← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12054

قواعد الجغرافيا العامة الطبيعية والبشرية

جودة حسنين جودة

Полный текст (742 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الزنوج التي كانت تقع في المنطقة الثانية الانتقالية تقدمت جنوبا١، ومع ذلك فإن فحوى هذه النظرية يعتمد على أن نمو المدينة يتجه من الداخل نحو الخارج أو نطاقاتها الدائرية تتعاقب الواحدة تلو الأخرى.

стр. 597

٢- نظرية القطاعات: إذا كانت نظرية بيرجس قد طبقت على كثير من المدن الغربية والأمريكية إلا أن كثيرا من الباحثين يعتبرونها غير كافية بالغرض، ومن ثم اقترح أحدهم وهو "هويت الأمريكي Hoyt" نظرية جديدة تقوم على أساس تقسيم المدينة إلى قطاعات Sectors. وتفترض نظرية القطاعات هذه أن خطوط المواصلات تصنع قطاعات تمتد عبر المناطق الحلقية التي أشارت إليها نظرية بيرجس، وهي في هذا تلتقي مع الواقع، كذلك تشترك النظريتان في القول بأن النمو يتجه صوب الأطراف لأن الوظائف الأخرى الداخلية قد تنمو خطيا في نفس الاتجاه الخارجي. وبالإضافة إلى هاتين النظريتين، هناك نظرية ثالثة، تعرف باسم "العقد المتعددة Multiple Nodes". وتقوم هذه النظرية على أساس أن المدن يمكن أن تنمو في مناطق مضرسة وتحوي طوائف من السكان تختلف في الجنس والحضارة كما حدث في مدن المستعمرات القديمة وكما يحدث في المدن الحالية، وقد تمثل مرحلتين من مراحل النمو حيث يقف القديم على مقربة من الحديث، وتبدو المدينة ذات عقد متعددة حيث توجد نويات في بعض المناطق تتميز بسمات خاصة، وتختلف عن نويات النمو الأصلية. وعلى العموم فإن هذه النظريات تضع أسسا هندسية صارمة لنمو المدن، ولكن الواقع غير ذلك حيث أثبتت الدراسة الميدانية لكثير من المدن أن لكل مدينة حديثة أو حتى قديمة، شخصيتها ومناطقها الخاصة كما أن لكل منها

стр. 598

منطقة قلب مركزي له ملامحه المميزة، وتتركز به التجارة والإدارة ونهايات الطرق المؤدية إلى المدينة، وتمتد الأحياء السكنية بالابتعاد عن هذا القلب وعلى محاور الطرق الرئيسية، ولكل حي من هذه الأحياء منطقة تجارية مصغرة خاصة به. شكل "١٥٨" نظرية القطاعات وصفوة القول أن نظريات التركيب الوظيفي رغم ضرورة الإلمام بها في دراسة جغرافية المدن إلا أن الحقيقة الباقية أن لكل مدينة صغرت أو كبرت شخصيتها المميزة وتركيبها الوظيفي الخاص الذي ربما تتشابه مظاهره العامة مع المدن الأخرى، ولكن يكشف تحليل هذا التركيب عن أوجه التباين والاختلاف والتي قد تعطي المدينة صفاتها المميزة.

стр. 599

استخدام الأرض داخل المدينة مدخل ... استخدام الأرض داخل المدينة تتحدد مظاهر استخدام الأرض في المناطق الرئيسية التالية والتي تحدد في النهاية ما يعرف بالتركيب الوظيفي للمدينة. ١- القلب التجاري "حي التجارة والأعمال". ٢- المناطق الصناعية. ٣- المناطق السكنية.

стр. 600

١- القلب التجاري "حي التجارة والأعمال ": وهو المركز الرئيسي للمدينة وبؤرة نشاطها الداخلي وملتقى الأعمال الخارجية فيها فتتركز به مكاتب الاعمال التجارية الكبرى وشركات التأمين والمحلات التجارية وبيوت المال والفنادق، وتزداد كثافة المحلات التجارية به ازديادا كبيرا ينتج عنه ارتفاع ملموس في أسعار الأرض، وينعكس ذلك على ارتفاع المباني به، كذلك يعد هذا الحي بؤرة كثافة المرور في المدينة حيث تنتهي إليه معظم الطرق الرئيسية التي تربط المدينة ببيئتها وتقوم له مقام الشرايين للقلب تدفع له الحركة والنشاط. ويمتاز القلب التجاري بعدة خصائص أهمها تركز معظم المحلات التجارية الكبرى ومكاتب الشركات الصناعية والتجارية والبنوك والملاهي، وتقع فيه أهم شوارع المدينة وأكثرها نشاطا كما يعد مركز العمالة في المدينة Central Business District "ويشار له باختصار بالحروف الأولى من هذه الكلمات الثلاث، أي C. B. D."، والبؤرة التي تتجه إليها وترتبط بها كل ألوان استخدام الأرض في المدينة. ولكن يلاحظ أن المدينة كلما اتسعت وزاد عمرانها، كلما كان ذلك مدعاة لانتقال بعض المحلات التجارية وانفصالها عن القلب التجاري. وأصبحت غير متمركزة في وسط المدينة. ويجذب القلب التجاري العملاء من كل أجزاء المدينة، ومن البلاد المجاورة لها، وكثير من السكان بالإضافة إلى أنهم عملاء لهذا النطاق، فإنهم يعملون بالخدمات المختلفة بداخله، ويعد ذلك من أهم أوجه النشاط البشري فيه. وتتميز هذه المنطقة التجارية في المدينة بوجود شارع أو عدة شوارع رئيسية يخدمها شريان هام Artery للنقل، وتتركز به المحلات الكبيرة ذات الوظائف المتعددة، والتي قد تتكون من عدة طوابق وذات مخازن متصلة بها، أما شريان المواصلات لهذا النطاق فيتميز بكثافة نقل عالية حيث يزدحم بالسيارات والمارة. ويلاحظ أن منطقة القلب التجاري لا تشغلها مساكن بمعنى الكلمة، إذ قلما

стр. 601

نجد منزلا أو عمارة يقيم فيها سكانها إقامة دائمة، ذلك أن معظم المباني هنا تشغلها محلات تجارية أو شركات أو مكاتب أو ما شابه ذلك. ومن هنا نجد اختلافا كبيرا بين كثافة السكان في منطقة القلب التجاري بالنهار عنها في الليل، ففي النهار تموج الشوارع والمباني بالحركة والنشاط وحينما يقبل الليل يغادر الناس أعمالهم نحو مساكنهم حتى يكاد قلب المدينة يخلو من السكان ليلا، ثم يعودون إليه في الصباح ليستأنفوا أعمالهم وشراء حاجياتهم. ولا شك أن حجم المدينة يعد عاملا هاما ومؤثرا في هذا الشأن حيث يبدو ذلك بوضوح في المدينة الكبيرة المتعددة الوظائف والخدمات، وقد قدر أحد الباحثين في دراسة عن الحركة اليومية لسكان المدن في الولايات المتحدة الأمريكية أن المدينة المتوسطة الحجم "نحو ١/٤ مليون نسمة" يدخل قلبها التجاري أثناء النهار "فترة ١١-١٢ ساعة من ٧ - ٧" ما يقرب من ٤٠ - ٥٠% من جملة سكانها، ومن هذا العدد يوجد ٢٢ - ٢٤% لهم وجهة محددة كالعمل في المصالح المختلفة في هذه المنطقة. وباختصار فإن هناك خصائص مميزة لمنطقة القلب التجاري في المدينة يمكن إيجازها فيما يلي: أ- سهولة الوصول: تعد سهولة الوصول إلى قلب المدينة أبرز الصفات المميزة لهذا القلب حيث يكون هذا القلب أكثر المناطق سهولة في هذا الصدد ويمكن الوصول إليه من كل الأحياء الأخرى بطريقة سهلة ومباشرة، وكذلك يتميز بأنه أسهل المناطق وصولا بالنسبة لسكان إقليم المدينة الذين يستخدمون وسائل مواصلات عامة Public Transport وفي المدن الكبرى فإن وسطها المركزي يسهل الوصول إليه من بقية أجزاء القطر أو على الأقل من معظم أقاليم هذا القطر. ومن هنا يمكن معرفة الأسباب التي تجعل قلب المدن الكبرى مرتبطا بنهايات الطرق العامة، وخاصة السكك الحديدية. بل يكون هناك اتصال مباشر بينه وبين المطارات التي تنشأ في ضواحي هذه المدن حيث يفد المسافرون إلى قلب المدينة سواء عند اتجاههم إلى المطار أو عودتهم منه.

стр. 602

ومن البديهي أن موقع الحي المركزي "قلب المدينة" بالنسبة لشبكة النقل في المدينة يوجه إلى حد كبير أنواع النشاط الاقتصادي في هذا القلب، حيث تقام المحلات التجارية الكبرى لتجارة التجزئة والتي تخصص لخدمة عدد كبير من العملاء والذين يفدون بسهولة إلى قلب المدينة وتقوم هذه المحلات على امتداد الشوارع الرئيسية المشهورة. كذلك يوجه النقل السهل في وسط المدينة الحي المركزي -أو القلب التجاري، أو في حي التجارة والأعمال وجود خدمات أخرى، غير الخدمات التجارية مثل الشركات والمحاسبين والمحامين والأطباء والمستشارين ومن على شاكلتهم، مستفيدين بظروف الموقع، وسهولة الوصول إليه. ب- ارتفاع قيمة الأرض: أدى الطلب المتزايد للخدمات المختلفة في قلب المدينة إلى منافسة شديدة في الحصول على مساحات من الأرض في هذا القلب لإنشاء المحلات التجارية أو المكاتب المختلفة فيه، وأدى ذلك بدوره إلى ارتفاع شديد في قيمة الأرض في قلب المدينة، ومن ثم أثرت هذه الظاهرة في مورفولجية هذا القلب المركزي، وأبرز هذه المراكز كثافة استخدام الأرض Land - use، والتي يعكسها تركز المباني إلى أقصى ارتفاع مسموح به للاستفادة من موقع وسط المدينة الهام. وتبدو الاستفادة الكبرى من قلب المدينة والارتفاع في مبانيه، في المدن الأمريكية والتي لجأت الى تشييد ناطحات السحاب Sky Scrapers، وهي مبانٍ شاهقة في محاولة للاستفادة القصوى من هذا الموقع في وسط المدينة، وبدأت هذه الظاهرة في مدينة شيكاغو منذ أوائل هذا القرن، وساعد عليها التوصل إلى استخدام المصاعد الكهربائية بطاقة نقل عالية وكان من نتيجة ذلك تركز عدد كبير من العاملين في وسط المدينة في مساحة صغيرة هي التي تشغلها ناطحة السحاب، وأدى ذلك إلى نتائج كبيرة في الاستفادة من أرض وسط المدينة. كذلك نجد في مدينة نيويورك، نظرا لانحصارها في جزيرة مانهاتن قد

стр. 603

امتدت إلى أعلى فبنت ما يعرف بناطحات السحاب، وأعلى هذه العمارات تسمى إمبير ستيت بلغ عدد طوابقها ١٠٢ طابق وارتفاعها ٣٨٠ مترا. ولكن ناطحات السحاب تعد حالة شاذة في بناء المدن وليس من السهل تقليدها، وهي عموما لم تبن للسكنى وإنما أنشئت لكي تكون مكاتب للتجارة وغيرها، ولها رغم ذلك سيئات حيث يحتاج الإنسان إلى وقت طويل للصعود والهبوط. كما أن الطوابق السفلى غير معرضة للشمس وتؤدي الحرائق إلى خسائر فادحة تماما. أما خارج أمريكا الشمالية فإن المباني الشاهقة تعد حديثة للغاية في وسط المدن، لذلك ما زالت المدن الكبرى تعاني من تركز العاملين في حي التجارة والأعمال بدرجة كبيرة، ففي وسط لندن -على سبيل المثال- يقدر أن نحو ١٥٠٠٠ عامل يضافون إلى حجم العمالة بها كل سنة خلال العقد الأخير، مما يؤدي إلى تزايد كبير في خدمات النقل التي تحمل السكان من القلب إلى الأطراف. وقد نجمت هذه الزيادة عن إعادة بناء كثير من المباني وتطوير القائم منها لكي يستوعب هذه الأعداد الزائدة. ج- قلة السكان المقيمين: ومن الصفات الأخرى لقلب المدينة قلة السكان القاطنين به بصفة دائمة حيث تركت كثير من المباني لخدمة الأنشطة المختلفة التي يؤديها هذا الحي المركزي، وقد تناقص عدد السكان المقيمين في وسط المدن القديمة في مدن غرب أوروبا بثبات منذ القرن التاسع عشر ففي لندن على سبيل المثال تناقص عدد سكان المناطق الوسطى بها "المنطقة المركزية" منذ حوالي سنة ١٨٦١، حتى إن هذا الحي المركزي لا يسكنه اليوم سوى ٢٧٠.٠٠٠ نسمة وهذا رقم منخفض للغاية لمنطقة مركزية مساحتها تصل إلى ١٢ ميلا مربعا. بل إنه في حي المال فقط وهو الـ C. B. D. الحقيقي في لندن والذي يطلق عليه City of London -وهو جزء من المنطقة التجارية الكبرى في المدينة- كان هناك تناقص واضح في سكانه، فقد قل عددهم مبكرا في الفترة من ١٨٥١ - ١٨٦١ من ١٢٨.٠٠٠ إلى ١١٢.٠٠٠ فيما بين هذين التاريخين، وأثناء العقد التالي استمر هذا النقص حتى وصل عدد سكان هذا

стр. 604

الحي إلى ٧٢.٠٠٠ نسمة وواصل الهبوط في عدد سكانه بعد ذلك حتى وصل عدد السكان إلى نحو ١٣.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٢١، ثم إلى ٥٠٠٠ فقط سنة ١٩٦١. ١ والواقع أن النقص في عدد السكان المقيمين في وسط المدينة وهجرهم إياه نحو الأطراف يساعد عليه تحسين طرق المواصلات التي تربط المدينة بضواحيها، ففي حي المال في لندن "The city" مثلا كان الهبوط الواضح في عدد السكان فيما بين سنتي ١٨٦١-١٨٧١ مرتبطا بإنشاء أربعة محطات نهائية Terminals جديدة للسكك الحديدية تنتهي داخل هذا الحي، وارتبط بها تحسين خدمات السكك الحديدية بينه وبين الضواحي. كذلك فإن من الحوافز الرئيسية التي أسهمت في عدم الإقبال على سكنى حي التجارة والأعمال -أو مغادرته- للسكنى خارجه ذلك الارتفاع الهائل في أسعار الأرض حيث يزيد الطلب على المباني به: القديمة لإزالتها وإنشاء مبانٍ حديثة أعلى منها، والجديدة لتأجيرها أو بيعها للمحلات والمكاتب ودور الخدمات المختلفة. والواقع أن المميزات السابقة لوسط المدينة تخلق نوعا من الهجرات الداخلية الدائمة على رقعة المدينة حيث يتجه السكان من الوسط نحو الأطراف- ومن ثم إعادة توزيع السكان redistribution- وهجرهم للوسط وإقبالهم على الأطراف، وقد حدا ذلك ببعض الجغرافيين إلى القول بأن قلب المدينة -من وجهة النظر الديموغرافية وتوزيع السكان فقط- هو قلب ميت. د- قلة الصناعات: ليست الصناعات الإنتاجية مهمة في وسط المدينة -تماما كالسكان المقيمين- ولكن مع ذلك توجد بعض الصناعات التي تميل إلى التركيز في وسط المدن الكبرى وحول هذا الوسط. وقد تكون هذه الصناعات أحيانا من بقايا الماضي غير البعيد في المدينة وتستمر هكذا في منقطة الوسط، وأحيان أخرى

стр. 605

تنشأ صناعات جديدة على أطراف هذه المنطقة الوسطى -محاشية ارتفاع أسعار الأرض داخلها، وهناك بعض الصناعات المتخصصة جدا تجد من الضروري لها أن تنشأ بالقرب من حي التجارة والأعمال -وأوضح أمثلتها طباعة الكتب والمجلات والصحف. وعموما فإن الصناعات التي قد تقوم في وسط المدينة تتميز بأنها صناعات خفيفة يميزها صغر المكان وقلة عدد العمال، وربما كانت الصناعات اليدوية من سماتها المميزة. هـ- التخصص الداخلي: رغم أن حي التجارة والأعمال يتميز بالصفات الرئيسية السابقة فإنه ليس متجانسا على الإطلاق، ذلك لأن من أبرز ملامحه ذلك التخصص الداخلي في أنشطته والذي يمكن ملاحظته في المدن الكبرى، ذلك لأن هناك بعض الشوارع التي تتخصص في نشاط معين يغلب عليها سواء كانت شوارع تنتشر بها المحلات التجارية الكبرى أو شوارع للبنوك وأخرى لدور الخيالة والمسارح وثلاثة للإدارة الحكومية والإدارية وغير ذلك. وما ينطبق على الحي المركزي في المدن الكبرى نجد أن له مثيلا -إلى حد كبير- في المدن المتوسطة، بل والصغرى، وقد أوضح "دياموند Diamond" على سبيل المثال في دراسته عن مدينة جلاسجو أن منطقة التجارة والأعمال بها يمكن توضيح ثلاثة أحياء متخصصة بها هي منطقة المكاتب Offices التجارية ومنطقة التجارة بالجملة wholesaling ومنطقة التجارة بالتجزئة. وبطبيعة الحال فإن دراسة أية مدينة كبيرة كانت أو صغيرة يمكن أن توضح إلى أي حد تتخصص أحياؤها الداخلية في إطار منطقة القلب في أنشطة مختلفة مميزة تشتهر بها عند سكانها المحليين، بل وعند روادها الوافدين من خارج الإقليم أو الدولة.

стр. 606

٢- المناطق الصناعية: الصناعة قديمة في كثير من المدن، ولكنها كانت خلال العصور القديمة

стр. 607

والوسطى قليلة، ويمارسها عدد قليل من السكان في المنازل والحوانيت، وبعد الثورة الصناعية أصبحت الصناعة خلاقة المدن، فقد تضخم القائم منها سواء بطريق مباشر أوغير مباشر، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ويظهر ذلك واضحا في الاتحاد السوفيتي، فقد خلقت مدن الصناعة مثل مجنيتو جورسك ونوفو سيبرسك التي بدأت بخمسة آلاف نسمة سنة ١٨٩٧ ووصل عدد سكانها إلى ٧٣١٠٠٠ نسمة سنة ١٩٥٦. وقد تطورت الصناعة تطورا تكنولوجيا أثر بدوره على شكل المدن ووظائفها، فالمرحلة الأولى من الصناعة كانت بسيطة غير معقدة تعتمد على قوة الريح واستخدام الأخشاب في توليد الطاقة وذلك حتى القرن الثامن عشر وقبل الثورة الصناعية ولم تكن الصناعة في تلك الفترة مركزة في المدن بالضرورة بل كثيرا ما انتشرت في الريف - في الخلاء. ثم جاءت مرحلة الفحم والحديد والتي بدأت بالثورة الصناعية وانتهت في أواخر القرن ١٩ وقد ظهرت في تلك الفترة الآلة البخارية والسكك الحديدية التي ساهمت أعظم مساهمة في تضخم المدن الصناعية وانتشارها ولو أننا نجد مناطق الصناعة تتجه نحو الريف للانتفاع برخص الأرض والأيدي العاملة. أما التطور الأخير للصناعة فهو الذي تعيشه الآن، ونقصد به عصر الكهرباء وعصر المعادن الخفيفة كالألومنيوم وعصر آلة الاحتراق الداخلي وعلى قدر ما تركزت وتضخمت المدن الصناعية في الفترة السابقة بفضل الفحم والآلة البخارية تبعثرت في هذه الفترة الأخيرة وانتشرت في الريف بفضل الكهرباء والسيارة وعلى أية حال فليس هناك فصل واضح بين هذه المراحل ولا يعني بدء مرحلة انتهاء أخرى. والمدينة لها صناعاتها المميزة، وغالبا ما تكون للصناعات التحويلية مدينة بالضرورة -أي تستدعي بيئة مدينة لتقوم بها- وبيئة مدينة كبيرة في العادة فكثير من الصناعات ذات الإنتاج الضخم مثل صهر المعادن لا يمكن تصور قيامها خارج المدينة نظرا لضخامة تنظيمها ومن شأنها أن تخلق مدينة جديدة. وتختلف في ذلك عن الصناعات الاستخراجية التي تعتمد أول ما تعتمد

стр. 608

على مكان المادة الخام المستخرجة وهناك كثير من الأمثلة على أن الصناعة التحويلية خلاقة للمدن فكثيرا ما تبني شركة مدينة بأكملها Company Town من المصانع والمساكن والطرق والمواصلات مثل جاري بانديانا Gary التي أنشأتها شركة U.S. Steel Cmopany سنة ١٩٠٦ في منطقة وعرة مهجورة على الطرف الجنوبي لبحيرة متشجن فأصبحت في سنة ١٩٣٠: ١٠٠ ألف نسمة وفي سنة ١٩٥٠: ١٣٤ ألف نسمة. هذا وتتميز المناطق الصناعية في المدن بأمرين: ١- الصناعات القديمة "الخفيفة" والتي تشتهر بها المدينة -ومعظمها صناعات يدوية- وهذه توجد في المدن القديمة وغالبا ما تكون بجوار منطقة القلب التجاري للاستفادة من وفود العملاء إليه وكثيرا ما يتجمع أصحاب كل حرفة واحدة في شارع واحد فنجد شارعا لصناع الزجاج وآخر لصناع النحاس وثالثا للحدادين ورابعا للصناعة ولا شك أن هذه الصناعات تعتمد بصفة رئيسية على الإقليم المجاور للمدينة لاستهلاك منتجاتها. ٢- الصناعات الحديثة "الثقيلة" وهي التي تحتاج لقيامها لمساحات واسعة بقصد إقامة المصانع وتشييد مساكن العمال وربطها بوسائل مواصلات، وكذلك سهولة الحصول على المواد اللازمة لها. ولذلك تتجه إلى خارج المدينة يجذبها في ذلك رخص الأرض وسهولة النقل وتمتاز هذه الصناعات بمبانيها الواسعة ذات الحوائط العالية كما يميزها وجود المداخن وخروج العمال ودخولهم لها في مواعيد منتظمة. ويرتبط بهذا النوع من الصناعات أمر هام أن المدينة الصناعية تتجه غالبا من التخصص إلى التنوع في صناعاتها وهذا ما يعرف بقانون تداعي الصناعات فإن وجود صناعة ما يدعو إلى قيام صناعة أخرى تعتمد عليها بطريق مباشر أو غير مباشر فالغزل يدعو إلى النسيج وقطع الأخشاب يدعو إلى صناعة لب الورق والأثاث وهكذا. ومن المظاهر الحديثة في المدن تركز الصناعات في المواني حيث تساعد عدة عوامل على قيام هذه الصناعات والتي أهمها توفر المواد الخام وخاصة المستوردة من الخارج كذلك الاتصال السهل بمختلف المواصلات بالخارج والداخل ويعد ذلك من أهم عوامل قيام الصناعة في المدن.

стр. 609

ثالثا- المنطقة السكنية: لا شك أن المنطقة السكنية بالمدينة تمثل الجزء الأكبر من رقعتها المبنية وتختلف المساكن باختلاف المدينة وحجمها وتطورها فالمدينة القديمة تتركز المساكن فيها حول نواتها بصفة دائمة ولكن بتطور العمران ونموه ينشأ السكان يتجهون إلى خارج المدينة بعد تعدد الوظائف في المدينة وترك وسط المدينة لوظائف أخرى أكثر أهمية كالوظيفة التجارية أو الإدارية. والسكان يميلون دائما إلى سكنى المناطق البعيدة عن قلب المدينة المزدحم ويلاحظ أن هناك دائما حركة بطيئة للسكان من داخل المدينة إلى خارجها يدل على ذلك دراسة التطور العددي للسكان في أجزاء المدينة المختلفة ففي الوقت الذي يقل فيه عدد السكان في الأحياء القديمة من المدينة يزداد عدد السكان في النطاق الخارجي حيث تنتج هذه الزيادة بصفة رئيسية عن هجرة سكان القلب إلى الأطراف. وقد ذكرنا أن المنطقة التجارية في وسط المدينة تمتاز بارتفاع أسعار الأراضي بها وازدحامها بعكس الحال خارج المدينة ومن المعلوم أن المتاجر والشركات تترك المناطق التي يصعب الوصول إليها خارج المدينة، تتركها للسكنى ويفضلها السكان لظروف المناخ بها وكذلك مما يشجع على سكنها ويساعدها بعد ذلك امتداد طرق النقل المختلفة وكثيرا ما تلتصق هذه المنطقة بالمدينة الأصلية. وتختلف المناطق السكنية في المدينة باختلاف ساكنيها، فهناك مساكن الطبقة الفقيرة وتتميز باكتظاظها بالسكان بدرجة كبيرة، وعدم اتباع الوسائل الصحية في التهوية وغالبا ما تكون بعض أجزائها مناطق القذارة في المدينة Slums ففي الولايات المتحدة نجد أحياء بأكملها للطبقة الفقيرة جدا ومخصصة لسكنى الزنوج وكأنها مدينة داخل مدينة أما سكنى الطبقة المتوسطة فيميل إلى الابتعاد عن المنطقة السابقة وإن كان مرتبطا بالمدينة

стр. 610

الأصلية في معظم الأحوال. وتتميز المدينة في الحاضر بوجود مساكن للطبقة الراقية ذات الدخل المرتفع وهذه تتميز مبانيها بأنها على نسق شبه موحد كما أنها تتميز بالنظافة والهدوء وغالبا ما تكون منازلها قائمة بمفردها ولكن لكل منها حديقة خاصة ولا شك أن ذلك يرتبط بالأرض الرخيصة التي كثيرا ما تكون خارج المدينة ويساعد على إنشاء المساكن في هذه الأماكن توفر وسائل النقل السهلة بينها وبين المدينة. تلك هي الأسس الثلاثة الرئيسية لتركيب المدينة ولكن يلاحظ أن هذا التركيب الوظيفي لا يقتصر على هذه الأسس فقط بل إن ذلك يختلف باختلاف وظائف المدينة ذاتها فقد تطغى الناحية الإدارية على الناحية التجارية أو الصناعية وقد تكون المدينة مدينة جامعات ومعاهد تعليم فتطغى الوظيفة الثقافية على غيرها أو تكون مدينة دينية فتظهر بها المساجد أو الكنائس على أنها المميز الرئيسي للتركيب وعلى أي حال فدراسة أي مدينة تفصيليا هي التي توضح الأهمية لتركيبها الوظيفي وعلاقته بالبيئة الجغرافية.

стр. 611

الباب العاشر: من الحرف الكبرى للإنسان الفصل الأول: الزراعة مدخل ... الفصل الأول: الزراعة تعد الزراعة من الحرف الكبرى التي يمارسها الإنسان في الأقاليم المختلفة، وقد عرفها الإنسان منذ وقت مبكر في البيئات الفيضية اعتمادا على التربة الخصبة ومياه الأنهار الوفيرة وكان وادي النيل الأدنى في مصر ووادي الدجلة والفرات في العراق والسند في باكستان من أقدم البيئات النهرية التي شهدت نشأة الزراعة وتطورها وقامت بها مجتمعات زراعية مستقرة ربما حوالي عام ٥٥٠٠ قبل الميلاد. وتختلف أنماط الزراعة اختلافا كبيرا من بيئة لأخرى -بل وفي داخل البيئة الجغرافية الواحدة- ويبدو هذا الاختلاف في أسلوب الزراعة وتأثيرها على المجتمع وتأثرها بالظروف الطبيعية والبشرية ويقسم البعض الزراعة على هذا الأساس إلى أنماط مختلفة منها الزراعة البدائية والزراعة المتقدمة، وينقسم النوع الأخير إلى الزراعة الكثيفة والزراعة الواسعة. ويتمثل النوع الكثيف في الأقاليم جيدة التربة وذات الظروف المناخية الأكثر ملاءمة للإنتاج، ولذا غالبا ما يرتبط بها ظاهرة ارتفاع الكثافة السكانية وتزايد الضغط على موارد الأرض ويبدو ذلك بوضوح في جنوب شرق آسيا وفي الهند ومصر وهولندا وبلجيكا وتتصف بالملكيات الصغيرة نتيجة الضغط السكاني. أما الزراعة الواسعة فترتبط بالمناطق القليلة السكان في الغالب حيث يزداد الاعتماد على الآلات الزراعية المختلفة بدلا من الأيدي العاملة وتتصف بالملكيات الزراعية الكبيرة وقد تكون ملكا للشركات أو أصحاب رءوس الأموال الضخمة وأبرز سماتها الإنتاجية أنها تتخصص في زراعة محصول معين تبعا لظروف الإنتاج الطبيعية. ويظهر هذا النمط في العالم الجديد كالأمريكتين واستراليا.

стр. 612

وسنتناول هنا توزيع الأنماط الزراعية في البيئات الجغرافية الكبرى.

стр. 613

الزراعة في البيئة المدارية المطيرة مدخل ... أولا: الزراعة في البيئة المدارية المطيرة: تعتبر البيئة المدارية المطيرة من البيئات الجغرافية المميزة على خريطة العالم، وتشمل مساحات كبيرة من قارتي أمريكا اللاتينية وأفريقيا وبعض

стр. 614

المناطق في جنوب آسيا وشمال استراليا. ويتميز بالمناخ المداري المطير الذي تسمح الحرارة السائدة به باستمرار فصل النمو على امتداد السنة بأكملها طالما تسمح الموارد المائية بذلك وتتباين مناطق هذه البيئة في كمية الأمطار الساقطة وتوزيعها على شهور السنة وإن كان بعضها يتصف بفصل جاف. وتصل كمية الأمطار إلى نحو ٨٠ بوصة في السنة بل إن بعض المناطق يسقط بها أكثر من ٢٠٠ بوصة مما يشكل عائقا كبيرا أمام النشاط البشري فيه، وتتميز هذه البيئة بمناخها الذي ترتبط فيه الأمطار الغزيرة بالحرارة العالية مما يحقق ظروفا ملائمة لنمو النبات. وتتمثل أنواع الزراعة السائدة في البيئة المدارية المطيرة في الزراعة البدائية من ناحية والمتقدمة من ناحية أخرى وذلك على النحو التالي:

стр. 615

١- الزراعة المتنقلة: وهي زراعة بدائية تمارسها بعض الجماعات البشرية المتخلفة في الأقاليم المدارية المطيرة ولا يبذل فيها جهد كبير حيث تزال النباتات الطبيعية من مساحة صغيرة من الأرض ثم تبذر البذور وتترك بعد ذلك حتى يحل موعد الحصاد وتنتقل الجماعة البدائية في ثنايا الغابة لتعود وقت الحصاد إلى المنطقة التي زرعتها، وقد تقيم بجوار الحقل فترة مؤقتة حتى ينمو المحصول ويتم حصاده ثم تنتقل بعد ذلك لمنطقة أخرى لتطهيرها من النباتات البرية وزراعتها والانتظار حتى حصاد المحصول وهكذا. وفي كل ذلك ترتبط الزراعة البدائية بحرفة الجمع والالتقاط أو قد ترتبط بقرى شبه دائمة تسكنها الجماعة لمدة ثلاث أو أربع سنوات، وبعد مضي هذه الفترة تكون الأرض قد أنهكت واستنفدت مواردها ثم ما تلبث الجماعة في اختيار موضع جديد تنتقل إليه القرية وتبدأ العملية كلها من جديد في أراضٍ بكر. وباستمرار تزايد السكان، فإن نمط الزراعة المتنقلة يبدأ في التغيير ويتمثل في قرية كبيرة ودائمة في معظم الأحيان كذلك يكون الاستغلال الاقتصادي لموارد البيئة الطبيعية أكثر تقدما وكثافة نسبيا حيث تتبع الجماعة نوعا من الدورات الزراعية -وفيها تنظف الأرض وتستغل الزراعة لمدة عام أو عامين أو ربما ثلاثة- ثم ما تلبث أن تهمل بعد ذلك وتترك للنمو

стр. 616

الطبيعي الغابي. والمدة المثالية اللازمة لإراحة أرض الغابة ينبغي أن تتراوح بين ٢٥ - ٣٠ سنة حتى تتاح الفرصة لاسترداد خصوبتها الطبيعية وقد يؤدي تزايد السكان في معظم المناطق إلى تقليل فترة راحة الأرض ويتبع ذلك تدهور بطيء في التربة يعقبه انتقال القرية بأكملها ورحيلها إلى منطقة أخرى. وتوجد الجماعات البشرية التي تمارس الزراعة المتنقلة في كل الأقاليم المدارية المطيرة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا بما في ذلك الجزر الواقعة في هذه الأقاليم. وتختلف هذه الجماعات فيما بينها بالنسبة للمحاصيل المزروعة ففي أمريكا اللاتينية يعد المانيوق محصولا رئيسيا "المانيوق يعرف بأسماء كثيرة منها الكاسافا والتابيوكا وهو نبات ذو جذور هي صالحة للأكل وتقسم إلى نوعين: أحدهما مر والآخر حلو، وكلاهما يستخدمان في الأكل" وكذلك البطاطا واليام والفول والذرة والفول السوداني وكلها محاصيل أصلية وذلك بالإضافة إلى المحاصيل التي جلبها الأوروبيون مثل قصب السكر والموز. أما الشعوب الأفريقية التي تمارس الزراعة المتنقلة فتزرع الذرة الرفيعة واليام الغيني "نوع من البطاطا" والصرغم "نبات كالذرة يستخرج من بعض أنواعه عصير سكري وتستخدم أنواعه الأخرى في أغراض مختلفة" والبطاطس وبعض المحاصيل الوطنية مثل الذرة والموز وأرز المرتفعات الجاف والكاسافا "وهو نبات يستخرج من جذره نشا" والقلقاس وغيرها. أما المحاصيل الوطنية في آسيا المدارية المطيرة فتشمل الأرز والقلقاس واليام والموز وكذلك بعض المحاصيل المجلوبة مثل الذرة والمانيوق والذرة الرفيعة والبطاطا. وتختلف هذه المناطق في طرق الزراعة وكذلك في نمط الحياة البشرية بها فمعظم السكان في الأمريكتين يمارسون بالإضافة للزراعة المتنقلة جمع منتجات الغابة موسميا -والتي يصدرونها إلى خارج منطقتهم- ففي أمريكا الوسطى يجمعون اللبان، وفي البرازيل الجوز البرازيلي والمطاط البري ومع ذلك فإن بعض الجماعات الأفريقية أصبحت مستقرة بعد تزايد عدد سكانها بل وتحولوا بعد ذلك الاستقرار إلى زراعة محاصيل نقدية مثل الكاكاو في ساحل غانا والفول السوداني في أقليم السافانا أو جمع منتجات الغابة في المناطق الرطبة.

стр. 617

كذلك فقد كان لتقارب الحضارات القائمة على زراعة الأرز ونظم الزراعة العملية التي أدخلها الأوروبيون في آسيا أثره في تحويل كثير من الزراع المنتقلين إلى زراع مستقرين، وقد يجمع بعض سكان المنطقة المدارية بين هذه الأنماط الثلاثة فيجمعون منتجات الغابات ويزرعون زراعة تجارية على مستوى محدود وكذلك يعملون في المزارع العلمية. وقد يمارسون بالإضافة إلى ذلك حرفة الجمع والالتقاط لغذائهم المحلي. وتعتبر الأمريكتين الوسطى والجنوبية أقل القارات في النطاق المداري المطير من حيث عدد العاملين في الزراعة المتنقلة ومن جملة ما يزيد قليلا على مليون وربع المليون من الهنود الحمر الذين يمارسون هذه الحرفة فإن ٩٨% منهم يتبعون هذا النمط في حياتهم أما الباقون فهم جماعات جمع والتقاط أساسا، وهؤلاء السكان عموما يعيشون حياة منعزلة في نطاق الغابات ويمكن أن يضاف إلى هذا العدد عدد مساوٍ من المستيزو Mestizo "خليط من البيض والهنود الحمر" والذين يعيشون نفس النمط المعيشي ويتميزون بأنهم أقل انعزالا من الهنود الحمر حيث يتصلون في معظم الأحوال بالعالم الخارجي. وتعد قارة أفريقيا أكثر القارات في عدد الذين يحترفون الزراعة المتنقلة في الأقاليم المدارية المطيرة حيث تعيش معظم القبائل في أكواخ دائمة أو شبه دائمة وباستمرار تزايد السكان في هذه الأقاليم فإن متوسط استخدام الأرض يصل إلى حوالي ثلاث سنوات وتصل فترة إراحتها من ٨ - ١٥ سنة وذلك تبعا للظروف الطبيعية المتعددة التي تؤثر في هذا النمط الزراعي.

стр. 618

ب- الزراعة المعاشية المستقرة: تتخلل المناطق المدارية المطيرة بعض الجماعات التي تحولت من الزراعة المتنقلة إلى المستقرة واستمرت في ممارسة هذه الحرفة في نفس المكان بل وفي نفس الأرض سنة وراء أخرى، وقد تطلب ذلك تغيرات في نظام الزراعة أو في البحث عن أراضٍ خصبة أو كليهما معا. وتختلف التغيرات الحضارية التي اعترت كثيرا من الأقاليم في المناطق المدارية المطيرة من قارة إلى أخرى، ففي آسيا والجزر التابعة لها يتمثل التطور

стр. 619

في أمرين أحدهما محصول جديد والآخر فن زراعي حديث وهما الأرز والري. وتخصب حقول الأرز في الغالب بمخلفات الحيوانات حيثما يسهل الحصول عليها ويتطلب الأرز قدرا كبيرا من المياه والأيدي العاملة وهو مقابل ذلك يعطي محصولا وافرا من أي محصول آخر ويمكن زراعة محصولين أو ربما ثلاثة على مدار السنة حيثما تتوفر درجات الحرارة الدافئة والمياه ولذلك فإن أراضي الأرز في الشرق الأقصى أعلى الكثافات السكانية في العالم، ففي دلتا النهر الأحمر في فيتنام، يصل متوسط الكثافة إلى ١٢٠٠ نسمة في الكيلو متر المربع. شكل "١٦٠" مناطق إنتاج الأرز في جنوب شرق آسيا وفي أفريقيا تنقسم الزراعة إلى نمطين: أحدهما في الداخل حيث استقرت بعض القبائل التي تزرع الحبوب كمحاصيل رئيسية في المناخ الجاف

стр. 620

كما تربي معها الحيوانات في الغالب، ويدرك الزراع مدى ما تفقده الأرض من خصوبة فيعوضونها بمخلفات الحيوانات من ناحية وباتباع دورات زراعية من ناحية أخرى وهناك قلة من القبائل مثل قبائل الكانسو Kansu في أثيوبيا والشاجا Chagga في تنزانيا تلجأ إلى تغذية الماشية وعلفها حتى يحصلوا على مخلفاتها وبعض القبائل الأخرى تلجأ لزراعة المدرجات وري المحاصيل كلما سمحت ظروف البيئة بذلك. وفي المناطق المطيرة في أفريقيا تقل الزراعة المستقرة حيث تصبح التربات فقيرة ويكثر بهذه الأقاليم ذباب التسي تسي الذي يقلل من تربية الحيوانات إلى حد كبير، ومع ذلك فهناك بعض الزراع المستقرين مثل زراع الأرز في ساحل السنغال وحول الساحل الغربي لليبيريا. وقد أدت زيادة الطلب في أوروبا على المنتجات المدارية الى استقرار بعض الجماعات في بعض المناطق المطيرة وقامت بزراعة الكثير من المحاصيل المدارية مثل الكاكاو ونخيل الزيت والموز والمطاط، كما كان الكثير من الوطنيين يعملون في مزارع البيض التي تزرع هذه المحاصيل في الوقت الذي يمارس بعضهم فيه الزراعة المستقرة بالقرب من هذه المزارع الأوروبية. ومن الصعب الحصول على أرقام للعاملين في الزراعة المعاشية وذلك لأن الكثير منهم يعمل في الزراعة المعاشية والتجارية معا، وتتركز جماعات هذه الزراعة في الأودية النهرية في آسيا والتي تشغلها حقول الأرز حيث يتبقى للمزارع من إنتاجه ما يفيض عن حاجته ويبيع الباقي ومن ثم فإنه يعد جزئيا فلاحا تجاريا. وتعد زراعة الأرز أساسا لمعيشة الملايين من السكان الآسيويين في الهند وبورما وتايلاند وإندونيسيا والفلبين وتتركز هذه المناطق في أقاليم الأمطار الموسمية فيما عدا شبه جزيرة الملايو وجزر خط الاستواء، وقد تأقلمت زراعة الأرز مع موسمية الأمطار حيث تنضج أنواع كثيرة منه في مدة ٦٠ -١٢٠ يوما مما يؤدي إلى أن محصولين أو ثلاثة يزرعان في السنة الواحدة.

стр. 621

ج- الزراعة التجارية: تختلط الزراعة المستقرة المعاشية بالزراعة التجارية إلى حد كبير ولذلك

стр. 622

فمن الصعب الفصل بينهما ذلك لأن هناك شعوبا قليلة من التي تعيش اليوم على إنتاجها وبيع أو تبادل المنتجات الغذائية، لا تدخل في عداد الشعوب المتقدمة ومعظم هذه الشعوب تنتج كميات قليلة من المحاصيل لبيعها، ومن ناحية أخرى فإنهم يشترون الأغذية التي لا يستطيعون زراعتها، بالرغم من أن نظام التبادل هذا قد وجد منذ آلاف السنين إلا أن الزراعة التجارية تعد ابتكارا داخل المناطق المدارية وبدأت نتيجة اتصالات شعوب الأراضي المعتدلة بالأقاليم المدارية وخاصة بعد تقدم وسائل المواصلات وطرق التجارة بين هذه الأقاليم وقد زاد الطلب في أوروبا على المنتجات المدارية بعد أن اكتشف الأوروبيون معظم المناطق المدارية في العالم الجديد وأفريقيا وبالرغم من أن قائمة المنتجات المدارية التي تتطلبها الأسواق الأوروبية طويلة، إلا أن أهمها الأرز والموز والشاي والبن والكاكاو وبعض الألياف مثل الأباكا والسيسل والقطن والزيوت مثل زيت النخيل وجوز الهند والفول السوداني وكذلك قصب السكر والمطاط وتزرع هذه المحاصيل في الأقاليم المدارية على الرغم من أن بعضها يزرع في الوقت الحاضر في المناطق شبه المدارية كذلك مثل الشاي والبن والقطن وبعض أنواع الأرز.

стр. 623

د- الزراعة العلمية: كانت التوابل أول المحاصيل المدارية التي بحث عنها الأوروبيون حيث كانت ضمن قائمة الكماليات في أوائل اتصالات الأوروبيين بالأقاليم المدارية المطيرة كما أنها كانت تمثل الشحنات المثالية للرواد والتجار وذلك لغلوها وصغر حجمها وكانت تجمع كمحصول بري أو يزرعها بعض الوطنيين بكميات صغيرة، وأهم هذه التوابل القرفة والقرنفل وجوزة الطيب والفلفل وغيرها والتي كانت تجلب من جنوب شرق آسيا. وقد لجأ الأوروبيون إلى إقامة مزارع ضخمة من المناطق المدارية المطيرة حتى يمكنهم إنتاج هذه الغلات وغيرها لسد طلبات أوروبا عليها كما حدث في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا مستخدمة في ذلك الأيدي العاملة من الرقيق الذين استبدلوا بعمال أحرار فيما بعد في خلال القرن التاسع عشر وقد تطور إنتاج هذه المزارع تطورا كبيرا بعد تقدم وسائل النقل مما سهل من نقل هذا الإنتاج إلى مناطق استهلاكية في الأقاليم المعتدلة.

стр. 624

وبعد أن كانت المزارع العلمية تتخصص في إنتاج محصول مداري واحد على مستوى كبير أصبح معظمها في الوقت الحاضر ينوع من الإنتاج وذلك لأغراض اقتصادية منها الاستفادة الكاملة من الأيدي العاملة وكذلك تجنب الاعتماد على محصول واحد وما قد ينتج عن ذلك من هزات اقتصادية سنة وراء أخرى تعرض المنتج للخسارة وخاصة في المنافسة الخارجية. وقد تعرضت كثير من المزارع الأوروبية في الدول المستقلة حديثا إلى التأميم كما حدث للمزارع الهولندية في إندونيسيا. وتعد شركة الفواكة المتحدة United Fruits Company من أكبر الشركات الأمريكية التي تمارس هذا النمط من الزراعة في أمريكا اللاتينية. وتختلف المزارع العلمية حسب المحصول الذي تزرعه فمن حيث الحجم يتراوح ما بين بضعة أفدنة إلى إقطاعيات كبيرة حجمها آلاف الأفدنة وقد وصلت مساحة إحدى مزارع نخيل الزيت في الملايو إلى ٢٥٠٠٠ فدان كذلك بلغت مساحة مزرعة مطاط فايرسنون في ليبيريا ٩٠٠٠٠ فدان وقد تملك الشركة المنتجة مجموعة من المزارع في الإقليم الواحد فشركة الفواكة المتحدة تملك ١.٧٢٦.٠٠٠ فدان في ست دول بأمريكا الوسطى والجنوبية من هذه المساحة يزرع ٣٨٨٠٠٠ فدان بمحاصيل تجارية، ويخصص الثلث للموز، ويتنوع إنتاج المحاصيل التجارية من نخيل الزيت إلى الكاكاو أو الأباكا أو إنتاج بعض الأغذية للعاملين في الشركة. كذلك يزرع الوطنيون بعض المزارع العلمية الصغيرة الحجم في مختلف الأقطار وقد تعلم الكثيرون منهم المهارات الزراعية عندما كانوا عمالا في مزارع الأوروبيين ثم استقلوا بمزارع خاصة بهم وغالبا ما يبيعون إنتاجهم لهذه المزارع العلمية الكبرى وأمثلة ذلك تلك المزارع الصغيرة في جاوه والتي يتراوح مساحة المزرعة الواحدة منها ما بين فدانين إلى ثلاثة لزراعة المطاط وتبلغ جملة مساحاتها ١٠٠٠٠ فدان يقوم الوطنيون بزراعتها. وبالرغم من أن الزراعة العلمية تمارس بنجاح في هذه المزارع صغيرة الحجم التي يقوم الأفراد بزراعتها، إلا أن إنتاجية الفدان غالبا ما تكون قليلة كما أن جودة المحصول تكون منخفضة إذا ما قورنت بالمزارع العلمية الكبرى وذلك لاختلاف الطرق المستخدمة في الزراعة، وتختلف وسائل النقل عند المزارعين الصغار مما يقلل من عائد زراعاتهم.

стр. 625

شكل "١٦١" مناطق إنتاج الكاكاو في العالم وتمارس الفنون العلمية في رفع إنتاجية المزارع العلمية حيث تدرس التربة وخصائصها ومدى ملاءمتها للمحاصيل المختلفة وكذلك تدرس ظروف المناخ والطقس وتقام محطات الأرصاد بها للاستعاضة بها في ذلك الغرض كما تختار البذور المناسبة وتمارس التجارب لتحسين خصائصها وتتم الزراعة والحصاد طبقا لاحتياجات المحاصيل الفعلية، وزاد استخدام المخصبات الكيماوية والعضوية كما درست أمراض النباتات والحشرات وطرق مقاومتها وقد أسهم ذلك كله في التأثير على البيئة الطبيعية كما انتقلت معظم هذه الأفكار للوطنيين في المناطق المجاورة للمزارع العلمية.

стр. 626

الزراعة في البيئة الجافة مدخل ... ثانيا: الزراعة في البيئة الجافة: شهدت الأراضي الجافة قيام الزراعة بها منذ عهود قديمة، وقد قامت بها أربع حضارات كبرى في العالم القديم في أودية الأنهار في المناطق الصحراوية وهي النيل والدجلة والفرات والسند والهوانجهو -كذلك فإن الحضارة البيروفية قامت في أودية الأنهار في صحراء بيرو- وتمارس الزراعة اليوم في كل الأقطار الجافة بصفة عامة أكثر من الرعي وتعتمد في ذلك على الري، حيث يقل سقوط المطر أو يتذبذب من عام لآخر، وقد تطورت وسائل الري في هذه الأقاليم لتلائم ظروفها الطبيعية، وأهم المحاصيل الزراعية الحبوب مثل القمح والشعير والذرة بأنواعها كذلك فإن هناك القطن والفول السوداني، وتتميز هذه المحاصيل عن مثيلتها في المنطقة المدارية المطيرة بمقاومتها للجفاف نسبيا حيث تقل كمية الأمطار عن ٢٠ بوصة سنويا إن سقطت في هذه الأقاليم الجافة. وتتوزع مناطق الزراعة الجافة في مناطق شتى من العالم ويعتبر القمح من أهم المحاصيل المنتجة في أربع مناطق رئيسية هي الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، استراليا، باكستان، والهند؛ ففي الولايات المتحدة ينتج القمح في الأراضي الجافة التي تتراوح أمطارها بين ٢٠ - ٣٠ بوصة في ولايات كنساس وداكوتا ومونتانا، أما الاتحاد السوفيتي فيزرع القمح في المناطق الجافة في سهول التركستان وسط آسيا حيث تقل الأمطار عن ٢٠ بوصة وفي استراليا يأتي القمح من منطقتين رئيستين إحداهما في منطقة برث وفريمانتل والأخرى في جنوب استراليا في فكتوريا ونيوسوث ويلز حيث تتراوح الأمطار بين ١٠ - ٢٠ بوصة سنويا كذلك يزرع في المناطق الجافة في الهند والباكستان ففي باكستان وخاصة في لاهور يكون المناخ من النوع الجاف الإستبسي وتصل درجة حرارة أحد الشهور إلى ٣٥م وأبردها ١٢م وكمية الأمطار الساقطة ٢١ بوصة سنويا يسقط ثلاثة أرباعها في أربعة شهور من يونيه إلى سبتمبر أما في دلهي بالهند فإن الظروف المناخية مشابهة وإن كانت الأمطار تصل إلى ٢٨ بوصة وهنا يزرع القمح وإن كان

стр. 627

يحتاج إلى الري قبل انتهاء موسم الأمطار وتتميز هذه المناطق الأخيرة بانخفاض إنتاجية الفدان لبدائية الوسائل المستخدمة. شكل "١٦٢" توزيع البيئة الصحراوية الجافة في العالم

стр. 628

الزراعة بالري: يعد الري في المناطق الجافة بديلا عن الأمطار، وهو يعد الوسيلة الرئيسية للحصول على المواد الغذائية، كما تعد مناطق الزراعة في الأودية النهرية أقاليم

стр. 629

التركز السكاني في الصحراء، وأوضح أمثلتها وادي النيل الأدنى والدلتا والفرات، وكلورادو وريوجراند في أمريكا الشمالية. وريونجرو في الأرجنتين ومري ودارلنج في استراليا والأورانج في جنوب غرب أفريقيا. وفي بيرو يوجد ٥٢ نهرا صغيرا ينبعون من الإنديز ويصبون في الباسفيكي خلق ٤٠ منها واحات في أوديتها وقد شهد الكثير منها تاريخا حضاريا تماما كالأنهار الكبيرة في أفريقيا وآسيا. وفي النطاق الصحراوي حول بحر قزوين في الاتحاد السوفيتي يزرع حوالي ٣٠ مليون فدان على مياه أربعة أنهار هي أموداريا وسرداريا وزيرافشان وسرشك، أما في العراق فتزرع مساحة تصل إلى ٩ ملايين فدان مقسمة على الساحل الغربي، وهناك مشروعات طموحة تحت البحث تهدف إلى تحويل بعض روافد الأمازون في أنفاق عبر الإنديز إلى المناطق الساحلية الجافة في الغرب، كذلك فإن هناك مناطق تبلغ مساحتها حوالي ١.٩١٥.٠٠٠ فدان تزرع بالري في حوض مري ودارلنج باستراليا وكان نصفها مستغلا في الرعي. وعلى ذلك فإنه يمكن تحديد مناطق الزراعة بالري في الأقاليم الجافة في المناطق التالية: ١- في أمريكا الشمالية: حوض نهر كولومبيا وسهول نهر سنيك وواحات سولت ليك ونهر سولت بأريزونا ووادي إمبريال في كاليفورنيا. ٢- في أمريكا الجنوبية واحات بيرو وواحات الكروم ونهر نجرو في الأرجنتين. ٣- في أفريقيا: وادي النيل ودلتاه وفي وسط نهر النيجر وفي أرض الجزيرة بالسودان. ٤- في آسيا: في الوادي الأدنى لنهر الفولجا وأودية سرداريا وأموداريا في الاتحاد السوفيتي وفي جنوب العراق، وفي منطقة البنجاب والستند في شمال غرب شبه القارة الهندية. ٥- في استراليا: في منطقة حوض مري ودارلنج.

стр. 630

أنماط الزراعة في البيئة المعتدلة مدخل ... ثالثا: أنماط الزراعة في البيئة المعتدلة: في دراسة أنماط الزراعة في البيئة المعتدلة ينبغي أن نفرق بين زراعة البحر المتوسط من ناحية والزراعة في باقي المناطق من ناحية أخرى، حيث تختلف اختلافا كبيرا عن بعضها البعض:

стр. 631

أ- نمط الزراعة في إقليم البحر المتوسط: سبق الحديث عن الخصائص المناخية لمناخ البحر المتوسط الذي استطاع الإنسان فيه أن يستغل بيئته استغلالا جيدا سواء في فصل سقوط الأمطار حيث تعتمد الزراعة عليها أو في فصل الجفاف حيث تعتمد الزراعة على الري وإن كانت أمطار الشتاء تمثل عقبة في سبيل تنمية الإنتاج والتوسع فيه وذلك لتذبذبها من ناحية أو لصغر كميتها من ناحية أخرى فتبلغ الكمية الساقطة في لوس أنجلوس حوالي ١٥ بوصة سنويا وفي أثينا باليونان حوالي ١٥ بوصة وفي فلباريزو وشيلي حوالي ٢٠ بوصة، وفي المناطق المرتفعة تزداد الأمطار كما هي الحال في جبل أطلس في المغرب، ولا تعاني مناطق البحر المتوسط من وجود الصقيع، ولذا فإن فصل النمو يشمل السنة بأكملها مما يساعد على زراعة محاصيل متنوعة مثل القمح والشعير والفول وهي محاصيل شتوية مثل الفواكه والخضروات والكروم وغيرها من التي تعتمد على الري، وقد تربى الماشية مع الزراعة مما يعرف بالزراعة المختلطة. ويعتبر القمح أهم الحاصلات الزراعية حيث تناسبه ظروف المناخ ولذا فإنه يشمل مساحة كبيرة من الأراضي المزروعة تصل إلى ٣٢% في إيطاليا واليونان، ٢٨.٤% في إسبانيا وتصل إلى ١٩%، ٢٥%، ٣٤% في المغرب وتونس والجزائر على الترتيب و٢٣% في سوريا وترتفع لتصل إلى ٥٢% في تركيا. وتبدو زراعته في نمطين مختلفين. ففي الأراضي المزروعة حديثا مثل جنوب وجنوب غرب استراليا تتميز الزراعة بأنها واسعة والملكيات كبيرة تستخدم الآلات على نطاق كبير وتتراوح مساحة مزرعة القمح بين ١٠٠٠ - ١٥٠٠ فدان وتستخدم دورة زراعية على النحو التالي: قمح في السنة الأولى ومحصول علف أخضر للأغنام في السنة الثانية، ثم تترك الأرض بورا في السنة الثالثة لإراحتها، وتتميز الكثافة السكانية في هذه الزراعة بانخفاضها

стр. 632

إلى درجة واضحة تبلغ من ٥ - ١٠ نسمة في الميل المربع. أما زراعة القمح الأوروبية، فهي تختلف في حجم مزارعها حيث تهبط إلى بعض الأفدنة فقط وينتج ذلك عن كثافة السكان العالية والذين يجتمعون في قرى متعددة وسط مزارعهم وقد تتبعثر ملكية الأسرة الواحدة في المناطق المجاورة، ولا شك أن لهذا النظام مساوئه، وتزرع الحاصلات الشجرية على منحدرات الجبال أما الكروم والخضر والبساتين فتزرع في المنخفضات حيث يسهل الحصول على مياه الري، كما تزرع بعض المحاصيل على الري صيفا مع ما يتكبده ذلك من مشاق مثل الفاكهة والخضر اللازمة لتموين المدن وقد يحتاج بعضها إلى أيدٍ عاملة كثيرة.

стр. 633

ب- الزراعة في باقي الأقاليم المعتدلة: تتمثل حرفة الزراعة في المناطق المعتدلة في كل قارات الأرض التي يعمرها الإنسان، في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا والاتحاد السوفيتي والصين "الشكل التالي" وتختلف الزراعة في بعض مظاهر السطح وأنواع التربة، وكذلك حسب العوامل الحضارية في كل إقليم ففي أوروبا ترجع الزراعة إلى جذور تاريخية جيلا بعد جيل مما أثر في صغر حجم الملكيات الزراعية بالمقارنة بمثيلتها في العالم الجديد، فعلى سبيل المثال وصل متوسط حجم المزرعة الأمريكية في سنة ١٩٥٩ إلى ٣٠٢ فدان بينما في إنجلترا وصل هذا المتوسط إلى ٧٥ فدانا وهي أقل من ذلك بكثير في القارة الأوروبية حيث إن ٧٤% من المزارع البلجيكية التي يزيد عددها على مليون مزرعة، يصل متوسطها إلى ٢.٥ فدان، وعلى العموم ففي كل قطر -باستثناء إنجلترا والدنمرك- فإن ٣/٤ المزارع يقل حجم الواحدة فيها عن ٢٥ فدانا. أما عن العمران فإن معظم الزراع الأوروبيين يعيشون في قرى صغيرة ويسيرون يوميا إلى مزارعهم، وتبدو المزارع الأمريكية غير ذلك، حيث تتمثل بها الزراعة الواسعة التي تختلف في خصائصها عن الزراعة الكثيفة.

стр. 634

الزراعة الأوربية ... الزراعة الأوروبية: تعد الزراعة مظهرا هاما من مظاهر استغلال الأرض في كل الأقطار الأوروبية

стр. 635

حيث تزرع المحاصيل الغذائية المختلفة وتربى في معظم الأحوال الحيوانات معها وما يمكن تسميته بالزراعة المختلطة، وهناك اختلافات مميزة بين الزراعة في غرب أوروبا وفي شرقها ففي الأولى تعمل المراكز العمرانية الضخمة كأسواق تتجه إليها الحاصلات الزراعية والفاكهة والخضر ومنتجات الألبان والدواجن، وفي نفس الوقت تكون لديها الرغبة لتحقيق درجة من الاكتفاء الذاتي مما يشجع على إنتاج الحبوب لاستهلاك الحيوان والإنسان ويؤدي ذلك إلى استخدام أحدث الأساليب في الإنتاج الزراعي. شكل "١٦٣" توزيع البيئة المعتدلة في العالم
следующие страницы →