المسكن الريفي:
هناك اتفاق عام بين الباحثين على أن الإنسان قد استخدم في البداية أكثر أشكال البيئة المحيطة به اقترابا لإقامة مسكنه، ومنذ العصر الحجري القديم الأعلى نجد مساكن مبنية من الأخشاب والطين، وبعضها يستغل انخفاض الأرض في صورة حفر طبيعية ليبني فوقها المسكن، ومنذ العصر الحجري الحديث ظهرت البيوت المبنية من الطين المقوى بالبوص أو من اللبن "الطوب غير المحروق" أو من الطوب. كذلك شاع استخدام الحجارة في بناء المساكن سواء في بيوت الحضر أو البيوت المقامة فوق سطح الأرض، ومع ظهور البيوت المستقلة المبنية بأنواع الطوب المختلفة عند الزراع تطورت أيضا مساكن الرعاة حيث تكون مساكنهم متنقلة وبذلك ظهرت أنواع من الخيام المختلفة من خيام الشعر التي نعرفها عند البدو في الصحراء العربية الأفريقية إلى خيام المغول والتركمان الضخمة المصنوعة من اللباد والتي تسمى "يورت Yurt" وهي أعظم مسكن متنقل من حيث المساحة والارتفاع والزينة المضافة إليها، وهناك نظير لها -ولكن أصغر- وهي الخيمة الجلدية عند بعض الهنود الحمر في أمريكا الشمالية وتسمى "تيبي١Tipi"ومن الواضح أن المسكن الزراعي الريفي يكون نتاجا للمواد الخام المحلية، فمساكن الريفيين في سهول الشرق الأوسط تصنع عادة من اللبن، وأكواخ الزراع البدائيين في
стр. 562
النطاق المداري الأفريقي تصنع من هيكل خشبي مغطى بالطين وهكذا، وترتبط هذه المساكن بالوظيفة الاقتصادية الاجتماعية، فمسكن الريفي عبارة عن مجمع يحتل القسم الأكبر منه مخازن المحصول ومأوى الحيوان ومخزن الآلات والأدوات المستخدمة في الزراعة، أما القسم الآخر الأصغر فهو عبارة عن مأوى الأسرة.
وبالإضافة إلى اختلاف المساكن الريفية في المواد التي تبنى منها فإنها تختلف أيضا في خطتها وحجمها وشكلها، فمن المساكن الريفية ما هو بسيط ومتواضع للغاية ومنها المنتظم في شكله وخطته ومنها المزدوج المستطيل وهكذا، بل إن من البيوت الريفية ما يعلو إلى طابقين، وهي في ذلك كله تنشأ نتيجة اختلافات في مستويات المعيشة ونظم استغلال الأرض.
شكل "١٥٣" إحدى القرى وحوزها الزراعي
стр. 563
الفَصلُ الثَّاني: نَشْأة المُدُن وتطوّرها
تعريف المدينة وأهمية دراستها:
لم يتفق الباحثون على تعريف محدد للمدينة وإن كانت المدينة كمظهر عمراني مألوف يمكن تمييزها عن القرية بوضوح سواء في شكلها المورفولوجي الخارجي أو في وظائفها أو حتى نموها وتطورها التاريخي، ومع ذلك فليست هناك قاعدة محددة يمكن أن تحدد بواسطتها تعريف المدينة وإن كانت هناك آراء كثيرة قد قيلت في هذا الصدد.
وعلى العموم تتفق آراء الباحثين على أن المدينة هي مركز التركز السكاني والعمل والترفيه، كذلك تشترك هذه الآراء في أن هناك حدا أدنى للحجم السكاني الذي تعرف المدينة على أساسه وإن كانت الآراء قد اختلفت في ماهية هذا الحجم السكاني وعلى سبيل المثال يعد المركز العمراني في الولايات المتحدة مركزا حضريا "مدينة" إذا كان عدد سكانه ٢٥٠٠ نسمة فأكثر بينما يرتفع هذا الرقم إلى ٣٠.٠٠٠ نسمة في اليابان مثلا.
وعلى العموم فإن الحجم السكاني يعد عنصرا مشتركا في كثير من الآراء التي قيلت في تعريف المدينة، وهو بدوره متباين إلى حد كبير بين الدول بعضها البعض -كما ذكرنا آنفا، بل يتفاوت التعريف في الدولة نفسها من فترة زمنية لأخرى، ففي الولايات المتحدة كانت المدينة في الفترة من سنة ١٨٨٠ - سنة ١٩٠٠ تعرف على أنها تلك المحلة العمرانية التي يسكنها أكثر من ٤٠٠٠ نسمة ولكن من سنة ١٩٠٠ اتخذت الرقم ٢٥٠٠ نسمة كحد أدنى لتصنيف المدن. أما في فرنسا وألمانيا فإن المدن هي التي يزيد عدد السكان في كل منها على ٢٠٠٠ نسمة.
стр. 564
ولعل في اختلاف الدول العربية مثلا في تعريف المدينة ما يدل على الفكرة السابقة، ففي مصر يقتصر تعريف المدينة على الوظيفة الإدارية التي تؤديها فقط ولذا فإن المدن المصرية كما ورد في تعدادات السكان الأخيرة "١٩٦٠، ١٩٦٦، ١٩٧٦" هي عواصم المحافظات وعواصم المراكز وتسير سوريا على نفس التعريف، والأردن يعتبر عدد السكان ١٠٠٠٠ نسمة حدا أدنى لتعريف المدن به، ولذلك فإن اختلاف التعريف بين الدول يجعل من الصعب عقد مقارنات دولية لتحديد سكان الحضر بدقة ومع ذلك فإن هذه المقارنة يمكن أن تتم في ضوء التعاريف المحلية المستخدمة لكل دولة.
وتعد بيئة المدينة أكثر البيئات الجغرافية تغيرا على الإطلاق حيث تمثل نموذجا مجسما لما أحدثه الإنسان في بيئته الجغرافية فقد استطاع أن يتركز في بقعة معينة على سطح الإقليم وأن يشيد في هذه البقعة المساكن والطرق والمصانع والمتنزهات ودور اللهو وغيرها، كما استطاع أن يغير الكثير من الملامح في مواضع المدن الأصلية، فأزال الغطاء النباتي بها وهذب الأنهار التي تمر بالمدينة وأقام الجسور عليها واستغل مياهها ومررها في أنابيب تحت السطح، وباستثناء بعض الحدائق التي زرعها الإنسان في الغالب بحشائش وأشجار مجلوبة، فإن عناصر البيئة الطبيعية في المدن شملها التغيير بصورة جوهرية، وعلى ذلك فالمدينة بحق تعد بيئة صنعها الإنسان لنفسه. أو بمعنى آخر فهي مثل مجسد على التغييرات المركبة التي أحدثها الإنسان في موطنه.
وبالرغم من أن المدن تختلف فيما بينها اختلافا جذريا -حيث إن لكل مدينة شخصيتها كما يقال- فإن دراستها ذات أهمية للجغرافي ذلك لأنها تعد بيئة فريدة بالرغم من أنها تشغل مساحات ضئيلة، ففي سنة ١٩٦٠ بلغت مساحة المناطق الحضرية في الولايات المتحدة والتي يزيد عدد سكان كل منها على ٥٠.٠٠٠ نسمة نحو ٢٥.٤٦٤ ميلا مربعا، أو نحو ٠.٧% من جملة مساحة البلاد، وفي هذه المساحة الضئيلة جدا يعيش ٩٦ مليون نسمة أو نحو ٥٤% من سكان البلاد في سنة ١٩٦٠. أما المدن الصغيرة التي يزيد سكان كل منها على ٢٥٠٠ نسمة إلى أقل من ٢٥٠٠٠ نسمة فيسكنها ٢٩.٤ مليون نسمة.
وتختلف كثافة السكان بالمدن اختلافا كبيرا، فأكبر مدن العالم لندن
стр. 565
وطوكيو ونيويورك يتراوح متوسط الكثافة السكانية بها بين ٢٤.٠٠٠ إلى ٣٠.٠٠٠ نسمة في الميل المربع وتزيد الكثافة داخل المدن حتى تصل إلى ٨٥.٠٠٠ نسمة/ ميل٢، كما هي الحال في جزيرة مانهاتن في نيويورك، ثم ما تلبث الكثافة أن تقل بالتدريج نحو الأطراف.
ويؤدي تزاحم السكان بالمدن إلى استغلال المناطق الفسيحة سواء فوق سطح الأرض أو تحت هذا السطح -وقد أدى ذلك إلى ظاهرة ناطحات السحاب التي تميز شيكاغو ونيويورك مثلا- والتي أدى نشاطها الحالي إلى الضغط على وسائل المواصلات التي وجدت متنفسا لها في الأنفاق السفلية.
ولما كان علم الجغرافية قد اتجه فيما بعد الحرب العالمية الثانية إلى دراسة مشاكل الإقليم -فيما يعرف بالجغرافيا التطبيقية التي تعنى بمشاكل توزيع وتنظيم المجتمع ومرافقه ومصالحه في الإطار الإقليمي الذي يشغله، فقد انعكس ذلك بوضوح على جغرافية المدن فقد دخلت ميدان التخطيط الإقليمي وتخطيط المدن Regional & Town Planning؛ ذلك لأن للتخطيط أساسا جغرافيا لا مفر منه سواء للمدن أو الريف.
وقد أنشئت مناهج ودراسات في الجغرافيا التطبيقية وفي التخطيط الإقليمي في كثير من الجامعات الفرنسية والأمريكية، إما في أقسام الجغرافيا أو في معاهد متخصصة لدراسة العمران الحضري. وفي إنجلترا تكاثر عدد المهتمين بجغرافية المدن التطبيقية للمساهمة في استغلال الأرض Land -Use وتخطيط المدن وأصبح هناك عدد كبير من الجغرافيين المحترفين في وزارات الإسكان والحكم المحلي يعملون جنبا إلى جنب مع المهندسين والمساحين في التخطيط وذلك للإسهام في وضع خطة عمرانية تراعي إعادة توزيع السكان في ضوء توزيع المراكز العمرانية واتجاه النمو في الإقليم، بغية تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للتخطيط الإقليمي.
ونحن في الدول العربية في حاجة ماسة إلى إدراك حقيقة تخطيط المدن والأقاليم وأسسه الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن أن يتم ذلك بالصورة المنشودة إلا بالتعاون الكامل بين المهندسين من ناحية والجغرافي والاجتماعي والاقتصادي من ناحية أخرى في صورة هيئة مشتركة، بل ينبغي
стр. 566
أن يكون لكل مدينة مكتب تخطيط مشترك يشمل المهندس والجغرافي والاجتماعي، ويكون من واجبه إجراء مسح جغرافي شامل للمدينة وإقليمها كنقطة البدء في أي تخطيط مستقبلي لها.
стр. 567
نشأة المدن وتطورها
مدخل
...
نشأة المدن وتطورها:
نشأت المدن كظاهرة عمرانية قديمة في الشرق الأوسط وبالتحديد في مصر والعراق وباكستان الحالية، وكان ظهورها مرتبطا بتقدم كبير في المعرفة الإنسانية والأساليب الفنية المستخدمة وخاصة استخدام المعادن واختراع الشراع واستخدام العجلة Wheel في النقل ثم صنع الفخار محليا واختراع المحراث واستخدام الحيوان في الجر، وقد ترتب على ذلك زيادة كبيرة في الإنتاج والنقل وواكبه ظهور المدن كمظهر عمراني متقدم في التاريخ البشري.
وقد بدأت أولى مراحل الثورة الحضرية لدى المجتمعات الزراعية في مناطق السهول الفيضية في وادي النيل الأدنى وكذلك في القطاع الأدنى من الدجلة والفرات وفي سهول نهر السند وفي هذه المناطق استقرت الحياة البشرية وقامت على دورات منتظمة لفيضانات الأنهار، واستخدام المحراث مما مكنها من إنتاج الغذاء بوفرة، وقد ساعد فائض الأغذية لأول مرة على توفير الغذاء لأعداد كبيرة من السكان ليسوا مشتركين في إنتاج الغذاء ذاته، وتجمع هؤلاء السكان في المراكز العسكرية والثقافية والإدارية القديمة على هيئة مدن صغيرة Towns مثل هارابا Harappa وموهنجودارو Mohinjo-Dare في وادي السند، وأفرود يتوبوليس Aphroditopolis وطيبة وبوتو Thebes And Butu في مصر ومدن سوسه وأور Ur وكيش Kish قرب بابل في العراق.
وكذلك الحال في المدن التي ظهرت بعد ذلك مثل أنيانج Anyang في حوض الهوانجهو بالصين معتمدة على أساس زراعي ساهم في إيجاد وفرة في الغذاء نتجت عن الزراعة بالري في أراضي الهوانجهو الخصبة، وقد أظهرت الأدلة الأركيولوجية في العالم الجديد أن المدن المبكرة نشأت به على هذا الأساس الزراعي.
وإذا صحت آراء العالم "ساور" عن موطن الزراعة وانتشارها فإن هذه
стр. 568
المجتمعات الزراعية الحضرية Agricultural Urban Societies تكون قد ظهرت منذ فترة تتراوح بين ٤٠٠٠ - ٥٠٠٠ سنة في كل من الشرق الأوسط والصين.
وقد أظهرت الدلائل في مواضع المدن القديمة في الشرق الأوسط أنها كانت ذات حجم سكاني معقول، فقد تراوح سكان المدن السومرية فيما بين ٧٠٠٠ إلى ٢٠٠٠٠ نسمة كما أن سكان هارابا وموهنجو دارو كانوا أكثر قليلا من ذلك. كذلك فإن مدينة طيبة -أكبر عواصم مصر في عصر الأسرات- كانت تشغل مساحة كبيرة نواتها الأصلية الأقصر والكرنك الحالية، ويعد الرقم ٨٠٠٠٠ نسمة الذي ذكره أحد الكتاب البابليون يفوق أي رقم معروف عن أية مدينة قديمة أخرى.
стр. 569
المدن التجارية القديمة:
ظهرت بعد ذلك مدن ذات وظائف خاصة أبرزها المدن التجارية التي تحصل على ثرواتها من الخدمات التي تقدمها لسكان المناطق المجاورة، وقد اعتمدت هذه المدن على مواقعها الجغرافية واستغلالها لذلك في تقوية علاقاتها التجارية بالأقاليم الأخرى.
وقد ظهرت هذه المدن التجارية القديمة منذ ما يقرب من ٢٠٠٠ سنة قبل الميلاد قبل عصر البرونز، وأبرز أمثلتها فيلاكوبي Phylakopi على جزيرة ميلوس Milos -إحدى جزر بحر إيجه- التي أصبحت مركز لتجارة الزجاج، وعلى ساحل الشام حيث نمت واذهرت بيبلوس "جبيل" التي اشتهرت بتجارة الأخشاب المتوفرة في ظهيرها وتصديره إلى مصر وبلدان شرق البحر المتوسط الأخرى، وكذلك اشتهرت مدن كريت في النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد وقامت شهرتها على التجارة البحرية خاصة مع مصر، وتبعتها في ذلك وفي القرن السادس عشر قبل الميلاد عدة مدن يونانية وعلى ساحل الشام فإن المدن الفينيقية مثل صور وصيدا نمت كمراكز تجارية هامة في العالم الفينيقي.
وقد كانت مدن البحر المتوسط التجارية هذه صغيرة الحجم، وربما كان
стр. 570
من بين سكانها نسبة ليست صغيرة من الزراع، ولكن الحرفة الرئيسية لمعظم سكانها كانت التجارة وقد شهدت هذه المدن تطور الفنون والمهارات البشرية التي انتقلت عبر المتوسط إلى الأقاليم المجاورة.
وإلى جانب هذه المدن الساحلية التي اشتغلت بالتجارة قامت مدن داخلية تعرف بمدن القوافل، وهذه كانت قليلة العدد تقع على أطراف الصحراء وتقوم كحلقة صلة بين مدن الساحل الفنيقي وبلدان الشرق الأوسط. ومن مدن القوافل هذه مدينة حلب Aleppo ودمشق Damascus وتدمر Palmyra واستمدت هذه المدن ثروتها من التجارة مثلها في ذلك مثل المدن الساحلية، ولكنها تختلف عنها في المواقع بطبيعة الحال، فكانت تقع وسط بقع زراعية غنية تمدها بحاجتها من الغذاء والمواد الأولية "دمشق في سهل الغوطة الخصب وتدمر في واحة غنية".
стр. 571
المدن اليونانية:
بدأت المدن في التزايد العددي منذ بداية الألف الأولى الميلادية، وفي خلال القرن الثامن والسابع قبل الميلاد كانت دولة المدينة اليونانية ظاهرة هامة في المظهر الحضري السياسي بها، وبدأت في التوسع العمراني بل وفي غزو أراضٍ أخرى، ونتج ذلك عن ظروف البيئة الجغرافية لتلك المدن والتي تميزت بقلة الأراضي الزراعية حولها مما دفعها إلى الخروج عن بيئاتها المحلية واستعمار مناطق أخرى.
وعلى سبيل المثال، فقد أنشئت سيراكيوزوكوما Cuma وغيرها من المستعمرات في إيطاليا وصقلية -في الفترة اليونانية المبكرة بين سنتي ٧٥٠ - ٧٠٠ قبل الميلاد، ومن ثم استطاعت دول المدينة اليونانية أن تمد نفوذها على امتداد البحر المتوسط، وفي سنة ٥٠٠ قبل الميلاد كانت الحياة الحضرية La vie Urbane ظاهرة سائدة في ساحل المحيط الأطلسي من إسبانيا غربا حتى سهول الجانج في الهند شرقا.
وفي خلال مرحلة الانتشار الحضاري كانت هناك مظاهر حضارية هامة ممثلة في الأساليب والفنون الجديدة لسكان المدن مثل الأدوات والأسلحة
стр. 572
الحديدية، كذلك استخدام الكتابة بالحروف الأبجدية وتصميم السفن الشراعية بل وبدء استخدام العملات النقدية في التجارة، وكانت هذه الملامح الحضرية عناصر هامة في الانتشار الحضري. وبدا التخصص في الإنتاج سمة مميزة للمدن معتمدة على تبادل إنتاجها من الصناعات والأدوات مع المدن الأخرى بغية الحصول على الحبوب، وأبرز مثال على ذلك هو اعتماد المدن اليونانية على تجارة القمح الوارد إليها من سواحل مقدونيا والبحر الأسود.
وكان انعكاس ذلك على النمو الحضري ممثلا في تضخم المدن بالسكان، وأوضح الأمثلة أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد فبالرغم من أن تقدير السكان للمدن القديمة يعد أمرا محفوفا بالصعاب إلا أن سكان أثينا قدروا برقم يتراوح بين ١٠٠.٠٠٠ إلى ١٥٠.٠٠٠ نسمة، كانت بذلك من المدن الكبرى آنذاك تتضاءل إلى جانبها كثير من المدن الأخرى صغيرة الحجم.
وقد ساعد التقدم في المواصلات والأسلحة على قيام وتوسيع الإمبراطورية الهللينية "اليونانية" والتي ساعدت بدورها على الانتشار الحضري سواء بالتزايد في أحجام المدن القائمة أو بإنشاء مدن جديدة، فحوالي سنة ٣٠٠ ق. م أنشأ الإسكندر المقدوني كثيرا من الطرق الجديدة في إمبراطوريته، ووحد العملة السائدة ونشطت التجارة نشاطا كبيرا انعكس بدوره على التطور الحضري وقد تطلبت مسئوليات الحكم والإدارة نمو مدن هامة قامت بهذا الدور مثل الإسكندرية في مصر التي تبوأت مركزا كبيرا في الفترة الإغريقية والرومانية من بعدها.
وبالرغم من تفكك الإمبراطورية الهللينية بعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة ٣٢١ ق. م إلا أن الدفعة القوية للعمران الحضري أثناءها استمرت كذلك في عهد الإمبراطورية الرومانية حتى إن الإسكندرية بلغت مساحة رقعتها ٢٠٠ فدانا "٨٠٠ دونم" في سنة ١٠٠ ق. م. كذلك فقد استمر التخصص الإقليمي في الإنتاج الزراعي وأدى بدوره إلى نمو التجارة والمدن في تلك الأقاليم التي كان النقل المائي متوفرا بها، ولقد كانت كل المدن اليونانية في القرن الثالث ق. م. تستورد القمح وتصدر الزيت والنبيذ إلى أراضي ما بين النهرين وشمال سوريا وشمال البحر الأسود والدانوب الأدنى، كذلك وصل نفوذها غربا حتى قرطاجة وإيطاليا وصقلية.
стр. 573
المدن الرومانية:
بدأت الحياة الحضرية في الانتشار بصورة أوسع في عهد الإمبراطورية الرومانية التي توسعت بعد أن هزم الرومان اليونانيين في إيطاليا وصقلية والاستيلاء على مناطق كانت خاضعة لليونان بالإضافة إلى مناطق أخرى في شمال غرب أوروبا، وقد ظهرت المدن في شمال جبال الألب لأول مرة، وأنشئت مدن في وادي الراين وفي إنجلترا كذلك، وكانت الوظائف الدفاعية والإدارية لهذه المدن تفوق الوظيفة التجارية، ووجدت بعض منتجات هذه المدن طريقها عبر الإمبراطورية الرومانية وساعد على ذلك الطرق الرومانية الشهيرة في أوروبا وامتدادها في آسيا وأفريقيا.
وقد أدت مظاهر التقدم الحضاري هذه إلى نمو كبير لبعض المدن سواء كانت مواني أو مراكز إدارية وتجارية، وتعطي التقديرات المعقولة رقما لسكان روما في القرن الثاني الميلادي يصل إلى ٢٠٠.٠٠٠ نسمة ولبيزنطة في أواخر الإمبراطورية الرومانية إلى ١٩٢.٠٠٠ نسمة. وكان معظم المدن شبيه الحجم للمدن التي أنشأها اليونانيون، وقد وصلت رقعة المدن الكبرى مثل لندن الرومانية إلى مساحة بلغت ٣٠٠ فدان وبسكان قدروا بحوالي ٣٠.٠٠٠ نسمة.
ويرجع الفضل للرومان في إنشاء كثير من المدن الداخلية في أنحاء الإمبراطورية وكانت هذه المدن معسكرات للمحاربين القدماء الذين نزحوا من إيطاليا لتخفيف ضغط السكان على موارد الرزق، وكان بعضها الآخر محلات للتجار والصناع وغيرهم قامت بجانب الحصون والقلاع على حدود الإمبراطورية مثل يورك York في بريطانيا وكولون في ألمانيا وبلغراد في يوغسلافيا.
وإلى جانب هذه المدن الجديدة كانت هناك مدن سبقت قيام الإمبراطورية الرومانية وازدادت أهميتها بسبب التخصص التجاري، مثل مدن البحر الأحمر المصرية والتي كان أهمها أرسينوي "مكان السويس الحالية" وبرنيس في موضعها الحالي -وكانت تستقبل التجارة من الشرق الأقصى، كذلك زادت أهمية مدن القوافل على حافة الصحراء السورية مثل تدمر في سوريا والبطراء
стр. 574
في الأردن بسبب وقوعها على طرق التجارة في ذلك الوقت١.
وكانت مدينة الإسكندرية أهم مدينة تجارية في الإمبراطورية الرومانية -وكانت عاصمة لمصر آنذاك- تتجمع فيها الغلال التي كانت تحتاج إليها روما وكانت تنتقل إلى الإسكندرية بواسطة نهر النيل وفروعه وقنواته ومن ثم يحملها أسطول تجاري إلى روما، ولم تقتصر وظيفة الإسكندرية على التجارة والحكم فقط، بل كانت مركزا ثقافيا وصناعيا كذلك٢.
وكان لسقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي أثره في انكماش الحياة المدنية، فقد اختفى ذلك الاستقرار الذي أسسه الرومان، وتقلصت التجارة، وانكمشت المدن في حجمها وأهميتها بل وهجر السكان كثيرا من المدن الصغيرة في شمال غرب أوروبا، وفي حوض البحر المتوسط استمرت الحياة المدنية في ظروف محددة للغاية وخاصة في شرق البحر المتوسط، حيث كان الاستقرار سائدا في عهد الإمبراطورية البيزنطية بنفس ملامح التحضر السابقة، ولعل من أبرز الأمثلة مدينة الإسكندرية وبيزنطة رغم أنهما لم يكونا في نفس الازدهار السابق، بل إن بيزنطة قد احتلت مركز روما في أيام مجدها وكانت تشبهها في حجمها وثروتها وقوتها البحرية.
стр. 575
المدن الإسلامية:
وبعد ظهور بيزنطة ببضعة قرون ظهر الإسلام وكون المسلمون إمبراطورية واسعة من الدولة البيزنطية وازدهر العمران الحضري في ظل الدولة الإسلامية، وظهرت مدن لعبت دورا هاما في نشر الثقافة وتقدم التجارة، ويرجع هذا الازدهار إلى عوامل مختلفة دينية وسياسية وحربية واجتماعية وتجارية، ومن المدن الدينية التي أنشأها المسلمون فاس ومراكش والرباط والنجف وكربلاء وصارت لمكة والمدينة مكانة خاصة في قلوب المسلمين، كذلك أنشئت مدن
стр. 576
عسكرية مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان، وظهرت العسكر ثم القطائع ثم القاهرة كعاصمة لمصر.
وعندما وصل العرب إلى إسبانيا أنشئوا كثيرا من المدن وأسهموا في إضافة الكثير للمدن الرومانية التي كانت قائمة بالفعل، وتحكي مدينة قرطبة في أيام الأمويين "٧٥٦ - ١٠٠٢" ميلادية مدى دور الحضارة العربية في ازدهار الحياة المدنية، فقد كانت هذه المدينة ذات حجم سكاني يصل إلى نصف مليون نسمة، وتدنى عددهم اليوم ليصل إلى ١٠٠٠٠٠ نسمة فقط.
стр. 577
المدن في العصور الوسطى:
كان انتعاش الحياة الحضرية في كثير من أجزاء أوروبا بطيئا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية كما لاحظنا، فقد تبع انتشار المسيحية من الشرق الأوسط بين الكنيستين الغربية والشرقية تقسيم جغرافي للعالم الروماني إلى قسمين وتركز النشاط الاقتصادي والسياسي للقسم الغربي اللاتيني في مدينة روما، أما القسم الشرقي البيزنطي فقد تركز في القسطنطينية.
وقد انهارت الإمبراطورية البيزنطية عندما انتشر الإسلام وسيطر المسلمون على شرق وجنوب البحر المتوسط في القرن السابع الميلادي، وأسهم العرب بجهودهم في نشر العمران المدني في المناطق التي سيطروا عليها، وكانت أوروبا تعيش عصرا مظلما Dark Age ولم تنشط التجارة فيها إلا في القرن الحادي عشر حيث بدءوا إعادة بناء كثير من المدن الرومانية في المواضع السابقة، وأنشئت بذلك مدن حديثة، وبدأت بعض القرى الكبيرة في ممارسة بعض الوظائف الحضرية. وفي القرن الثاني عشر أنشئ المزيد من المدن في مواضع جديدة وخاصة على أيدي الألمان الذين انتشروا وسط وشرق أوروبا، وارتبطت هذه المواضع بإنشاء قلاع للسيطرة على المواقع الهامة.
وقد أنشئت مدن العصور الوسطى الأولى في نقاط يسهل الوصول إليها، وبتطور التجارة المحلية والخارجية انتشرت الحضارة في أوروبا حتى أصبحت مظهرا واضحا من مظاهر البيئة في القرن الخامس عشر في معظم غرب ووسط أوروبا، وقد كانت تمارس وظائف متشابهة أبرزها الحرف اليدوية والتجارة،
стр. 578
كما كانت مركزا للتجارة المحلية والدفاع، ولكن التزايد في أعداد المدن كان أبرز من التزايد في أحجامها في أوروبا العصور الوسطى وظلت هذه المدن محكومة بالمعادلة السابقة في نشأة المدن، وهي العلاقة بين السكان والموارد المحلية، ومن أمثلة ذلك نورمبرج التي قدر سكانها بحوالي ٢٠.٠٠٠ نسمة في سنة ١٤٥٠ ولندن ذات الموقع الهام على نهر التيمز والتي بلغ سكانها ٤٠.٠٠٠ نسمة سنة ١٣٥٠، وربما كان هذا هو عدد سكانها في العصر الروماني كذلك.
في بعض أقاليم أوروبا كانت الحياة الحضرية على ازدهارها السابق، فكان سكان فلورنسا في القرن الرابع عشر ٩٠.٠٠٠ نسمة والبندقية ١٩٠.٠٠٠ نسمة في سنة ١٤٢٢، ويبدو أن سكان المدن الأخرى كانوا يعدون بالمئات وليس بالآلاف، ولم تتجاوز أكبر المدن حجما ٥٠.٠٠٠ نسمة، ولكن المدن بدأت تزيد عن هذا الحجم بعد القرن السادس عشر الميلادي وارتبط ذلك بالتطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وفي الأقاليم التي كانت التجارة نشطة بها -والنظام الإقطاعي أقل تأثيرا- فإن المدن في معابر الطرق التجارية بدأت تتوسع توسعا ملحوظا، وفي هذه المناطق بدأت المدن الكبرى في الظهور كعواصم سياسية لوحدات أكبر وما إن تحققت الوحدة القومية داخل هذا الإطار حتى تصبح العاصمة مركز جذب قوي لباقي السكان لتركز الخدمات بها مثل وجود المحاكم والمراكز الإدارية وقد شجع ذلك ظهور حرف وصناعات يدوية لإنتاج السلع الترفيهية والكمالية وساعد عليها اتصال العاصمة بأجزاء الدولة بطرق نقل مناسبة.
كذلك فقد شجع ظهور الدولة القومية على امتداد الحياة المدنية إلى أراضٍ جديدة ففي خلال القرن السادس عشر ساعد المستكشفون على توسيع نطاق العالم المعروف وبدأت بعض الدول مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإنجلترا تسيطر على مستعمرات في العالم الجديد وصدرت إليها الحضارة الأوروبية بما فيها النزعة نحو إنشاء المدن الجديدة، ولم تكن المدن الأولى في المستعمرات سوى مراكز تجميع أو قلاع لحماية المستعمرين، وقد تطورت وظائفها في القرن السابع عشر حين طور المستعمرون هذه المناطق وبدأوا في الاستيطان والاستقرار بها، وعلى سبيل المثال فإن مدينة ويليامزبرج Williamsburg في ولاية فرجينيا الأمريكية التي تشبه المدن في الريف الإنجليزي أنشئت سنة ١٦٣٣، وفي نهاية القرن السابع عشر أصبحت عاصمة مستعمرة فرجينيا الجديدة.
стр. 579
المدن في العصر الحديث
مدخل
...
المدن في العصر الحديث:
بالرغم أن من قيام العاصمة "مدن العواصم" في العهود القديمة وفي عصر النهضة الأوروبية أدى إلى ظهور مدن كبيرة، إلا أن التغيرات التقنية والاقتصادية التي نجمت عن الثورة الصناعية أدت إلى انقلاب في أحجام المدن، وفي نسبة السكان الذين يعيشون بها، وكذلك في محل النمو الحضري على مستوى الدول والعالم.
стр. 580
عوامل النمو:
يمكن إرجاع النمو الحضري الضخم في العالم في العصر الحديث إلى عدة عوامل ولكن أهمها على الإطلاق عاملان هما:
أ- الثورة الزراعية وتوفير الغذاء:
كان للثورة الزراعية التي شهدها العالم في العصر الحديث دور كبير في نمو المدن القائمة وتضخمها، وقد حدثت هذه الثورة في غرب أوروبا قبل أن تشهد الانقلاب الصناعي والتجاري، وقد تمثلت الثورة الزراعية في استخدام السماد واتباع الدورة الزراعية وإدخال أنواع جديدة من المحاصيل واستعمال البذور المنتقاة وتحسين أنواع الماشية بتربية السلالات الجيدة واستخدام بعض الآلات المستحدثة.
وقد أدى هذا التطور الزراعي الكبير إلى ازدياد الأرض دون الاستعانة بمزيد من الأيدي العاملة في الوقت الذي كان عدد السكان يزداد باستمرار، وأدى ذلك إلى البحث عن أعمال أخرى غير الزراعة طالما أنها توفر الغذاء للجميع ودون نقص في الموارد الغذائية، واتجه جزء كبير من السكان لسكنى المدن وانصرافهم عن العمل في الأرض الزراعية.
وقد واكب هذا التطور في الزراعة في غرب أوروبا اتساع مساحات
стр. 581
الأراضي الزراعية في العالم بعد الخروج الأوربي الكبير إلى أراضي العالم الجديد واستراليا ونيوزلنده وجنوب أفريقيا.
وقد أدى ذلك كله -كما سبق القول- إلى فائض زراعي وفير بدأ بدوره يكون أساس هاما للتجارة والتبادل، التي اعتمدت هي الأخرى على تقدم وسائل النقل البحري والبري والتقدم في وسائل حفظ الطعام "بالتبريد" واستطاعت السفن أن تنقل الغلات الزراعية والمنتجات الحيوانية إلى غربي أوروبا وجهات أخرى من العالم.
وقد أدت هذه الزيادة الضخمة في إنتاج الغذاء وإمكان نقل الفائض منه إلى المناطق البعيدة إلى زيادة في عدد السكان الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر، مما أدى بدوره إلى تزايد أحجام المدن القائمة تزايدا كبيرا حيث أدى استخدام الآلة في الزراعة إلى جعل أعداد كبيرة من العمال الزراعيين يتجهون نحو المدن بحثا عن فرص العمل.
ب- الثورة الصناعية:
لم تكن الثورة الزراعية وحدها مسئولة عن زيادة عدد سكان المدن بل أدى الانقلاب الصناعي وظهور الآلة البخارية إلي تركز السكان في المدن، وساعد على ذلك توطن الصناعة فيها حيث أصبحت مراكز جذب قوي لسكان الريف حيث الأجور العالية وفرص العمل المتوفرة وقد أدى ذلك إلى تزايد سكان المدن على حساب الريف، بل وأصبح ذلك سمة بارزة من سمات هذا العصر ليس في الأقطار المتقدمة وحدها بل وفي الدول النامية كذلك، وقد ساعد على ذلك شرايين النقل بين المدن والريف وخاصة خطوط السكك الحديدية التي أدت إلى نشر الصناعة وتقدمها ومن ثم تحسن الأحوال الاقتصادية وتزايد عدد السكان في الريف والحضر وإن كانت المدن قد شهدت معدلات نمو عالية أكثر من الريف.
ولم تصبح المدن مراكز زراعية فقط بل أصبحت مراكز اقتصادية واجتماعية تقوم بالكثير من الخدمات لسكانها ولسكان الريف المجاور، وتركزت هذه الخدمات في مكان معين بالمدينة ومن هذه الخدمات التجارة في الإنتاج الصناعي والزراعي والنقل والمحاسبة والتأمين والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.
стр. 582
وقد أدت كل هذه العوامل إلى نمو مدني هائل في العالم، حتى إن مدن العالم الغربي قد نمت خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر بمعدل أسرع من أي وقت مضى وكان ذلك التوسع ملحوظا بدرجة أكبر في الولايات المتحدة، وهنا أنشئت شبكة من السكك الحديدية في شرق البلاد في الأربعينات من القرن الماضي، وانتشرت باقي المراكز العمرانية بمعدل أسرع بعد ذلك في أمريكا الشمالية وخاصة على السواحل وعلى الأنهار الملاحية وعلى ضفاف البحيرات العظمى وفي المناطق الداخلية.
وتتعدد الأمثلة على النمو الحضري الكبير في دول العالم مثلما يبدو في المدن الأوروبية فقد تضاعف عدد سكان الحضر في إنجلترا وويلز في الفترة من ١٨٧١ - ١٩١١ من ١٤ إلى ٢٨ مليون نسمة، وفي نفس الفترة ارتفع سكان المدن في فرنسا من ١١ مليونا إلى ١٧.٥ مليون نسمة، فمدينة باريس مثلا بلغ عدد سكانها ٥١٨.٠٠٠ نسمة في عهد نابليون الأول، ولكن بعد ذلك بخمسين عاما فقط تعدت المليون نسمة وذلك في سنة ١٨٦٠ ثم وصلت إلى ٦.٧ مليون نسمة سنة ١٩٥٠ ثم إلى ٧.٨ مليون نسمة سنة ١٩٦٠.
وتبين الأرقام التالية والشكل التالي أمثلة النمو الحضري الكبير في بعض مدن أوروبا والولايات المتحدة واليابان١:
المدينة عدد السكان حوالي سنة ١٨٠٠ عدد السكان حوالي سنة١٩٦٠ ١٩٧٥
لندن ٨٥٠.٠٠٠ ١١.٥٤٧.٠٠٠ ١٣.٠٠٠.٠٠٠
باريس ٥٤٧.٠٠٠ ٧.٨١٠.٠٠٠ ٨.٧٠٠.٠٠٠
موسكو ٣٦٠.٠٠٠ ٧.٨٨٤.٠٠٠ ٩.٠٠٠.٠٠٠
نيويورك ٦٠.٠٠٠ ١٤.٧٥٩.٠٠٠ ١٦.٢٠٠.٠٠٠
طوكيو-يوكوهاما ١.٤٠٠.٠٠٠ ١٣.٦٢٨.٠٠٠ ١٦.٠٠٠.٠٠٠
وعلى ذلك فإنه يمكن القول بأن القرنين التاسع عشر والعشرين قد شهدا
стр. 583
توسعا ضخما في العمران الحضري، ويمكن الاستنتاج مباشرة أن جذور هذا التوسع الكبير ترجع إلى عدة عوامل أبرزها استيعاب نسبة المهاجرين الذين لفظتهم المناطق الريفية.
شكل "١٥٤" نمو مدينة لندن
стр. 584
التضخم المدني في العصر الحديث ومظاهره:
سبق القول بأن النمو السكاني في المدن وتضخمها يعد من الظاهرات
стр. 585
الديموغرافية المميزة في العصر الحديث بل إن النمو المدني تزايد بسرعة ملموسة خلال الـ ١٧٥ سنة الأخيرة أكثر من أي فترة زمنية سابقة في تاريخ البشرية، وساعد على ذلك الانقلاب الصناعي والزراعي وما ترتب عليهما من نمو ضخم في حركة النقل والتجارة العالمية والتي أدت إلى سهولة اتصال المدن بظهيرها والحصول على احتياجاتها من أماكن أبعد مما كانت عليه من قبل حتى إنه ليمكن القول بأن ظهير المدن في الوقت الحاضر يمتد ليشمل العالم بأسره.
ويمكن الاستدلال على تزايد النمو السكاني في المدن إذا تتبعنا نسبة سكان الحضر في العالم منذ سنة ١٨٠٠ حتى ١٩٧٠ كما تبين الأرقام التالية١.
النسبة المئوية لسكان المدن في العالم
المدن ذات ٢٠.٠٠٠ نسمة فأكثر
السنة
١٨٠٠ ٢.٤
١٨٥٠ ٤.٣
١٩٠٠ ٩.٢
١٩٥٠ ٢٨.٣
١٩٧٠ ٣٧.٢
ويبدو من هذه الأرقام أن نسبة السكان في المدن تتضاعف كل نصف قرن وأن سنة ١٩٥٠ سجلت أعلى نسبة بالمقارنة مع السنوات السابقة، وكما سبق القول فإن سكان العالم ككل تزايد بمعدل كبير منذ سنة ١٨٠٠ حتى وصلوا إلى ٢٠٠٠ مليون نسمة سنة ١٩٥٠، ورغم ذلك فإن سكان المدن قد تزايدوا بمعدلات أسرع بكثير، ففي سنة ١٨٠٠، كان هناك حوالي ١٥.٦ مليون نسمة يقطنون مدنا ذات ١٠٠.٠٠٠ نسمة فأكثر، وارتفع هذا الرقم ليصبح ٣١٣.٧ مليون في سنة ١٩٥٠، أي قدر الرقم الأصلي بنحو عشرين
стр. 586
مرة، وقد نجمت معظم الزيادة عن التدفق الهجري نحو المدن الذي يتمثل في الهجرة الريفية الحضرية وهي أكثر أنماط الهجرات ضخامة في العصر الحديث.
وقد ارتبط بالنمو السكاني الحضري المرتفع تزايد في أحجام المدن القائمة والمستحدثة، فقد كان بالعالم سنة ١٨٠٠ أقل من ٥٠ مدينة فئة ١٠٠.٠٠٠ نسمة فأكثر وارتفع هذا العدد إلى ٩٠٠ مدينة في سنة ١٩٥٠ وإلى ١٣٠٠ في سنة ١٩٦٢، ويبدو أن معدل النمو الحضري أخذ في التزايد على مستوى العالم ككل، وإذا استمر هذا الاتجاه بنفس المعدل فإن المدن ذات ١٠٠.٠٠٠ نسمة فأكثر ستحوي أكثر من ربع سكان العالم سنة ٢٠٠٠ وأكثر من النصف سنة ٢٠٥٠. ١ وبديهي أن ذلك سيكون على حساب معدلات النمو في الريف، ذلك أنه باستمرار الاتجاه نحو ميكنة الزراعة ستقلل من أعداد الأيدي العاملة على الأرض الزراعية ومن ثم تتزايد دوافع الهجرة نحو المدن باستمرار.
وتعد المدن المليونية نماذج مجسدة للنمو الحضاري، وأرجح الظن أن العالم لم يعرفها إلا منذ سنة ١٨٠٠ وذلك لأنها تعد طفرة حضارية في تاريخ البشرية ففي أوائل القرن التاسع عشر لم يكن بالعالم إلا مدينة مليونية واحدة وتزايد عددها حتى وصل إلى ١١ مدينة في سنة ١٩٠٠ ثم إلى ٥٠ مدينة في سنة ١٩٥٠ ثم قفر هذا العدد ليصل إلى ١٠٠ مدينة مليونية في سنة ١٩٧٠ ومن جملة هذا العدد هناك ٦٤ مدينة يربو حجم كل منها على مليوني نسمة.
وتتميز غالبية دول العالم النامي بالنمو السريع في جملة سكانها وبأن معدل تزايد سكان الحضر بها كبير بدرجة تفوق معدل النمو القومي، ففي مصر مثلا كان هناك ١.٩ مليون نسمة يعيشون في المدن سنة ١٨٩٧، ارتفع هذا الرقم ليصل إلى ١٢ مليون نسمة في سنة ١٩٦٦ وارتفعت بذلك نسبة سكان الحضر إلى جملة السكان من ٢٠% إلى ٤٠% بين هذين التاريخين، ويبلغ معدل النمو السكاني في المدن المصرية حوالي ضعف مثيله على مستوى القطر بأكمله، وتتكرر نفس الظاهرة في كثير من الدول النامية، ففي البرازيل
стр. 587
تزايدت المدن فئة ١٠٠.٠٠٠ نسمة فأكثر من ٦ مدن إلى ٣١ مدينة فيما بين سنتي ١٩٢٠ - ١٩٦٠ وارتفعت نسبة سكان هذه المدن من ٨.٧% إلى ١٨.٦% من جملة السكان في الدولة في هذين التاريخين على التوالي.
стр. 588
وتتفاوت دول العالم في توزيع نسبة سكان المدن بها ويرجع ذلك إلى اختلاف أقاليم العالم في الأخذ بأسباب الحضارة واختلاف مقومات الحضارة ذاتها، فتسود الحضارة الصناعية في أوروبا وأمريكا الشمالية بينما تسود الحضارة الزراعية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبصفة عامة فإن الحياة المدنية تظهر في كل قطر بدرجات متفاوتة وإن كانت الدول الصناعية تحظى بالنسبة العالية أكثر من ٤٠%، بينما تقل النسبة عن ذلك كثيرا في الأقطار الزراعية النامية.
وإن نظرة إلى خريطة توزيع المدن الكبرى في العالم تبين لنا أن هناك أربع مناطق تتركز فيها هذه المدن هي:
أ- المناطق الوسطى من الشرق الأقصى خاصة فيما بين دائرتي عرض ٢٢، ٤٨ درجة شمالا وتشمل اليابان وكوريا وفورموزا والصين.
ب- شبه القارة الهندية، فيما بين دائرتي عرض ٨ - ٣٥ درجة شمالا.
ج- أوروبا "بما فيها الاتحاد السوفيتي الأوربي"، فيما بين دائرتي ٤٠ - ٦٠ درجة شمالا ويمكن أن نضيف إليها منطقة شمال أفريقيا كذلك.
د- وسط شرق أمريكا الشمالية بين دائرتي عرض ٣٦ - ٤٧ درجة شمالا، أي ذلك الإقليم الممتد بين مصب نهر سانت لورنس حتى غرب نطاق البحيرات العظمى ونطاق وسط الساحل الشرقي.
وبالإضافة إلى هذه الأقاليم الرئيسية نجد هناك مناطق ثانوية بها مدن كبرى وأبرز الظاهرات هنا هو أن هذه المدن في معظمها تقع على الساحل فيما عدا مدن مرتفعات المكسيك وكولومبيا -وفي بعض مناطق الشرق الأوسط- وفي روسيا السوفيتية والنطاق الشمالي الشرقي من جنوب أفريقيا.
стр. 589
ظهور المدن العملاقة وتضخمها:
لا يتميز العصر الحديث بنمو سكان الحضر عامة فحسب، بل بنمو المدن نموا كبيرا قفز بها إلى مرتبة المدن العملاقة التي أطلق عليها جوتمان J. Gottmann الميجالوبوليس Megalopolis "الشكل التالي" وهي ذلك التجمع العمراني في إقليم كبير حيث تلتصق أطراف المدن بعضها ببعض
стр. 590
وتتحول في النهاية إلى مجمعة مدنية عملاقة ولعل في شمال شرق الولايات المتحدة مثلا واضحا على ذلك. فرغم أن المسافة بين مدينتي فيلادلفيا ونيويورك تصل إلى ٦٠ ميلا وبين نيويورك وبوسطن إلى ١٥٠ ميلا، إلا أن هذه المدن قد اتصلت ببعضها البعض بسلسلة من المدن الصغيرة فيما بينها وهي امتداد للمدينة الأم في الواقع، وبهذه الطريقة ظهرت في شمال شرق الولايات المتحدة مجمعة ضخمة يعيش بها قرابة ٤٠ مليون نسمة.
شكل "١٥٦" الميجالوبوليس الأمريكي
والمثال الآخر على الميجالوبوليس أو المجمعات الحضرية العملاقة تبدو في
стр. 591
اليابان فيما بين أوزاكا Osaka وكوب Kobe حيث توجد سلسلة من المدن المتصلة يبلغ عددها ٣٠ مدينة حول خليج أوزاكا وتتجه هذه الكتلة المدنية الضخمة إلى الامتداد نحو الداخل.
وتبدو هذه الظاهرة في غرب أوروبا بوضوح خاصة في إنجلترا وفي نطاق الروهر في ألمانيا وحول حوض باريس في فرنسا، ويكفي أن نذكر أن مجمعة لندن الكبرى Greater London تضم ١٣ مليون نسمة وأن باريس الكبرى وحدها تضم ٨.٧ مليون نسمة كذلك ما يقرب من ١٧% من سكان فرنسا ومجمعة طوكيو ١٦ مليون نسمة ومجمعة نيويورك وحدها تصل إلى ١٦.٢ مليون نسمة سنة ١٩٧٥.
ومن المقدر أن هناك نحو ١٢ مجمعة حضرية أخرى ستصل إلى نفس الأحجام سنة ١٩٨٥ وهي بالتحديد: مكسيكو سيتي، وساوباولو، ولوس أنجلوس، وبمباي، وكلكتا وأوزاكا، وبيونس أيرس، وريو دي جانيرو، ومنطقة الراين - الرهر في ألمانيا، والقاهرة، وباريس، وسيول.
стр. 592
الفصل الثالث: استخدام الأرض داخل المدينة "التركيب الوظيفي للمدينة "
مدخل
...
الفَصلُ الثَّالِث: استِخدَام الأرض دَاخل المَدينَة "التركيب الوظيفي للمدينة":
المدينة محلة عمرانية يتفاوت فيها استخدام الأرض تفاوتا ملحوظا بين حي وآخر على رقعتها المدنية، ولذا يبدو كل جزء منها وقد تخصص في وظيفة معينة ويتميز عن أجزاء المدينة الأخرى بهذه الوظيفة، ولذلك تبدو الرقعة السكنية في المدينة غير متجانسة على الإطلاق. وإن رحلة واحدة من شوارع القلب التجاري إلى ضواحي المدينة ستكشف عن مجموعة من الاختلافات المتعاقبة.
وفي المدينة الواحدة نجد مناطق للسكنى وأخرى للصناعة وثالثة للأعمال التجارية ورابعة للخدمات الإدارية وغيرها. وإذا كانت أحياء المدينة تختلف في داخلها كذلك فالأحياء السكنية تتفاوت في مستواها الاجتماعي، فهناك أحياء راقية تسكنها الطبقة الأرستقراطية تتميز بالهدوء وأحياء أخرى لسكنى العمال والموظفين ذوي الدخل المحدود تميزها الضوضاء والنشاط، كما أن في المدن الكبرى توجد أحياء مختلفة للسكان حسب وحدة العنصر أو الأصل، ففي شيكاغو ونيويورك نجد أحياء الزنوج وكذلك أحياء للمهاجرين الإيطاليين أو اليابانيين وغيرهم.
ولا ريب في أن وظيفة المدينة تنعكس على أحيائها -وهذه بالتالي تطبع المدينة بطابع خاص، ولذا فقد أصبح من الأمور الأساسية في دراسة المدن تقسيمها حسب نمط استخدام الأرض بها، أو كما هو شائع، حسب تركيبها الوظيفي Functional structure، أي تقسيمها إلى أحياء مختلفة، ويرتبط التركيب الوظيفي للمدينة بمراحل نموها بل وفي كثير من الأحيان بالعوامل الرئيسية التي أدت إلى هذا النمو، فكل مرحلة تتميز بوجود وظائف
стр. 593
جديدة أو اختفاء وظائف سابقة، ولكن نجد أنفسنا هنا مطالبين بالإجابة على سؤال هام هو: ما هي المظاهر العامة لأحياء المدينة، وما هي عناصر التركيب الوظيفي للمدينة ومميزاتها؟ وتتضمن الإجابة على هذا السؤال ضرورة التعرف بادئ ذي بدء على نظريات تقسيم المدينة إلى أحياء أو مناطق متميزة تعكس في ثناياها وظائف المدينة وخدماتها لإقليمها.
وترجع الأسباب الرئيسية لتباين استخدام الأرض داخل المدينة إلى عدة عوامل رئيسية ترتبط بالتركيب المدني وهذه العوامل هي أوجه النشاط التجارية والإدارية والنقل "أنشطة القطاع الثالث Tertiary"، والأنشطة الصناعية "التعدين والمصانع والورش والحرف اليدوية"، ثم الأغراض السكنية.
стр. 594
١- نظرية بيرجس: "أو نظرية الحلقات المتعاقبة ذات المركز الواحد":
ابتدع بيرجس E. W. Burgess وهو أحد الباحثين الأمريكيين نظرية تقسيم المدينة إلى أحياء وطبقها على مدينة شيكاغو وتعرف هذه النظرية باسم نظرية المناطق الحلقية "الدائرية" ذات المركز الواحد Concentic zones وتوضح هذه النظرية أن المدينة تتركب وظيفيا من عدة مناطق متعاقبة بشكل دائري على النحو التالي:
١- المنطقة المركزية، أو النواة، التي تنتهي إليها خطوط المواصلات التي تصب في المدينة، وتتميز هذه المنطقة بأنها أقدم مناطق المدينة، وقد أزيلت المباني القديمة وحلت محلها مبانٍ جديدة فمن أبرزها ناطحات السحاب، وتقوم في هذه المنطقة الوظائف التجارية والإدارية والثقافية.
٢- المنطقة الانتقالية Transitional: وهي التي تحيط بنواة المدينة وتتصف بسوء الأحوال حيث تشغلها الأحياء السكنية الفقيرة ويسكنها الزنوج والمهاجرون الجدد، كما تنتشر بها المدابغ وبعض الصناعات الخفيفة والشركات التجارية.
٣- المنطقة السكنية الخاصة بالطبقة العاملة ويتركز فيها أولئك الذين يفضلون السكن على مقربة من مكان العمل.
стр. 595
٤- المنطقة السكنية الخاصة بالطبقة المتوسطة وتوجد بها مساكن خاصة وأخرى مشتركة.
٥- الضواحي السكنية على الأطراف أو المنطقة التي يسكنها الذين يفدون إلى المدينة في رحلة يومية، أي يقومون برحلة ما بين مكان العمل داخل المدينة والسكن في هذه الأطراف Commuting وتتكون هذه المنطقة من عدة نويات مبعثرة تمتد أساسا على امتداد خطوط المواصلات الطولية التي تخترق المدينة.
شكل "١٥٧" نظرية الحلقات المتعاقبة
وقد أوضح "بيرجس" في دراسته أن ما ذكره هو وضع مثالي نظري وأن مدينة شيكاغو يقترب نمطها من هذا الوضع، كما أنه يتوقع أن يجد اختلافا وتعديلا في فكرته إذا طبقت على المدن الأخرى.
وعلى الرغم من أن شيكاغو تمتد فوق سهل فسيح وتبدو في نطاقات شبه دائرية إلا أن هذه النظرية لا تنطبق بصرامة عليها، فالمناطق الصناعية توجد على طول السكك الحديدية أو تشرف على بحيرة متشجان، ولا تظهر في نطاقات دائرية بل تمتد عبر كل النطاقات Zones، كما أن أحياء
стр. 596
الزنوج التي كانت تقع في المنطقة الثانية الانتقالية تقدمت جنوبا١، ومع ذلك فإن فحوى هذه النظرية يعتمد على أن نمو المدينة يتجه من الداخل نحو الخارج أو نطاقاتها الدائرية تتعاقب الواحدة تلو الأخرى.
стр. 597
٢- نظرية القطاعات:
إذا كانت نظرية بيرجس قد طبقت على كثير من المدن الغربية والأمريكية إلا أن كثيرا من الباحثين يعتبرونها غير كافية بالغرض، ومن ثم اقترح أحدهم وهو "هويت الأمريكي Hoyt" نظرية جديدة تقوم على أساس تقسيم المدينة إلى قطاعات Sectors.
وتفترض نظرية القطاعات هذه أن خطوط المواصلات تصنع قطاعات تمتد عبر المناطق الحلقية التي أشارت إليها نظرية بيرجس، وهي في هذا تلتقي مع الواقع، كذلك تشترك النظريتان في القول بأن النمو يتجه صوب الأطراف لأن الوظائف الأخرى الداخلية قد تنمو خطيا في نفس الاتجاه الخارجي.
وبالإضافة إلى هاتين النظريتين، هناك نظرية ثالثة، تعرف باسم "العقد المتعددة Multiple Nodes".
وتقوم هذه النظرية على أساس أن المدن يمكن أن تنمو في مناطق مضرسة وتحوي طوائف من السكان تختلف في الجنس والحضارة كما حدث في مدن المستعمرات القديمة وكما يحدث في المدن الحالية، وقد تمثل مرحلتين من مراحل النمو حيث يقف القديم على مقربة من الحديث، وتبدو المدينة ذات عقد متعددة حيث توجد نويات في بعض المناطق تتميز بسمات خاصة، وتختلف عن نويات النمو الأصلية.
وعلى العموم فإن هذه النظريات تضع أسسا هندسية صارمة لنمو المدن، ولكن الواقع غير ذلك حيث أثبتت الدراسة الميدانية لكثير من المدن أن لكل مدينة حديثة أو حتى قديمة، شخصيتها ومناطقها الخاصة كما أن لكل منها
стр. 598
منطقة قلب مركزي له ملامحه المميزة، وتتركز به التجارة والإدارة ونهايات الطرق المؤدية إلى المدينة، وتمتد الأحياء السكنية بالابتعاد عن هذا القلب وعلى محاور الطرق الرئيسية، ولكل حي من هذه الأحياء منطقة تجارية مصغرة خاصة به.
شكل "١٥٨" نظرية القطاعات
وصفوة القول أن نظريات التركيب الوظيفي رغم ضرورة الإلمام بها في دراسة جغرافية المدن إلا أن الحقيقة الباقية أن لكل مدينة صغرت أو كبرت شخصيتها المميزة وتركيبها الوظيفي الخاص الذي ربما تتشابه مظاهره العامة مع المدن الأخرى، ولكن يكشف تحليل هذا التركيب عن أوجه التباين والاختلاف والتي قد تعطي المدينة صفاتها المميزة.
стр. 599
استخدام الأرض داخل المدينة
مدخل
...
استخدام الأرض داخل المدينة
تتحدد مظاهر استخدام الأرض في المناطق الرئيسية التالية والتي تحدد في النهاية ما يعرف بالتركيب الوظيفي للمدينة.
١- القلب التجاري "حي التجارة والأعمال".
٢- المناطق الصناعية.
٣- المناطق السكنية.
стр. 600
١- القلب التجاري "حي التجارة والأعمال ":
وهو المركز الرئيسي للمدينة وبؤرة نشاطها الداخلي وملتقى الأعمال الخارجية فيها فتتركز به مكاتب الاعمال التجارية الكبرى وشركات التأمين والمحلات التجارية وبيوت المال والفنادق، وتزداد كثافة المحلات التجارية به ازديادا كبيرا ينتج عنه ارتفاع ملموس في أسعار الأرض، وينعكس ذلك على ارتفاع المباني به، كذلك يعد هذا الحي بؤرة كثافة المرور في المدينة حيث تنتهي إليه معظم الطرق الرئيسية التي تربط المدينة ببيئتها وتقوم له مقام الشرايين للقلب تدفع له الحركة والنشاط.
ويمتاز القلب التجاري بعدة خصائص أهمها تركز معظم المحلات التجارية الكبرى ومكاتب الشركات الصناعية والتجارية والبنوك والملاهي، وتقع فيه أهم شوارع المدينة وأكثرها نشاطا كما يعد مركز العمالة في المدينة Central Business District "ويشار له باختصار بالحروف الأولى من هذه الكلمات الثلاث، أي C. B. D."، والبؤرة التي تتجه إليها وترتبط بها كل ألوان استخدام الأرض في المدينة.
ولكن يلاحظ أن المدينة كلما اتسعت وزاد عمرانها، كلما كان ذلك مدعاة لانتقال بعض المحلات التجارية وانفصالها عن القلب التجاري. وأصبحت غير متمركزة في وسط المدينة.
ويجذب القلب التجاري العملاء من كل أجزاء المدينة، ومن البلاد المجاورة لها، وكثير من السكان بالإضافة إلى أنهم عملاء لهذا النطاق، فإنهم يعملون بالخدمات المختلفة بداخله، ويعد ذلك من أهم أوجه النشاط البشري فيه.
وتتميز هذه المنطقة التجارية في المدينة بوجود شارع أو عدة شوارع رئيسية يخدمها شريان هام Artery للنقل، وتتركز به المحلات الكبيرة ذات الوظائف المتعددة، والتي قد تتكون من عدة طوابق وذات مخازن متصلة بها، أما شريان المواصلات لهذا النطاق فيتميز بكثافة نقل عالية حيث يزدحم بالسيارات والمارة.
ويلاحظ أن منطقة القلب التجاري لا تشغلها مساكن بمعنى الكلمة، إذ قلما