتمع المهاجر إليه ويبدو ذلك بمقارنة الأهرام العمرية النوعية للسكان في كلا المجتمعين.

стр. 542

ومن الظاهرات الأخرى المتعلقة بالهجرة أن خصائص المهاجرين تميل إلى أن تكون وسطا بين خصائص السكان في مكاني الأصل والوصول، ذلك لأن الأشخاص المهاجرين لا يفقدون خصائصهم الأصلية كلية بعد الهجرة، كما أنهم يبدأون في اكتساب خصائص أخرى في مجتمعهم الجديد، وقد أوضحت كثير من الدراسات هذه الظاهرة، فخصوبة المهاجرين على سبيل المثال تعد وسطا بين خصوبة السكان في الموطن الأصلي وفي المهجر.

стр. 543

٣- مشكلات الاختلاط السكاني في المهجر: لعل أبرز النتائج المترتبة على الهجرة اختلاط العناصر السكانية في المهجر مع ما يترتب على ذلك الاختلاط من مشكلات عرقية ولغوية مختلفة سواء بالنسبة للسكان المهاجرين أو السكان الأصليين، ولا تخلو خريطة العالم السكانية من مثل هذه المشكلات التي تبرز بوضوح في المهاجر الكبرى مثل أمريكا الشمالية والجنوبية وجنوب أفريقيا واستراليا. وقد سبق القول بأن مناطق المهاجرين في العالم شهدت اختلاطا عرقيا كبيرا لعل في أمريكا الجنوبية المدارية مثلا واضحا عليه، وبالرغم من أن المهاجرين إليها قد انصهروا في بوتقة بشرية واحدة بينهم توجد بينهم نزعات التفرقة العنصرية كما هي الحال في أمريكا الشمالية، فإن هناك نزعات قومية لدى بعض جماعات المهاجرين حديثا للتركيز في مناطق منفصلة عن الجماعات الأخرى ويبدو ذلك بوضوح في المهاجرين الإيطاليين أو الألمان في جنوب البرازيل. وتظهر المشكلات العرقية بوضوح في المناطق التي هاجرت إليها العناصر الأوروبية الأنجلو ساكسونية كما هي الحال في أمريكا الشمالية أو جنوب أفريقيا أما في استراليا ونيوزيلند فلم تظهر هذه المشكلات لقلة عدد السكان الأصليين. أما الاختلافات اللغوية فقد تؤدي إلى مشكلات للسكان في المهجر كذلك، فحتى بين المهاجرين الذين عاشوا متجاورين مدة طويلة من الزمن مثل الإنجليز والفرنسيين في كندا والبوير والإنجليز في جنوب أفريقيا فإن كلا منهما يحاول المحافظة على لغته وتقاليده وشخصيته، ففي كندا مثلا، بالرغم من أن السكان

стр. 544

ذوي الأصل الإنجليزي يكونون ٥٠% من السكان سنة ١٩٤١ فإن ٥٧% من السكان يعتبرون الإنجليزية لغتهم الأصلية كما أن أربعة أخماس السكان يتحدثون بها. وتظل اللغة الأصلية سائدة لدى المهاجرين، ولا تهمل إلا عند الجيل الثاني أو الفئات خاصة بين الذكور الذين يدخلون سوق العمل ويضطرون إلى التحدث بلغة المهجر السائدة حتى يتمكنوا من كسب عيشهم، وعلى أية حال فإن المهاجرين الذين يفدون في جماعات كبيرة يحافظون على لغتهم الأصلية كما تفعل الأسر البولندية التي وصلت إلى فرنسا في العشرينات من هذا القرن وفي بعض مناطق البرازيل والأرجنتين مازالت بعض الجماعات تتحدث الإيطالية وحتى الفرنسية بدرجة أكبر من اللغة القومية وهي البرتغالية. وعلى النقيض مما سبق فإن الهجرات الاستعمارية التي أدت إلى انتشار المؤثرات الثقافية كان لها تأثير عكسي، فقد أدخلت اللغات الأوروبية إلى مناطق واسعة من العالم وأصبحت هذه اللغات الدخيلة أهم وسائل الاتصال والتفاهم بسهولة بين السكان، ويبدو ذلك بوضوح في كثير من الدول التي استعمرتها بريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص والتي كانت تزخر بالعديد من اللغات ثم اتخذت لغة المستعمر لغة رسمية لها.

стр. 545

٤- النتائج الاقتصادية للهجرة: تتمثل النتائج الاقتصادية للهجرة في عدة وجوه أبرزها انتقال رءوس الأموال والمساعدات المالية المباشرة؛ وذلك لأن المهاجرين يدخلون أموالا إلى المهجر عند انتقالهم إليه، كذلك فإن المهاجر لا ينقطع عن وطنه الأصلي، وتقدر الإحصاءات في الولايات المتحدة أنه عند قيام الحرب العالمية الأولى كان المهاجر الإيطالي يرسل إلى أسرته بإيطاليا أربعة أمثال ما يرسله المهاجر الإنجليزي، كما كان المهاجر اليوناني يرسل عشرة أمثال المهاجر الألماني؛ ذلك لفقر دول جنوب أوروبا، ولذا فقد كان دخل إيطاليا من أموال المهاجرين الإيطاليين في الخارج يوازي نصف دخلها من السياحة والملاحة البحرية معا، وبالمثل فقد كانت تساوي جملة الدخل من السياحة والملاحة البحرية معا، وبالمثل فقد كانت الأموال التي يرسلها المهاجرون الجزائريون العاملون في فرنسا كثيرة، ويقدر أنها بلغت في سنة ١٩٥٥ ما يعادل دخل الإنتاج الزراعي للجزائر في تلك السنة،

стр. 546

وبالإضافة إلى انتقال رءوس الأموال من المهجر إلى الوطن الأصلي للمهاجرين فإن الهجرة تكلف مناطق الاستقبال وتزيد من أعبائها الاقتصادية فبالإضافة إلى ما تتحمله الدولة المستقبلة من أجور الانتقال "كاستراليا مثلا التي تتولى نقل المهاجرين إليها على نفقتها" فإن هناك أعباء أخرى تتمثل في تجهيز المساكن والأراضي والخدمات المتعددة للمهاجرين الجدد. وإلى جانب هذه النواحي المالية المترتبة على الهجرة فإن هناك نتائج اقتصادية أخرى في منطقتي الأصل والوصول، فتحظى المناطق الأخيرة بالعناصر الشابة القادرة على العمل والتي تستنزفها من مناطق الطرد، وغالبا ما تكون هذه العناصر أكثر فئات السكان حركة ويدعمها تدريب ومستوى أعلى من باقي السكان خاصة المستوى التعليمي والمهني "تعرف باستنزاف العقول" brain drain وهكذا تفقد تلك المناطق ثمرة غرسها باستمرار وتتعرض للفقر السكاني وفقدان العمالة المتقدمة والماهرة. غير أن الهجرة ليست في كل الأحوال ذات نتائج سلبية على سكان المنطقة الأصلية بل قد تكون ذات فوائد أخرى مثل رفع مستوى المعيشة بهذه المنطقة حيث يقل الضغط السكاني على الموارد المحلية والخدمات المتوفرة، كما قد يظهر في المناطق الريفية عمالة ناقصة under employment وتختفي البطالة من المراكز والمناطق الصناعية بل وقد تتعرض لعمالة زائدة over employment في بعض الأحيان. ومن أبرز النتائج السيئة التي تترتب على الهجرة أن هناك قطاعا كبيرا من سكان المناطق المختلفة يهاجرون بدافع الفقر الشديد في بيئاتهم ويؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة حيث يكونون عبئا ثقيلا على المنطقة المستقبلة كما هي الحال في الهجرة المستمرة من الريف إلى الحضر في الدول النامية حيث تعجز هذه المدن عن توفير العمالة أو الخدمات المختلفة لجموع المهاجرين، وهذه حال مدن الدول النامية التي يفد إليها المهاجرون غير المدربين والذين تلفظهم بيئاتهم القاسية في الريف ويعيشون في المدينة في مستوى منخفض ويكونون قطاعا هامشيا من سكانها ويترتب على وجودهم الكثير من المشكلات الاجتماعية، ففي مدن الهند مثلا تنام جموع المهاجرين في الشوارع ويهيمون على وجوههم متضورين جوعا -كما في شوارع بمباي- ولا تختلف معظم مدن الدول المتخلفة عن ذلك كثيرا.

стр. 547

الباب التاسع: مراكز العمران الريفي الفصل الأول: مراكز العمران الريفي مفهوم جغرافية العمران ومجال البحث فيها ... الفَصلُ الأول: مَراكز العُمران الرِّيفَي مفهوم جغرافية العمران ومجال البحث فيها: تعد جغرافية العمران فرعا هاما من فروع الجغرافيا البشرية؛ وذلك لأن مراكز العمل البشري هي انعكاس لعدة ظروف جغرافية متشابكة أسهمت في توزيع السكن والسكان، ويعالج هذا العلم أنماط العمران في البيئات المختلفة سواء كان عمرانا ريفيا أو حضريا، أو عمرانا يجمع في ثناياه بين هذين النمطين. ورغم أن جغرافية العمران geography of settlements تنقسم إلى فرعين رئيسيين هما جغرافية السكن الريفي geography of rural settlements وجغرافية السكن الحضري -أو المدن- geography of urban settlements فإن دراسة الفرع الأول لم يحظ باهتمام الجغرافيين إلا حديثا جدا ومنذ ما يقرب من نصف قرن فقط -وبالتحديد في سنة ١٩٢٥- عندما قدم الباحث "ديمانجون demangeon" أول بحث عن جغرافية السكن الريفي: مفهومها ومنهجها، وذلك ضمن الأبحاث التي قدمت إلى المؤتمر الجغرافي الدولي الذي عقد في القاهرة في تلك السنة. وكان العمران الريفي الفرنسي من الموضوعات التي جذبت اهتمام "ديمانجون" وقد كتب في هذا الموضوع عدة مقالات في مجلة "الحوليات الجغرافية" كما كتب عددا من الكتب فيه بين سنتي ١٩٢٠ - ١٩٣٩، واتخذ الرسم الداخلي للمساكن الريفية، ووظيفتها الزراعية عاملين أساسيين للتمييز بين منطقة وأخرى، واعتبر كثافة المساكن أو مدى انتشارها أمرا جوهريا، كذلك قام بإجراء استفتاء بشأن الموطن الريفي والمباني الزراعية وأساليب الزراعة ودور الأجانب في الفلاحة الفرنسية، وكذلك اهتم ديمانجون

стр. 548

بوجه خاص بدراسة المدن، وكانت دراسته لباريس التي نشرت سنة ١٩٣٣ دراسة جيدة اعتمدت عليها كثير من الأبحاث بعد ذلك. وتوالت بعد ذلك دراسات مستفيضة عن العمران الريفي خاصة في غرب أوروبا وذلك كمقدمة لفهم مشكلات البيئة الريفية ووضع أسس التخطيط الإقليمي لها. وتتناول جغرافية السكن الريفي بعض الموضوعات المرتبطة بالقرى من حيث ثباتها أو تغيرها والمؤثرات الجغرافية في توزيع القرى وأشكال هذا التوزيع ثم تتناول بالتفصيل دراسة المسكن الريفي صفاته وخصائصه وارتباطه بظروف موضع القرية، وكذلك دراسة سكان الريف أنفسهم ومشكلاتهم وتوزيعهم وعلاقاتهم بالمراكز الحضرية الأخرى. أما جغرافية المدن -وهي الشق الثاني من جغرافيا العمران- فقد جاء الاهتمام بها مبكرا عن الاهتمام بجغرافية السكن الريفي، علما بأن دراسة جغرافية المدن بمنهجها التقليدي ترجع إلى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن وخاصة في بعض المقالات التي درست مواقع المدن ومواضعها، وخاصة في كتابات فردريك راتزل الجغرافي الألماني المشهور والذي يعد مؤسس الجغرافيا البشرية في العصر الحديث. وقد أصبح العمران الحضري من أبرز سمات القرن العشرين وأضحت مشكلات النمو المدني من أكثر المشاكل إلحاحا في معظم دول العالم وما يرتبط بها من مشاكل الإسكان والغذاء والكهرباء والخدمات الأخرى. وقد نشأت المراكز الحضرية "وهي مرادف للمدن" في بادئ الأمر في أماكن قليلة في الشرق الأوسط خلال العصر الحجري القديم الأعلى، فقد وجدت مدن في أراضي ما بين النهرين ومصر ترجع إلى منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد وانتشرت بعد لك إلى وادي السند وإلى الصين، أما أولى المدن التي أنشئت في العالم الجديد فهي مدينة المكسيك الحالية التي أنشأها السكان الأصليون من الهنود الحمر منذ ألفي سنة تقريبا. ومنذ نهاية العصور الوسطى كانت المراكز العمرانية الحضرية قاصرة على أوروبا وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا الوسطى، وقد تمخض التدخل

стр. 549

الأوروبي في العالم الجديد وفي سيبريا بعد عصر كولمبس عن إنشاء مدن جديدة في المناطق التي استعمرها الأوروبيون، ولكن نسبة سكان المدن ظلت ضئيلة بينما استحوز الريف على معظم السكان. ولكن عملية التحضر "التمدين" URBANIZATION بدأت في التزايد تدريجيا في أعقاب الثورتين الصناعية والزراعية، وبدأت العملية أولا في إنجلترا قرابة نهاية القرن الثامن عشر وما إن جاءت سنة ١٩٠٠ حتى كانت نسبة السكان الإنجليز الذين يعيشون في المدن ٤/٥ مجموع السكان، ومنذ ذلك التاريخ ظلت هذه النسبة ثابتة تقريبا. وشهدت كثير من الدول الصناعية في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية تطورا مماثلا، فكانت نسبة سكان المدن مثلا في الولايات المتحدة الأمريكة أقل من ١٠% في سنة ١٨٠٠ ارتفعت إلى ٧٠% من جملة السكان سنة ١٩٦٠. وانتشرت ظاهرة التحضر العمراني في العصر الحديث خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، وتعد اليابان مثلا واضحا على ذلك حيث كانت نسبة سكان المدن بها حوالي ١٥% سنة ١٨٧٥ ارتفعت لتصل ٦٥% في الوقت الحاضر، أما البرازيل كدولة نامية فقد ارتفعت النسبة بها من ٣٠% سنة ١٩٤٠ إلى ٤٥% سنة ١٩٦٠، وفي مصر تزايدت هذه النسبة من ٢٤% في سنة ١٩٣٧ إلى ٣٨% سنة ١٩٦٠. وعلى العموم فإن نسبة سكان المدن في العالم في الوقت الحاضر تتراوح بين ٢٥ - ٣٠% من جملة سكانه في الوقت الذي كانت فيه هذه النسبة منذ قرن مضى قرابة ٣% فقط ومعنى ذلك أن هذه النسبة قد تضاعفت حوالي عشر مرات خلال مائة عام. وترتبط عملية النمو الحضري في العمران البشري بتزايد أعداد البشر أنفسهم -ذلك التزايد الذي نجم عن الزيادة الطبيعية للسكان- وكذلك الهجرة التي شهدتها قارات العالم الجديد وما أعقبها من استغلال لهذه القارات وتحول السكان إلى إنتاج الغذاء وتجارته بدلا من الاعتماد على الحرف المعاشية. وتهتم جغرافية المدن "السكن الحضري" بدراسة ما يلي:

стр. 550

أ- نشأة المدينة وتطورها والمراحل المختلفة التي مر بها هذا التطور والعوامل الرئيسية التي أسهمت في ذلك. ب- بيئة المدينة من حيث موقعها وموضعها والمؤثرات الجغرافية في امتداد محاور النمو بها وظروفها المناخية وخاصة المناخ المحلي. ج- سكان المدينة جغرافيا وديموغرافيا: أي دراسة توزيع السكان على رقعة المدينة ومؤثرات هذا التوزيع ثم نمو السكان وتركيبهم العمري النوعي والاقتصادي وغير ذلك من مظاهر التركيب الديموغرافي. د- التركيب الوظيفي للمدينة، وتقسيمها إلى أحياء ذات صفات مشتركة وتحديد هذه الأحياء حسب وظيفتها الرئيسية. هـ- إقليم المدينة: أي علاقتها ببيئتها المجاورة ومظاهر تأثير المدينة في هذه البيئة وتأثير البيئة فيها. و تخطيط المدينة في المستقبل في ضوء عوامل النمو والتوسع. ويرتبط بدراسة جغرافية المدن تحليل كثير من البيانات الإحصائية وإجراء دراسات حقلية والتعامل مع خرائط المدن الأصلية وخلق خرائط جديدة من واقع الدراسة الميدانية وتحليل البيانات، ولذلك فإن الباحث في جغرافية المدن ينبغي له أن يجيد التعامل مع خرائط العمران والدراسة الميدانية قبل وأثناء دراسته للمدينة. وتنبغي الإشارة في ختام هذه المقدمة إلى أن وضع قواعد جغرافية المدن جاء في فترة حديثة جدا خاصة بعد الحربين العالميتين، وكان للجغرافيين الفرنسيين دور كبير في ذلك، فبالإضافة إلى دراسة ديمانجون لباريس سنة ١٩٣٣، هناك دراسات أخرى هامة عن المدن والبلدان الفرنسية قام بها بلانشار BLANCHARD ونشرها في مجلة الحياة الحضرية "LA VIE URBANE" سنة ١٩٢٢، ويعد كتابه عن مدينة جرينوبل grenoble سنة ١٩١١ بحثا جيدا في الموقع العام للمدينة ولموضعها بالتفصيل وفي

стр. 551

تطورها التاريخي ومركزها الحاضر، وقد أنشأ في جرينوبل مدرسة علمية منظمة للبحث في الجغرافية الحضرية "جغرافية المدن"١. وبعد ذلك توالت دراسات المدن في الدول الأوروبية والولايات المتحدة والشرق الأقصى، فوضع جيفرسون الأمريكي gifferson كتابا درس فيه نمو المدن في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، وتلاه بعد ذلك علماء ألمان كان أبرزهم كريستالر christaller الذي اشتهر بدراساته عن مواقع المدن وتباعدها ووضع القوانين التي تحكم ذلك. غير أن جغرافية المدن -شأنها في ذلك شأن كثير من الفروع الجغرافية- بدأت مرحلة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية معتمدة على بعض الأساليب الحديثة خاصة الأساليب الكمية quantitative في تحليل المواقع والتباعد والتركيب بهدف الوصول إلى تحديد أقاليم المدن توطئة لوضع تخطيط شامل لهذه المدن في الحاضر والمستقبل وسنتناول بعض هذه الأساليب في الفصول التالية.

стр. 552

العمران الريفي مدخل ... العمران الريفي تعد المراكز العمرانية settlements أول خطوة للإنسان لملاءمة نفسه مع ظروف البيئة الجغرافية، وتدخل دراستها في فروع متعددة من العلوم، فالإثنوغرافي يتولى وصف أشكال المساكن والمواد المستخدمة في بنائها ثم يدرس الموضوعات المختلفة للتركيب الاجتماعي والمستوى الحضاري للسكان وهو في كل ذلك يواجه الكثير من المشكلات الجغرافية للعمران، وفي مرحلة أعلى من التطور يدرس علماء الاجتماع والاقتصاد مشكلات المراكز العمرانية في مجال تخصصهم أما الجغرافي فيتناول دراسة مراكز العمران البشري في ضوء علاقاتها بالبيئة المجاورة التي توجه موضع المراكز العمرانية ومواقعها والمواد التي بنيت منها، وما ينعكس على حرف وتركيب هذه المراكز ثم مظاهر التركز أو التشتت على رقعة الإقليم والعوامل المؤثرة في ذلك، وعلى ذلك فإن دراسة البيئة الطبيعية تعد أساسية في تحليل جغرافية العمران الريفي والحضري على السواء، وارتباطها بمظاهر السطح والتركيب الجيولوجي والمظاهر الطبيعية الأخرى. ويمكن تقسيم مراكز العمران الريفي إلى نوعين رئيسيين هما:

стр. 553

١- المراكز العمرانية الريفية المؤقتة: تعكس المراكز العمرانية ارتباط المركز البشري بالموراد المتاحة في البيئة المحلية، ولذلك فإنها قد تكون مراكز عمرانية مؤقتة أو شبه دائمة أو دائمة، ومن الطبيعي أن القرى الثابتة نتاج بيئي لتطور طويل ارتبط بتزايد الموارد الطبيعية وبعبقرية الإنسان في الحصول على هذه الموارد وزيادتها، ومن ناحية أخرى فإن المراكز المؤقتة ترتبط بالمجتمعات البدائية مثل جماعات القنص والرعاة وحتى بعض الزراع البدائيين المتنقلين، بل إن البداوة قرينة بالتنقل الدائم وبمضارب الخيام، ويبدو ذلك بوضوح في خيام العربان ومخيمات قرى الوطنيين المندمجة في شمال شيلي مثل قرى الأنكا القديمة.

стр. 554

ب- المراكز العمرانية الريفية الثابتة: من السهل تحديد تعريف المحلات العمرانية الريفية في ضوء وظيفة سكانها، ومن هنا تختلف المحلة العمرانية الريفية تماما عن المحلة الحضرية "المدينة" ذلك لأن القرية هي "ورشة workshop" زراعية كبرى ويتحدد شكلها بنوع العمل الذي يمارسه سكانها وأساليب الزراعة والطريقة التي تستغل بها التربة. أنواع المراكز العمرانية: يرتبط إنشاء المراكز العمرانية الثابتة بمجموعة من العوامل الجغرافية لعل أهمها تزايد السكان في رقعة ما وثانيها توفير البيئة الصالحة لإنشاء هذه المراكز، وعندما يتحقق ذلك فإنه يعطي الفرصة لإنتاج الغذاء بدرجة كافية في مساحة أصغر، وهنا تحل الزراعة الكثيفة محل الزراعة الواسعة، وفي نفس الوقت فإن المركز العمراني يصبح مركزا ثابتا ودائما بالضرورة. كذلك فإن هناك أسبابا أخرى تجعل المحلات دائمة وغير متنقلة، ومنها محاولة التجمع في محلة عمرانية ثابتة لدرء الأخطار وتحقيق الأمن الجماعي، وهناك أمثلة عديدة منها فعلا ما حدث لبدو التيدا tedas في إقليم التبستي والذين كانوا أصلا شعبا بدويا متنقلا دون مساكن دائمة، وبعد أن تعرضوا لهجمات مستمرة من الطوارق تحولوا إلى الزراعة بقدر ما تتيحه ظروف بيئتهم الصحراوية، وأصبحت محلاتهم العمرانية ثابتة ومستقرة -مع وجود بعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى التي ترتبط بالبداوة والترحال في نفس الوقت. وهناك مثال آخر في الأراضي الموسمية في آسيا كما في اسام مثلا التي عمرت بمعدل سكاني كبير وحدثت تغيرات كبيرة في الزراعة حيث تحولت من زراعة متنقلة إلى زراعة كثيفة وكذلك المغول في وسط آسيا، ولدى هذه الشعوب فإن المحلات العمرانية هي إحدى مظاهر الحياة وانعكاس لظروف البيئة المباشرة على التركيب الاجتماعي لهم، لذا فإن هناك تماسكا اجتماعيا قويا بين جماعات الصيد والزراعة البدائية والرعي البدائي، ويبدو ذلك في

стр. 555

جماعات الإسكيمو في النطاق القطبي وكذلك لدى جماعات الهنود الحمر في أمريكا الشمالية وشعوب شرق سيبيريا، ولعل في ظاهرة الانتقال الفصلي transhumance ما يدل على أن العمران غير مستقر حيث يشغل السكان المساكن بصفة غير دائمة، بالرغم من أنها مساكن مبنية حيث يسكنونها في فصل الرعي في خلال جزء من السنة، بينما على الجبال تكون المساكن الفصلية الأخرى على بعد عشرة أو عشرين أو ربما ثلاثين ميلا من القرى الدائمة في الأودية السفلى. وكذلك الحال لدى الزراع البدائيين الذين ينظفون مساحة من الأرض لزراعتها، وعندما تقل خصوبة تربتها فإنهم يفضلون الانتقال بقريتهم إلى موضع جديد عن البقاء في القرية الأصلية والعودة إليها، ولذا تبدو المزرعة القديمة مهجورة، وكذلك القرية التي كانت مركزا عمرانيا للجماعة البشرية تبدو مهجورة هي الأخرى. ولا تتم إزالة القرى عشوائيا -فيما عدا بعض القبائل البدائية جدا- بل يتم ذلك في دورة معتدلة، ومن وقت لآخر تبنى القرية في موضع سابق شغلته مراكز عمرانية مرات عديدة من قبل، ولا شك أن لذلك فائدة كبرى تتمثل في الاستفادة من بقايا القرية السابقة في إنشاء محلة عمرانية جديدة، وقد يحدث في بعض الأحيان أن تتأقلم الزراعة المتنقلة مع العمران المبعثر كما في غابات الأمزون حيث يعيش الزراع المتنقلون في قرى ثابتة مع مساكن مبعثرة جنبا إلى جنب، وفي أعالي وادي نهر ريو برانكو فإن القبائل تتكون من عائلات صغيرة تعيش منفصلة في مجموعات صغيرة من كوخين أو ثلاثة وتتغير مواضع هذه الأكواخ كل سنتين أو ثلاثة، كذلك فإن جماعات الأروكان الذين يحترفون الزراعة المتنقلة فيما بين وسط وجنوب شيلي يعيشون في مساكن مبعثرة للغاية حيث تتكون بيوتهم من الأغصان ولذلك فعند انتقالهم يأخذون معهم الإطار الرئيسي للمسكن فقط. والشعوب البدائية التي تمارس الزراعة المتنقلة لديها مساحات واسعة من الأراضي يمكنهم أن يتبعوا دورة كل عدة سنوات بها، ففي الزراعة المتنقلة تزال القرى عند الانتقال إلى منطقة جديدة بعد إجهاد التربة في المنطقة

стр. 556

الأصلية ولكن عندما يتزايد السكان تصبح الأراضي التي يمارسون فيها الزراعة المتنقلة قليلة ويصبح إزالة القرى أمرا صعبا هو الآخر ومن ثم تصبح محلات عمرانية ثابتة. وفي أفريقيا كان للنظام القبلي أثره الكبير على نمط العمران الريفي ذلك لأن العمران كان مرتبطا بسكنى أفراد القبيلة في مجموعات عائلية، ففي مناطق البانتو كان ذلك يأخذ شكل نويات مبعثرة من الأكواخ على هيئة خلية النحل bee hive type ذات جدران طينية وأسقف مخروطية من القش، وغالبا ما تكون هذه المساكن بالقرب من الحقول ومن حظائر الماشية، وفي أفريقيا الزنجية الجنوبية تكون المساكن ذات جدران صلصالية بأسقف مستطيلة من القش أيضا -حول تجمع مركزي- ويحيط بها أسوار من النباتات الشوكية لحماية السكان والحيوان. ويعكس النمط السابق طبيعة الاقتصاد المعاشي وارتباطه بموارد المياه والدفاع والحماية المشتركة، وفي بعض الأحيان قد يكون المركز العمراني صغيرا لا يتعدى قرية صغيرة تتألف من عدة أكواخ تسكنها أسرة واحدة، وفي أحيان أخرى تتجمع هذه الأكواخ على هيئة بلدة متواضعة تأخذ في النمو حول مسكن رئيس القبيلة١. ويقل التأثير القبلي بدرجة كبيرة بين السكان المستقرين في شمال أفريقيا، ولكن تبقى ظاهرة تركز السكان الريفيين في قرى كبيرة سائدة، ففي وادي النيل والدلتا في مصر تنتشر القرى ذات البيوت الطينية والأسقف المسطحة في نويات مركزية في الأرض الزراعية وأسهمت في نشأة هذه القرى عوامل متعددة أهمها الموضع حيث كانت تنشأ على تلال تعلو منسوب الفيضان -قبل التحكم في مياه النيل منذ عهد محمد علي في النصف الأول من القرن الماضي-، وتبدو آخر مراحل الاستقرار في زراعة الأرز في آسيا الموسمية حيث يتطلب أيدي عاملة كثيرة غالبا ما تكون مرتبطة بالحقول، ومن ثم فإن زراعة الأرز كما يقول بيربلو perpillou والتي تعد

стр. 557

المرحلة النهائية في التطور تعد أيضا مادة لاحمة قوية "أسمنت لمجمعات القرية في الشرق الأقصى"١. ويمكن تقسيم المحلات الريفية الثابتة إلى نمطين رئيسيين هما: أ- نمط القرى المندمجة، ب- نمط القرى المبعثرة. ١- القرى المندمجة: يرتبط هذا النمط بإنشاء المساكن الريفية في بقعة واحدة مختارة داخل الأراضي الزراعية، وبالتالي تكون الأراضي المخصصة للمساكن مختلفة ومميزة تماما عن الأراضي الزراعية ويبدو هذا النمط على الخرائط في تجمعات واضحة وفي مواضع محددة تفصلها عن بعضها البعض أراضٍ وحقول زراعية ممتدة دون أي مساكن بها. وقد ارتبطت القرى المندمجة الشكل بالظروف البيئية الأصلية، فالإنسان البدائي بمفرده غير قادر على درء أخطار الطبيعة وتكون الأسرة أو القبيلة أولى مراحل المجتمع وتسكن في مساكن متقاربة أو ربما متلاصقة طلبا للأمن، وما إن تتزايد أعداد القبيلة حتى تنتشر مساكنها في مساحة أكبر حول النواة الأصلية للمحلة العمرانية. على أن العلاقات الأسرية ليست كافية لتفسير الاندماج الأولي في شكل المحلات العمرانية الريفية، ففي شرق أوروبا تعيش المجموعات الأسرية في محلات عمرانية مبعثرة على هيئة "عزب" أو مجموعات من العزب، كذلك فقد تحوي المحلة العمرانية الواحدة أكثر من قبيلة كما في أريزونا ونيومكسيكو حيث تسكن القرية المندمجة لجماعات الموجي Moqui والزوني Zuni الهندية الحمراء قبائل متعددة تصل إلى ١٥ قبيلة تسكن قرابة المائة كوخ وليس هناك فصل بين القبائل بعضها البعض وتميل الجماعات البدائية إلى التجمع في محلة واحدة لعدة اعتبارات منها تحقيق الأمن والحماية للجماعة من

стр. 558

أخطار البيئة المجاورة وفوق ذلك التعاون في زراعة الأرض، ومع ذلك فإن هناك محلات عمرانية لم يكن عنصر تحقيق الأمن السبب الرئيسي في نشأتها واندماجها، ذلك لأن مواقع القرى في العصر الحجري الحديث كان يحدده موقع الأرض الخصبة والتي تسهل فلاحتها، ومن ثم فإن موضع القرية البيئي هو المحور الرئيسي لاندماجها. وتختلف القرى المندمجة حسب الحجم اختلافا كبيرا تبعا لطبيعة وموارد البيئة المجاورة، فعندما تكون فقيرة في مواردها تكون القرى صغيرة في أحجامها، فعلى حافات الصحاري تتكون القرية من عدة أكواخ قد تصل إلى ستة أو سبعة، ومن ناحية أخرى فإن البيئة الغنية بالموارد الحيوانية والنباتية تكون قراها كبيرة الحجم، كما في قرى جماعات الهوتنتوت الذين يعيشون على الصيد والجمع والرعي البدائي والتي تتكون من حوالي مائة كوخ. على أنه ينبغي القول بأن ثروة البيئة أمر متغير وليس ثابتا، وتعتمد على مواهب السكان في استغلالها، فالزراعة الكثيفة في السهول الفيضية مثلا تمثل استغلالا متقدما للتربة، وأسهمت بدورها في خلق عدد كبير من القرى الكبيرة وارتبط ذلك بطبيعة الحال بخصوبة التربة وتوفر موارد المياه والعوامل الطبيعية الملائمة للزراعة من ناحية ونمو وتزايد أعداد السكان من ناحية أخرى. وتبدأ القرية في التضخم السكاني وبالتالي في اتساع رقعتها العمرانية وظهور توابع صغيرة لها أو قرى ترتبط بها وتسير في مراحل نموها السابقة مع تباين في ظروف الموضع بطبيعة الحال، يمكن تتبع ذلك بسهولة بأسماء القرى الجديدة، والتي غالبا ما تحمل اسما معدلا للقرية الأم، وعلى ذلك فعندما يستقر نظام زراعي دائم تبدأ القرى المندمجة في الظهور ولعل في مصر مثل واضح على ذلك حيث يعيش ما يقرب من ٦٠% من سكانها في قرى كبيرة أو متوسطة الحجم. والقرية المصرية -خلية أولية- تكاد تمثل امتداد رأسيا للأرض السوداء الأفقية، فجسمها من تربة مصر مباشرة كما تقوم دائما على ربوة اصطناعية مرفوعة محدبة كالصحن المقلوب حماية من الفيضان، وهي تكاد تكون

стр. 559

نسخة مكررة منثورة بالآلاف في كل أرجاء الوادي وعلى صفحته وإن اختلفت أحجاما وأوضاعا١ ويبدو من توزيع المراكز العمرانية في مصر وخاصة في الوادي أن توزيع القرى يتحدد في النطاق المزروع على جانبي نهر النيل فقد آثر السكان بناء قراهم في نمط خطي ملحوظ عند الحد الشرقي من الوادي وذلك لأسباب منها ضيق الأرض الزراعية في الوادي بصفة عامة، كذلك ارتبطت بنظام الري الحوضي الذي كان سائدا في معظم جهات الوجه القبلي قبل إنشاء السد العالي، وبالتالي كانت الأراضي الزراعية تغرق بمياه فيضان النيل ومن ثم حرص السكان على بناء مساكنهم في مواضع تتميز بأنها أكثر ارتفاعا لا تغرقها مياه الفيضان كذلك امتدت بعض العزب في شكل طولي على امتداد الترعة الرئيسية في المنطقة. وبالإضافة إلى الشكل المندمج الذي يميز القرية، فهناك قرى ذات شكل طولي، ويوجد هذا النمط مرتبطا بظروف الموضع كذلك، ويسود هذا النوع في إقليم المدلاند الإنجليزي وفي منطقة اللورين وحواف حوض باريس في فرنسا والقرية الإنجليزية من هذا النوع تمتد شريطيا على جانبي طريق رئيسي، والمساكن على كلا جانبيه، وكثير من هذه القرى الشريطية قديم وبعضها حديث وقد يكون نموها مرتبطا بطريق النقل الأخرى مثل الأنهار التي تكون أساسا هاما في نشأة القرى وامتدادها. ب- القرى المبعثرة: قد تكون المساكن في بعض الأحيان مبعثرة -دون نظام يربطها-، وغالبا ما تكون مساكن مفردة أو مجموعة صغيرة من المساكن، والتي تبدو في النهاية على شكل نسيج معقد من القرى الصغيرة "العزب" والمزارع وغالبا ما يدل هذا التبعثر على علاقة قوية للغاية بين مكان السكن ومكان العمل حيث يوجد كل منزل وسط الحقول أو المزرعة الخاصة بصاحبه. ويؤدي التطور الاقتصادي إلى تحديد أشكال القرى واتجاهها نحو التبعثر

стр. 560

وليس الاندماج، ولعل أول عامل مؤثر في ذلك هو نظام الملكية الزراعية حيث توجد القرى الصغيرة مرتبطة بالمزارع الكبيرة التي غالبا ما تكون مقرا لسكنى صاحب الأرض الزراعية وبعض العمال معه في مساكن مجاورة ومعنى ذلك أن القرى المندمجة إذا كانت نتاجا لتاريخ طويل في استغلال الأرض وترجع إلى فترات قديمة، فإن العمران المبعثر نتاج للعصر الحديث وللتغير في نمط الزراعة والملكية واستغلال الأرض حول القرية حيث تقل مساحة الملكيات الزراعية قرب مساكنها -وتميل إلى الكبر والاتساع بالبعد عنها- وتلك سمة عامة تتميز بها القرى.

стр. 561

المسكن الريفي: هناك اتفاق عام بين الباحثين على أن الإنسان قد استخدم في البداية أكثر أشكال البيئة المحيطة به اقترابا لإقامة مسكنه، ومنذ العصر الحجري القديم الأعلى نجد مساكن مبنية من الأخشاب والطين، وبعضها يستغل انخفاض الأرض في صورة حفر طبيعية ليبني فوقها المسكن، ومنذ العصر الحجري الحديث ظهرت البيوت المبنية من الطين المقوى بالبوص أو من اللبن "الطوب غير المحروق" أو من الطوب. كذلك شاع استخدام الحجارة في بناء المساكن سواء في بيوت الحضر أو البيوت المقامة فوق سطح الأرض، ومع ظهور البيوت المستقلة المبنية بأنواع الطوب المختلفة عند الزراع تطورت أيضا مساكن الرعاة حيث تكون مساكنهم متنقلة وبذلك ظهرت أنواع من الخيام المختلفة من خيام الشعر التي نعرفها عند البدو في الصحراء العربية الأفريقية إلى خيام المغول والتركمان الضخمة المصنوعة من اللباد والتي تسمى "يورت Yurt" وهي أعظم مسكن متنقل من حيث المساحة والارتفاع والزينة المضافة إليها، وهناك نظير لها -ولكن أصغر- وهي الخيمة الجلدية عند بعض الهنود الحمر في أمريكا الشمالية وتسمى "تيبي١Tipi"ومن الواضح أن المسكن الزراعي الريفي يكون نتاجا للمواد الخام المحلية، فمساكن الريفيين في سهول الشرق الأوسط تصنع عادة من اللبن، وأكواخ الزراع البدائيين في

стр. 562

النطاق المداري الأفريقي تصنع من هيكل خشبي مغطى بالطين وهكذا، وترتبط هذه المساكن بالوظيفة الاقتصادية الاجتماعية، فمسكن الريفي عبارة عن مجمع يحتل القسم الأكبر منه مخازن المحصول ومأوى الحيوان ومخزن الآلات والأدوات المستخدمة في الزراعة، أما القسم الآخر الأصغر فهو عبارة عن مأوى الأسرة. وبالإضافة إلى اختلاف المساكن الريفية في المواد التي تبنى منها فإنها تختلف أيضا في خطتها وحجمها وشكلها، فمن المساكن الريفية ما هو بسيط ومتواضع للغاية ومنها المنتظم في شكله وخطته ومنها المزدوج المستطيل وهكذا، بل إن من البيوت الريفية ما يعلو إلى طابقين، وهي في ذلك كله تنشأ نتيجة اختلافات في مستويات المعيشة ونظم استغلال الأرض. شكل "١٥٣" إحدى القرى وحوزها الزراعي

стр. 563

الفَصلُ الثَّاني: نَشْأة المُدُن وتطوّرها تعريف المدينة وأهمية دراستها: لم يتفق الباحثون على تعريف محدد للمدينة وإن كانت المدينة كمظهر عمراني مألوف يمكن تمييزها عن القرية بوضوح سواء في شكلها المورفولوجي الخارجي أو في وظائفها أو حتى نموها وتطورها التاريخي، ومع ذلك فليست هناك قاعدة محددة يمكن أن تحدد بواسطتها تعريف المدينة وإن كانت هناك آراء كثيرة قد قيلت في هذا الصدد. وعلى العموم تتفق آراء الباحثين على أن المدينة هي مركز التركز السكاني والعمل والترفيه، كذلك تشترك هذه الآراء في أن هناك حدا أدنى للحجم السكاني الذي تعرف المدينة على أساسه وإن كانت الآراء قد اختلفت في ماهية هذا الحجم السكاني وعلى سبيل المثال يعد المركز العمراني في الولايات المتحدة مركزا حضريا "مدينة" إذا كان عدد سكانه ٢٥٠٠ نسمة فأكثر بينما يرتفع هذا الرقم إلى ٣٠.٠٠٠ نسمة في اليابان مثلا. وعلى العموم فإن الحجم السكاني يعد عنصرا مشتركا في كثير من الآراء التي قيلت في تعريف المدينة، وهو بدوره متباين إلى حد كبير بين الدول بعضها البعض -كما ذكرنا آنفا، بل يتفاوت التعريف في الدولة نفسها من فترة زمنية لأخرى، ففي الولايات المتحدة كانت المدينة في الفترة من سنة ١٨٨٠ - سنة ١٩٠٠ تعرف على أنها تلك المحلة العمرانية التي يسكنها أكثر من ٤٠٠٠ نسمة ولكن من سنة ١٩٠٠ اتخذت الرقم ٢٥٠٠ نسمة كحد أدنى لتصنيف المدن. أما في فرنسا وألمانيا فإن المدن هي التي يزيد عدد السكان في كل منها على ٢٠٠٠ نسمة.

стр. 564

ولعل في اختلاف الدول العربية مثلا في تعريف المدينة ما يدل على الفكرة السابقة، ففي مصر يقتصر تعريف المدينة على الوظيفة الإدارية التي تؤديها فقط ولذا فإن المدن المصرية كما ورد في تعدادات السكان الأخيرة "١٩٦٠، ١٩٦٦، ١٩٧٦" هي عواصم المحافظات وعواصم المراكز وتسير سوريا على نفس التعريف، والأردن يعتبر عدد السكان ١٠٠٠٠ نسمة حدا أدنى لتعريف المدن به، ولذلك فإن اختلاف التعريف بين الدول يجعل من الصعب عقد مقارنات دولية لتحديد سكان الحضر بدقة ومع ذلك فإن هذه المقارنة يمكن أن تتم في ضوء التعاريف المحلية المستخدمة لكل دولة. وتعد بيئة المدينة أكثر البيئات الجغرافية تغيرا على الإطلاق حيث تمثل نموذجا مجسما لما أحدثه الإنسان في بيئته الجغرافية فقد استطاع أن يتركز في بقعة معينة على سطح الإقليم وأن يشيد في هذه البقعة المساكن والطرق والمصانع والمتنزهات ودور اللهو وغيرها، كما استطاع أن يغير الكثير من الملامح في مواضع المدن الأصلية، فأزال الغطاء النباتي بها وهذب الأنهار التي تمر بالمدينة وأقام الجسور عليها واستغل مياهها ومررها في أنابيب تحت السطح، وباستثناء بعض الحدائق التي زرعها الإنسان في الغالب بحشائش وأشجار مجلوبة، فإن عناصر البيئة الطبيعية في المدن شملها التغيير بصورة جوهرية، وعلى ذلك فالمدينة بحق تعد بيئة صنعها الإنسان لنفسه. أو بمعنى آخر فهي مثل مجسد على التغييرات المركبة التي أحدثها الإنسان في موطنه. وبالرغم من أن المدن تختلف فيما بينها اختلافا جذريا -حيث إن لكل مدينة شخصيتها كما يقال- فإن دراستها ذات أهمية للجغرافي ذلك لأنها تعد بيئة فريدة بالرغم من أنها تشغل مساحات ضئيلة، ففي سنة ١٩٦٠ بلغت مساحة المناطق الحضرية في الولايات المتحدة والتي يزيد عدد سكان كل منها على ٥٠.٠٠٠ نسمة نحو ٢٥.٤٦٤ ميلا مربعا، أو نحو ٠.٧% من جملة مساحة البلاد، وفي هذه المساحة الضئيلة جدا يعيش ٩٦ مليون نسمة أو نحو ٥٤% من سكان البلاد في سنة ١٩٦٠. أما المدن الصغيرة التي يزيد سكان كل منها على ٢٥٠٠ نسمة إلى أقل من ٢٥٠٠٠ نسمة فيسكنها ٢٩.٤ مليون نسمة. وتختلف كثافة السكان بالمدن اختلافا كبيرا، فأكبر مدن العالم لندن

стр. 565

وطوكيو ونيويورك يتراوح متوسط الكثافة السكانية بها بين ٢٤.٠٠٠ إلى ٣٠.٠٠٠ نسمة في الميل المربع وتزيد الكثافة داخل المدن حتى تصل إلى ٨٥.٠٠٠ نسمة/ ميل٢، كما هي الحال في جزيرة مانهاتن في نيويورك، ثم ما تلبث الكثافة أن تقل بالتدريج نحو الأطراف. ويؤدي تزاحم السكان بالمدن إلى استغلال المناطق الفسيحة سواء فوق سطح الأرض أو تحت هذا السطح -وقد أدى ذلك إلى ظاهرة ناطحات السحاب التي تميز شيكاغو ونيويورك مثلا- والتي أدى نشاطها الحالي إلى الضغط على وسائل المواصلات التي وجدت متنفسا لها في الأنفاق السفلية. ولما كان علم الجغرافية قد اتجه فيما بعد الحرب العالمية الثانية إلى دراسة مشاكل الإقليم -فيما يعرف بالجغرافيا التطبيقية التي تعنى بمشاكل توزيع وتنظيم المجتمع ومرافقه ومصالحه في الإطار الإقليمي الذي يشغله، فقد انعكس ذلك بوضوح على جغرافية المدن فقد دخلت ميدان التخطيط الإقليمي وتخطيط المدن Regional & Town Planning؛ ذلك لأن للتخطيط أساسا جغرافيا لا مفر منه سواء للمدن أو الريف. وقد أنشئت مناهج ودراسات في الجغرافيا التطبيقية وفي التخطيط الإقليمي في كثير من الجامعات الفرنسية والأمريكية، إما في أقسام الجغرافيا أو في معاهد متخصصة لدراسة العمران الحضري. وفي إنجلترا تكاثر عدد المهتمين بجغرافية المدن التطبيقية للمساهمة في استغلال الأرض Land -Use وتخطيط المدن وأصبح هناك عدد كبير من الجغرافيين المحترفين في وزارات الإسكان والحكم المحلي يعملون جنبا إلى جنب مع المهندسين والمساحين في التخطيط وذلك للإسهام في وضع خطة عمرانية تراعي إعادة توزيع السكان في ضوء توزيع المراكز العمرانية واتجاه النمو في الإقليم، بغية تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للتخطيط الإقليمي. ونحن في الدول العربية في حاجة ماسة إلى إدراك حقيقة تخطيط المدن والأقاليم وأسسه الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن أن يتم ذلك بالصورة المنشودة إلا بالتعاون الكامل بين المهندسين من ناحية والجغرافي والاجتماعي والاقتصادي من ناحية أخرى في صورة هيئة مشتركة، بل ينبغي
следующие страницы →