أما الواحد القهار ـ سبحانه ـ الذي خضع لأمره كل شيء وبسط سلطانه على جميع هذا الكون فهو الغني عن العالمين لأنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ولو شاء أن يتخذ ولداً لأصطفى من خلقه ما يشاء ولكنه ـ سبحانه ـ لا يشاء ما يخالف حكمته وينافي كماله ـ سبحانه ـ هو الله الواحد القهار، وقد جمع الله ـ سبحانه ـ بين وحدانيته وقهره في عدة مواضع من كتابه:
قال تعالى: حكاية عن يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
فهذه الآية تبين لنا أن نبي الله يوسف ﵇ دعا صاحبي السجن إلى الله وإلى الإسلام وقال لهما: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر خير أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذلله وسخره فأطاعه طوعاً وكرهاً٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٣.
بدأ ـ سبحانه ـ في هذه الآية بالإشارة إلى مظاهر قهره، وطاعة سائر المخلوقات له من خلق السموات والأرض، ثم أشار ـ سبحانه ـ بأنه لا يستوي الأعمى والبصير، كما لا تستوي الظلمات والنور ليوجه أذهان العباد إلى أن الذي خلق السموات والأرض هو الجدير بأن يخصه الناس بالعبادة ثم أشار إلى ضلال المشركين الذين انصرفوا عن عبادة الله ودعوا سواه، ما الذي صرفهم عن عبادة الواحد القهار؟ أظنوا أن له شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فاختلط الأمر في أعينهم فلم يميزوا بين خلق ـ الباري ـ وخلق عيره فعبدوا من ظنوهم خالقين مع الله، ولو تدبروا وتفكروا قليلاً لعرفوا أن الله سبحانه هو خالق كل
стр. 107
شيء ومليك كل شيء، وأنه لا رب غيره ولا خالق سواه إذ كل الكون ناطق بأنه الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ١.
وهذه الآية أيضاً: أشار الله ـ تعالى ـ فيها إلى بعض مظاهر قهره ونفوذ مشيئته في تبديل السموات والأرض وجمعه الخلائق ليوم المعاد الذي لا ريب فيه، ولا جرم أن الذي يستطيع أن يغير السموات والأرض ويجمع الخلائق ليجزيهم بأعمالهم دون أن يعترض إرادته معترض، أو يحول دون تنفيذ مشيئته حائل لا بد أن يكون إلهاً واحداً لا معقب لحكمه ولا شريك له في ملكه فهو يفعل ما يشاء ولا بد أن يكون قهاراً غالباً على كل شيء ولا يغلبه شيء ـ سبحانه ـ هو الله الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢.
وفي هذه الآية: أمر الله نبيه أن يبين للناس بأنه منذر، ينذر الناس بطشة الله كما أمره أن يبين لهم بأنه ليس في الوجود إلا إله واحد هو الله الواحد القهار.
وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٣.
يشير ـ جل وعلا ـ في هذه الآية إلى يوم القيامة حين يرث الواحد القهار الأرض ومن عليها، ويسترد الملك من كل ذي ملك، والسلطان من كل ذي سلطان، ويشهد الخلق جميعاً أن الملك لله الواحد القهار، والمتدبر لإثبات صفتي الوحدانية والقهر الثابتة لله ـ جل وعلا ـ على ما يليق به يدرك شناعة الخطأ الذي وقع فيه القبوريون الذين يلجئون إلى غير الله حيث يطلبون منهم الحاجات ويستعينون بهم على نيل المطالب، والعجب لهم كيف سول لهم الشيطان أن يتركوا الواحد القهار، ويتجهون إلى المقهورين، وينصرفون عن الغالب إلى المغلوبين٤ وأسماء الله وصفاته تنادي جميع المخلوقين بتجريد التوحيد لله وحده لا شريك له، وبأنه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 108
المبحث الثامن: إثبات صفتي الرحمة والمغفرة
معنى الرحمة:
جاء في النهاية: في أسماء الله ـ تعالى ـ "الرحمن الرحيم" وهما اسمان مشتقان من الرحمة مثل ندمان ونديم، وهما من أبنية المبالغة، و"رحمن" أبلغ من "رحيم" و"الرحمن" خاص لله ـ تعالى ـ لا يسمى به غيره ولا يوصف. "والرحيم" يوصف به غير الله فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: "رحمن" أ. هـ١.
وقال صاحب القاموس٢: "الرحمة": الرقة والمغفرة والتعطف ... أ. هـ٣.
قال العلامة ابن القيم: "وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتأليه عنهم له، والربوبية منه لهم، والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وأنعم عليهم فبينهم وبينه سبب العبودية وبينه وبينهم سبب الرحمة، واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه فا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤. مطابق لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى
стр. 109
شمول الرحمة وسعتها فوسع كل شيء برحمته وربوبيته مع أن في كونه رباً للعالمين ما يدل على علوه على خلقه وكونه فوق كل شيء"١ أ. هـ.
معنى المغفرة: قال الزجاج رحمه الله تعالى: "الغفور" هو فعول من قولهم غفرت الشيء إذا سترته وفعول موضوع للمبالغة وكذلك فعال٢.
وجاء في النهاية: "الغفار الساتر لذنوب عباده، وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، وأصل الغفر التغطية يقال: غفر الله لك غفراً، وغفراناً ومغفرة والمغفرة إلباس الله ـ تعالى ـ العفو للمؤمنين"٣.
وجاء في القاموس: "غفره ستره وغفر الله ذنبه يغفره غفراً........ غطى عليه وعفا عنه"٤.
وقال العلامة ابن رجب٥ رحمه الله تعالى: "المغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها" أ. هـ٦.
والذي نستفيده من هذه الأقوال التي ذكرت حول بيان معنى اسمه ـ تعالى ـ "الرحيم" واسمه ـ تعالى ـ "الغفور".
إن اسمه ـ تعالى ـ "الرحيم" يدل على كثرة من تناله الرحمة من خالقه فهي صفة فعل باعتبار تجددها على حسب أحوال المرحومين، وهي صفة ذات باعتبار أصلها لأن الله ـ تعالى ـ لم يزل ولا يزال متصفاً بهذه الصفة.
стр. 110
ويدل اسمه "الرحيم" على أنه ـ تعالى ـ يرحم خلقه برحمته ويتجاوز عن سيئاتهم مهما بلغت صغرت أم كبرت إذا أتوا بأسباب التوبة وصدقت رغبتهم في طلبها.
وأما اسمه ـ تعالى ـ " الغفور" فمعناه هو الكثير المغفرة وأن المغفرة ستر الذنوب والتجاوز عنها، والعفو عن مغترفيها وصونهم من أن يمسهم العذاب بسببها وإلباسهم العفو عن خطيئاتهم، فالله "غفور" أي كثير الستر لذنوب عباده المؤمنين عظيم التجاوز عنهم.
وقد دلت سورة ـ "الزُمَرْ" على إثبات صفتي الرحمة والمغفرة ـ للرب ﷻ في آيتين منها:
قال تعالى: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
فهاتان الآيتان من السورة تضمنتا إثبات صفتي الرحمة والمغفرة ـ للبارئ جل وعلا ـ وقد أمر الله نبيه في الآية الثانية من هاتين الآيتين أن يبلغ عباده المؤمنين أن لا ييأسوا من مغفرته فإنه ـ سبحانه ـ يغفر الذنوب جميعاً مهما أسرفوا على أنفسهم وأفرطوا ما عدا الإشراك بالله ـ سبحانه ـ فإنه لا يغفره إلا بالتوبة منه بالدخول في دين الله الحق فهو ـ سبحانه ـ ذو مغفرة عظيمة ورحمة واسعة للمقبلين عليه المنيبين إليه، والمنقادين له انقياداً تاماً ظاهراً وباطناً عن طواعية ورضى.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ... ﴾ الآية. اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها قوم من أهل الشرك قالوا: لما دعوا إلى الإيمان بالله كيف نؤمن، وقد أشركنا وقتلنا النفس التي حرم الله والله ـ يعد ـ فاعل ذلك النار فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان فنزلت هذه الآية والذين قالوا: بهذا القول هم عبد الله بن عباس
стр. 111
رضي الله عنهما، ومجاهد١ وعطاء٢ وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وابن زيد٣ والشعبي٤ رحمهم الله تعالى.
وقال آخرون بل عنى بذلك أهل الإسلام وقالوا: تأويل الكلام إن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة وقال: بهذا القول عبد الله بن عمر ﵄ وعلي بن أبي طالب ومحمد بن كعب القرطبي وثوبان مولى رسول الله ﷺ .
وقال آخرون: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء، وهذا قول آخر لعبد الله بن عمر ﵄.
وقال ابن جرير: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى ـ تعالى ـ ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك لأن الله عم بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ جميع المسرفين فلم يخصص به مسرفاً دون مسرف.
فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك وإنما عنى بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ لمن يشاء..... وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥.
فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد التوبة بقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ٦.
стр. 112
فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه إن شاء تفضل عليه فعفا له عنه وإن شاء عدل عليه فجازاه به.
وأما قوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمة الله وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ يقول: إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. أ. هـ١.
وأما العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى فقد قال حول الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة".
وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه٢.
وقد استدل ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ على أنه لا يصح حمل هذه الآية على غير توبة بما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا فأتوا محمداً ﷺ فقال: إن الذي تقول، وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة فنزل ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ٣ ونزل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ ٤.
قال ابن كثير: والمراد من الآية الأولى ـ أي آية الفرقان ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَاباً﴾ ٥.
стр. 113
فابن جرير وابن كثير ـ رحمهما الله تعالى ـ اعتبرا الآية عامة في جميع المسرفين في الذنوب من بني آدم، وأنه ـ تعالى ـ يغفر جميع ذلك مع التوبة النصوح ولا يجوز لعبد أن يقنط نفسه، أو غيره من رحمة الله ـ تعالى ـ ومغفرته اللتين هما من صفات الكمال ولذلك اتصف بهما رب العالمين .
وصفتا الرحمة والمغفرة وردا في كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة:
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢.
قال العلامة ابن القيم: "وصفات الإحسان والجود والبر والمنة والرأفة واللطف أخص باسم "الرحمن" وكرر إيذاناً بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته "فالرحمن" الذي الرحمة وصفه، والرحيم الراحم لعباده ولهذا يقول تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ٣ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
ولم يجيء رحمن بعباده، ولا رحمن بالمؤمنين مع ما في اسم "الرحمن" الذي هو على وزن "فعلان" من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به.
ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضباً وندمان وحيران، وسكران، ولهفان لمن ملئ بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الإسم كثيراً ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٥.
فاستوى على عرشه باسم الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ ٦. فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات فلذلك وسعت رحمته كل شيء.
стр. 114
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع على العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ فهو عنده على العرش"١.
فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ووصفه عنده على العرش وطابق بين ذلك وبين قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٣ ينفتح لك باب عظيم من معرفة ـ الرب ﵎ إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم. أ. هـ٤.
فرحمته ـ تعالى ـ عمت كل شيء في العالم العلوي والسفلي البر والفاجر المؤمن والكافر فلا يخلو مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمته وغمره فضله وإحسانه، ولكن هناك رحمة خاصة ليست لكل أحد، وهي المقصودة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٦.
هذه الآية أمر الله ـ تعالى ـ نبيه محمداً ﷺ بأن يقول للمشركين مقرراً وملزماً بالتوحيد لمن ما في السموات فإن أجابوك وإلا فقل إن الله هو الذي خلق هذا الكون، وهو مالكه ومتصرف فيه كيف يشاء ثم أخبر بأنه كتب على نفسه الرحمة ترغيباً للمتولين عن الإقبال عليه، وإخباراً منه بأنه رحيم بالعباد، قادر على أن يعاجلهم بالعقوبة ولكنه كتب على نفسه الرحمة ووعد بها فضلاً منه، وإحساناً ولم يوجبها عليه أحد، والكتابة تكون شرعية، وتكون كونية فالكتابة الشرعية الأمرية مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ٧.
стр. 115
والكونية والقدرية كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ١.
فالمراد بالكتابة في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كونية قدرية، فقد كتب على نفسه الرحمة تفضلاً منه، وإحساناً من غير أن يوجبها عليه أحد.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٢.
هذه الآية تضمنت إثبات الرحمة والمغفرة للذين يبادرون بالتوبة ويمشون على الصراط المستقيم ـ فسبحان ـ ربنا وسعت رحمته وعلمه كل شيء فما من مسلم ولا كافر إلا وهو يتقلب في نعم الله التي لا تحصى ولا تعد.
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٣.
فسورة الفاتحة التي هي أول سور القرآن دلت على إثبات صفة الرحمة ـ للباري جل وعلا ـ وهي السورة التي اشتملت على أمهات المطالب العالية.
قال العلامة ابن القيم حول تفسيره لهذه السورة العظيمة: "وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة:
أحدها: كونه رب العالمين فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملاً لا يعرّفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وما يضرهم فيها فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب ـ تعالى ـ إلى ما لا يليق به وما قدره حق قدره من نسبه إليه.
الثاني: أخذها من اسم "الله" وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله.
الثالث: من اسمه "الرحمن" فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم "الرحمن" حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما
стр. 116
تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم وأدرك منه أولو الألباب أمراً وراء ذلك"١.
وقد بين الرسول ﷺ أن الله ـ تعالى ـ موصوف بالرحمة والمغفرة.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله ﷺ : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار"؟ قلنا: لا. والله وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله ﷺ : "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" ٢.
ومما جاء عنه ﷺ في شأن ثبوت صفة المغفرة لله ـ جل وعلا ـ الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله ـ تعالى ـ عنه عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه قال: "أذنب عبدي ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي أغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب إعمل ما شئت فقد غفرت لك" ٣.
فهذان الحديثان دلا على أنه ـ تعالى ـ موصوف حقيقة بصفتي الرحمة والمغفرة كما يليق بذاته ـ جل وعلا ـ كما يقال في سائر الصفات: فالله ـ تعالى ـ هو الذي يتطلب منه المغفرة للذنوب، والرحمة للخلق فما دام العباد منيبين إليه قارعين بابه فإنه يتوب عليهم ويرحمهم برحمته التي وسعت كل شيء، والذي يتضح من الآيات والأحاديث المتقدمة التي سقناها أدلة على أن الله ـ تعالى ـ موصوف بصفتي الرحمة والمغفرة أن الرحمة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: رحمة عامة يشترك فيها المسلم والكافر، والبر والفاجر والبهائم وسائر الخلق دل على هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤.
стр. 117
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ ١.
القسم الثاني: قسم خاص بالأنبياء والرسل وعباده المؤمنين دل على هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
والرحمة المضافة إلى الله ـ تعالى ـ نوعان:
النوع الأول: من إضافة المفعول إلى فاعله ومثال هذا النوع الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "احتجت الجنة والنار..... الحديث وفيه: "فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ٤ فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى خالقه، وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرحماء.
النوع الثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى موصوف وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥ ورغم كثرة النصوص في إثبات صفتي الرحمة والمغفرة وثبوتها لله حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه فإنه قد وجد من أنكرها ووجد من أولها تأويلاً باطلاً بغير المراد منها، فالجهمية مذهبهم كما هو معلوم إنكار صفات الله ـ تعالى ـ وأسمائه كلية لا يثبتون له صفة ولا اسماً٦. ووافقهم المعتزلة في نفي صفاته ـ تعالى ـ وأثبتوا له أسماءاً بدون صفات٧. وهاتان الطائفتان متفقتان على نفي صفة الرحمة والمغفرة، فقد زعموا أن الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم وبناءاً على هذه الشبهة الباطلة نفوها كلية ويزعمون أن هذا من التنزيه وهو في
стр. 118
الحقيقة تعطيل وجحد لصفات الله تعالى، ومن مبالغة الجهمية في إنكارهم صفة الرحمة أن قدوتهم الأول في الضلالة "الجهم بن صفوان" كان يقف على الجذامى ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول: "أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعني أنه ليس ثم رحمة في الحقيقة، وأن الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة، ولا حكمة عنده ولا رحمة، فإن الرحمة لا تعقل إلا من فعل من يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعه، والإحسان إليه، فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة لم يفعل الرحمة والإحسان" ١.
فإمام الجهمية في الضلال ينكر رحمة الله وحكمته وعلى ذلك جرى أتباعه أما شبهة الجهمية وأفراخهم المعتزلة التي أدت بهم إلى إنكار صفة الرحمة وهي قولهم: أن الرحمة ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم فهذا زعم باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن الضعف والخور مذموم في الآدميين والرحمة ممدوحة قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ٢، وقد نهى الله عن الوهن والحزن فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وندبهم إلى الرحمة فقد قال ﷺ : "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" ٤ وقال: "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم" ٥ وقال: "الرَّاحمون يرحمهم الرحمن" ٦ ومحال أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك مطلقاً.
الوجه الثاني: أنه لو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن تكون في حق الله ـ تعالى ـ مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه.
الوجه الثالث: إنا نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجوديْن أحدهما يرحم غيره
стр. 119
فيجلب له المنفعة، ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل١.
وأما مذهب الأشعرية: في صفتي الرحمة، والمغفرة فإنهم يؤولونهما بغير المراد منهما، فقد تأولوا صفة الرحمة بمعنى الإحسان أو إرادة الإحسان قال البيجوري٢ و"الرحمن الرحيم" صفتان مأخوذتان من الرحمة بمعنى الإحسان أو إرادة الإحسان لاستحالة ذلك في حقه ـ تعالى ـ فالرحمن الرحيم "في حقه بمعنى المحسن، أو مريد الإحسان لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم أي: بالنعم الجليلة والثاني بمعنى المحسن بدقائق النعم أي: بالنعم الدقيقة" أ. هـ٣.
وذكر صاحب الجوهرة مذهب الأشاعرة في الصفات فقال:
وكل نص أوهم التشبيه ... أوله أو فوض ورم تنزيها٤
وقال الرازي بعد أن ذكر بعض الصفات الفعلية: "إن هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى الله ـ تعالى ـ، ولا يجوز الخوض في تفسيرها"٥.
فمذهب الأشعرية عموماً إثبات بعض الصفات وتأويل الكثير منها بغير المراد منها فتأويلهم صفة الرحمة بمعنى الإحسان، أو إرادة الإحسان مغالطة ظاهرة إذ الحق إثبات صفة الرحمة كما يليق بجلاله ـ تعالى ـ كالقول في سائر الصفات، والرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته استلزام الخاص للعام فكما أنه يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته.
وبعض الأشاعرة تأول صفة الرحمة بمعنى الثواب، ويرد على هذا التأويل البعيد
стр. 120
عن الحق والصواب ـ بأن البارئ سبحانه ـ قد فرق بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل فقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ١.
فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه وهذا يبطل قول من جعل الرحمة والرضوان ثواباً منفصلاً مخلوقاً، وقول من قال: هي إرادته الإحسان فإن إرادته الإحسان من لوازم رحمته فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان وكذلك لفظ اللعنة والغضب، والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة فإذا انتفت حقائق تلك الصفات انتفى لازمها فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن صفتي الرحمة، والمغفرة ثابتتان ـ للباري سبحانه ـ على ما يليق به، والذين نفوهما أو أولوهما بغير المراد منهما ليس معهم ما يؤيدهم على دعواهم أي دليل لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من العقل، أو الفطرة، أو اللغة وإنما الذي حملهم على مزاعمهم الباطلة، إنما هو قياسهم الخالق على المخلوق واتباع الهوى الذي جرهم إلى النفي والتعطيل وتحريف الكلم عن مواضعه نعوذ بالله من شر ذلك.
стр. 121
المبحث التاسع: إثبات صفة الغنى لله تعالى
لقد دلت السورة على إثبات صفة الغنى المطلق ـ للباري جل وعلا ـ في آية واحدة منها، وهي قوله تعالى:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
هذه الآية الكريمة من السورة أثبتت صفة الغنى التام المطلق لله ـ حل وعلا ـ من جميع الوجوه والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته فصفة الغنى لله ثابتة بنص القرآن والسنة، وغناه ـ سبحانه ـ لازم لذاته.
جاء في النهاية في أسماء الله ـ تعالى ـ "الغني" هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يجتاح إليه، وهذا هو الغنى المطلق، ولا يشارك الله ـ تعالى ـ فيه غيره، ومن أسمائه ـ تعالى ـ "المغني" وهو الذي يغني من يشاء من عباده١ أ. هـ.
وجاء في المفردات في غريب القرآن: "الغنى يقال على ضروب":
أحدها: عدم الحاجات وليس ذلك إلا الله ـ تعالى ـ وهو المذكور في قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٣.
стр. 122
الثاني: قلة الحاجات وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ ١.
الثالث: كثرة القنيات بحسب ضروب الناس ومنه قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ٢ أي: لهم غنى النفس، ويحسبهم الجاهل أن لهم القنيات لما يرون فيهم من التعفف والتلطف"أ. هـ٣.
فالذي يستفاد من التعريف اللغوي لاسمه ـ تعالى ـ "الغني" أن الله ـ تعالى ـ متصف بصفة الغنى المطلق من جميع الوجوه فلا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنياً لأن غناه ـ سبحانه ـ من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقاً، قادراً رازقاً، محسناً، فلا يحتاج إلى أحد بحال من الأحوال فهو ـ تعالى ـ الغني الذي بيده خزائن الأرض والسموات، وهو الذي يغني جميع خلقه غنى عاماً وهو الذي يغني خواص خلقه بما يفيض على قلوبهم من حقائق الإيمان ومعرفتهم ربهم معرفة تامة تزيدهم إيماناً ويقيناً، فجميع الخلائق مفتقرة إليه في وجودها فلا وجود لها إلا به، ومفتقرة إليه في قيامها فلا قوام لها إلا به ـ جل وعلا ـ فهو القيوم، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى شيء القيم لغيره فلا قوام لشيء إلا به، والقائم على غيره، المدبر لأمور خلقه، فالله ـ تعالى ـ له الغنى المطلق الكامل، وكل الخلق فقراء إلى الله، وقد وردت آيات كثيرة تبين هذا المعنى وتثبته:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٤ في هذه الآية: "يخبر ـ تعالى ـ بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات وهو ـ تعالى ـ الغني عنهم بالذات ولهذا قال : ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٥ أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه"٦.
стр. 123
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى الله وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ١.
وهاتان الآيتان: أخبر الله ـ تعالى ـ بهما أن الأمم التي مضت حل بهم من النكال والوبال ما لا يقادر قدره بسبب تكذيبهم رسله، والكفر بهم وبما جاؤوا به من الحق المبين، فكأن أفكارهم السيئة أملت لهم أنهم يضرون الله بعملهم ذلك ولم يفكروا بأنه ـ تعالى ـ غني عن إيمان جميع خلقه وعبادتهم فهو ـ سبحانه ـ "غني حميد" غير محتاج إلى العالم ولا إلى عباداتهم وهو المحمود ـ سبحانه ـ من جميع الخلائق بلسان المقال والحال وهو ـ سبحانه ـ لا تضره معصية العاصين، ولا تزيده طاعة الطائعين وقال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ الله لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢ ففي هذه الآية: بيان من الله ـ تعالى ـ أن كل ما في السموات وما في الأرض من الأشياء ملك له، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه عبد لديه ـ فسبحانه ـ من غني كريم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ٣.
قال ابن جرير حول هذه الآية: "قل يا محمد لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان، أشيئاً غير الله ـ تعالى ـ أتخذ ولياً أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث"٤ أ. هـ.
فالله ـ جل وعلا ـ هو الذي يحتاج إليه الخلائق ويلجئون إليه لينصرهم ويعينهم على ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم لأنهم عاجزون فقراء إلى الله ـ تعالى ـ لا يستطيعون تحقيق مصالحهم إلا بعونه ـ تعالى ـ لهم ونصره إياهم.
стр. 124
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١.
هذه الآية: بين الله ـ تعالى ـ فيها أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليوحدوه ـ سبحانه ـ ويفردوه بالعبادة لأنه لخالق لهم، والموجد لهم من العدم وهو الذي حباهم بأصناف النعم ثم بين ـ تعالى ـ في الآية الثانية أنه مستغن عن عباده وأنه لا يريد منهم منفعة كما تريد السادة من مواليهم بل هو الغني على الإطلاق الرازق المعطي .
وقد أنكر الله على اليهود حين نسبوا الفقر إلى الله ونسبوا الغنى إلى أنفسهم الحقيرة العاجزة التي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً وحكم بكفرهم، لأنهم نفوا صفة الغنى عن الرب الذي خزائنه لا تنفد فقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٢.
ـ فتعالى الله الكريم ـ عن مقالة اليهود وأشباههم علواً كبيراً، ورد الله عليهم في موضع آخر حين زعموا أن يد الله مغلولة فرد عليهم بأن يديه مبسوطتان، سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة، ولعنهم على مقالتهم الجائرة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ٣.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٤.
كما أنه ـ تعالى ـ رد على المنافقين حين تآمروا فيما بينهم على أن لا ينفقوا على الصحابة الملتفين حول رسول الله ﷺ كي يتفرقوا من حوله ويتركوه وحيداً ولم يدركوا أن الصحابة الذين كانوا حول رسول الله ﷺ مهما نزلت بهم النكبات والكوارث فإنهم لا يتزعزعون لأن إيمانهم راسخ لا يتزحزح كالجبال الرواسي، ورد الله على المنافقين بأنهم لا يملكون شيئاً وأن خزائن السموات والأرض بيده ـ سبحانه ـ.
стр. 125
قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً﴾ ٢
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها فيها الإخبار منه ـ تعالى ـ بكمال غناه عن خلقه وأنه لا يزيد في غناه طاعة من أطاعه ولا ينقص من غناه معصية من عصاه.
وبينت أنه ـ سبحانه ـ لم يخلق الخلق لحاجته إليهم، وأنه لو شاء لذهب بهم وأتى بغيرهم، وأخبر ـ تعالى ـ بأنهم فقراء إليه لا غنى لهم عنه في نفس من أنفاسهم وكلهم يعلم ذلك، مقرين به، وأنهم لم يكونوا موجودين حتى أوجدهم وليس لهم قدرة من أنفسهم ولا غيرها إلا بما أقدرهم الله عليه فإنه ـ سبحانه ـ الغني الفعال لما يريد، كما أن تلك الآيات تتضمن الرد على القائلين أن علة افتقار الخلائق إليه ـ سبحانه ـ إنما هو الحدوث فلا تحتاج إليه ـ سبحانه ـ إلا في حال الإحداث.
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ في صدر رده على الجهمية والمعتزلة القائلين بأن علة افتقار الخلائق إلى ربها إنما هو الحدوث فلا تحتاج إليه ـ سبحانه ـ إلا في حال الإحداث، وفي رده على ابن سيناء وطائفة الذين يقولون بأن علة افتقار الخلائق إلى ربها إنما هو الإمكان الذي يظن أنه يكون بلا حدوث، بل يكون المعلول قديماً أزلياً، ويمكن افتقارها في حال البقاء بلا حدوث. فقد بين ﵀ بطلان هذين القولين: وقرر بأن الإمكان والحدوث متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وحتى القدماء من الفلاسفة كأرسطو وأتباعه فإنهم يقولون: إن كل ممكن فهو محدث، ولم يخالف في هذا إلا ابن سيناء وطائفة، ولذلك إخوانهم من الفلاسفة أنكروا عليهم رأيهم كابن رشد٣ وغيره ... إلى أن قال ﵀ والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق فالفقر
стр. 126
وصف لازم لها دائماً لا تزال مفتقرة إليه، والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار لأن هذين الوصفين جعلا الشيء مفتقراً، بل فقر الأشياء إلى خالقها لازم لها لا يحتاج إلى علة، كما أن غنى الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة، وكذلك المخلوق لا يفتقر في اتصافه بالفقر إلى علة بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة فقراً لازماً لها ولا يستغني إلا بالله. وهذا معنى "الصمد" وهو الذي يفتقر إليه كل شيء ويستغنى عن كل شيء بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِياك نَسْتَعِينُ﴾ ١.
وقال العلامة ابن القيم رحمة الله ـ تعالى ـ عليه بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢.
بين ـ سبحانه ـ في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي له فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته، لا أمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى الرب ـ سبحانه ـ لذاته لا لأمر أوجب غناه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... ًكما أن الغنى أبداً وصف له ذاتي
فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك إذا ما بالذات لا يعلل فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته وما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسباب له ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب ـ سبحانه ـ غير القولين اللذين تذكرهما الفلاسفة والمتكلمون، فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان، والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث. والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان وكلاهما دليل الحاجة والافتقار وفقر العالم إلى الله ـ سبحانه ـ أمر ذاتي لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر، والمقصود أنه ـ سبحانه ـ أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه ـ سبحانه ـ كما أخبر عن ذاته
стр. 127
المقدسة، وحقيقته أنه غني حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيراً، ويستحيل أن يكون الرب ـ سبحانه ـ إلا غنياً كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبداً ويستحيل أن يكون الرب إلا رباً" أ. هـ١.
وأما الأحاديث الدالة على أن الله متصف بصفة الغنى فكثيرة جداً.
منها: حديث أبي ذر رضي الله ـ تعالى ـ عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ـ ربه ـ قال تعالى: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"٢.ومنها حديث: عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر ﷺ وحمد الله ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم" ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ... لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله
стр. 128
لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين" رواه أبو داود وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد١.
والذي نخلص إليه مما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الله ـ تعالى ـ متصف بصفة الغنى المطلق، فلا يحتاج إلى شيء وأن جميع الخلائق محتاجون إليه وفقراء إليه في كل أمر من أمورهم، فلا قوام لهم إلا به ـ تعالى ـ في كل حركاتهم وسكناتهم وفي كل لحظة من لحظاتهم، وفي كل نفس من أنفاسهم فلا غنى لهم عنه طرفة عين.
стр. 129
المبحث العاشر: إثبات صفة الرضا
لقد أثبتت السورة صفة الرضا لله ـ جل وعلا ـ على ما يليق به ـ سبحانه ـ وهي صفة فعلية يفعلها متى شاء وكيف شاء.
قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ... ﴾ الآية.
هذه الآية من السورة إخبار من الله ـ تعالى ـ بأنه لا يرضى لعباده أن يكفروا به ولا يرضى لهم أن يشركوا به غيره، وإنما الذي يرضاه لهم أن يؤمنوا به ـ سبحانه ـ ويطيعوه ويكونوا بمنآى عن الكفر وأهله، وكون الكفر لا يخرج عن المشيئة العامة فليس ذلك مبرراً لكفر الكافر، ومعصية العاصي لأنه ـ تعالى ـ يخلق ما يحب وما يكره من الأعيان والأفعال وكل ما في الكون داخل تحت مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
قال العلامة ابن القيم حول الآية ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الآية "فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوب له مرضي، والآخر مبغوض له مسخوط، وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ١.
فهو مكروه له مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره" أ. هـ٢.
وصفة الرضا كثر ذكرها في الكتاب والسنة مما يدل على ثبوتها ثبوتاً قطعياً للباري ـ سبحانه ـ على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه كغيرها من الصفات الأخرى كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات الثابتة التي نطق بها الكتاب والسنة.
стр. 130
قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١.
ففي هذه الآية إخبار من الله ـ تعالى ـ بأنه يرضى عن عباده المؤمنين ويرضون عنه وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٤.
فأخبر ـ تعالى ـ في هذه الآية بأنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المشتمل على شهادة الزور والبهت ورمي البريء وبراءة الجاني إذ الآية نزلت في حادثة هذا شأنها٥.
مع أن كل ذلك واقع بمشيئته ـ سبحانه ـ إذ أجمع المسلمون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يخالفهم في هذا إلا القدرية النفاة الذي يقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.
فالآيات السابقة دلت دلالة صريحة على إثبات الرضا ـ لله جل وعلا ـ إثباتاً يليق بجلاله فإذا نفاها نافٍ أو تأولها متأول بغير المراد منها فمعنى ذلك أنه يدعي أنه أعلم بصفات الله من الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فلا يجوز نفي أي صفة من صفاته ـ تعالى ـ أو تأوليها بغير ما يدل عليه ظاهرها كأن تؤول صفة الرضا بإرادة الثواب، وصفة الغضب بإرادة العقاب إذ هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، واعتراض على الله فيما أثبته لنفسه، كما لا يجوز أن يقال: إن رضاه ـ تعالى ـ كرضا المخلوقين كما هو مذهب الكرامية المشبهة إذ الفرق بين رضا الخالق، ورضا المخلوق كالفرق بين الذات والذات، ذات الخالق، وذات المخلوق فكما أنه لا تشابه بين ذات الخالق وذات المخلوق، فكذلك لا
стр. 131
تشابه بين صفة الخالق، وصفة المخلوق لأن ما وصف الله به نفسه لائق بجلاله، وما وصف به المخلوق، يناسب حاله وافتقاره.
وقد دلت السنة على إثبات صفة الرضا كما دل عليها القرآن الكريم فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: "إن الله يقول يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"١.
فالحديث دل على أن رضى الله أعظم، وأجل من كل نعيم، كما دل دلالة واضحة على إثبات صفة الرضا والسخط إثباتاً يليق بجلاله.
ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: ويكره لكم ثلاثاً فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم ثلاثاً قيل وقال٢ وكثرة السؤال٣ وإضاعة المال" ٤.
فالحديث دل على أنه ـ تعالى ـ يرضى ويكره وهاتان الصفتان صفتا كمال ولو كان في إثبات هاتين الصفتين وغيرهما محذور لأشار إلى ذلك النبي ﷺ وبينه ووضحه للأمة، فهو ـ سبحانه ـ يرضى رضاءاً يليق بجلاله، ويكره بعض الأعمال كراهة تليق به، ولا داعي لأن نتأول الحديث بتأويلات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. كتأويل الرضا، والسخط والكراهة من الله ـ تعالى ـ بأن المراد بها أمره ونهيه وثوابه وعقابه، أو إرادته الثواب لبعض العباد والعقاب لبعضهم٥ إذ هذه التأويلات من تصرف بعض الطوائف كالأشعرية الكلابية الذين يتكلفون تأويلات لم يكلفهم الله بها، بل هي تأويلات باطلة ناتجة عن التصرف
стр. 132
الخاطىء إزاء صفات الله ـ تعالى ـ التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ بدون تعطيل ولا تأويل، كما أن الحديث تضمن الرد على القدرية الجبرية الذين يزعمون أن كل ما في الكون محبوب لله حتى المعاصي ـ تعالى عن ذلك وتقدس ـ فقد بين الحديث أنه ـ سبحانه ـ يكره القيل والقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال.
ومن حديث أنس ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحاً يدعو على رعل١ وذكوان٢ وعصية٣ عصت الله ورسوله قال أنس: "أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه" ٤.
ففي الحديث دلالة صريحة واضحة على إثبات صفة الرضا ـ للرب جل وعلا ـ حيث أكرم الله تلك الفئة المؤمنة من شهداء بئر معونة برضاه الذي هو أعظم من كل نعيم ورضوا بما أكرمهم الله ـ تعالى ـ به من دخول الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومما ينبغي أن يعلم أن السلف الصالح كانوا يطلقون الصفات الخبرية على الله بدون توقف، ولكن الأمر انعكس اليوم فأصبح كثير من أتباع العقيدة الأشعرية الكلابية يتوقفون من إطلاق الكثير من الصفات الخبرية على الله ـ تعالى ـ إلا بنية تأويلها وتفسيرها بلازمها.
فمذهب السلف الصالح الذي هو الطريق السوي هو التسليم بما جاء في الكتاب والسنة، ولا يتجاوزونهما فالله يرضى ويغضب ويحب ويفرح كما أخبر بذلك عن نفسه وأخبر رسوله ﷺ .
وأما احتجاج أبي علي الجبائي المعتزلي بالآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ على أن العبد يخلق أفعاله، وقال: لو أن الله خلق الكفر لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه ولو كان
стр. 133
الكفر بقضاء الله ـ تعالى ـ لوجب على الخلق أن يرضوا بذلك لأن الرضا بقضاء الله واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله، وليس أيضاً برضاء الله١.
وهذا الزعم يرد عليه من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
يقال له: اختلف أهل التفسير في هذه الآية على قولين:
١ـ ذهب حبر الأمة عبد الله بن عباس والسدي٢ إلى أن معنى قوله ـ تعالى ـ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ خاص بعباده المؤمنين الذين أخلصهم لعبادته وطاعته.
٢ـ وذهب آخرون إلى أن ذلك عام لجميع الناس وعلى هذا يكون المعنى أيها الناس إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لكم أن تكفروا به٣.
الوجه الثاني:
يقال له: إن زعمك أن الرضا بالقضاء واجب ففيه تفصيل عند العلماء حيث أن أقسام الرضا ثلاثة:
الرضا بالله، والرضا عن الله، والرضا بقضاء الله.
فالرضا بالله فرض، والرضا عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرفها فلم يطالب به العموم لعجزهم عنه ومشقتهم عنه، وأوجبه بعضهم وأما الرضا بكل مقتضى فلا يجب بل المقتضى ينقسم إلى ما يجب الرضا به وهو الديني الشرعي، ومقتضى كونه قدري، فإن كان فقراً أو مرضاً ونحو ذلك استحب الرضاء به ولم يجب، وأوجبه بعضهم وإن كان كفراً، أو معصية حرم الرضاء به، فإن الرضاء به مخالفة لله ـ تعالى ـ فإنه ـ سبحان ـ لا يرضى لعباده الكفر، وأما القضاء الذي هو صفة الله وفعله فالرضا به واجب" أ. هـ٤.
стр. 134
الوجه الثالث:
يقال له: إن الإرادة في كتاب الله نوعان:
١ـ إرادة قدرية كونية.
٢ـ إرادة شرعية دينية.
فالشرعية المتضمنة للمحبة والرضا، والقدرية الكونية هي: الشاملة لجميع الموجودات فما شاءه ـ سبحانه ـ كان وما لم يشأه لم يكن مثال الإرادة القدرية الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ١. وقوله تعالى حكاية عن نبيه هود ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٢. فهذه الإرادة تعلقت بالإضلال والإغواء. ومثال الإرادة الشرعية الدينية الأمرية قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.
فالأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية٥.
فالله تعالى أمر الكافر بالإيمان وأراده منه شرعاً وديناً، ولم يرده منه كوناً وقدراً ولو أراده كوناً لحصل ذلك، لأن الإرادة الكونية القدرية لا يتخلف عنها المراد بخلاف الإرادة الشرعية قد يتخلف المراد بها.
ولو اعترض المعتزلة وقالوا: ما الفائدة من أمر الله بالشيء وهو لا يريد وقوعه؟ يجاب بأن الفائدة في ذلك ابتلاء الخلق وليتميز المطيع من غيره ولذلك أمر الله خليله إبراهيم عليه
стр. 135
السلام بذبح ولده مع أنه ـ تعالى ـ لم يرد وقوع ذبحه كوناً وقدراً، وقد أبان الله ـ تعالى ـ أن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم ﵇ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ ١. وبهذا يبطل قول القدرية المعتزلة أنه لا يكون أمراً إلا بإرادة وقوعه، وقولهم هذا الفاسد هو الذي جرهم إلى القول بأن معصية العاصي ليست بمشيئة الله ـ تعالى ـ لأنه أمر بتركها ولم يرد إلا التزام الذي أمر به لأن الأمر لا يكون أمراً إلا بالإرادة فيترتب على قولهم نسبة العجز إلى الله واستقلال العبد بالفعل دون الله ـ تعالى ـ والله منزه عن قولهم تنزيهاً يليق بجلاله٢.
قال الطحاوي رحمه الله تعالى: "ولا يفعل إلا ما يريد".
قال الشارح حول هذه العبارة: "هذا رد لقول القدرية المعتزلة فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح.... إلى أن قال: وأما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة فيقولون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" أ. هـ٣.
والحاصل مما تقدم في هذا المبحث أن صفة الرضا من الصفات التي أثبتها الله لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله (في سنته المطهرة، وأثبتها له سلف هذه الأمة حيث آمنوا بما جاء به الكتاب والسنة، ولم يتجاوزوهما إلى غيرهما إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل، أما الذين يفرقون بين صفات الله ويؤولون صفة الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة بالإرادة فهذا من تصرفات البشر الخاطئة التي مضمونها التفريق بين ما ورد به السمع. ولو قيل لهم: لم نفيتم صفة الرضا والمحبة والغضب وأثبتم الإرادة؟ لقالوا: إن إثباتها فيه تشبيه للخالق بالمخلوق لأن الغضب غليان دم القلب لقصد الإنتقام، والرحمة رقة تلحق المخلوق والرب منزه عن ذلك.
стр. 136
والرد على هذا يقال لهم: وكذلك الإرادة: ميل الإنسان إلى ما ينفعه ودفع ما يضره، والله منزه عن ذلك، فيضطرون إلى القول بأن للإنسان إرادة تليق به، وللرب إرادة تليق به، ومن خلال قولهم هذا يلزمهم أن يقولوا كذلك: في بقية الصفات من الرضا والمحبة والرحمة والغضب والكراهة، وإن لم يقولوا بهذا فإنهم وقعوا في التفريق بين صفات الله ـ تعالى ـ وليس في العقل ولا في السمع ما يدل على التفريق فلا يحل أن يثبت له بعض الصفات ـ سبحانه ـ وينفي عنه البعض١ الآخر مما أثبته لنفسه.
стр. 137
المبحث الحادي عشر: إثبات صفة العلم
لقد دلت السورة على إثبات صفة العلم لله في ثلاث آيات منها: قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
فالآية الأولى من هذه الآيات الثلاث تضمنت اسمه ـ تعالى ـ "العليم" الدال على صفة العلم لله ـ تعالى ـ التي بها يدرك جميع المعلومات على ما هي عليه، فلا يخفى عليه شيء فقد بين الله ـ تعالى ـ بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أنه لا يخفى عليه ما أضمرته صدور عباده مما لا تدركه أعينهم فكيف بما تدركه العيون وتراه الأبصار.
وأما الآية الثانية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ففيها الأمر للنبي ﵌ بأن يقول للناس إن الله خالق السموات والأرض، وأنه يعلم الغيب الذي لا تراه الأبصار، ولا تحسه العيون، كما يعلم الشهادة الذي تشهده أبصار الخلق وتراه عيونهم.
وأما الآية الثالثة: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ فقد أخبر الله ـ تعالى ـ فيها أنه أعلم بما يفعله العباد في الدنيا من الطاعات أو المعاصي، ولا يعزب عنه علم شيء من ذلك وسيجازيهم على ذلك يوم القيامة فيثيب المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء على إساءته.
فالآيات الثلاث المتقدمة دلت على أنه ـ تعالى ـ عالم بعلم، وأن علمه محيط
стр. 138
بكل الأشياء الشاهدة والغائبة من الكليات والجزئيات وعلمه ـ تعالى ـ من صفاته الذاتية وهو أزلي بأزليته فقد علم ـ تعالى ـ في الأزل جميع ما هو خالق، كما علم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، وعلم ـ تعالى ـ عدد أنفاسهم، ولحظاتهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع؟ ومتى تقع؟ كل ذلك بعلمه وبمرأى منه ومسمع لا يخفى عليه منهم خافية سواء في علمه الغيب والشهادة والسر والجهر، والجليل والحقير، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فله ـ تعالى ـ العلم المطلق بجميع الأشياء جملة وتفصيلاً، وقد جاءت في كتاب الله ـ تعالى ـ آيات كثيرة دلت على شمول علم الله وإحاطته بما لا تبلغه علوم خلقه.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
فهذه الآية بينت بأنه ـ تعالى ـ يعلم ما يدخل في الأرض من الحب والبذور والمياه والحشرات والمعادن، وما يخرج منها من الزرع والأشجار والعيون الجارية والمعادن النافعة، ويعلم كذلك ما ينزل من السماء من الثلوج والأمطار والصواعق والملائكة كما يعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال والطير الصواف إلى غير ذلك مما يعلمه العليم ـ جل شأنه ـ.
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وهذه الآية أخبر ـ تعالى ـ فيها بأن عنده مفاتح الغيب وأنه لا يعلمها إلا هو ومفاتح الغيب:
قيل: خزائنه، وقيل: "طرقه وأسبابه التي يتوصل بها إليه وهي جمع مفتح بكسر الميم، أو مفتاح بحذف ياء مفاعيل"٣.
стр. 139
وقد فسرها النبي ﷺ بقوله: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
فالآية الأولى: وهي قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ الآية دلت على أنه ـ تعالى ـ لا يخفى عليه شيء في هذا الكون ودلت على وصول علمه إلى كل ما خفي ودق من الحسيات والمعنويات حيث بينت أنه ـ تعالى ـ يعلم سقوط الورقة من الشجرة وكم من أشجار على الأرض؟ وكم في كل شجرة من الورق؟ فما من شجرة أو ورقة إلا وهي في الكتاب المبين.
كما أوضحت أنه يعلم الرطب واليابس فدلت على إحاطة علم الله ـ تعالى ـ بهذا الكون إذ الكون إما رطب أو يابس ـ فسبحان ـ من هو عالم الغيب والشهادة.
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٣.
وهاتان الآيتان أيضاً: فيهما الإخبار بإحاطة علم الله بحمل كل أنثى ووضعها متى تضع وكيف تضع كما أخبر بعموم قدرته وتعلقها بكل شيء وأن علمه محيط بجميع الكائنات.
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٥.
стр. 140
وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١.
والآيات الواردة في كتاب الله الدالة على أن الله ـ تعالى ـ متصف بصفة العلم مما لا يكاد أن يحصى إلا بكلفة لكثرتها، وكلها ترد مذهب المعتزلة الذين نفوا صفاته ـ سبحانه ـ كلها ومنها صفة العلم فمنهم من زعم أنه ـ تعالى ـ عالم بذاته وقادر بذاته.
ومنهم: من عمد إلى تفسير أسمائه ـ سبحانه ـ بالمعاني السلسة.
فقال: عليم معناه: لا يجهل، وقادر معناه: لا يعجز.........الخ٢.
ولقد رد الإمام "عبد العزيز المكي"٣ في كتابه "الحيدة" على٤ بشر بن غياث المرِّيسي المعتزلي وهو يناظره في مسألة العلم "إن الله لم يمدح في كتابه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا مؤمناً تقياً بنفي الجهل عنه ليدل على إثبات العلم له، وإنما مدحهم بإثبات العلم لهم فنفى بذلك الجهل عنهم، فمن أثبت العلم نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم" أ. هـ٥.
ولقد ذكر عبد الجبار بن أحمد: اختلاف إخوانه المعتزلة في صفة العلم وبين أنها ثلاثة أقوال: وأطال الكلام والمناقشة حولها ونحن نذكرها هنا باختصار.
الأول: إن الله عالم بعلم هو ذاته وإليه ذهب أبو علي الجبائي.
الثاني: إن الله عالم لذاته وبه قال أبو الهذيل العلاف.
стр. 141
الثالث: إن الله عالم لما هو عليه في ذاته وهو مذهب أبي هاشم من المعتزلة١.
وأما الفلاسفة: الذين يلقبون بالحكماء فقد أنكروا علمه تعالى بالجزئيات وزعموا أنه ـ تعالى ـ يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت٢ وحقيقة هذا القول أنه ـ تعالى ـ لا يعلم شيئاً إذ كل ما في الخارج هو جزئي والأحرى أنهم يلقبون بالجهلاء لا بالحكماء ومذهبهم ظاهر الفساد لبعده عن ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في أنه ـ تعالى ـ قد أحاط علمه بالكليات والجزئيات ولا يخفى عليه شيء.
قال السفاريني٣ ـ رحمه الله تعالى ـ "يجب الجزم بأنه ـ تعالى ـ عالم بعلم واحد وجودي قديم باقٍ ذاتي تنكشف به المعلومات عند تعلقه بها، وإنما قلنا: بأن علمه ذاتي كسائر صفاته ـ تعالى ـ للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غاياتها والرد على المعتزلة القائلين بأنه يعلم بالذات لا بصفة زائدة عليها، والدليل على أن صفاته زائدة على ذاته ورود النصوص بأنه ـ تعالى ـ عال، وحي وقادر ونحوها، وكونه عالماً يعلل بقيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب وقس عليه سائر الصفات"٤ أ. هـ.
وأما الغلاة من القدرية: "فقد أنكروا علمه ـ تعالى ـ بأفعال خلقه حتى يعملوها"٥. توهماً منهم أن علمه ـ تعالى ـ بأفعال خلقه يفضي إلى الجبر وقولهم هذا معلوم البطلان بالضرورة في جميع الأديان، قال العلامة ابن القيم في ذكره لمراتب القدر: "فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة" أ. هـ٦.
стр. 142
وقد دلت السنة والعقل على أن صفة العلم من الصفات الذاتية الثابتة لله .
فقد روى البخاري: في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب..... الحديث١.
وقال ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٢.
"ومعنى الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا" أ. هـ٣.
والأحاديث الواردة في إثبات صفة العلم كثيرة جداً لو تتبعت وجمعت لتكون منها مصنف كبير.
وأما الدليل العقلي على علمه ـ تعالى ـ فمن وجوه:
أولاً: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بغير علم سابق قال ـ جل شأنه ـ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤. ثانياً: إن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ما يشهد بعلم الفاعل لها لامتناع صدور ذلك عن غير علم.
ثالثاً: إن في المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، فلو لم يكن الله عالماً لكان في المخلوقات من هو أكمل منه، وكل علم في المخلوق إنما استفاده من خالقه وواهب الكمال أحق به، وفاقد الشيء لا يعطيه٥.
стр. 143
وما قدمناه من الآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية والأدلة العقلية كلها نصوص قطعية صريحة في إثبات صفة العلم لله ـ تعالى ـ وكلها تشهد ببطلان مذاهب أهل الأهواء في صفة العلم من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة الذين ينفون هذه الصفة وغيرها من صفات الله ـ جل وعلا ـ وهي أي: ـ تلك الأدلة ـ صفعة على رؤوس الجهمية الذين يجحدون علم الله السابق بخلقه، ويزعمون أن علمه بأفعال عباده قبل كونها يفضي إلى الجبر وهذا من علامة زيغ القلوب والعياذ بالله؛ إذ العلم صفة كاشفة تكشف الأشياء على ما هي عليه ـ فالباري سبحانه ـ يعلم أزلاً ما يكون من عبده المختار من السعادة والشقاوة وما يحصل له من الغنى والفقر، ومن ناحية تحديد عمره وانقضاء أجله ثم كتب ما يعلمه في اللوح المحفوظ فهو كتب ـ سبحانه ـ لا ليجبر أحداً من عباده على حسب ما كتب بل كتب ـ سبحانه ـ لأنه علم في الأزل ما يكون من العبد بمحض اختياره وإرادته، فعلمه ـ تعالى ـ صفة انكشاف للماضي والحاضر والمستقبل وهو معنى قول أهل العلم عَلِمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون.
стр. 144
المبحث الثاني عشر: بيان معنى اسمه تعالى "الوكيل "
لقد دلت السورة على أن من أسمائه ـ تعالى ـ "الوكيل".
قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
جاء في النهاية: "في أسماء الله ـ تعالى ـ "الوكيل" هو القيم الكفيل بأرزاق العباد. وحقيقته أنه يستقل بأمر الموكول إليه، وقد تكرر ذكر "التوكل" في الحديث يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه ووكل فلان فلاناً إذا استكفأه أمره ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه"١.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "وكل" التوكيل: أن تعتمد على غيرك وتجعله نائباً عنك والوكيل "فعيل" بمعنى المفعول قال تعالى ﴿وَكَفَى بِالله وَكِيلاً﴾ ٢ أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك وعلى هذا ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٤ أي: بموكل وحافظ لهم كقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٥ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ٦ أي من يتوكل عنهم والتوكل يقال على وجهين:
стр. 145
يقال: توكلت لفلان بمعنى توليت له، ويقال: وكلته فتوكل لي، أو توكلت عليه بمعنى اعتمدته قال : ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١.... إلى أن قال: وربما فسر الوكيل بالكفيل والوكيل أعم لأن كل كفيل وكيل وليس كل وكيل كفيل" أ. هـ٢.
وجاء في القاموس: وكل بالله يكل وأوكل واتكل استسلم إليه ووكل إليه الأمر وكلاً ووكولاً سلمه وتركه أ. هـ٣.
والذي نستفيد من هذه التعاريف اللغوية لاسم الله ـ تعالى ـ: "الوكيل" أنه من تُوْكَلُ إلى علمه وقدرته وحكمته أمور الخلق وشئونهم التي يعجزون عن القيام بها بأنفسهم على الرغم بما قد منحوا به من قوى محدودة الأثر، فالله ـ تعالى ـ يتوكل لهم بها ويتولاها وقد وكل ـ سبحانه ـ إلى نفسه أمر الخلق فخلق السموات والأرض ما بينهما بالحق وتكفل بذلك فأوجده على أبدع نظام وأحسن إتقان، وتكفل بما يحتاجه خلقه من المصالح التي لا طاقة لهم بالعيش إلا بوجودها وقد سبقت إرادته ـ سبحانه ـ بأنه يخلق على هذه الأرض كائنات حية لا تعيش إلا بالماء والهواء فتوكل لها من قبل أن يخلقها، بالهواء والماء كما أنه ـ سبحانه ـ توكل بجعل أجهزة محكمة للأجسام الحية وجعل كل جهاز يؤدي وظيفة خاصة ليحفظ بذلك حياة الإنسان، وتوكل ـ سبحانه ـ بالرزق للأحياء جميعاً من العاقل وغير العاقل، من المؤمن والكافر كما توكل بحفظ حياتهم ولو وكلهم إلى أنفسهم طرفة عين لهلكوا ولقد يغفل الناس عن هذه الحقيقة ويسيرون في هذه الحياة والغفلة تغشاهم حتى إذا ما نزل بهم الضر استيقظوا من غفلتهم تلك ورجعوا إلى ربهم "الوكيل" يكلون إلى قدرته ورحمته وحكمته ما عجزوا عنه من دفع البلاء عن أنفسهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
وما الدعاء المذكور، والمنوه عنه في هذه الآية إلا ثمرة اليقين بأن لهم رباً قادراً رحيماً يكلون إليه كل ما عجزوا عن تدبيره بأنفسهم ويتوكلون عليه فيما أعجزهم أمره وأعيتهم الحيلة فيه، والإنسان مهما أوتي من القوة والعقل والذكاء والفطنة، فإنه عاجز عن