← Акыда

Акыда · id 12059

مباحث العقيدة في سورة الزمر

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (696 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد أشار إلى هذه الأنواع العلامة ابن القيم حيث قال: والحكمة العليا على نوعين ... أيضاً حصلا بقواطع البرهان إحداهما في خلقه سبحانه ... نوعان أيضاً ليس يفترقان إحكام هذا الخلق إذ إيجاده ... في غاية الإحكام والإتقان وصدوره من أجل غايات له ... وله عليها حمد كل لسان والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ... أيضاً وفيها ذلك الوصفان غاياتها اللاّتي حمدن وكونها ... في غاية الإتقان والإحسان١ وأوجد كل شيء على أدق نظام، وأحكم إتقان، خلق فسوى وقدر فهدى، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلقه من تفاوت ولا فطور زين السماء الدنيا بمصابيح وجعلها رجوماً للشياطين وأنبت من الأرض نباتاً يسقى بماء واحد، ويحيط به جو واحد، وتحتضنه تربة واحدة، ولكن منه الحلو اللذيذ السائغ والمر الكريه الذي تتقزز منه النفوس، خلق من الماء كل شيء حي. ونوع الأحياء المتفقة في أصلها أنواعاً لا يدركها حصر ولا يحصيها عد، وفي كل شيء في السماء والأرض آية بينة شاهدة على إتقانه ـ سبحانه ـ لما صنع ويكفينا آية أنه خلق هذا الإنسان الذي ألهمه اختراع الكثير من الآيات والأجهزة الدقيقة، وغير ذلك من الأمور المخترعة ـ فسبحان ربنا ـ إنه هو الحكيم العليم. وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" بمعنى ذي الحكمة الذي بعلمه وحكمته يضع الأشياء في مواضعها فقد وضع ـ الحكيم العليم سبحانه ـ كل شيء في الموضع الذي لا يصلح إلا له، ولا يليق إلا به، ولو اجتمع علماء الدنيا بأسرها على اختلاف تخصصهم في العلوم على أن يضعوا شيئاً مما وضعه أحكم الحاكمين في مكان خير من مكانه لضل سعيهم وباؤوا بالخسران في مسعاهم، فليفكر الإنسان في كل أعضائه فهل يجد لعضو من أعضائه مكاناً خيراً من المكان الذي وضعه فيه أحسن الخالقين؟. كما عليه أن يفكر في أن الله وضع للحيوان الذي يعيش في البحر أعضاء توائم حياته في الماء ووضع لحيوان البر ما يناسبه ولطير الهواء ما يلزمه، ولحشرات الأرض ما به تتم

стр. 72

حياتها، وليس المقصود هنا حصر مظاهر حكمة الله فيما خلق من المخلوقات، وإنما نقصد بهذا أن نلفت نظر القائلين بأن الله لم يخلق الخلق لحكمة ـ تعالى الله ـ عن ذلك علواً كبيراً، ومن أراد الإطلاع بتوسع على مظاهر حكمة الله في خلقه "فليقلب" كتاب مفتاح دار "السعادة" لابن القيم فإنه جمع فيه من مظاهر حكمة الله في خلقه ما لا يتسع له هذا المقام. وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" من حكم على الشيء بأنه كذا، أو ليس كذا، فإنه لا يستطيع أحد أن يحكم على الأشياء بخواصها ومميزاتها، ومنافعها، ومضارها إلا الله ـ تعالى ـ لأنه ـ وحده العليم ـ بظواهر الأشياء وبواطنها ومزاياها ومثالبها لأنه خالقها، والعليم بأسرارها، الخبير بخفاياها فحكمه ـ تعالى ـ عليها أصدق الحكم قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١. فصفة الحكمة أثبتها الله ـ تعالى ـ لنفسه في أكثر من ثمانين موضعاً في كتابه الدال عليها اسمه ـ تعالى ـ الحكيم وهي كما قدمنا قريباً قائمة به كسائر صفاته الأخرى وهذا ما يجب اعتقاده في هذه الصفة. قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. قال العلامة ابن كثير: أي: "العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء، ومنعك ما تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام"٣. وقال تعالى مثبتاً لنفسه صفة الحكمة المقرونة بصفة العزة: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ ٥.

стр. 73

وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. ففي هذه الآية شهد ـ تعالى ـ لنفسه بالألوهية والوحدانية، ثم بين بأنه موصوف بالعزة والحكمة. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٣. وفي هاتين الآيتين أخبر ـ تعالى ـ عن نفسه بأنه موصوف بصفة الحكمة والعلم. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤. وفي هذه الآية الكريمة وصف الله نفسه بأنه العلي على جميع خلقه الحكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه. والآيات الواردة في إثبات صفة الحكمة كثيرة فهو ـ سبحانه ـ حكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه وشرعه، وقدره، وأهل السنة مجمعون على أنه ـ تعالى ـ موصوف بالحكمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: " أجمع المسلمون على أن الله ـ تعالى ـ موصوف بالحكمة، ولكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكن كل مريد حكيماً، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة

стр. 74

والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة١ فقط بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية وإنما تنازع في ذلك طائفة من نفاة القدر وغير نفاته، وكذلك ما في خلقه من المنافع والحكم والمصالح لعباده معلوم" أ. هـ ٢. وقد أنكر ـ سبحانه ـ على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤. هاتان الآيتان: دلتا على أن التسوية بين المختلفين حكم سيء ينزه ـ الباري جل وعلا ـ عنه ولم ينكره ـ تعالى ـ من جهة أنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه، وأنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة، فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر، ولا المحسن كالمسيء، ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه ـ تعالى الله ـ عن فعله، ومن هذا أيضاً: إنكاره ـ سبحانه ـ على من جوز أن يترك عباده سدى فلا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم، ولا يعاقبهم، وإن هذا الحسبان باطل، والله متعال عنه لمنافاته لحكمته، وكماله كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٥

стр. 75

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "أي مهملاً لا يؤمر ولا ينهى"١. وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي فهو ـ سبحانه ـ خلقهم للأمر والنهي في الدنيا والثواب في الآخرة. فأنكر ـ سبحانه ـ على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين، ومثله قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٢. فنزه نفسه ـ سبحانه ـ: "وباعدها عن هذا الحسبان، وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته" أ. هـ٣. فالله تعالى ـ لا يخلق شيئاً إلا لحكمة بالغة قد تغيب عن فهم الإنسان وقد يعييه إدراكها: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوات وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٥. وللناس في صفة الحكمة آراء ثلاثة: ١ ـ زعم الأشاعرة٦ والفلاسفة أن الله ـ تعالى ـ لا يفعل شيئاً لغرض وليس له غاية

стр. 76

يقصدها تكون باعثة له على فعله بل كل ما يصدر عنه ـ تعالى ـ إما بإرادة قديمة اقتضت وقوع هذا العالم على هذا النحو دون غيره وهذا قول الأشاعرة. وإما أن يكون بتمثل النظام الكلي في علمه ـ تعالى ـ السابق مع وقته الواجب اللائق عند الفلاسفة١. والفرق بين قول الأشاعرة والفلاسفة واضح وهو أن الفلاسفة ينفون عن الله ـ تعالى ـ القصد إلى الفعل، ويقولون بأن كل فاعل بالقصد مستكمل به وله غرض في فعله. وأما الأشاعرة: فيقولون: بالقصد ولا يقولون بأنه مستلزم للغرض لأنهم يجوزون ترجيح القادر المختار لأحد مقدوريه بدون مرجح أصلاً ٢. وحجة الفريقين: الفلاسفة والأشاعرة على نفي الغرض في أفعاله بأنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصاً بدونها مستكملاً بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء، أو يكون وجودها أولى به. فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به فيكون مستكملاً بها فيكون قبلها ناقصاً٣. قال ابن سيناء ٤: "تنبيه: اعلم أن الشيء الذي إنما يحسن به أن يكون عنه شيء آخر، ويكون ذلك أولى به، وأليق من أن لا يكون فإنه إذا لم يكن ما هو أولى وأحسن به مطلقاً وأيضاً لم يكن ما هو أولى وأحسن به مضافاً فهو مسلوب كمال ما يفتقر فيه إلى الكسب"٥. وهذه الحجة التي رددها الفلاسفة والأشاعرة قام بتفنيدها شيخ الإسلام ابن تيمية وبين بطلانها ونقضها من وجوه عدة:

стр. 77

الوجه الأول: أن قولهم لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصاً بدونها مستكملاً بها منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات، فإنه يمكن أن يقال: فيها أيضاً إما أن يكون وجودها وعدمه بالنسبة إليه سواء أو لا يكون، فإن كان الأول امتنع صدورها عنه، وإن كان الثاني كان مستكملاً بها فما كان جواباً في المفعولات كان جواباً عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلاً إلا مستكملاً بفعله. الوجه الثاني: أن مقتضى الكمال أن يكون ـ الباري ـ لا يزال قادراً على الفعل بحكمة فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان نقصاً. الوجه الثالث: قول القائل إنه مستكمل بغيره باطل، فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ذلك محتاجاً إلى غيره، وإذا قيل كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما قيل: كمل بذاته، أو صفاته فهو مثلاً إذا فرح بتوبة عبده التائب وأحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين الأولين، ونحو ذلك لم يجز أن يقال: إنه مفتقر في ذلك إلى غيره، أو مستكمل بسواه، فإنه هو الذي خلق هؤلاء وهداهم وأقدرهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به. الوجه الرابع: قول القائل كان قبل ذلك ناقصاً إن أراد به عدم ما تجدد، فلا نسلم أن عدمه قبل ذلك الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه، يكون ناقصاً، وإن أراد بكونه ناقصاً معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال عدم الشيء في الوقت الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه كمال أيضاً، فليس عدم كل شيء نقصاً، بل عدم ما لا يصلح وجوده وهو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص، فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص١ فهذه حجة الفلاسفة والأشعرية قد نقضها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي حجة فلسفية بحتة سرعان ما انهارت أمام مناقشتها بما أورد عليها من الوجوه القوية التي تبين أن الله ـ تعالى ـ موصوف بالحكمة. ٢ ـ المذهب الثاني: مذهب المعتزلة: وهم يثبتون لله ـ تعالى ـ الحكمة في خلقه وفي أمره غير أنهم لا يقولون إنها صفة قائمة بذاته ـ تعالى ـ بل يقولون: إنها مخلوقة منفصلة عنه، فيزعمون مثلاً أن الحكمة في وجود الخلق هو الإحسان إليهم والحكمة في

стр. 78

تكليفهم هو أنهم يعرضون للثواب ويقولون: إن الإحسان إلى الغير حسن محمود في العقل فخلق الله الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود عليه هو من ذلك مصلحة١ وهذا المذهب المعتزلي بين شيخ الإسلام بأنه متناقض لأن الإحسان إلى الغير إنما كان محموداً لكونه يعود منه إلى فاعله حكم يحمد لأجله إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بذلك الإحسان الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان فإن نفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله. أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثاً في عقول العقلاء وكل من فعل فعلاً ليس لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثاً، ولم يكن محموداً على هذا. ولذلك لم يأمر الله ـ تعالى ـ ولا رسوله ﷺ ولا أحد من العقلاء أحداً بالإحسان إلى غيره ونفعه إلا لما في ذلك من المنفعة والمصلحة وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور، ولا منفعة ولا فرح بوجه من الوجوه لا في العاجل ولا في الآجل لا يستحسن من الآمر ٢. ٣ ـ المذهب الثالث: مذهب عبد الله بن كلاب٣ وأتباعه: فهذا الرجل وأتباعه يثبتون حكمة وغاية قائمة بذاته ـ تعالى ـ ولكنهم يقولون: بأنها قديمة غير ملازمة للمفعول، ويزعمون أن إرادة الله وحبه ورضاه وغضبه وسخطه ورحمته وكرمه وغير ذلك قديم فهو ـ سبحانه ـ لم يزل راضياً عمن علم أنه يموت مؤمناً، ولم يزل ساخطاً على من مات كافراً. وهذا القول باطل: لأن الله ـ تعالى ـ إذا كان راضياً في أزله ومحباً وفرحاً بما يحدثه قبل أن يحدثه، فإذا أحدثه هل حصل له بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح بها، أو لم

стр. 79

يحصل إلا ما كان في الأزل فإن قالوا إنه لم يحصل إلا ما كان في الأزل، قبل ذلك كان حاصلاً بدون ما أحدثه من المفعولات فامتنع أن تكون المفعولات قد فعلت لكي يحصل ذاك فقولهم: "هذا يتضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب يحدثه الله، كذلك يتضمن أن الله يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها"١. فهذه المذاهب الثلاثة كما رأينا ليس عند أصحابها أدلة قوية تثبت أقوالهم في صفة الحكمة، بل كلها انتحالات فلسفية مبنية على شفا جرف هاوٍ كلها انهارت بما أورد عليها من مناقشات صارمة فلم يبق إذن إلا المذهب الحق الصحيح وهو ما عليه أهل السنة الذي شهدت له النصوص الكثيرة من أن لله ـ تعالى ـ حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها فهو ـ سبحانه ـ وتعالى يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها وهو يعلِّم العباد أو بعضهم من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمداً ﷺ فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ ولو قال إنسان: ما رسالة النبي ﷺ تضررت منها طوائف كثيرة من الناس كالذين كذبوه من أهل الكتاب والمشركين فالرد على هذا أنهم انتفعوا بحسب الإمكان حيث أضعف شرهم الذي كانوا يعملونه ولولا الرسالة بإظهار الحجج القاطعة، والآيات البينة التي زلزلت ما في قلوبهم، وبالجهاد والجزية صاروا أذلاء صاغرين لكان شرهم أشد وأعظم والضرر الذي حصل لهم شيء يسير بجانب ما حصل لهم من النفع الكثير، ومثل ذلك كنزول المطر الذي يعم نفعه البلاد والعباد، ويحصل منه خراب بعض البيوت، أو حبس بعض المسافرين والمكتسبين فما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيراً مقصوداً ورحمة محبوبة ولو تضرر به بعض الناس فكل ما حدث في الوجود من الضرر لا بد أن يكون فيه حكمة كما قال ـ سبحانه ـ ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، وكما قال ـ سبحانه ـ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٤ والضرر الذي تحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شراً مطلقاً، وإن كان شراً بالنسبة إلى من تضرر به، ولهذا لا يأتي في كلام الله وكلام رسوله إضافة الشر وحده إلى الله وإنما يذكر على أحد وجوه ثلاثة:

стр. 80

الوجه الأول: أن يكون داخلاً في عموم المخلوقات فإذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم وذلك مثل قول الله ـ تعالى ـ ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١. الوجه الثاني: أن يكون مضافاً إلى السبب كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣. الوجه الثالث: أن يحذف فاعله ومثال ذلك قول الجن ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ ٤ولم ينكر صفة الحكمة بالكلية إلا الجهمية فإنهم أصروا على قولهم بأنه ـ تعالى ـ خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا لباعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة، قال العلامة ابن القيم مبيناً مذهبهم الفاسد. وكذلك قالوا ما له من حكمة ... هي غاية للأمر والإتقان ما ثم غير مشيئة قد رجحت ... مثلاً على مثل بلا رجحان٥ والنافون للحكمة والتعليل ليس معهم دليل من كتاب أو سنة، أو إجماع فنفيهم صفة الحكمة مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل الصحيح والفطرة المستقيمة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وجمهور الأمة يثبت حكمته ـ سبحانه ـ والغايات المحمودة في أفعاله فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم والله الموفق للصواب وجماع ذلك أن كمال ـ الرب ـ وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه"٦.

стр. 81

والذي نخلص إليه مما تقدم أن الله ـ تعالى ـ موصوف بالحكمة وأن كل شيء خلقه أو أمر به فيه حكمة عظيمة، وحتى ما ينزل بالمخلوق من الشر لا يخلو من حكمة الله التي تبهر العقول وتزيد المؤمن إيماناً كما تبين صدق ما أخبر به الله ـ تعالى ـ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١.

стр. 82

المبحث السادس: تنزيه الله تعالى من نسبة الولد إليه إن نسبة الولد إلى الله ـ تعالى ـ "فرية مكذوبة اشترك في القول بها اليهود والنصارى ومشركو العرب، وكذلك قول الفلاسفة الصابئة في العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات بغير علم" ١ فاليهود عليهم لعائن الله: زعموا أن عزيراً ابن الله. والنصارى الضالون قالوا: المسيح ابن الله. والجهلة من مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله تعالى الله عن قول هؤلاء جميعاً علواً كبيراً. ولقد حكى القرآن الكريم زعم اليهود والنصارى من مشركي العرب ورد عليهم رداً مفحماً وبين بطلان هذا الزعم حتى أسكتهم ولنبدأ بما ورد في السورة من إبطال تلك الفرية. قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ . هذه الآية من السورة تبين أنه ـ سبحانه ـ لا ولد له كما تفوه بذلك الجهلة من المشركين ونطق بذلك المعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فالله ـ تعالى ـ نزه نفسه عن أن يكون له ولد لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد ـ سبحانه ـ الغني عن كل ما سواه قهر الأشياء كلها فدانت له وذلت وخضعت: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .

стр. 83

وعلى الفرض الجدلي الذي يقبله العقل ـ الضعيف ـ أن الرب جل وعلا ـ لو أراد أن يتخذ ولداً لاصطفاه ـ سبحانه ـ من بين خلقه لأن إرادته مطلقة والأمر ليس بحاجة إلى إقرار أو اقتراح من البشر ولكن مشيئته ـ تعالى ـ لم تتجه إلى هذا الاصطفاء لأنه الواحد القهار فهو الذي أبدع هذا الكون من العدم فما حاجته إلى الولد؟ والولد إنما هو امتداد لمن كتب الله عليه الفناء، والمحتاج إلى المعين والنصير، وقد اقتضت حكمة القادر العليم أن التكاثر في النوع الإنساني وغيره من المخلوقات لا بد له من صاحبة من جنسه، فكيف يكون لله ولد ولم تكن له صاحبة، فقد تفرد ـ سبحانه ـ بالألوهية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. قال: العلامة ابن جرير ﵀ تعالى ـ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: لو شاء الله اتخاذ ولد ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء، يقول: لاختار من خلقه ما يشاء وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يقول: تنزيهاً لله عن أن يكون له ولد، وعما أضاف إليه المشركون به من شركهم ﴿هُوَ اللهُ﴾ يقول: هو الذي يعبده كل شيء ولو كان له ولد لم يكن له عبداً يقول: فالأشياء كلها له ملك فأنَّى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه، والقهار لخلقه بقدرته فكل شيء متذلل، ومن سطوته خاشع. أ. هـ٢. وقال ابن كثير: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال : ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ٤ كل هذا من باب الشرط ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم أ. هـ٥. وهكذا نرى أن الآية الواردة في السورة تنفي مزاعم القائلين بأن لله ولداً، ولو أراد ـ سبحانه ـ تسمية أحد من خلقه بذلك ما جعله إلى أحد من خلقه ـ تعالى الله ـ

стр. 84

عن ذلك علواً كبيراً لأنه صاحب الكمال المطلق المستغني عن الصاحبة والولد ومن هذا شأنه من حقه أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له. فقد نزه نفسه وبرأها عن قول السفهاء من الخلق كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية أثناء حديثه عن تنزيه الله عن الشركاء "وكذلك ما استعمله ـ سبحانه ـ في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة سواء سموها حسية، أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التي جعلوها جوهراً لابن منه، وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة، والنفوس الفلكية التسعة التي هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم يجعلون النفوس الفلكية عرضاً لا جوهراً قائماً بنفسه وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات. قال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١ وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول أو العقول والنفوس هي الملائكة وهي متولدة عن الله قال تعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ " أ. هـ٢. قول بعض مشركي العرب أن الملائكة بنات الله وإبطاله: "مما ينبغي التنبيه عليه أن القائلين بأن الملائكة بنات الله هم بعض قبائل العرب كجهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار فقد زعموا أن الملائكة بنات الله كما ذكره القرطبي"٣. ونقل الواحدي٤ عن المفسرين أنهم قالوا: أن قريشاً وأجناس العرب جهينة وبني

стр. 85

سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: "أن قريشاً وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله"١. ولقد قال هؤلاء المشركون في الملائكة الكرام ثلاثة أقوال كل واحد منها أشد كفراً وأعظم كذباً. أولاً: جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولداً ـ تعالى الله ـ عن ذلك علواً كبيراً. ثانياً: جعلوهم إناثاً فحطوا من مكانة الملائكة ونسبوا لله الولد الناقص ولأنفسهم الولد الأكمل. ثالثاً: أنهم بعد كل هذه الافتراءات السخيفة عبدوا الملائكة من دون الله ولقد دحض القرآن هذه الدعوى الباطلة وبين أنها افتراء وناقشهم مناقشة ضيقت عليهم منافذ الباطل وحاجهم حتى عجزوا عن الدفاع عما قالوه من الباطل وحاجهم القرآن محاجة تبين معها كذبهم حيث صور دعواهم أن الملائكة بنات الله، واستجوبهم في ذلك على هذا النحو التالي: أيكون لله البنات ولكم البنون؟ هل يتفق قولكم هذا مع منطق العقل والعدل والحق؟. إن هذا القول باطل لأنكم معشر العرب تستنكفون من البنت والشيء الذي تستنكفون منه كيف تثبتونه للخالق وهذا ما عناه الله ـ تعالى ـ بقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢. ثم إن القرآن لم يكتف بمجادلة المشركين في موضع واحد منه بل حاجهم في مواضع عدة وألزمهم بالحجة وبين بطلان سخافاتهم الوثنية كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي

стр. 86

الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ١. إن الناظر في هذه الآيات يلمس الوحدة الموضوعية بينها وبين الآيات السابقة قبلها إذ كل آية منها عالجت مفتريات المشركين في ملائكة الرحمن بالأدلة العقلية وناقشت أولئك المشركين بمنطق الحجة والبيان، فلم يستطيعوا المعارضة، وهم أرباب الفصاحة وقادة البلاغة والبيان، ثم إن الآيات تحمل في طياتها الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لأولئك المشركين لشناعة قولهم، ومخالفته للحس والعقل والفطرة وهذه الآيات ناقشت المشركين في عدة نقاط هي: ١ ـ جعلهم لله من عباده جزءاً، أي: عدلاً، أو بعضاً لأن الولد بضعة من والده وجزءاً له، فإذا كانوا جميعاً عبيد الله فهل يصح أن يكون أحد منهم شريكاً لله أو بعضاً منه. ٢ ـ مناقشتهم عن السر في اختيارهم البنين لأنفسهم، وجعلهم البنات لله ـ تعالى ـ علماً بأنه قد تقرر لدى هؤلاء المشركين تفضيلهم البنين على البنات، فلو كان مرجع القسمة إلى العقل لكان الله أولى بالبنين من البنات، ولو كان مرجع ذلك إلى العدل بصرف النظر عن استحالة ذلك، أو إمكانه لكان العدل يقتضي على أسوأ تقدير التسوية في القسمة، ولكنهم تجاوزُوا في الطغيان، والبلادة حدود ما يألفه الذوق والفطرة الإنسانية. قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " أي: جائرة ... فبين ـ سبحانه ـ أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم، وتستحيون من إضافته إليكم مع أن ذلك واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم" أ. هـ٣. ٣ ـ بينت الآية الرابعة من الآيات السابقة وهي قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ٤ أن الأنثى محل نقص في الظاهر والباطن في الصورة والمعنى

стр. 87

فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص فإذا كانت الأنثى محل نقص فما وجه نسبتها إلى الله ولقد بين القرآن الكريم أنهم ليس لهم دليل على صحة دعواهم حيث أنه نفى عنهم طرق العلم الثلاث التي هي: الحس، أو الخبر، أو النظر أما طريق الحس: فهي المراد من قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ ١. الواقع يقرر أنهم لم يشهدوا كيفية خلق الله لملائكته بل المشركون أنفسهم لم يدعوا ذلك فبطلت معرفتهم عن طريق الحس. وأما طريق الخبر: فإن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً وقطعاً كصدوره عن المعصوم الذي قام الدليل على صدقه، فأما الذين يخبرون بأن الملائكة بنات الله إنما هم أفاكون كذابون، ولم يدل على صدقهم دليل، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢. وأما طريق النظر: فقد بين بطلان قولهم من وجهين: الوجه الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب لأن الله ـ تعالى ـ له الكمال المطلق لا يليق به اصطفاء الأخس وهو المراد من قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٣ ومعنى ذلك أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب عند العقل من إسناد المفضول إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولكم باطلاً. الوجه الثاني: يترك الاستدلال على فساد مذهبهم ويطالبون هم بإثبات الدليل على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل ظهر ضده وهو خلو الدعوى من أي دليل يدل على صحة مذهبهم وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤ فثبت بما ذكرناه من الآيات القرآنية إبطال قول المشركين في دعواهم أن الملائكة بنات الله لأنه لا يوجد لديهم دليل يؤيد قولهم لا من طريق الحس، ولا

стр. 88

الخبر ولا العقل فكان المصير إليه باطلاً قطعاً"١ فبطل قول المشركين وسقطت شبهتهم وظهر أمر الله ممثلاً في عقيدة التوحيد النقية من أدران الشرك وأوحال الوثنية. رد دعوى اليهود في أن عزيراً ابن الله: قلنا فيما تقدم أن الفرق التي نسبت إلى الله الولد ثلاث فرق هم بعض مشركي العرب، واليهود، والنصارى وقد تقدم الرد على دعوى مشركي العرب بأن الملائكة بنات الله بقي أن نعرض لإبطال دعوى اليهود في أن عزيراً ابن الله، وإبطال قول النصارى في زعمهم أن المسيح ابن الله. ولقد ذكر القرآن الكريم دعوى اليهود، ورد عليها وبين فسادها وبطلانها قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ٢ هذه الآية بينت دعوى اليهود الباطلة في "العزير" ويا ترى هل اليهود جميعهم يقولون هذه المقالة أم بعضهم؟ اختلفت الرواية عن أهل العلم في أصحاب هذه المقالة من اليهود فقيل: هو رجل من اليهود اسمه "فنحاص بن عازوراء" وهو على ما جاء في بعض الروايات القائل: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ٣. كما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج٤ وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله ﷺ : وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أبي أوفى، وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبعك يا محمد وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله﴾ ٥. قال الرازي: "وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد

стр. 89

يقال: فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحد منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحداً ... ثم قال "والقول الثابت: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن حكاية الله عنهم أصدق" أ. هـ١. وهناك آثار كثيرة وردت في صدور هذه المقالة عن اليهود ومنها الآتي: قال الإمام الكلبي٢: " لما قتل بختنصر علماء اليهود جميعاً وكان عزير إذ ذاك صغيراً فاستصغره ولم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله ـ تعالى ـ عزيراً ليجدد لهم التوراة ويكون آية بعد ما أماته الله مائة عام يقال: إنه أتاه بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت في صدره فلما أتاهم فقال لهم: إني عزير كذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة ففعل فقالوا: إن الله ـ تعالى ـ لم يقذف التوراة في قلب رجل إلا لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً"٣. وروي عن ابن عباس ﵄: "أن اليهود أضاعوا التوراة، وعملوا بغير الحق فأنساهم الله ـ تعالى ـ التوراة، ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله وابتهل فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه بها فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله"٤. وقال السدي: "العمالقة قتلوهم فلم يبق منهم أحد يعرف التوراة"٥. وقال الإمام البيضاوي٦ وإنما قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ الله﴾ لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة

стр. 90

"بختنصر" من يحفظ التوراة وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظاً فتعجبوا من ذلك وقالوا: "ما هذا إلا لأنه ابن الله"١. والذي يتبين من الآثار المتقدمة، وما جاء في معناها يوضح لنا أن منشأ الشبهة عند اليهود في "عزير" هو أنه اختص بحفظ التوراة في زمن من الأزمنة دون سائر اليهود بغض النظر عن صحة تفاصيل تلك الآثار التي أسلفناها نقلاً عن بعض المفسرين، ولذلك زعموا أنها ما حصلت له هذه الكرامة إلا أنه ابن الله ـ تعالى ـ عن ذلك علواً كبيراً. وهنا سؤال لا بد منه أمام مزاعم اليهود الباطلة هو: هل يلزم في كل إنسان خصه الله ـ تعالى ـ بنعمة من اصطفاء بالنبوة والرسالة أو استجابة للدعوة، أو ظهور كرامة من كرامات الأولياء على يديه هل يلزم من هذا أن يكون ذلك الإنسان ابناً لله؟. ولو كان الأمر كذلك فهذا موسى ابن عمران وأخوه هارون بن عمران ﵉ قد جاءا بالتوراة من عند الله ولهما من الفضل والكرامة ما ليس لعزير فلماذا لم يدعيا أنهما ابنان الله؟. ولكن الحقيقة التي لا شك فيها هي أن اليهود أضاعوا التوراة وتركوا العمل بها فضلوا عن سبيل الله القويم وصراطه المستقيم، وذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وأصدق دليل على ذلك ما حكاه الله ـ تعالى ـ عنهم في كتابه قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ِ ... ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤ فإذا كان اليهود لا يعتبرون مصدر ثقة فيما استحفظوا عليه من كتاب الله فمن المسلم به أنه لا يوثق بأقوالهم التي تخالف العقل والنقل وتخالف الفطر المستقيمة، وقد حكى الله عنهم كثيراً من مخازيهم كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ

стр. 91

مَغْلُولَةٌ﴾ فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ١. إذاً فبعد ذلك لا يستبعد أن يفتروا على الله كذباًُ فينسبون له الأبناء بل قد ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٢. ولقد نقض القرآن هذا الزعم بقوله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ ومعنى هذا أن الحبيب لا يهين كرامة حبيبه بالتعذيب فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالأسر والقتل والمسخ وقد اعترفتم بأنه سيعذبكم في الآخرة أياماً بعدد أيام عبادتكم العجل، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع ثم بين القرآن أنهم كسائر البشر وأنهم محاسبون ومجزيون بالإحسان إحساناً، والإساءة عقاباً، وأنهم خاضعون لمشيئة الله النافذة ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٣. وحسبنا أن اليهود عرفوا بنقض العهود والمواثيق وقتل الأنبياء بغير حق ولسنا بصدد تعداد مساوئهم فهي كثيرة ولكن الذي نقوله أنه ليس من المستغرب أن تصدر عنهم تلك الفرية الكبيرة وهي قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ٤. إبطال دعوى النصارى في أن عيسى ابن الله: مما ينبغي أن يعلم أن قول النصارى ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ يرجع إلى شبهة عرضت لهم فيه وهي خلقه ـ تعالى ـ إياه من أم دون أب وهو خلاف ما جرت عليه سنة الله ـ تعالى ـ في التوالد والتناسل فقالوا عنه ابن الله كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله﴾ ٥ ولهم شبهة أخرى في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ

стр. 92

مِنْهُ﴾ ١. فادعى بعض النصارى أن "من" للتبعيض فيكون عيسى بعضاً من الله تعالى وقد نقل عن محمد بن إسحاق قوله عن النصارى: "إنهم يحتجون في قولهم أنه ولد الله بأنههم يقولون: لم يكن له أب يعلم في المهد وهو شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله"٢. وأصحاب هذا القول هم النسطورية ينسبون إلى نسطور، وكان "بطريريكاً" بالقسطنطينية٣ فقول النصارى في المسيح أنه ابن الله بهذا الإدعاء الشنيع ينسبون إلى الله الولد والتولد. وهذا الزعم الباطل نتيجة الشبهة التي عرضت لهم وهو أن الله خلقه من أم بلا أب من البشر فلا بد أن يكون ولداً لله، وهذه الشبهة قامت الأدلة النقلية والعقلية على استحالة أن يكون لله ولد، أو صاحبة أو والد أو شريك، والله ـ تعالى ـ عظّم أمر هذه المقالة الشنيعة قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ٤. وقد أنذر الله ـ تعالى ـ جميع الطوائف التي تنسب إليه الولد بالوعيد الشديد والتهديد الأكيد قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ٥. وقد أبطل الله مزاعم اليهود والنصارى ومشركي العرب في نسبة الولد إليه بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦ فنفي التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد، وأن التولد إنما يكون بين اثنين وهو ـ جل وعلا ـ لا صاحبة له، وأيضاً: فإنه خلق كل شيء، وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء، وهو بكل شيء عليم، وعلمه بكل شيء يستلزم أن يكون فاعلاً بإرادته فإن الشعور

стр. 93

فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل بالطبع فيمتنع مع كونه عالماً أن يكون كالأمور الطبيعية التي تتولد عنها الأشياء بلا شعور كالحار والبارد فلا يجوز إضافة الولد إليه"١. وفي قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ استدلال بخلق السموات والأرض ابتداء من غير مثال سابق وكل الطوائف التي نسبت الولد إلى الله ـ تعالى ـ مقرة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض ابتداء، ولكن الاستدلال بقوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ على النصارى أليق من غيرهم لأنهم استغربوا وجود عيسى ﵇ من غير أب على غير مثال سابق ولهذا قالوا أنه ابن الله ولكن الغرابة تزول إذا عرفوا خلق آدم ﵇ من غير مثال سابق كما سنذكر ذلك قريباً وإذا عرفوا خلق السموات والأرض ابتداءاً من غير مادة، فالإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال، فكأن الآية تقول للنصارى: سلمنا لكم أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة، بل إنما حدث ودخل في الوجود لأن الله ـ تعالى ـ أخرجه من الوجود من غير سبق الأب ولكنكم تقولون: إنه ابن الله، وعلى هذه فلا يخلو الأمر إما أن تريدوا بكونه ولداً لله ـ تعالى ـ أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله ـ تعالى ـ كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولداً لأبيه أما الاحتمال الأول: فإن النصارى والمشركين يسلمون بأن الله ـ تعالى ـ خلق السموات والأرض إبتداءاً ويلزم على تسليمهم ذلك أن يكون خلقه للسموات والأرض إبداعاً، فلو لزم من مجرد كونه مبدعاً لإحداث عيسى ﵇ كونه ولداً له للزم من كونه مبدعاً للسموات والأرض كونه والداً لهما، ولما فيهما من المخلوقات ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق فثبت أن مجرد كونه مبدعاً لعيسى ﵇ لا يقتضي كونه والداً له فبطل بهذا الاحتمال الأول. وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات فهذا أيضاً باطل، يدل على بطلانه الوجوه التالية: الوجه الأول: أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة وهذه الأحوال إنما تثبت في حق من يجوز عليه الأعراض المعروفة في التوالد والتناسل وكل ذلك على خالق العالم محال وهذا المراد من قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ .

стр. 94

الوجه الثاني: أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن تكوينه دفعة واحدة عمد إلى تحصيله بالطريق المعتاد أما من كان خالقاً لكل الممكنات قادراً على كل المحدثات، فإذا أراد إحداث شيء قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن كان هذا الذي ذكرنا صفته ونعته امتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . الوجه الثالث: وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديماً أو محدثاً، وليس من الجائز أن يكون قديماً لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته، وما كان واجب الوجود لذاته كان غنياً عن غيره، فامتنع كونه ولداً لغيره فبقي أنه لو كان ولداً لوجب كونه حادثاً فنقول: إنه ـ تعالى ـ عالم بجميع المعلومات فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالاً، ونفعاً أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله ـ تعالى ـ خلق هذا الولد فيه إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبل ذلك ومتى كان الداعي إلى إيجاده حاصلاً قبله، وجب حصول الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزلياً وهو محال، وإن كان الثاني فقد ثبت أنه ـ تعالى ـ عالم بأنه ليس له في تحصيل الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الألوهية وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يحدث البتة في وقت من الأوقات وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١. ولا يفوتنا أن نقول: أنه ليس أعظم جرماً وأقبح إثماً ممن زعم أن الله متصف بصفات المحدثين من الجهلة المشركين واليهود المعاندين والنصارى الضالين، وأن مؤمني الجن لأحسن حالاً منهم وأكمل إيماناً إذ أنهم نفوا عن الله الصاحبة والولد كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ ٢. ومن الآيات التي ترد على شبهة النصارى أن عيسى وجد من أم بلا أب يقتضي أن يكون ابناً لله قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣، وهذه الآية نزلت عند حضور وفد نصارى نجران على الرسول ﷺ كما ذكر

стр. 95

هذا ابن جرير١ وادعى الفخر الرازي الإجماع على ذلك٢ ولقد أجاب الرسول ﷺ ذلك الوفد بنقض شبهتهم بأنه لو لزم من وجود عيسى من أم بلا أب كونه ابناً لله للزم أن يكون آدم ابناً لله ـ تعالى ـ بطريق الأولى، فإنه وجد من غير أم ولا أب، وأنتم تعترفون بذلك، ثم إنه ذا جاز أن يخلق الله ـ تعالى ـ آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس، وهذا دليل ملزم لهم لأنهم لم يقولوا بأن آدم إله كما زعموا ذلك في عيسى ﵇، وفي قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ . قال الزمخشري: "هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبيه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه" أ. هـ٣. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ ليس صفة لآدم ولا صلة له، وإنما هو خبر مستأنف على جهة التفسير لحال آدم كما ذكر ذلك الرازي ونقل عن الزجاج قوله: "هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور ثم تخبر بقصة زيد فتقول: فعل كذا وكذا"٤. وأما شبهتهم في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ٥ حيث قالوا إن هذا الجزء من الآية دليل على أن عيسى جزء من الله ويقولون: "من" في قوله "من" تبعيضية فيكون عيسى جزءاً من الله ـ تعالى الله ـ عن ذلك علواً كبيراً، فالروح هنا، قيل: النفخة فيكون معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: نفخة منه لأنه حدث عن نفخة جبريل ﵇ في درع مريم بأمر الله إياه بذلك فنسب إلى أنه روح من الله لأنه بأمره كان، وإنما سمي النفخ "روحاً" لأنها ريح تخرج من الروح واستشهدوا على ذلك بقول ذي الرمة:

стр. 96

وقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدراً١ يعني بقوله: "أحيها بروحك" أي أحيها بنفخك. وقيل معناها: "الرحمة" فيكون قوله: ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾ أي رحمة منه كما قال تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٢ فجعل الله عيسى ﵇ رحمة منه على من آمن به وصدقه واتبعه من بني إسرائيل لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد كما ذكره ابن جرير الطبري، وقد أورد أقوالاً أخرى ثم قال تعقيباً عليها: "ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب"٣. والأظهر في ذلك ما روي عن أبيّ بن كعب أنه قال: "عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٤ بعثه الله إلى مريم فدخل فيها"٥. وقال أبوروق: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: نفخة منه إذ هي من جبريل بأمره، وسمي روحاً لأنه حدث من نفخة جبريل عليه السلام٦. قال ابن كثير: "وكلمته ألقاها إلى مريم" أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه فكان عيسى بإذنه وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم والجميع مخلوق لله ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل ... : "وروح منه" كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٧. أي: من خلقه ومن عنده وليست "من" للتبعيض كما تقوله النصارى ـ عليهم لعائن الله المتتابعة ـ بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد

стр. 97

في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: "رسول منه"، وقال غيره ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ﴾ ١ وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ٢ أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد" أ. هـ٣. وقد ذكر الألوسي في تفسيره "روح المعاني" قصة مضمونها أن طبيباً نصرانياً حاذقاً للرشيد ناظر عليَّ بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: "إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵊ جزء منه ـ تعالى ـ وتلا هذه الآية فقرأ الواقدي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ . فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءاً منه عن ذلك علواً كبيراً فانقطع النصراني، فأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً، ووصل الواقدي بصلة٤ فاخرة. وجاء في قرة عيون الموحدين: قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: "من الأرواح التي استخرجها من صلب آدم ﵇، وأخذ عليها العهد على أنه ـ تعالى ـ ربهم وإلههم....، وروح عيسى من تلك الأرواح التي خلقها الله تعالى ... فجبريل نفخ والله خلق بقوله "كن فكان" كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٥ فسبحان من لا يخلق غيره ولا يعبد سواه" أ. هـ٦. ومن هذا نفهم أن النفخ سبب ظاهر لإيجاد الروح في كل مولود وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ... "٧. الحديث

стр. 98

فالنفخ يحصل من الملك بعد أمر الله ـ تعالى ـ له. ولقد نزه نفسه ـ سبحانه ـ من المقالة السيئة التي نسبها إليه اليهود والنصارى ومشركو العرب وغيرهم فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ١. قال الحافظ ـ رحمه الله تعالى ـ: "واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولداً من يهود خيبر، ونصارى نجران، ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم"٢ وجاء في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد ـ فسبحاني ـ أن أتخذ صاحبة أو ولداً". قال الحافظ عقب هذا الحديث: "إنما سماه شتماً لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله، ثم تضعه، ويستلزم ذلك سبق النكاح، والناكح يستدعي باعثاً له على ذلك والله ـ سبحانه ـ منزه عن جميع ذلك" أ. هـ٣ ومما تقدم نعلم أن الله ـ تعالى ـ أبطل مزاعم اليهود والنصارى ومشركي العرب في نسبتهم الولد إلى الله ـ تعالى ـ فقد نفى عن نفسه الولادة ونفى اتخاذ الولد جميعا قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ٥ ومما ينبغي أن يعلم أن كل النحل التي نسبت الولد إلى الله تعالى لم يرد العقلاء منهم أنها ولادة حسية من جنس ولادة الحيوان بانفصال جزء من ذكره في أنثاه يكون منه الولد وإنما يريد من الولادة العقلية الروحانية مثل قول النصارى إن الجوهر الذي هو الله من وجه، وهو الكلمة من وجه تدرعت بإنسان مخلوق من مريم فيقولون تدرع

стр. 99

اللاهوت بالناسوت ـ فظاهره ـ وهو الدرع والقميص بشر وباطنه ـ وهو المتدرِّع ـ لاهوت هو الابن الذي هو الكلمة لتولد هذا من الأب الذي هو جوهر الوجود ومن هذا نعلم أن النبوة المزعومة مركبة من أصلين: أحدهما: أن الجوهر هو الكلمة تولد من الجوهر الذي هو الأب كتولد العلم والقول من العالم والقائل. الثاني: أن هذا الجوهر اتحد بالمسيح وتدرع به، وذلك الجوهر هو الأب من وجه وهو الابن من وجه فلهذا حكى الله عنهم، تارة أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وتارة أنهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم١. ولم يكتف القرآن بالرد على من زعم أن لله ولداً بالنفي فحسب بل كفر من جعل له ولداً، أو والداً، أو شريكاً فقال تعالى في السورة التي تعدل ثلث القرآن كما جاء بذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" ٢: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . قال شيخ الإسلام: "فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء، وهي جماع ما ينسب إليه من المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة، والجن، بل والنبات ونحو ذلك فإنه ما من شيء من المخلوقات إلا ولا بد أن يكون له شيء يناسبه إما أصل، وإما فرع، وإما نظير. أو اثنان من ذلك، أو ثلاثة وهذا في الآدميين والجن والبهائم ظاهر. وأما الملائكة فإنهم وإن لم يتولدوا بالتناسل فلهم الأمثال والأشباه ولهذا قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. قال بعض السلف: "لعلكم تتذكرون فتعلمون أن خالق الأزواج واحد" أ. هـ٤. وبعد أن سقنا الأدلة النقلية على إبطال فرية المشركين واليهود والنصارى في نسبة

стр. 100

الولد إلى الله تعالى، هناك دليل عقلي يدل على بطلان ذلك الافتراء الباطل نذكره قبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع، وذلك الدليل هو: ١ ـ أن يقال: يجب أن يكون الإله واجب الوجود لذاته، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته، أو لا يكون فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر، ومن كان كذلك لم يكن له ولد البتة، لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة إلى أصله. وإما أن يكون ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته، ومن كان كذلك فيكون عبداً لا ولداً له ومن عرف هذه الحقيقة لم يتردد في نفي الولد عن الله ـ تعالى ـ. ٢ ـ إن الولد مشعر بكونه متولداً عن جزء من أجزاء الوالد وذلك إنما يعقل في من يمكن انفصال بعض أجزائه عن بعض وهو محال في حق الواجب لذاته١. وقد خص النبي ﷺ عيسى ﵇ بمزيد من التنبيه لأن عقائد أهل الكتاب كانت فيه بين الإفراط والتفريط فبيّن العقيدة الصحيحة التي يجب أن يلتزمها الناس فيه بصفة عامة، وأهل الكتاب جميعاً بصفة خاصة فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ٢. فالقارئ لهذا الحديث يرى أن وجه تخصيص عيسى بالذكر مع نبينا محمد ﷺ دون سائر أولي العزم من الرسل إنما كان لتوضيح الحق فيه، وأنه عبد الله ورسوله. وجاء في تيسير العزيز الحميد قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله" وفي رواية "وابن أمته" أي: خلافاً لما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ... إلى أن قال: "فيشهد بأنه عبد الله" أي: عابد مملوك لله، لا مالك، فليس من الربوبية ولا من الإلهية شيء، ورسول صادق خلافاً لقول اليهود إنه ولد بغي، بل يقال فيه

стр. 101

ما قال عن نفسه كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ ١ ... قوله: ﴿وَكَلِمَتُه﴾ إنما سمي كلمة الله لصدوره بكلمة "كن" بلا أب قاله قتادة وغيره من السلف٢. وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ: "الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: "كن" فكان عيسى بكن وليس عيسى هو "كن" ولكن ب: "كن" كان، ف: "كن" من الله قول، وليس: كن مخلوقاً وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالت: عيسى روح الله وكلمته إلا أن الكلمة مخلوقة. وقالت النصارى عيسى روح الله من ذات الله، وكلمته من ذات الله كما قال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة. أ. هـ٣. وختاماً لهذا نقول: إن الله قد رفع من شأن عيسى وجعله من أولي العزم من الرسل المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ٤.

стр. 102

المبحث السابع: إثبات صفتي الوحدانية والقهر لقد دلت السورة على إثبات صفتي الوحدانية والقهر ـ للباري في آية واحدة منها. قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ . هذه الآية من السورة تضمنت اسمين كريمين من أسمائه ـ تعالى ـ هما "الواحد" "والقهار" وهذان الاسمان يشتق منهما صفتان ـ للباري جل شأنه ـ هما صفتا "الوحدانية" و"القهر" فاسمه ـ تعالى ـ "الواحد" دال على اتصاف ـ الباري سبحانه ـ بالوحدانية قال ابن الأثير١: في أسماء الله "الواحد" هو الفرد الذي لم يزل ولم يكن معه غيره٢. وجاء في تهذيب اللغة: "الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول جاءني أحد فالواحد منفرد بالذات، وعدم المثل والنظير والأحد المنفرد بالمعنى٣.

стр. 103

وجاء في القاموس: "التوحيد الإيمان بالله وحده أي: التصديق بما جاء به النبي ﷺ من الخبر الدال على أن الله ـ تعالى ـ واحد في ألوهيته لا شريك له" أ. هـ١. ومن هذه النصوص اللغوية يتبين أن هذه المادة ـ وحدة ـ تدور حول إنفراد الشيء بذاته، أو بصفاته، أو بأفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه، وإذا عدي بالتضعيف فيقال: وحّد الشيء توحيداً ـ كان معناه إما جعله واحداً، أو اعتقده واحداً. قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ فاسمه ـ تعالى ـ "الواحد" معناه: الإعتقاد الجازم بأن الله ـ تعالى ـ واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة. وإذا قيل: الله واحد كان معنى ذلك إنفراده بما له من ذات وصفات وعدم مشاركة غيره فيها فهو ـ سبحانه ـ واحد في إلهيته فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له ـ جل وعلا. وأما تفسير المتكلمين لاسمه ـ تعالى ـ "الواحد" بأنه واحد لا يتجزأ، ولا ينقسم فهذا من الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها ولم يرد ذكر هذا التفسير في عقائد أهل السنة والجماعة، وإنما هو من جنس ما يذكره أهل البدع من قولهم ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، وليس له أعراض ولا أبعاض إلى غير ذلك مما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة، ومن خلال هذه الألفاظ يتوصلون إلى نفي الكثير من صفات الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإنهم إذا قالوا لا قسيم له ولا جزء له، ولا شبيه له، فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو ـ سبحانه ـ لا يجوز عليه أن يتفرق، ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد والصمد الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده فإنهم يدرجون في هذه نفي علوه على خلقه، ومباينته لمصنوعاته ونفى ما ينفونه ويقولون إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركباً منقسماً، وأن يكون له شبيه، وأهل العلم والإيمان يعلمون أن مثل هذا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيباً وانقساماً، ولا تمثيلاً وهكذا الكلام في

стр. 104

مسمى الجسم والعرض والجوهر والتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف به نفسه، ووصفه بها رسوله فيدخلون فيها نفى العلم والقدرة والكلام إلى غير ذلك من الصفات بدعوى أن ذلك لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم"١ أ. هـ. فكلام شيخ الإسلام يستفاد منه أن قول المتكلمين في اسمه ـ تعالى ـ "الواحد" أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ قول مبتدع مخترع لم يقل به أحد من السلف. وأما صفة "القهر" فقد دل على ثبوتها ـ للباري جل وعلا ـ اسمه ـ تعالى ـ "القهار". قال في القاموس: "القهر" الغلبة "والقهار" من صفاته تعالى. أ. هـ٢. وجاء في المفردات لغريب القرآن: "القهر الغلبة والتذليل معاً ويستعمل في كل منهما"٣. وقال ابن الأثير: "القاهر الغالب على جميع الخلائق قهره يقهره فهو قاهر وقهار للمبالغة" أ. هـ٤. فمن هذه النصوص اللغوية ندرك معنى اسمه ـ تعالى ـ "القهار" ومعناه الذي يغلب على كل شيء، ويبسط سلطانه على كل مخلوق، ولا يمتنع عليه ما يريده، ولا يفلت من قبضته جبار تمرد على جبروته، ولا متكبر نازعه رداء كبريائه بل هو ـ سبحانه ـ آخذ بنواصي عباده فمن تمرد عليه قصمه وأذله، ومن خالف أمره أخذه نكال الآخرة والأولى، وجعله عبرة ومثلاً لغيره، وبسط ـ سبحانه ـ سلطانه على كل الكائنات فاستجابت لأمره وخضعت لحكمته، وسارت على النهج الذي رسمه لها. فجميع الموجودات خاضعة لسلطانه ـ سبحانه ـ مذعنة لمشيئته مقهورة لإرادته. قال تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.

стр. 105

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ١. وللقهار ـ سبحانه ـ سنن قهر بها كل عظيم، وأخضع لحكمها كل جبار عنيد، وتتجلى مظاهر اسمه ـ تعالى ـ "القهار" في مصائر الأمم مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ومثل قارون، وفرعون، فهؤلاء جميعاً اغتروا بقوتهم، فأمعنوا في الظلم، وأسرفوا في الطغيان فكان بغيهم، وطغيانهم وبالاً عليهم. قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٢. بل قهر الأخيار والأشرار وكل ذي روح بالموت الذي يدركهم أينما يكونون، ولو كانوا في بروج مشيدة. وقهرهم جميعاً بالبعث بعد الموت ولو استطاع الأشرار سبيلاً إلى الفرار من البعث لآثروا أن يكونوا تراباً حتى لا يعودوا إلى الحياة الأخروية ليلقوا ما أعد لهم من عذاب الهون جزاء بما كانوا يعملون ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ ٣. ثم إن الآية التي صدرنا بها هذا المبحث وهي قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ . قلنا: إنها دلت على إثبات صفتي الوحدانية والقهر ـ للباري وقد بينا وجه دلالتها على ذلك. وأيضاً: مع دلالتها على ما ذكرنا فقد لفتت الأنظار إلى أنه إنما يرغب في الولد من يرغب فيه ليشد به أزره ويستكثر به من قلة، ويعتز به من ذلك، وللمسارعة للنجدة والنصرة، وهذا شأن المخلوق الضعيف.

стр. 106

أما الواحد القهار ـ سبحانه ـ الذي خضع لأمره كل شيء وبسط سلطانه على جميع هذا الكون فهو الغني عن العالمين لأنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ولو شاء أن يتخذ ولداً لأصطفى من خلقه ما يشاء ولكنه ـ سبحانه ـ لا يشاء ما يخالف حكمته وينافي كماله ـ سبحانه ـ هو الله الواحد القهار، وقد جمع الله ـ سبحانه ـ بين وحدانيته وقهره في عدة مواضع من كتابه: قال تعالى: حكاية عن يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١. فهذه الآية تبين لنا أن نبي الله يوسف ﵇ دعا صاحبي السجن إلى الله وإلى الإسلام وقال لهما: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر خير أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذلله وسخره فأطاعه طوعاً وكرهاً٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٣. بدأ ـ سبحانه ـ في هذه الآية بالإشارة إلى مظاهر قهره، وطاعة سائر المخلوقات له من خلق السموات والأرض، ثم أشار ـ سبحانه ـ بأنه لا يستوي الأعمى والبصير، كما لا تستوي الظلمات والنور ليوجه أذهان العباد إلى أن الذي خلق السموات والأرض هو الجدير بأن يخصه الناس بالعبادة ثم أشار إلى ضلال المشركين الذين انصرفوا عن عبادة الله ودعوا سواه، ما الذي صرفهم عن عبادة الواحد القهار؟ أظنوا أن له شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فاختلط الأمر في أعينهم فلم يميزوا بين خلق ـ الباري ـ وخلق عيره فعبدوا من ظنوهم خالقين مع الله، ولو تدبروا وتفكروا قليلاً لعرفوا أن الله سبحانه هو خالق كل

стр. 107

شيء ومليك كل شيء، وأنه لا رب غيره ولا خالق سواه إذ كل الكون ناطق بأنه الواحد القهار. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ١. وهذه الآية أيضاً: أشار الله ـ تعالى ـ فيها إلى بعض مظاهر قهره ونفوذ مشيئته في تبديل السموات والأرض وجمعه الخلائق ليوم المعاد الذي لا ريب فيه، ولا جرم أن الذي يستطيع أن يغير السموات والأرض ويجمع الخلائق ليجزيهم بأعمالهم دون أن يعترض إرادته معترض، أو يحول دون تنفيذ مشيئته حائل لا بد أن يكون إلهاً واحداً لا معقب لحكمه ولا شريك له في ملكه فهو يفعل ما يشاء ولا بد أن يكون قهاراً غالباً على كل شيء ولا يغلبه شيء ـ سبحانه ـ هو الله الواحد القهار. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢. وفي هذه الآية: أمر الله نبيه أن يبين للناس بأنه منذر، ينذر الناس بطشة الله كما أمره أن يبين لهم بأنه ليس في الوجود إلا إله واحد هو الله الواحد القهار. وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٣. يشير ـ جل وعلا ـ في هذه الآية إلى يوم القيامة حين يرث الواحد القهار الأرض ومن عليها، ويسترد الملك من كل ذي ملك، والسلطان من كل ذي سلطان، ويشهد الخلق جميعاً أن الملك لله الواحد القهار، والمتدبر لإثبات صفتي الوحدانية والقهر الثابتة لله ـ جل وعلا ـ على ما يليق به يدرك شناعة الخطأ الذي وقع فيه القبوريون الذين يلجئون إلى غير الله حيث يطلبون منهم الحاجات ويستعينون بهم على نيل المطالب، والعجب لهم كيف سول لهم الشيطان أن يتركوا الواحد القهار، ويتجهون إلى المقهورين، وينصرفون عن الغالب إلى المغلوبين٤ وأسماء الله وصفاته تنادي جميع المخلوقين بتجريد التوحيد لله وحده لا شريك له، وبأنه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 108

المبحث الثامن: إثبات صفتي الرحمة والمغفرة معنى الرحمة: جاء في النهاية: في أسماء الله ـ تعالى ـ "الرحمن الرحيم" وهما اسمان مشتقان من الرحمة مثل ندمان ونديم، وهما من أبنية المبالغة، و"رحمن" أبلغ من "رحيم" و"الرحمن" خاص لله ـ تعالى ـ لا يسمى به غيره ولا يوصف. "والرحيم" يوصف به غير الله فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: "رحمن" أ. هـ١. وقال صاحب القاموس٢: "الرحمة": الرقة والمغفرة والتعطف ... أ. هـ٣. قال العلامة ابن القيم: "وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتأليه عنهم له، والربوبية منه لهم، والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وأنعم عليهم فبينهم وبينه سبب العبودية وبينه وبينهم سبب الرحمة، واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه فا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤. مطابق لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى

стр. 109

شمول الرحمة وسعتها فوسع كل شيء برحمته وربوبيته مع أن في كونه رباً للعالمين ما يدل على علوه على خلقه وكونه فوق كل شيء"١ أ. هـ. معنى المغفرة: قال الزجاج رحمه الله تعالى: "الغفور" هو فعول من قولهم غفرت الشيء إذا سترته وفعول موضوع للمبالغة وكذلك فعال٢. وجاء في النهاية: "الغفار الساتر لذنوب عباده، وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، وأصل الغفر التغطية يقال: غفر الله لك غفراً، وغفراناً ومغفرة والمغفرة إلباس الله ـ تعالى ـ العفو للمؤمنين"٣. وجاء في القاموس: "غفره ستره وغفر الله ذنبه يغفره غفراً........ غطى عليه وعفا عنه"٤. وقال العلامة ابن رجب٥ رحمه الله تعالى: "المغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها" أ. هـ٦. والذي نستفيده من هذه الأقوال التي ذكرت حول بيان معنى اسمه ـ تعالى ـ "الرحيم" واسمه ـ تعالى ـ "الغفور". إن اسمه ـ تعالى ـ "الرحيم" يدل على كثرة من تناله الرحمة من خالقه فهي صفة فعل باعتبار تجددها على حسب أحوال المرحومين، وهي صفة ذات باعتبار أصلها لأن الله ـ تعالى ـ لم يزل ولا يزال متصفاً بهذه الصفة.

стр. 110

ويدل اسمه "الرحيم" على أنه ـ تعالى ـ يرحم خلقه برحمته ويتجاوز عن سيئاتهم مهما بلغت صغرت أم كبرت إذا أتوا بأسباب التوبة وصدقت رغبتهم في طلبها. وأما اسمه ـ تعالى ـ " الغفور" فمعناه هو الكثير المغفرة وأن المغفرة ستر الذنوب والتجاوز عنها، والعفو عن مغترفيها وصونهم من أن يمسهم العذاب بسببها وإلباسهم العفو عن خطيئاتهم، فالله "غفور" أي كثير الستر لذنوب عباده المؤمنين عظيم التجاوز عنهم. وقد دلت سورة ـ "الزُمَرْ" على إثبات صفتي الرحمة والمغفرة ـ للرب ﷻ في آيتين منها: قال تعالى: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . فهاتان الآيتان من السورة تضمنتا إثبات صفتي الرحمة والمغفرة ـ للبارئ جل وعلا ـ وقد أمر الله نبيه في الآية الثانية من هاتين الآيتين أن يبلغ عباده المؤمنين أن لا ييأسوا من مغفرته فإنه ـ سبحانه ـ يغفر الذنوب جميعاً مهما أسرفوا على أنفسهم وأفرطوا ما عدا الإشراك بالله ـ سبحانه ـ فإنه لا يغفره إلا بالتوبة منه بالدخول في دين الله الحق فهو ـ سبحانه ـ ذو مغفرة عظيمة ورحمة واسعة للمقبلين عليه المنيبين إليه، والمنقادين له انقياداً تاماً ظاهراً وباطناً عن طواعية ورضى. قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ... ﴾ الآية. اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية. فقال بعضهم: عنى بها قوم من أهل الشرك قالوا: لما دعوا إلى الإيمان بالله كيف نؤمن، وقد أشركنا وقتلنا النفس التي حرم الله والله ـ يعد ـ فاعل ذلك النار فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان فنزلت هذه الآية والذين قالوا: بهذا القول هم عبد الله بن عباس
следующие страницы →