← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجبر فزعم أن العبد مجبور على فعله، وهو كالريشة في مهب الريح، وأنكر الحكمة، بل هو أول من أنكرهها، وزعم أن المشيئة هي عين الإرادة، فكل ما شاءه فقد أحبه. وستأتي حكاية مذاهب المخالفين لأهل السنة في كل مسألة من هذه المسائل في محلها من البحث إن شاء الله، وإنما المقصود التنبيه على أن الخوض المحرم في القدر جرَّهم إلى مقالات باطلة ومذاهب منحرفة عن مراد الله والرسول؛ فها هنا أمران أصل وفرع، فالأصل هو الخوض المحرم، والفرع هو آحاد تلك المسائل. وأما الرد على هذا الأصل وبيان بطلانه فمن وجوه: أولها: أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت - كما تقدم - على أن الخوضَ في القدر على هذا النحو محرمٌ. الثاني: أن أقوال السلف من الصحابة والتابعين - كما تقدم أيضًا - دلت على حرمة هذا الخوض أيضًا، فاجتمع الكتاب والسنة مع فهم السلف على ذلك، فماذا بعد ذلك من حجة. الثالث: أن الخوض في القدر على هذا النحو هو خوض فيما ليس للعقل فيه مدخل، وما ليس للعقل فيه مدخل، ولا للشرع فيه مدخل؛ فالطرق إليه مسدودة، والخوض فيه تهوُّر وتهوُّك. الرابع: أن انخرام مذهبكم في القدر كله وكذا في أبواب أخرى من الدين إنما كان بسبب هذا الخوض المحرم، في حين أن من سلم منه سلم له مذهبه واطرد، فهذا يدل على بطلان هذا الخوض، إذ هذا فرع عن ذاك كما تقدم.

стр. 72

المبحث الثاني: "الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ورسوله ﷺ -" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 73

المبحث الثاني: "الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ورسوله ﷺ " هذه القاعدة تمثل منهجًا مؤصَّلًا للكلام في باب القدر، وأنه ليس بالظنون والتخرُّصات؛ بل إنما يتلقى من مشكاة الوحي المبين، ومن كلام رسوله الأمين ﷺ . المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال الإمام ابن القيم ﵀: "ولما كان الكلام في هذا الباب [يريد باب القدر]- نفيًا وإثباتًا - موقوفًا على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره؛ كان أسعد الناس بالصواب فيه من تلقَّى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهَوِّكين، وتشكيكات المتكلِّمين، وتكلُّفات المتنطِّعين، واستمطر دِيَم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين؛ فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفَتْ وشفَتْ وجمعَتْ وفرَّقَتْ وأوضحَتْ وبيَّنَتْ وحلَّتْ محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن" (١).

стр. 74

وكون الكلام في القدر موقوفًا على نص الشارع أمرٌ متقررٌ عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة. قال أبو المظفَّر السمعاني: "قد ذكرنا أن سبيل معرفة هذا الباب [أي باب القدر] التوقيف من قبل الكتاب والسنة؛ دون محض القياس ومجرد المعقول، فمن عدَل عن التوقيف في هذا الباب؛ ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب" (١). فتوقيف هذا الباب هو أصل كُلِّي يستصحبه الناظر فيه حتى يكون - بإذن الله - في مأمن من الضلال والقول فيه بغير علم.

стр. 75

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل على هذه القاعدة الأدلة العامة على النهي عن القول والجدال في الدين بغير علم، وكذا الأدلة على وجوب اتباع ما جاء به النبي ﷺ دون غيره. فمن أدلة النوع الأول: - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. قال ابن كثير ﵀: "ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" (١). - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩]. فنهى عباده عن اتباع خطوات الشيطان، مبينًا لهم أن من مكائده في إغوائهم أن يأمرهم بالقول على الله بغير علم، فدل على تحريمه. قال ابن كثير ﵀: "أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا" (٢). - وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].

стр. 76

يخبر في هذه الآية عن حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع؛ أنهم يخاصمون في الدين بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح، بل بمجرد الرأي والهوى (١)، وهذا على سبيل الذم لهم. ويدل كذلك لما نحن بصدده - دلالة أظهر - ما تقدم من قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (٢). ومما لا شك فيه أن أولى ما يدخل في النهي عن القول بغير علم الكلام في مسائل الاعتقاد، ومن أولى ذلك الكلام في القدر لأمور: الأول: النهي الخاص عن الخوض فيه كما تقدم. الثاني: الارتباط الوثيق بين باب القدر وسائر أبواب الاعتقاد الأخرى، وكذلك الارتباط بين الشرع والقدر. الثالث: خطورة باب القدر؛ فالزلل فيه هُوَّة عميقة ضلَّ فيها خلق لا يحصيهم إلا الله ، وهذا دليل واقعي على أن الخوض فيه بلا مستند من الوحي لا يؤدي إلى خير؛ ينضم إلى الأدلة الشرعية في النهي عن ذلك. وقد تقدم شيء من هذا لكن اقتضى المقام إعادة الكلام فيه، وبالله التوفيق.

стр. 77

ومن أدلة النوع الثاني: - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. قال السعدي ﵀: "وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعيَّن على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحِل مخالفته، وأن نصَّ الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله" (١). - وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. عن ابن عباس ﵄ قال: "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة" (٢). ويدخل في هذا: الآيات التي فيها الأمر برَدِّ النزاع إلى الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ويدخل في هذا كله: الكلام في القدر؛ يحرُم الخروج فيه عما جاء به النبي ﷺ ، وكذلك يجب رد النِّزاع فيه إلى الله ورسوله، والله أعلم.

стр. 78

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. القدر - كما تقدم - باب من أبواب الدين التي يطلب العلم بها وجوبًا أو استحبابًا، وهو داخل في ضمن ما أُمرنا بتدبره وتفهمه، كما قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. بل العلم به من أشرف العلوم وأجلِّها، لأن الإيمان به ركن من أركان الإيمان، ولأنه يسلك مسائل الدين كلها ولا انفكاك له عنها. فإذا تبيَّنَت أهميته وتقرَّرت مشروعية البحث فيه؛ فلا بد إذن من وجود منهج يسلكه الباحث ليأمن غوائل الضلال فيه، وليجتنب ما يجرُّه إلى الخوض فيما نُهي عن الخوض فيه. وهذه القاعدة هي لبيان هذا المنهج - أو لبيان الأهم فيه - وهي تركز على بيان مصدر التلقي والاستدلال، ووجوب الوقوف على النص وعدم تجاوزه. ومعنى الكلام في القدر: أي البحث فيه ودراسته وبيان مسائله، ومحاججة الخصوم فيه؛ أي: تقريرًا وردًا. وفي القدر: أي الجانب الظاهر منه الذي يجوز لنا البحث فيه؛ لا الجانب الخفي الذي نُهينا عن الخوض فيه. نفيًا وإثباتًا: أي سواء كان الكلام في إثبات مسألة أو نفيها، فالإثبات محتاج إلى الدليل وكذا النفي. وهذه الكلمة إنما هي للتأكيد على المراد، وإلا فواضح أن الإثبات والنفي هنا من نفس الباب؛ كلاهما متوقف على الدليل. متوقف على الخبر عن الله ورسوله ﷺ : أي لا تثبت مسألة

стр. 79

من مسائله إلا بالدليل الصحيح من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فلا يَصلُح أن يستدل في هذا الباب - ولا في غيره من أبواب الدين - بالرأي المجرد والأهواء والظنون. والدليل الصحيح يتضمن شيئين: الأول: صحة الدليل من جهة النقل؛ فكما يُمنع الاستدلال بالرأي المجرد والهوى؛ فكذلك يُمنع الاستدلال بما لم يثبُت من الأحاديث. الثاني: صحة الاستدلال، فلربما صح الدليل نقلًا، ولكن الاستدلال به غير صحيح. ومن الآثار عن السلف في توقيف باب القدر: - قول طاووس ﵀: "اجتنبوا الكلام في القدر؛ فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم" (١). فقوله ﵀: "اجتنبوا الكلام في القدر": أي الكلام بمجرد الرأي بلا علم، لأنه علل ذلك بعدُ بقوله: "فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم"، ومراده: لا تكونوا كالذين يتكلمون في القدر بظنون وأوهام، لأن الكلام فيه لا يجوز إلا بعلم. - قول القاسم بن محمد ﵀ لما مرَّ بقوم يذكرون القدر -: "تكلموا فيما سمعتم الله ذَكَر في كتابه، وكُفُّوا عما كّفَّ الله عنه" (٢). ومقصوده - والله أعلم - أن الواجب ألا يتكلم أحد في القدر من عنده،

стр. 80

بل يتبع في ذلك ما جاء في النصوص، وليس مراده النهي عن الكلام في القدر على الإطلاق، لأنه قال بعد ذلك: "تكلموا فيما سمعتم الله ذَكَر في كتابه. . ."؛ والقدر مما ذكره الله في كتابه. فالمقصود أن البحث في مسائل القدر موقوف على الدليل الشرعي، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والآراء، والله أعلم.

стр. 81

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. لما كانت هذه القاعدة مرتبطةً بما قبلها، ومتممة لها - إذ الأولى في بيان حرمة التنقير والبحث في مسائل القدر، وهذه في بيان الأصول التي يستمد منها الباب، وهي الكتاب والسنة - فالرد على المخالفين هنا سيكون كما في القاعدة السابقة مجملًا، مع عرض وجه المخالفة عند كل فرقة. وخصومة أهل السنة هنا مع المتكلمة من معتزلة وأشاعرة وجهمية، إذ أن وصف الكلام إنما أُخذ من اتباع الكلام والعقول والأقيسة المنطقية في مقابل النصوص الشرعية والآثار السلفية (١)، وذلك أن المتكلمين بنوا مقالتهم على تقديم العقل على النقل، وجعلوه أصلًا كليًّا عنه تفرع منهجهم في التلقي والاستدلال (٢). فمع تعظيمهم الغالي للعقل؛ أهملوا العناية بالنقل، وأعرضوا عن كتب الأحاديث والآثار، واشتغلوا عنهما بفلسفة الهند ومنطق اليونان، لذلك فهم من أجهل الناس بهما، وقد اعترف بذلك كبراؤهم، كاعتراف الغَزالي (٣) بأن

стр. 82

بضاعته في الحديث مزجاة (١) (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن معرفة الحديث وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر محسوس بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله ﷺ وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم" (٣). وسلكوا فيما وصلهم من أحاديث تعارض أصولهم، وتناقض مذاهبهم، مسالك شتى مرجعها إلى مسلكين خطيرين (٤): - مسلك الرد، فيطعنون في صحة النص من جهة ثبوته. - مسلك التأويل، ويلجأ إليه إذا لم يمكن إعمال المسلك الأول، وهذا المسلك فرع عن أصلهم المعتمد؛ ألا وهو ظنية الأدلة النقلية في مقابل قطعية الدليل العقلي. أما المسلك الأول فأدرجوا تحته أصولًا فاسدة منها: أولًا: الرد الصريح للنصوص، كما صرح بذلك أئمتهم، كأبي منصور

стр. 83

البَغْدادي (١) حيث قال: "فإن روى الراوي ما يحيله العقل ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا؛ فخبره مردود" (٢). ومثاله ما وقع من عمْرو بن عُبيد (٣) - أخزاه الله - حيث قال في حديث الرجل الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ثم يذروه في يوم عاصف (٤)، قال: "ما قال هذا رسول الله ﷺ قط، وإن كان قاله؛ فأنا به مكذب، فإن كان التكذيب به ذنب؛ فأنا عليه مصر" (٥). ثانيًا: الإيمان ببعض النصوص دون بعض، وله صور، منها: - رد أخبار الآحاد، زعمًا منهم أنها لا تفيد العلم، بل تفيد الظن، وما كان كذلك فلا يؤخذ منه اعتقاد، وبهذا يكونون قد ردوا أكثر السنة، إذ أن أخبار الآحاد أكثر عددًا من المتواتر.

стр. 84

قال الرَّازِي (١): "أما التمسك بخير الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز"، وجعل من وجوه الدلالة على ذلك: "أن أخبار الآحاد مظنونة، فلا يجوز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته" (٢). وقال التَّفْتازاني (٣): "خبر الواحد -على تقدير اشتماله على جميع الشرائط المذكورة في أصول الفقه - لا يفيد إلا الظن، ولا عبرة بالظن في باب الاعتقادات" (٤). وقال أبو الحُسيْن البَصري (٥): "لا يجوز الاقتصار في التوحيد والعدل على الظن دون العلم" (٦).

стр. 85

وذهب النَّظَّام (١) من المعتزلة إلى إنكار خبر الواحد كذلك، بل أنكر حجية التواتر كذلك والإجماع والقياس (٢). - التشهي في اعتماد النصوص، فما وافق هواهم أخذوا به، وما لا ردوه، فالنصوص عندهم للاعتضاد لا للاعتماد. قال ابن أبي العز ﵀ في وصف حال المعتزلة: "وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية؛ إنما يذكرونها للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا نثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول؛ إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبين موافقة السمع للعقل ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها، والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم، وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه" (٣). ثالثًا: كتمان النصوص، فطريقة هؤلاء القوم أنهم لا يظهرون من النصوص إلا ما يوافق أهواءهم، وما يخالفها فإنهم لا يذكرونه، بل يكتمونه،

стр. 86

وهذه سمة عامة لأهل الأهواء، كما قال وكيع بن الجراح ﵀: "أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا نُزعت حلاوة الحديث من قلبه" (٢). رابعًا: الطعن في نقلة الحديث لإسقاط رواياتهم، فتراهم ينقمون من أهل الحديث نقلهم لما يخالف أهواءهم، فتارة يرمونهم بقلة الفهم، وتارة بأنهم حشوية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى السب الصريح، حتى للصحابة، كما قال يحيى: "قلت لعمرو بن عبيد: كيف حديث الحسن عن سمرة - يعني في السكتتين -؟ قال: ما تصنع بسمرة؟ قبَّح الله سمرة" (٣). وقال الرازي: "إن أجلّ طبقات الرواة قدرًا وأعلاهم منصبًا: الصحابة ﵃، ثم إنا نعلم أن رواياتهم لا تفيد القطع واليقين" (٤). وأما المسلك الثاني: فهو في حقيقته تحريف، وإنما سمَّوه تأويلًا ليلبسوا به على العوام، إذ لفظ التحريف لفظ منفِّرٌ منكرٌ عند الناس، وهذا التحريف

стр. 87

عندهم على صورتين (١): - تحريف اللفظ: وهو تبديله، كنصب لفظ الجلالة من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ليكون المتكلم موسى ﵇. - تحريف المعنى، وهو صرف اللفظ عنه إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ، كتفسير الغضب بإرادة الانتقام، وتفسير اليدين بالنعمة والقدرة. وقد كان لهذا المنهج الذي سلكه المتكلمون أثره العظيم في باب القدر، فالمعتزلة ومن وافقهم من نفاة القدر جنحوا إلى تعظيم العقل وإضفاء صفة التشريع عليه، وقد برز هذا في باب القدر جليًّا واضحًا في مسائل كثيرة، كمسألة التحسين والتقبيح، فإنهم غلوا في منزلة العقل من كونه آلة يفهم بها النص، ويفهم بها ما أودعه الله في الأشياء من صفات تحسن وتقبح بها، إلى جعله مشرعًا للأحكام، قاضٍ بالمدح والذم والثواب والعقاب الشرعيين. فلم يقف المعتزلة في فهمهم واعتقادهم في باب القدر على ما جاء في النصوص الشرعية، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، بل جرَوا مع أهوائهم حيث سارت ركابها. وبنحوهم فعل الأشاعرة، فاعتاضوا في كثير من المسائل عن الأدلة الشرعية بما يقابل عقيدة المعتزلة، فجنحوا إلى سلب دور العقل وغلوا في إثبات الشرع وتعظيمه، وسلبهم للعقل كان سلبًا لكونه وسيلةً لفهم النص، وليس سلبًا لكونه بديلًا للنصوص الشرعية، بدليل أنهم لم يفزعوا إليها، وهذا ظاهر في مقالاتهم وآرائهم، ففي مسألة التحسين والتقبيح التي ذُكرت

стр. 88

آنفًا؛ قابلوا تعظيم المعتزلة للعقل بسلبه خصيصته في تمييز حسن الأشياء وقبحها، وجعلوا الشرع حاكمًا بذلك، لكنهم لم يلجؤوا له على سبيل التحاكم، بل فرارًا من مذهب المعتزلة، بدليل استقلالهم بعقولهم في تجويزهم على الله الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن، مع كون النصوص الشرعية قطعية الدلالة على تنزيه الله عمَّا ذكروا. فقابلوا ضلال المعتزلة بضلال، ومع كلتا الطائفتين شيء من الحق، لكن لم يوفقوا لاستكماله، وإنما استكمله أهل السنة؛ فأخذوا بالحق الذي عندهما، واطرحوا ما عندهم من الباطل، والله الموفق والهادي.

стр. 89

المبحث الثالث: "الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 90

المبحث الثالث: "الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق" تشتمل هذه القاعدة على ما يسميه أهل العلم: "مراتب القدر"، وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وعلى وجوب الإيمان بها كلها. المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. ورد النص على هذه المراتب ووجوب الإيمان بها في كلام أهل العلم، ومن ذلك: قال الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه "شفاء العليل": "الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر؛ التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر، وهي أربع مراتب: المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها. المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها. المرتبة الثالثة: مشيئته لها. الرابعة: خلقه لها" (١).

стр. 91

وقال شيخ الإسلام ﵀: "والإيمان بالقدر على درجتين؛ كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون؛ بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. . . وأما الدرجة الثانية: فهو (١) مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة؛ وهو (١) الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات؛ فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه" (٢). وقال ابن رجب ﵀: "والإيمانُ بالقدرِ على درجتين: إحداهما: الإيمان بأنَّ الله تعالى سبقَ في علمه ما يعمله العباد من خيرٍ وشر وطاعةٍ ومعصيةٍ قبل خلقهم وإيجادهم، ومَنْ هو منهم من أهل الجنة، ومِن أهل النَّار، وأعدَّ لهم الثَّواب والعقاب جزاءً لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأنَّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدرجة الثانية: أنَّ الله تعالى خلق أفعال عباده كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم" (٣).

стр. 92

وممن نص عليها أيضًا من أهل العلم: الشيخ حافظ حكمي (١)، والسعدي - رحمهما الله - (٢).

стр. 93

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. تقسيم القدر إلى مراتب لم يأتِ في الشرع منصوصًا عليه، وإنما عرَفه أهل العلم بالاستقراء والتتبع للنصوص الشرعية الواردة في القدر، وكذا توَقُّف الإيمان بالقدر على إثباتها لم يرد بخصوصه النص، وإنما وردت هذه المراتب في غضون النصوص، وورد معها وجوب الإيمان بها، فدل على أن الإيمان بالقدر متوقف على إثباتها. فمن الأدلة على المرتبة الأولى "مرتبة العلم": من القرآن: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ومن السنة: حديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا وفى يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار). . . الحديث (١).

стр. 94

حديث ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (١). حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رجل: يارسول الله! أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: (نعم) قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: (كل يعمل لما خلق له أو لما يُسِّر له) (٢). ومن الأدلة على المرتبة الثانية "مرتبة الكتابة": من القرآن: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧]. وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١، ٥٢]. ومن السنة: حديث ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ

стр. 95

يومًا فقال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْه تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف) (١). وحديث جابر ﵁ قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعشُم؛ قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير) قال: ففيم العمل؟ قال: زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر) (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى؛ ويصدِّق ذلك الفرج ويكذِّبه) (٣).

стр. 96

ومن الأدلة على المرتبة الثالثة "مرتبة المشيئة": من القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦]. ومن السنة: حديث حذيفة بن أَسيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجِلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يَزيد على ما أُمِر ولا يَنقُص) (١). وحديث أبي قتادة ﵁ حين ناموا عن الصلاة؛ وفيه قول النبي ﷺ : (إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء) (٢).

стр. 97

وحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم ينشئ الله تعالى لها خلقًا مما يشاء) (١). ومن الأدلة على المرتبة الرابعة "مرتبة الخلق": من القرآن: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. ومن السنة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (قال الله : ومن أظلم ممن ذهبَ يخلُق كخَلْقي! فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبَّة أو شَعِيرة) (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك؛ تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك

стр. 98

ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) (١). وحديث أبي هريرة ﵁ أيضًا عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو يَكتُب على نفسه، وهو وَضْعٌ عنده على العرش إن رحمتي تغلب غضبي) (٢).

стр. 99

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. هذه القاعدة تقرِّر مراتب القدر، ووجوب الإيمان بها لتحقيق صحة الإيمان بالقدر. ولها ارتباط وثيق كذلك بإثبات صفات الله ؛ إذ مبنى هذه المراتب على صفات الله سبحانه: العلم والكتابة والمشيئة والخلق وغيرها. ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "القدر قدرة الله على العباد" (١). وقال زيد بن أسلم ﵀: "القدر قدرة الله ، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله " (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "والقدر يتعلق بقدرة الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله تعالى. يشير إلى أن من أنكر القدر؛ فقد أنكر قدرة الله تعالى، وأنه يتضمن إثبات قدرة الله تعالى على كل شيء" (٣). وقال ابن القيم ﵀: "وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابنُ عَقِيل (٤) هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين.

стр. 100

وهو كما قال أيو الوفاء؛ فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها" (١). وقال ﵀ معرِّفًا القدر: "فإنه علم الله وقدرته وكتابته ومشيئته" (٢). وفيما يأتي شرح مجمل للمراتب الأربع: مرتبة العلم: وهي "الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دِقَّ ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير، عالم الغيب والشهادة علام الغيوب" (٣). وهذه المرتبة اتفق عليها رسل الله وكذا الصحابة والتابعون لهم بإحسان من هذه الأمة وأول من خالفهم فيها مجوس هذه الأمة (٤)؛ وهم القدرية الأوائل الذين خرجوا في أواخر عهد الصحابة ﵃، فتبرأ منهم الصحابة

стр. 101

وردوا بدعتهم وأعظموا الشناعة عليهم، كما سيأتي الكلام على ذلك (١). والمراتب الثلاثة الأخرى تدل على هذه المرتبة؛ فكتابة الله للمقادير لم تكن ولا تكون إلا عن علم بما سيُكتب (٢)، وكذلك مشيئته إنما تكون بعد علمه تعالى بهذا الذي سيشاؤه، وكذا خلقه إنما يحصل بعد العلم بما سيخلق. قال ابن أبي العز ﵀: "فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم؛ لا يُتصور إيجادها إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] " (٣). مرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله قد كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، فما من شيء صغير ولا كبير إلا وقد سُطِر في أم الكتاب. وهذا شامل لما يقوله الرب وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وشامل أيضًا لمقتضى أسمائه وصفاته وآثارها؛ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي) (٤) (٥).

стр. 102

ويدخل في الإيمان بكتابة المقادير أربعة تقادير (١): الأول: التقدير الأزلي قبل خلق السماوات والأرض عندما خلق الله تعالى القلم؛ وكُتب حينذاك كل شيء كائن على وجه التفصيل حتى تقوم الساعة. وهذا التقدير أول التقادير وأقدمها، وهو الأصل وما بعده تفصيل منه، وهو كذلك لا يتغير ولا يتبدل. ومن أدلته: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. وقوله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. وقوله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. حديث عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم)، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناسٌ من أهل اليمن فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم)، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض)، فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها (٢).

стр. 103

حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء) (١). حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) (٢). الثاني: التقدير حين أخذ الميثاق؛ وفيه قدر الله أعمال بني آدم، وأرزاقهم وآجالهم، وسعادتهم وشقاوتهم، عقيب خلق أبيهم، ومما يدل عليه: قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ﵊ بنعْمَان (٣) - يعني بعرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبلًا؛ وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ

стр. 104

قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾) (١). وعنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال "خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم" (٢). عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم؛ أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك) (٣).

стр. 105

حديث هشام بن حكيم ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنبتديء الأعمال أو قد قُضي القضاء؟ فقال رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ أخذ ذرية آدم من ظهره، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم نَثَرهم في كفَّيْه أو كفِّه فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار؛ فأما أهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار) (١). قال ابن القيم ﵀ بعد أن ساق جملة من الآثار في هذا: "فهذه الآثار وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدَّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم" (٢). الثالث: التقدير العمري عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها، والأجل والعمل، والشقاوة والسعادة، والرزق وجميع ما

стр. 106

هو لاق، ويدل عليه: حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا؛ فيؤمر بأربع كلمات؛ ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (١). حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (٢). عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود؛ فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من

стр. 107

ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص) (١). الرابع: التقدير السَّنَوي في ليلة القدر؛ يُقدَّر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله، من رزق وموت وحياة وصحة ومرض وعافية وابتلاء ونحو ذلك، ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥]. عن مجاهد ﵀: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: "ليلة الحكم" (٢). وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: "يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم" (٣). وعن قتادة في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: "يقضى فيها ما يكون في السنة

стр. 108

إلى مثلها" (١). وقوله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣ - ٥]. عن ابن عباس ﵄ قال: "إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يعني: ليلة القدر، ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل" (٢). عن قتادة ﵀ قال: "هي ليلة القدر، فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة" (٣). وعن ربيعة بن كُلثوم ﵀ (٤)، قال: "قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لَلَيلة يفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كل أجل وعمل وخلق ورزق إلى مثلها" (٥). وقد ذكر الإمام ابن القيم - وتبعه على ذلك حافظ الحكمي - رحمهما الله -

стр. 109

تقديرًا خامسًا وهو: التقدير اليومي؛ وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق، وإنفاذ المقدور على العبد في وقته الذي قُدِّر له، وذكر من أدلته: قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: (من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويخفض آخرين) (١).

стр. 110

قال البغوي ﵀ في هذه الآية: "قال المفسرون: من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قومًا، ويذل قومًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء" (١). ونقل عن الحسين بن الفضل ﵀ (٢) قوله فيها: "هو سوق المقادير إلى المواقيت" (٣). وعن سفيان بن عيينة قوله: "الدهر كله عند الله يومان؛ أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم - الذي هو مدة الدنيا -: الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب، والثواب والعقاب" (٤). والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه هذا التقدير لا يدخل فيما نحن بصدده من تقديرات الكتابة، إذ لا كتابة فيه، وإنما هو إنفاذ لما قُدر سابقًا - كما ذُكر في تعريفه -. ثم إن هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، والسَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة ومن الأزلي، والعمري تفصيل من
следующие страницы →