← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هو لاق، ويدل عليه: حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا؛ فيؤمر بأربع كلمات؛ ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (١). حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (٢). عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود؛ فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من

стр. 107

ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص) (١). الرابع: التقدير السَّنَوي في ليلة القدر؛ يُقدَّر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله، من رزق وموت وحياة وصحة ومرض وعافية وابتلاء ونحو ذلك، ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥]. عن مجاهد ﵀: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: "ليلة الحكم" (٢). وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: "يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم" (٣). وعن قتادة في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: "يقضى فيها ما يكون في السنة

стр. 108

إلى مثلها" (١). وقوله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣ - ٥]. عن ابن عباس ﵄ قال: "إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يعني: ليلة القدر، ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل" (٢). عن قتادة ﵀ قال: "هي ليلة القدر، فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة" (٣). وعن ربيعة بن كُلثوم ﵀ (٤)، قال: "قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لَلَيلة يفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كل أجل وعمل وخلق ورزق إلى مثلها" (٥). وقد ذكر الإمام ابن القيم - وتبعه على ذلك حافظ الحكمي - رحمهما الله -

стр. 109

تقديرًا خامسًا وهو: التقدير اليومي؛ وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق، وإنفاذ المقدور على العبد في وقته الذي قُدِّر له، وذكر من أدلته: قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: (من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويخفض آخرين) (١).

стр. 110

قال البغوي ﵀ في هذه الآية: "قال المفسرون: من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قومًا، ويذل قومًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء" (١). ونقل عن الحسين بن الفضل ﵀ (٢) قوله فيها: "هو سوق المقادير إلى المواقيت" (٣). وعن سفيان بن عيينة قوله: "الدهر كله عند الله يومان؛ أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم - الذي هو مدة الدنيا -: الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب، والثواب والعقاب" (٤). والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه هذا التقدير لا يدخل فيما نحن بصدده من تقديرات الكتابة، إذ لا كتابة فيه، وإنما هو إنفاذ لما قُدر سابقًا - كما ذُكر في تعريفه -. ثم إن هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، والسَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة ومن الأزلي، والعمري تفصيل من

стр. 111

التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في اللوح المحفوظ (١). وليس معنى كون كل تقدير تفصيلًا مما قبله أن ما قبله مجمل، بل المراد أنه تخصيص من عموم أعم، فاللوح المحفوظ كُتب فيه كل شيء صغير وكبير، فهو شامل لكل ما يقوله الرب وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وشامل أيضًا لمقتضى أسمائه وصفاته وآثارها (٢). والتقدير العمري الأول عند أخذ الميثاق هو تخصيص منه، والمخصوص به هم بنو آدم كلهم. والتقدير العمري عند تخليق النطفة هو تخصيص من التقدير العمري الأول، والمخصوص به أفراد بني آدم كل فرد بعينه على حِدَة. والتقدير السَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، فيما يتعلق بكل شخص؛ إذ يقدر له في التقدير العمري رزقه وعمله وأجله وسعادته وشقاوته مدة حياته، وفي التقدير السَّنَوي يقدر له ما يكون في تلك السنة بخصوصها. وهو أيضًا - أي السَّنَوي - تفصيل من اللوح المحفوظ فيما يتعلق بعموم الحوادث في السنة المعيَّنة؛ ما تعلق منها ببني آدم أو غيرهم. والتقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، يخصص منه ما يتعلق بهذا اليوم بخصوصه من بين أيام السنة.

стр. 112

وليس معنى كون أي تقدير تفصيلًا لما قبله أنه كُتب ونُسخ منه، بل المراد أنه أخص منه؛ إما من جهة متعَلَّقه، أو من جهة زمانه، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀: "والتقدير والكتابة تكون تفصيلًا بعد جملة" (١). وقال ﵀: "وهذا التقدير - التابع لعلمه سبحانه - يكون في مواضع جملةً وتفصيلًا؛ فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك" (٢). مرتبة المشيئة: وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فليس في الوجود موجب تام إلا مشيئة الله وحده فلا يكون شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج عن مشيئته شيء، وهذا هو عمود التوحيد الذي لا يقوم إلا به (٣). وقد دل على هذه المرتبة إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان، وأجمع عليها المسلمون من أولهم إلى آخرهم. وقد تنوعت أدلة القرآن على إثبات هذه المرتبة، وهي متضمنة لأمرين: - الأول: أن ما وقع إنما وقع بمشيئته .

стр. 113

- الثاني: أن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته . وهذه هي حقيقة الربوبية؛ فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه وكل ذلك بمشيئته وتكوينه وحده لا شريك له (١). ومما يدخل في هذه المرتبة: الإيمان بقدرة الله الشاملة، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما شاء الله كونه فهو كائن بقدرته ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وما لم يشأ كونه فليس لعدم قدرته عليه؛ بل لعدم مشيئته لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. فأخبر أن هداية كل نفس أمر مقدور له، لكنه لم يرده، معللًا بذلك عدم وقوعه. مرتبة الخلق: وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء؛ فما من مخلوق في السموات والأرض إلا الله خالقه، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه (٢). وهذه المرتبة متفق عليها بين الرسل ﵈، واتفقت عليها الكتب الإلهية

стр. 114

والفطر والعقول والاعتبار (١). وسيأتي في مباحث الرسالة - إن شاء الله - الكلام على المسائل المندرجة تحت هذه المراتب، وإنما المقصود هنا هو بيان هذه المراتب إجمالًا. وأما عن وجوب الإيمان بهذه المراتب لتحقيق الإيمان بالقدر؛ فكما تقدم: لم يرد هذا التقسيم في نص من النصوص الشرعية لا قرآنًا ولا سنةً، وإنما عرفه أهل العلم بالتتبع والاستقراء، والناظر في هذه المراتب وأدلتها يدرك قطعًا وجوبها لأمرين: الأول: أن هذه المراتب هي في الحقيقة صفات لله ، فالعلم والكتابة والمشيئة والخلق والقدرة، كلها صفات لله سبحانه، والإيمان بصفاته واجب؛ لا ينازع أحد في ذلك. الثاني: أن مسائل القدر كلها مندرجة تحت هذه المراتب. فالخلاصة أن للقدر أربع مراتب هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأنه لا بد من الإيمان بها لتحقيق صحة الإيمان بالقدر، وبالله التوفيق.

стр. 115

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. مراتب القدر الأربعة هي الدعائم التي يقوم عليها الاعتقاد الصحيح في هذا الباب العظيم الشريف، فمن أتى بها كاملة فاز وأنجح، ومن لا؛ خسر وهلك، ولا يقتصر تحقيقها على مجرد الإثبات دون تحقيق ما حوته من معان ودلالات. وإثباتها كاملة على الوجه الصحيح لم يتحقق لغير أهل السنة والجماعة، وسواهم ما بين ناف لها كلها، أو ناف لبعضها، أو مثبت لها على هواه ورأيه دون ما دلت عليه في حقيقة الأمر، على ما سيأتي بيانه. فذهب القدرية الأوائل إلى إنكار مراتب القدر كاملة؛ فأنكروا العلم السابق وزعموا أن الأمر أُنُف، وهم الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة فتبرؤوا منهم وردُّوا بدعتهم. وكان أول من قال بهذا القول: معبد الجهني بالبصرة، كما في قصة يَحيى بن يعمر (١) مع ابن عمر، وفيها قوله: "أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم - وذكر من شأنهم - وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف"، فقال له ابن عمر ﵄: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه؛ ما قَبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" (٢).

стр. 116

وممن رد عليهم من الصحابة كذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وجابر، وأنس، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم ﵃، وكانوا يوصون الناس بأن لا يسلموا عليهم، ولا يعودوهم إن مرضوا، ولا يصلوا عليهم إذا ماتوا (١). وهؤلاء هم غلاة القدرية، وقد اتفق سلف الأمة على تكفيرهم (٢). وإنكارهم للعلم متضمن لإنكارهم للمراتب الأخرى، إذ لا كتابة بدون علم، ولا مشيئة ولا خلق. أما الكتابة فإنما تكون لشيء معلوم، فإذا عدم عدمت من باب أولى. وأما المشيئة فإنها لا تكون إلا بعد العلم بالمراد، فإذا لم يكن المراد معلومًا فلا مشيئة له عندئذ. وأما الخلق، فإن الخلق يستلزم العلم بكيفية المراد، وإرادة الخالق له، فإذا انتفى العلم انتفى الخلق لانتفاء العلم به ولانتفاء إرادته أيضًا، فنفي العلم نفي للكتابة ونفي للمشيئة وهو نفي للخلق من باب أولى (٣). ولذلك قال وكيع بن الجراح ﵀: "القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر الكتابة والأعمال" (٤)، فجمع ﵀ بين إنكارهم للعلم،

стр. 117

وإنكارهم للكتابة وخلق الأعمال. ويؤيد هذا أن في حكاية أصحاب المقالات كالبغدادي والإِسفْراييني (١) والشهْرسْتاني (٢) (٣) لمذهبهم ما يتبين منه أنهم خالفوا في مسائل أخر هي أصول في باب القدر، سيأتي التنبيه عليها في موضعها. فلم تنحصر مخالفتهم في إنكار العلم، بل شملت مسائل أخرى، فهذا يؤيد أن إنكارهم للعلم إنكار للمراتب الثلاث الأخرى، وإنكارهم للمراتب كلها نقض لباب القدر عن آخره، والله المستعان. ويشبه مقالةَ هؤلاء - بل هي شر منها (٤) -: مقالةُ الفلاسفة الذين ذهبوا إلى إنكار علم الله سبحانه بالجزئيات، وحصروا علمه بالكليات فقط، أو قالوا: علمه بالجزئيات كلي، وستأتي مقالتهم مع ردها مستوفاة في المبحث القادم إن شاء الله.

стр. 118

وأما القدرية المعتزلة ومن وافقهم؛ فهم في مقابل الأوائل متوسطة، وهم الذين يثبتون مرتبتي العلم والكتابة، وينفون مرتبتي المشيئة والخلق. فأنكروا أن يكون الله سبحانه خالقًا لشيء من أفعال الأحياء، من البشر أو الدواب أو الهوام أو غير ذلك، هذا مما اتفق عليه سائر المعتزلة (١). بل لم يكتفوا بذلك حتى أنكروا قدرته عليها (٢)، وإنما تنازعوا هل يقدر على مثلها (٣). وأنكروا كذلك إرادته لما وقع من المعاصي: فاجتمع عندهم فيها أمران: عدم خلقه سبحانه لها وعدم مشيئتها. قال القاضي عبْد الجبَّار (٤): "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلَيْن" (٥).

стр. 119

وقال ابن المرتضى (١): "وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه" (٢). وقال القاضي عبد الجبار في بيان أن الله لم يشأ ما وقع من العباد من المعاصي: "فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها" (٣)، وذلك أن إرادة القبائح قبيحة، والله منزه عن القبيح؛ فوجب ألا يشاءه (٤). فلما كانت المشيئة عندهم مرادفةً للمحبة، لم يمكنهم القول بأن الله شاء المعاصي، إذ معلوم أن الله لا يحب المعاصي، فنفوا مشيئته لها. ونفيهم لمشيئته لها نفي - في حقيقة الأمر - لخلقها؛ إذ لا خلق بلا مشيئة؛ فلو خلقها لكان شائيًا لها - أي محبًّا بزعمهم -، والله لا يحب المعاصي، وبالعكس؛ فنفي الخلق نفي للمشيئة إذ لو شاءها الله لوجدت، فكل ما شاءه الله فلا بد أن يوجد، فنفي خلقها نفي لإرادتها. فهذه جملة مقالتهم في هذا الباب، وهي تدور على أمرين: الأول: نفي خلق الله سبحانه لأفعال العباد.

стр. 120

الثاني: نفي مشيئة الله للمعاصي منها، لأن المشيئة عندهم والمحبة مترادفتان. وأما المرتبتان الأوليتان؛ فهم يثبتونهما من حيث العموم، ولهم مخالفات في ضمن هذا الإثبات. وما يدل على إثبات العلم من كتبهم قول القاضي عبد الجبار: "وجملة القول في ذلك أنه يلزمه [أي المكلف] أن يَعلمَ أنه تعالى كان عالمًا فيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بجهل أو سهو، وأنه عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصح أن تُعلم عليها" (١). وقال أبو الحَسن الأشْعري ﵀ (٢): "وأجمعت المعتزلة على أن الله لم يزل عالمًا قادرًا حيًّا" (٣). وأما الكتابة؛ فقال القاضي عبد الجبار: "وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]: يدل على أن كل ذلك يكتبه الحفظة، ثم يقع التمييز عند المحاسبة، ويحتمل أن يريد أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، كما كتب الله الآجال والأرزاق" (٤).

стр. 121

وممن قررها أيضًا: أبو بكر الأصَم (١)، والزمخشري (٢) كما في مواضع عديدة من تفسيره (٣). وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه روي عن عمرو بن عبيد في كتابة المقادير روايتان (٤)، والرواية الثانية هي ما رواه الدارقطني عن معَاذ بن معَاذ (٥) قال: "كنت جالسًا عند عمرو بن عبيد، فأتاه رجل فقال له: يا أبا عثمان، سمعت اليوم بالكفر! فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشم الأَوقص (٦) يقول: إن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وقوله:

стр. 122

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ليسا في اللوح المحفوظ، والله تعالى يقول: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّه فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤] فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان؟ قال: فسكت عمرو بن عبيد ساعةً، ثم أقبل عليه فقال: لو كان الأمر على ما تقولون ما كان على أبي لهب من لوم، وما كان على الوحيد من لوم" (١). فهذه الرواية تظهر جليًّا إنكار عمرو بن عبيد للكتابة. وبهذا يتبين أن المعتزلة ينكرون مرتبتي المشيئة والخلق، ويثبتون العلم والكتابة - على مخالفة لهم في حقيقة هذا الإثبات، والله أعلم. وأما الأشاعرة؛ فيخالفون منهج السلف في كثير من التفصيلات المتعلقة بمراتب القدر، إلا أنهم يثبتون هذه المراتب على وجه العموم. فنصوص الأشعري - إمام المذهب - وما حكاه من إجماعات للسلف تدل على هذا؛ يقول في رسالته "رسالة إلى أهل الثغر": "باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول:. . . وأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميعَ ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون. . . وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم. . . وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه. . . وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله قبل خلقه لهم، وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم، وأحاط علمه به وبهم، وأخبر بما يكون منهم، وأن أحدًا لا يقدر على تغيير

стр. 123

شيء من ذلك، ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به، وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره، فمنهم شقي وسعيد" (١). فاشتمل كلامه على إثبات المراتب كلها. ومن ذلك قول البَيجُوري (٢): "فالقضاء والقدر راجعان لما تقدم من العلم والإرادة وتعلق القدرة" (٣)، وتعلق القدرة عندهم معناه الإيجاد (٤)، فهذا نص منه على العلم والإرادة والخلق. ونص الرازي على الكتابة بقوله في تقرير الدلائل الإخبارية على صحة القول بالقضاء والقدر: "الحجة الثلاثون: عن أبي ظَبْيان (٥) عن ابن عباس قال: (أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) (٦)، وجه الاستدلال به: أنه دخل في هذا المكتوب جميع أفعال العباد" (٧).

стр. 124

واستدل في الحجة العاشرة بحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (١) مقرًّا لما تضمنه من كتابة المقادير (٢). لكنه ذهب إلى أن الإيمان باللوح المحفوظ وكتابة المقادير فيه غير واجب، فقال: "لأن المسلمين أجمعوا على أن العلم بوجود اللوح المحفوظ، وبأن الله أحدث فيه رقومًا خاصة دالة على أحوال هذا العالم؛ ليس من شرائط الإيمان، ولا من واجباته" (٣). وما ذهب إليه واضح البطلان من وجهين: الأول: أن النصوص دلت بطريق القطع على وجوب الإيمان بالقدر، ومن الإيمان بالقدر - باعترافه هو - الإيمان بأن الله سبحانه كتب في اللوح المحفوظ مقادير العباد، فهو واجب. الثاني: أن الإيمان باللوح وكتابة المقادير فيه من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها والتصديق لها، والأشاعرة أنفسهم يجعلون باب السمعيات - الذي من جملته اللوح - مما يجب الإيمان به. وأما الماتريدية؛ فقد ذهبوا إلى إثبات المراتب من حيث العموم دون التنصيص على أن هذه هي مراتب القدر، مع وجود المخالفة في حقيقة الإثبات لبعض المراتب. ففي كلام أئمتهم إثبات صفة العلم لله ، ومن ذلك قول أبي

стр. 125

منصور الماتريدي (١) في كتابه "التوحيد": "ثم إذا كان الله جل ثناؤه موصوفًا بالعلم والقدرة والجبروت والحياة لذاته، لإحالة احتماله الأغيار" (٢). وكذلك هم ممن يثبت اسم الله سبحانه "العليم" وما تضمنه من صفة "العلم". قال الكَمال بن الهُمام (٣): "ثم إنه سميع بسمع وبصير بصفة تسمى بصرا، وكذا عليم بعلمٍ، وقدير بقدرة ومريد بإرادة، لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم من اللغة من عليم: ذات له علم، بل يستحيل عندهم عليم بلا علم، كاستحالته بلا معلوم، فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي يوجب صرفه" (٤). ولأبي منصور كلام طويل في تقرير خلق الأفعال في كتابه "التوحيد" (٥). وقال البزدوي (٦): "قال أهل السنة والجماعة: إن الحوادث كلها من

стр. 126

الأعيان والأفعال بمشيئة الله وإرادته وحكمه، خيرًا كان أو شرا" (١). وقال أيضًا: "قال أهل السنة والجماعة: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعولة، والله تعالى هو موجدها ومحدثها ومنشئها" (٢). وقال أبو المعين النَّسفي (٣) في ذكر مرتبتي المشيئة والخلق: "وإذا ثبت أن الله تعالى هو الذي يتولى تخليق أفعال العباد خيرها وشرها، طاعتها ومعصيتها، والله تعالى مختار في تخليق ما يخلق غير مضطر فيه، ولا اختيار بدون الإرادة؛ ثبت أن ما يوجد من أفعال العباد كلها بإرادة الله تعالى، وما لم يوجد منها؛ لم يكن بإرادة الله تعالى، إذ لم يخلقه. ثم حاصل المذهب أن كل حادث حدث بإرادة الله تعالى على أي وصف كان" (٤).

стр. 127

وفي جملة من كلام الكمال بن الهمام يجد القارئ إثباتهم للعلم والمشيئة والخلق، قال: "الركن الثاني: العلم بصفات الله تعالى، ومداره على عشرة أصول، حاصل ستة منها: العلم بأنه تعالى قادر حي مريد، لما ثبت وحدانيته في الألوهية (١)؛ ثبت استناد كل الحوادث إليه، وهو مشَاهَدٌ منها كمال الإحسان، ويستلزم ذلك قدرته تعالى وعلمه بما يفعله ويوجده، وينضم إلى هذا أنه هو الموجد لأفعال المخلوقات، فيلزمه علمه بكل جزئي جزئي" (٢). وأما مرتبة الكتابة، فنصوا عليها أيضًا، ومن ذلك قول الناصري: "وقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ جميع ما يكون وجميع ما تفعل العباد قبل خلقهم" (٣). وقال صاحب "مميزات مذهب الماتريدية": "وكون أفعال العباد بعلم الله تعالى وإرادته وتقديره وكتبه في اللوح؛ لا يستلزم كون صدورها من العباد بالجبر" (٤)، وهذا نص منه على العلم والكتابة والمشيئة. وبهذا يتبين أن الماتريدية يثبتون مراتب القدر من حيث العموم، ومخالفتهم هي في جزئيات تتعلق ببعضها، سيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله.

стр. 128

المبحث الرابع: "علم الله سبحانه شامل لكل شيء" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 129

المبحث الرابع: "علم الله سبحانه شامل لكل شيء" كان الكلام في القاعدة السابقة عن مراتب القدر - ومنها العلم - ووجوب الإيمان بها، وسيكون الكلام في هذه القاعدة في تفصيل ما يتعلق بالعلم من حيث شموله لكل شيء. المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال شيخ الإسلام ﵀: "فالعلم يتناول الموجود والمعدوم، والواجب والممكن والممتنع، وما كان وما سيكون، وما يختاره العالِم وما لا يختاره" (١). وقال ﵀: "وذلك أن الله يعلم الموجود والمعدوم والواجب والممكن والممتنع" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "الأصل الأول: إثبات عموم علمه سبحانه، وإحاطته بكل معلوم، وأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض؛ بل قد أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل

стр. 130

شيء عددًا" (١). وقال أيضًا: "العلم أعم الصفات تعلقًا بمتعلقه وأوسعها؛ فإنه يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل، والجائز والموجود والمعدوم. . . فالعلم أوسع وأعم وأشمل في ذاته ومتعلَّقه" (٢). وقال السفاريني ﵀: "فيجب شرعًا أن يُعلم أن علم الله غير متناه من حيث تعلقه. . . فهو شامل لجميع المتصوَّرات سواء كانت واجبة كذاته وصفاته، أو مستحيلة كشريك له تعالى، أو ممكنة كالعالم بأسره، الجزيئات من ذلك والكليات، على ما هي عليه من جميع ذلك" (٣).

стр. 131

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل على شمول علم الله الكتاب والسنة وإجماع السلف. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. ومن أدلة السنة: حديث ربعي بن حراش ﵀ عن رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج؟. . . الحديث، وفيه قوله للنبي ﷺ : فهل بقى من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: (قد علم الله خيرًا، وإنَّ من العلم ما لا يعلمه إلا الله؛ الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ

стр. 132

اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) (١). وحديث أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ : (أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. . .) الحديث وفيه: (فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حَرْف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) (٢). حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. ويسمي حاجته) (٣). فذكر علمه العلم مقرونًا بوصفه بأنه علام الغيوب، وهذا يعم كل ما

стр. 133

صح أن يسمى علمًا، ثم ذكر علمه بالشيء المعين. وأما الإجماع، فممن نقله: - المزني ﵀، قال - بعد أن ذكر جُمَلًا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنها: "أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فالخلق عاملون بسابق علمه ونافذون لما خلقهم له من خير وشر" -: "هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضا" (١). - الأشعري ﵀، قال: "وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجَهمية (٢) والمعتزلة والحرورية على أن لله علمًا لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل: كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علمًا خالف المسلمين، وخرج به عن اتفاقهم" (٣). - شيخ الإسلام ﵀، قال - بعد أن ساق آيات في تعلق علم الله

стр. 134

بالمخلوقات بعد وجودها -: "هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون" (١). هذه بعض أدلة العلم، وبالجملة فكل دليل على القدر بصفة عامة، أو على مرتبة من مراتبه؛ فهو دليل على العلم وشموله، لأن مراتب القدر كلها تدل على العلم كما تقدمت الإشارة إليه (٢).

стр. 135

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. سبق الكلام على مرتبة العلم بصورة مجملة، وسيكون الكلام فيه في هذه القاعدة مفصلًا من حيث شموله لكل شيء. والعلم صفة من الصفات الذاتية الفعلية لله ، وهي من الصفات المعنوية المعلومة بالعقل، وتتعلق بكل معلوم على التفصيل (١)، ومن أسمائه العليم. وعلم الله علم كامل يليق بكمال الله ، علم لم يُسبق بجهالة، ولا يلحقه نسيان، ولا يعتريه نقص بحال من الأحوال. وشمول علم الله يمكن ترتيبه في أمور: الأول: شمول علمه لما يتعلق به : فأسماء الرب وصفاته، وكذا ذاته؛ معلومة له. قال شيخ الإسلام ﵀: "اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "فذات الرب سبحانه وصفاته وأسماؤه معلومة له" (٣). وقال السفاريني ﵀: "فهو شامل لجميع المتصورات؛ سواء كانت واجبة كذاته وصفاته. . ." (٤).

стр. 136

وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "معلومه يدخل فيه علمه بذاته وبصفاته، وبما سوى ذلك" (١). وقال أيضًا: "فعلم الله تعالى واسع شامل محيط لا يستثنى منه شيء، فأما علمه بالواجب، فكعلمه بنفسه وبما له من الصفات الكاملة. . ." (٢). الثاني: شمول علم الله لما كان في الماضي: ومعناه أن الله قد علم ما كان في الماضي من دقيق الأمور وجليلها، فلم تخف عليه منها خافية، سواء فيما يتعلق بهذا العالم وما جَرَى فيه، أو ما سبقه مما لا يعلمه إلا الله، وسواءٌ ما يتعلق بنفسه ، أو ما يتعلق بمخلوقاته. ويدل على ذلك قوله في قصة موسى ﵇ مع فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١، ٥٢]. فقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ هو جواب من موسى ﵇ لفرعون لما احتج عليه بشرك الأمم الماضية، أي: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم به. وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئًا؛ فأثبت له كمال العلم وإحاطته بكل شيء ابتداءً، ثم نفى عنه النقص والنسيان؛ فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنَزَّه نفسه عن ذلك (٣).

стр. 137

الثالث: شمول علم الله لما سيكون في المستقبل: ومعناه أن الله علم علمًا أزليًّا بما سيقع فيما سيأتي من أزمان؛ سواء فيما يتعلق بالدنيا وما تصير إليه، وما يقع فيها من أمور إلى حين انقضائها وزوالها، أو ما يتعلق بالآخرة، إلى ما لا نهاية له. وسواءٌ في كل ذلك ما يتعلق بنفسه ، أو ما يتعلق بمخلوقاته. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. يعني: إلا في أم الكتاب (١). فأخبر أن كتابته للمصيبة سابقة لوقوعها، والكتابة لا تكون إلا عن علم، فدل على أن علمه بها متقدم على وقوعها. ويدل عليه كذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (٢). وكل دليل على تقدُّم الكتابة فهو دليل على العلم السابق بما سيكون - لأن الكتابة لا تكون إلا عن علم كما تقدم آنفًا -، سواء كانت الكتابة الأزلية أو غيرها، مع كون الكتابة الأولى كافية في الدلالة على ذلك لأن ما بعدها تفصيل منها (٣). ومما يدل عليه الآيات والأحاديث التي جاءت في وصف المغيبات

стр. 138

المتعلِّقَة بيوم القيامة، وما يتبع ذلك من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، ونحو ذلك، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُم رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين﴾ [الطور: ١٧ - ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٨]. وحديث ابن مسعود ﵁ في قصة آخر من يدخل الجنة (١)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ في قصة صاحب البطاقة (٢). وكذا النصوص التي جاءت في وصف ما سيكون من الفتن وأشراط الساعة؛ كخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ونحو ذلك (٣).

стр. 139

الرابع: شمول علم الله لما لا يقع: ويدخل فيه الجائز الذي علم الله أنه لا يقع، والممتنع. فمن أدلة الأول: قوله عن أهل النار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. فأخبر عن علمه بهؤلاء الكفار بأنه لو ردهم إلى دار التكليف مرة أخرى ليستدركوا ما فاتهم من الإيمان والعمل؛ أنهم لا يؤمنون، بل يرجعون إلى سالف عهدهم من الكفر والمخالفة (١)، مع أن رجوعهم إلى دار الدنيا أمر قد أخبر بأنه لا يقع، كما في قوله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. وكذا قوله عن المشركين: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]. أي: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فلن يؤمنوا، ثم أخبر أنه لو أفهمهم ذلك لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان به، معاندون للحق بعد العلم به (٢).

стр. 140

ومن أدلة الثاني: قوله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. أخبر جل وعلا عن علمه بما ينتج عن هذا الأمر المستحيل فيما لو وقع، وهو فساد أهل السماوات والأرض (١)، مع كونه قد أخبر عن استحالة وقوعه، بإخباره سبحانه بتفرده بالإلهية وانتفاء الشريك معه، كما قال : ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]. وقوله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. أي: لو كان مع الله آلهة كما يزعمه المشركون؛ - وهذا ممتنع غير واقع - إذن لابتغت تلك الآلهة القربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى إليه (٢). الخامس: شمول علم الله للجُزئيَّات (٣): ومعناه أن علم الله لا يقتصر على كليات الأمور؛ بل هو شامل للتفصيلات والدقائق أيضًا، فما من أمر عظيم ولا حقير، كبير ولا صغير؛ إلا والله يعلمه، ويعلم أدق تفصيلاته في ذاته وصفاته وأحواله، وجميع ما يتعلق به.

стр. 141

ويدل على ذلك: النصوص التي أخبرت بعموم علمه بالأشياء، وهذا العموم يقتضي علمه بالجزئيات، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ويدل عليه كذلك: النصوص الواردة في كتابة المقادير؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته؛ كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجُزئية المعيَّنة، فتقدير الله يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات (١). ومما يدل على علمه بالجزئيات: خلقه للأشياء، فإن الخلق يستلزم علمه بتفاصيل المخلوق. قال : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. فأتبع احتجاجه بالنشأة الأولى على قدرته على الإعادة بإخباره بشمول علمه لأن الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه. وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ عقِب ذلك فيه فائدة أخرى؛ وهي

стр. 142

إخباره بعلمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال (١)، فبعلمه بتفاصيلها مع قدرته يعيدها مرة أخرى. قال السعدي ﵀: "وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي على (٢) ثبوت علمه؛ وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته" (٣). وقال : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه الآية تدل على كونه عالمًا بالجزئيات من طرق: أحدها: من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق. والثاني: من جهة كونه في نفسه لطيفًا خبيرًا، وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وخفيها، ثم يقال: اللطيف الخبير عِلمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته - كما تقدم - فقد تضمنت الآية هذه الطرق الثلاثة" (٤). ومما يدل على ذلك أيضًا أن الله سبحانه سمى ووصف نفسه بما يدل على علمه بتفاصيل الأمور وخفاياها وخباياها. ومن ذلك: تسميته نفسه باسم الخبير واللطيف، ووصفه نفسه بما

стр. 143

تضمناهما من المعاني وهي اللُّطف والخبرة. ومعنى الخبير: "العالم بكُنْه الشيء، المطَّلع على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] " (١). والخبير بمعنى العليم، لكن إذا أضيف العلم إلى الأمور الباطنة الخفية سُمِّي خبرة، وسمي صاحبه خبيرًا (٢). وقد يقرن الله بينه وبين اسم "العليم"، كما في قوله : ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. فحينئذ يكون المعنى: "الذي أحاط علمُه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء" (٣). وأما اللطيف فله معنيان: أحدهما: ما نحن بصدده؛ وهو الذي لا تخفى عليه خافية، بل أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، وهو بمعنى الخبير. الثاني: اللطيف بعباده المؤمنين، الذي يوصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه، من طرق خفية عنهم لا يشعرون بها، وهو بمعنى الرؤوف (٤).

стр. 144

قال العلامة ابن القيم ﵀ (١): وهو اللطيف بعبده ولعبده … واللُّطْف في أوصافه نوعانِ إدراك أسرار الأمور بخبرةٍ … واللُّطْف عند مواقع الإحسانِ فيُريك عزَّته ويُبدي لُطْفَه … والعبد في الغَفَلات عن ذا الشانِ ويقرن الله بينه وبين الخبير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ومعناه عندئذ: "الذي لطف علمه بما في القلوب؛ الخبير بما تُسِره وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية" (٢). ومن الأدلة على علمه بالجزئيات: إخباره في مواطن كثيرة من كتابه بتفاصيل الأمور المعيَّنة، كإخباره عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما آل إليه حالهم. ومن الأدلة أيضًا: أنه لو لم يكن عالمًا بها لكان جاهلًا، والجهل نقص يتنَزَّه الله عنه، فوجب أن يكون عالما بها (٣). ومن الأدلة أيضًا: أن نفيَ علم الله بالجزئيات نفيٌ لعلمه بالأشياء؛ لأن الكليات لا وجود لها خارج الذهن؛ وإنما الموجود خارج الذهن: الجزئياتُ المعيَّنة. قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن لم يعلم المعيَّنات لم يعلم شيئًا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم

стр. 145

يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات" (١). ومن الأدلة أيضًا: أن من المخلوقات من يعلم بعض الجزئيات، والعلم بها صفة كمال؛ فوجب أن يكون الله سبحانه عالمًا بها، لأن كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه، لأمرين: الأول: أنه أكمل من المخلوق، فيمتنع أن يوصف المخلوق بكمال ويكون الرب عاريًا عنه؛ لأنه الأكمل. الثاني: لأنه هو الذي أعطى المخلوق ذلك الكمال، فمعطي الكمال لغيره أولى وأحرى أن يكون هو موصوفًا به (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "بل مخلوقه له علم بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك" (٣). وإذا ثبت علمه ببعض الجزئيات؛ ثبت علمه بها كلها؛ إذ لا فرق بين جزئية وأخرى، ولأنه لم يقل أحد من الناس أنه يعلم بعض الجزئيات دون بعض، فهم إما مثبتون لعلمه بها كلها، وإما نافون. والله أعلم. قال العلامة ابن القيم ﵀ في بيان شمول علم الله (٤): وهو العليم بما يُوسوِس عبدُه … في نفسه من غير نطق لسانِ
следующие страницы →