← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويدل على ذلك: النصوص التي أخبرت بعموم علمه بالأشياء، وهذا العموم يقتضي علمه بالجزئيات، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ويدل عليه كذلك: النصوص الواردة في كتابة المقادير؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته؛ كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجُزئية المعيَّنة، فتقدير الله يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات (١). ومما يدل على علمه بالجزئيات: خلقه للأشياء، فإن الخلق يستلزم علمه بتفاصيل المخلوق. قال : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. فأتبع احتجاجه بالنشأة الأولى على قدرته على الإعادة بإخباره بشمول علمه لأن الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه. وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ عقِب ذلك فيه فائدة أخرى؛ وهي

стр. 142

إخباره بعلمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال (١)، فبعلمه بتفاصيلها مع قدرته يعيدها مرة أخرى. قال السعدي ﵀: "وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي على (٢) ثبوت علمه؛ وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته" (٣). وقال : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه الآية تدل على كونه عالمًا بالجزئيات من طرق: أحدها: من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق. والثاني: من جهة كونه في نفسه لطيفًا خبيرًا، وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وخفيها، ثم يقال: اللطيف الخبير عِلمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته - كما تقدم - فقد تضمنت الآية هذه الطرق الثلاثة" (٤). ومما يدل على ذلك أيضًا أن الله سبحانه سمى ووصف نفسه بما يدل على علمه بتفاصيل الأمور وخفاياها وخباياها. ومن ذلك: تسميته نفسه باسم الخبير واللطيف، ووصفه نفسه بما

стр. 143

تضمناهما من المعاني وهي اللُّطف والخبرة. ومعنى الخبير: "العالم بكُنْه الشيء، المطَّلع على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] " (١). والخبير بمعنى العليم، لكن إذا أضيف العلم إلى الأمور الباطنة الخفية سُمِّي خبرة، وسمي صاحبه خبيرًا (٢). وقد يقرن الله بينه وبين اسم "العليم"، كما في قوله : ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. فحينئذ يكون المعنى: "الذي أحاط علمُه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء" (٣). وأما اللطيف فله معنيان: أحدهما: ما نحن بصدده؛ وهو الذي لا تخفى عليه خافية، بل أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، وهو بمعنى الخبير. الثاني: اللطيف بعباده المؤمنين، الذي يوصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه، من طرق خفية عنهم لا يشعرون بها، وهو بمعنى الرؤوف (٤).

стр. 144

قال العلامة ابن القيم ﵀ (١): وهو اللطيف بعبده ولعبده … واللُّطْف في أوصافه نوعانِ إدراك أسرار الأمور بخبرةٍ … واللُّطْف عند مواقع الإحسانِ فيُريك عزَّته ويُبدي لُطْفَه … والعبد في الغَفَلات عن ذا الشانِ ويقرن الله بينه وبين الخبير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ومعناه عندئذ: "الذي لطف علمه بما في القلوب؛ الخبير بما تُسِره وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية" (٢). ومن الأدلة على علمه بالجزئيات: إخباره في مواطن كثيرة من كتابه بتفاصيل الأمور المعيَّنة، كإخباره عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما آل إليه حالهم. ومن الأدلة أيضًا: أنه لو لم يكن عالمًا بها لكان جاهلًا، والجهل نقص يتنَزَّه الله عنه، فوجب أن يكون عالما بها (٣). ومن الأدلة أيضًا: أن نفيَ علم الله بالجزئيات نفيٌ لعلمه بالأشياء؛ لأن الكليات لا وجود لها خارج الذهن؛ وإنما الموجود خارج الذهن: الجزئياتُ المعيَّنة. قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن لم يعلم المعيَّنات لم يعلم شيئًا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم

стр. 145

يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات" (١). ومن الأدلة أيضًا: أن من المخلوقات من يعلم بعض الجزئيات، والعلم بها صفة كمال؛ فوجب أن يكون الله سبحانه عالمًا بها، لأن كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه، لأمرين: الأول: أنه أكمل من المخلوق، فيمتنع أن يوصف المخلوق بكمال ويكون الرب عاريًا عنه؛ لأنه الأكمل. الثاني: لأنه هو الذي أعطى المخلوق ذلك الكمال، فمعطي الكمال لغيره أولى وأحرى أن يكون هو موصوفًا به (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "بل مخلوقه له علم بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك" (٣). وإذا ثبت علمه ببعض الجزئيات؛ ثبت علمه بها كلها؛ إذ لا فرق بين جزئية وأخرى، ولأنه لم يقل أحد من الناس أنه يعلم بعض الجزئيات دون بعض، فهم إما مثبتون لعلمه بها كلها، وإما نافون. والله أعلم. قال العلامة ابن القيم ﵀ في بيان شمول علم الله (٤): وهو العليم بما يُوسوِس عبدُه … في نفسه من غير نطق لسانِ

стр. 146

بل يستوي في علمه الداني مع الـ … ــقاصي وذو الإسرار والإعلانِ وهو العليم بما يكون غدًا وما … قد كان والمعلوم في ذا الآنِ وبكل شيء لم يكن لو كان كيـ … ـف يكون موجودًا لدى الأعيانِ والحاصل أن علم الله شامل لكل شيء على وجه التفصيل، ولا يخرج عنه شيء، والله أعلم.

стр. 147

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. إثبات العلم لله ، وشموله لكل شيء؛ شموله لما يتعلق به ، وشموله لما كان في الماضي، وشموله لما لا يقع، وشموله لما سيكون في المستقبل، وشموله للجُزئيَّات أمر لم يخالف فيه بالجملة أحد من المنتسبين للإسلام (١)، وإنما خالف في ذلك طائفتان: الأولى: القدرية الأوائل الذين أنكروا علمه بالمستقبل، ومن تبعهم كالرافضة الذين قالوا بالبداء (٢). الثانية: الفلاسفة الذين أنكروا علمه بالجزئيات. وليس مع واحدة منهما دليل صحيح، بل أوهام ظنوها حقائق وأدلة. أما القدرية الأوائل؛ وهم غلاة القدرية، وقد تقدم وصفهم وبيان اتفاق سلف الأمة على تكفيرهم (٣)، وقد قال الشافعي ﵀: "ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا" (٤). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي ﵀ وسأله علي بن الجهم عمن قال بالقدر يكون كافرًا؟ - قال: إذا جحد العلم؛ إذا قال إن الله لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعلم؛ فجحد علم الله فهو كافر" (٥).

стр. 148

ومذهب هؤلاء واضح البطلان، جلي المخالفة لما علم بالدليل القاطع من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. أما الكتاب والسنة؛ فالآيات والأحاديث الكثيرة المتتابعة على إثبات علم الله ، كما سبق سياق بعضها، وسبق أيضًا سياق الإجماع (١). وأما العقل؛ فمن وجوه: الأول: أن العلم صفة كمال، ونقيضه الجهل صفة نقص، والله سبحانه متصف بالكمال ومنزَّه عن النقص؛ فوجب أن يوصف بالعلم وينزه عن النقص. الثاني: أن العلم مقتضى الربوبية، ولا ربوبية بغير علم؛ إذ كل صفات الربوبية، وعلى رأسها الصفات التي هي خصائص الربوبية: الخلق والرزق والتدبير والملك ونحوها، كلها مبناها على العلم، فنفي العلم نفي للربوبية من أصلها، يوضحه: الثالث: أن نفي العلم يستلزم لوازم باطلة: أولها: نفي الخلق، إذ الخلق مبني على العلم كما تقدم تقريره، ونفي الخلق نفي لأمر من أعظم المسلمات، وهو مكابرة لا تقع إلا من أحمق. ثانيها: نفي المشيئة عن الله سبحانه لأن المشيئة لا تكون إلا عن علم كما تقدم. ثالثها: إثبات شركاء لله سبحانه في ربوبيته، لأن العلم إذا عدم؛ تساوى الرب مع غيره في جهل الأشياء، بل يكون بعض المخلوقين أعلم ببعض الأشياء من الرب ، وهذا كفر صريح وشرك بيِّن، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

стр. 149

ولكون هذا المذهب في منتهى البطلان؛ فقد قلَّ أو انقرض من ينكره اليوم وقيل، قال القرطبي ﵀ عنه: "وقد تُرك اليوم، فلا يعرف من يُنسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين، والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها" (١). وأما الفلاسفة، فالخلاف واقع بين فلاسفة الإسلام جراء اختلافهم في فهم مذهب الفلاسفة الأولين كأرسْطو (٢) وأفْلاطون (٣) ونحوهما، ويتمثل هذا الخلاف في رأيين: أولهما: رأي الغزالي وغيره ممن ذهب إلى أنهم ينكرون علم الله سبحانه بالجزئيات، وصرح بكفرهم لثلاثة أمور هذا أحدها (٤)، وجعل لهم في إنكار

стр. 150

علمه بالجزئيات مذهبين: الأول: إنكار العلم بالجزئيات مطلقًا. الثاني: الزعم بأنه يعلم الجزئيات علمًا كليًّا (١). ثانيهما: رأي ابن رُشْد (٢) الذي ذهب إلى أن الفلاسفة لا ينكرون علمه بالجزئيات، وأن من حكى هذا عنهم؛ فقد غلط عليهم ولم يفهم مذهبهم، وأن صواب مذهبهم أنهم "يرون أنه تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، وذلك لأن علمنا بها معلول للمعلوم به، فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره، وعلم الله بالوجود على مقابل هذا، فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود، فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدًا وذلك غاية الجهل" (٣). فهم - في نظره - يرون أن علمه تعالى مختلف عن علمنا، في كليات الأمور وجزئياتها، لأن الأمور كلياتها وجزئياتها معلولة عن علمه تعالى، وعلمه منزه

стр. 151

عن أن يوصف بأنه كلي أو جزئي (١). وابن رشد في فهمه لمذهبهم على هذا النحو مخالف لمن سبقه من أئمة الفلاسفة وعلى رأسهم ابن سيْنا (٢)، ومخالف كذلك لأبي البركات ابن مَلكا (٣) صاحب "المعتبر" (٤)، والطُّوسي (٥). وهذا المسلك من ابن رشد إنما كان لتعظيمه الشديد للفلاسفة الأولين، ومحاولته الجاهدة للتوفيق بين مقالاتهم وشرع الرب ، وبيان أن ما ذهبوا إليه هو من جنس ما ذهب إليه مبتدعة الإسلام، وليس كفرًا، وعلى ذلك بنى

стр. 152

كتابه: "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" كما يظهر من اسمه، وحمل على أبي حامد الغزالي لتصريحه بكفرهم حتى إنه نقض كتابه "تهافت الفلاسفة" بـ "تهافت التهافت"، بيَّن فيه وهم أبي حامد على الفلاسفة الأولين، وخطئه في حكاية مذهبهم وإكفارهم. وليس الأمر كما قاله ابن رشد؛ بل مقالاتهم التي لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين لا من أهل البدعة ولا من أهل السنة (١). قال شيخ الإسلام ﵀ في طريقة ابن رشد هذه: "وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون إنه لا يعلم الجزئيات، بل يرون أنه لا يعلمها بالعلم المحدث وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه بجزئيات العالم؛ فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل، وعدم معرفته بتحقيق مذهبهم؛ فإنه دائمًا يتعصب لأرسطو صاحب التعاليم المنطقية والإلهية" (٢). وما احتج به ابن رشد في انتصاره للفلاسفة من أنهم يرون أن الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارات بالجزئيات الحادثة في الزمان المستقبل، وأن ذلك العلم يحصل للإنسان في النوم من قِبَل العلم الأزلي المدبر للكل والمستولي عليه (٣) - يعني أن العلم عندهم سبب الإنذار بالجزئيات -؛ فباطل وذلك لأنهم يرون أن هذا العلم الحاصل لهم إنما هو فيض فاض من العقل الفعال

стр. 153

والنفس الفلكية، فهي المنذر به (١). فإذا تبين فساد ما ذهب إليه ابن رشد؛ فالأقوال في مذهب الفلاسفة هي ما حكاها الغزالي. وقد ذكرها أيضًا الشهرستاني في كتابه "نهاية الإقدام" حيث قال: "وذهبت قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل والإجمال. وذهب قوم منهم إلى أنه يعلم الكليات دون الجزئيات، وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعًا على وجه لا يتطرق إلى علمه تعالى نقص وقصور" (٢). فالأول والثاني هما ما حكاهما الغزالي، والثالث شبيه بما ذكره ابن رشد (٣) (٤).

стр. 154

فخلاصة مذهبهم أنهم يرون أن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون قولًا واحدًا (١). ثم منهم من ينكر علمه بالجزئيات مطلقًا، كما ذهب إليه أرسطو (٢)، ومنهم من يقول يعلمها بعلم كلي، كما ذهب إليه ابن سينا، ومن ذلك قوله: "فالواجب الوجود يجب ألا يكون علمه بالجزئيات علمًا زمانيًّا حتى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر" (٣). وبيان هذا المذهب أن يقال: إن الجزئيات المتغيرة يعلمها الله سبحانه، لكن علمه بها لا يدخل تحت زمان أو مكان، فالله عند هؤلاء عالم بذاته، وعلمه بذاته يقتضي أن يعلم أنه علة للموجودات كلها، فإذا علم ذاته وعلم كونه علة للموجودات؛ علم أنه عالم بالقوانين والأسباب الكلية التي تحكم العالم، وعلم ارتباطها بمسبَّباتها، فإذا علم وقوع السبب؛ علم وقوع المسبب، لكن لا في زمان معين ولا مكان معين، وهذا معنى إطلاقهم أن الله عالم بكل شيء. مثال ذلك: الكسوف، فالله سبحانه يعلم أن كسوفًا سيكون، بعلمه بأسبابه، لكنه لا يعلم الزمن الذي سيكون فيه الكسوف، في أي سنة أو شهر

стр. 155

أو يوم أو ساعة، ولا يعلم المكان الذي سيكون فيه الكسوف، فعلمه بالكسوف علم كلي تابع لعلمه بأسبابه الكلية، لأنه علم ثابت لا يتغير، وأما علمه بزمانه ومكانه فهو متغير فلذلك لم يصح أن يوصف به. ثم هذه الجزئيات يعلمها الباري علمًا واحدًا متجانسًا، ولا يعلم كل جزئي منها على حدة، قال ابن سينا: "إشارة: الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب بأسباب منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه متخصص به، كالكسوف الجزئي؛ فإنه قد يعقل وقوعه بسبب توافي أسبابه الجزئية، وإحاطة العقل بها، وتعقلها كما تعقل الكليات، وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني الذي يحكم أنه وقع الآن أو قبله أو يقع بعده" (١). وهذا القول راجع في حقيقته إلى إنكار علمه بالجزئيات من أصله - كما هو القول الأول - لأن العلم بالجزئيات مجردًا عن الزمان والمكان ونحوهما غير معقول، إذ هذه الجزئيات حاصلة في زمان ومكان ومختلفة شخصًا، فنفيها عنها نفي للعلم بها من أصله، إذ مجرد العلم بأسبابها وعللها دون العلم بحقيقتها علمًا محيطًا بها ليس علمًا بها، وإنما العلم الحقيقي بها هو العلم بأسبابها وعللها وأوصافها، ثم العلم بها بعد وقوعها على ما هي عليه. فالفلاسفة جعلوا مجرد علم عللها وأسبابها علم بها، وهذا باطل، لأن من علم بأن زرعًا ينبت إذا سقي البذر، لكن لا يعلم أي زرع هذا الذي ينبت، ولا في أي أرض ولا في أي موسم أو يوم؛ لا يعلم حقيقة هذا الزرع. وقد صرح ابن سينا بأن الله قد لا يعلم وقوع الجزئي فقال: "ثم ربما وقع

стр. 156

ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع" (١). فالجزئي إنما كان جزئيًّا لأن تصوره مانع من وقوع الشركة فيه سواء، وإذا لم يمكن ذلك فليس بجزئي وإنما هو كلي. قال شيخ الإسلام ﵀: "ففي الجملة؛ الجزئي لا يكون جزئيًّا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع الشركة فيه. . . فلا يعلم على وجهه إن لم يعلم وقته المعين، وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه كذا حصل الكسوف فهذا كلي وإن علم أنه لا بد أن يحصل فإنه كلي من حيث الزمان فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه" (٢). ولما كان الأمر كذلك - أن مآل القولين واحد على التحقيق -؛ فسأسوق شبههما مساقًا واحدًا، إذ الشبه الحاملة لهم على ذلك واحدة، فقد استدلوا لمقالتهم بشبه باطلة منها: أولًا: أنه لو تعلق علم الله تعالى بالجزئيات للزمه التغير والتجدد بتغير المعلوم وتجدده، فيلزم من ذلك التغير الكثرة في ذات الله تعالى، وهو الواحد الأحد. قال ابن سينا: "فالواجب الوجود يجب ألا يكون علمه بالجزئيات علمًا زمانيًّا حتى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر" (٣).

стр. 157

وقال: "لا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث هي متغيرة عقلًا زمانيًّا متشخصًا، بل على نحو آخر نبينه، فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات" (١). ثانيًا: أن العلم بالجزئيات يحتاج إلى حواس تُدرك بها، ومعرفة مقدمات توصل إليها، كما يحتاج إلى تصور وتخيل، والرب منزه عن هذا، ففي هذا الوصف ما يتضمن افتقار الله إلى غيره (٢). وقبل الرد عليهما تجدر الإشارة إلى أن مذهب الفلاسفة في هذا المقام هو فرار من تشبيه الله بخلقه، فإنهم لما لم يعقلوا من هذا إلا ما يثبت للمخلوق؛ نفوه عن الرب سبحانه تنزيهًا له. وللمتكلمين أجوبة على مذهب الفلاسفة هذا متنوعة بتنوع مشاربهم، إلا أنها لا تشفي عليلا ولا تروي غليلًا، ولهذا نازعهم فيها ابن رشد وأفسدها عليهم، وإن كان حاصل رده عليهم ليس له طائل، بل مآل كلامه هو نفس ما يؤول إليه كلامهم (٣). وجواب هاتين الشبهتين مبني على مسألة مهمة، وهي التفريق بين علم الظهور وعلم الله السابق، مع بيان أن علم الظهور لا ينافي العلم السابق،

стр. 158

وستأتي هذه المسألة تحت قاعدة: "علم الظهور لا ينافي علم الله السابق". أما الشبهة الأولى؛ فهي مبنية عند الفلاسفة على أصل من أصولهم، وهو منع قيام الحوادث بالرب ، لأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وبناءً على ذلك نفوا قيام الصفات به ، الذاتية منها والفعلية. قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أنه إنما دعاهم [أي الفلاسفة] إلى ذلك: القول بنفي الصفات والأحوال الاختيارية التي تقوم بذات الله وظنهم أن ذلك مستلزم للكثرة التي يجب نفيها ومستلزم لتغير الأحوال الذي يجب نفيه" (١). وجوابها من وجوه: الأول: أن من يعلم الأشياء أكمل ممن لا يعلمها، فأن يعلم الجزئيات أكمل من أن لا يعلمها - وإن قدر لزوم التغير ونحوه عليه - (٢). الثاني: أن الأدلة بأنواعها النقلية والعقلية دلت على اتصاف الله سبحانه بالصفات الذاتية والفعلية فيجب إثباتها له، وما لزم على ذلك من لوازم فهو حق؛ لأن لازم الحق حق. الثالث: أن هذا لزوم غير صحيح لثبوت الفرق بين العلم القديم وعلم الظهور على ما سيأتي، وملخص ذلك: العلم السابق هو علم الله بكون الشيء ووجوده، وعلم الظهور هو علم بأنه سيكون، وعلم الله ليس كعلم المخلوقين، فلا يلزم من كونه يخبر بحصول علم له بشيء بعد وقوعه أن ذلك العلم كان مسبوقًا بجهل، بل علمه سبحانه علم

стр. 159

تام كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا تعتريه أي صورة من صور النقص، ومذهب أهل السنة في هذه المسألة مبني على أن العلم التابع لوقوع المعلوم أمر ثبوتي، وليس نسبة عدمية أو إضافية (١). الرابع: أن نفي العلم بالجزئيات - مباشرة كقول أرسطو، أو مآلًا كقول ابن سينا - أعظم نقصًا من إثبات هذه اللوازم - على فرض كونها نقصًا - فلا يجوز التزام أعظم النقصين حذرًا من أدناهما (٢). الخامس: أن لفظ "التغير" و"الكثرة" ألفاظ مجملة، فإن أريد بها أن علم الله السابق يتغير بحدوث هذه الجزئيات فهو باطل، وإن أريد بأن العلم التابع لوقوع المعلوم هو قدر زائد عن العلم السابق (٣)، وأن حصوله مشروط بوقوع الجزئي فهذا حق دلت عليه الأدلة كما سيأتي. السادس: أنكم تقولون الخلق لزم عن ذاته، والعلم لزم عن ذاته، فإن كان العلم يوجب التغير والكثرة؛ فالخلق يوجب ذلك من باب أولى، وإن لم يكن الخلق موجبًا لذلك؛ فألا يكون العلم موجبًا له من باب أولى، فإن الذي يلزم في العلم؛ يلزم في الخلق من باب أولى (٤)، وإذا لم يكن كون الأشياء مفعولة له مما يوجب نقصًا له وكمالًا به؛ فأن لا يوجب كونها معلومة له نقصًا

стр. 160

له وكمالًا به من باب أولى. السابع: أن العلم لازم له سبحانه، لا ينفك عنه بحال، وليس شيئًا متجددًا، فليس كماله بغيره، بل بعلمه الذي هو من لوازم ذاته، فكونه متعلقًا بغيره لا يقدح فيه كما لا يقدح بالقدرة تعلقها بالمقدور من باب أولى، لأن العلم متعلق به وبغيره، وأما القدرة فلا تكون إلا على غيره (١). الثامن: أن هذه الجزئيات هي مخلوقات الله سبحانه، وليس في الوجود إلا الله ومخلوقاته، وهذه المخلوقات لا وجود لها إلا به، فتعلق ذاته بهم أعظم من تعلق صفاته بهم، وإذا لم يكن في تعلق ذاته بهم نقصٌ؛ فليس في تعلق صفاته بهم نقص، وصفاته من علم وقدرة وغيرها من لوازم ذاته، ووجود ذاته بدون لوازمها ممتنع باتفاق العقلاء (٢). الشبهة الثانية: أن العلم بالجزئيات يحتاج إلى حواس تُدرك بها، ومعرفة مقدمات توصل إليها، كما يحتاج إلى تصور وتخيل، والرب منزه عن هذا، ففي هذا الوصف ما يتضمن افتقار الله إلى غيره. جوابها من وجوه: الأول: أن هذا القول مبني على تشبيه الخالق بالخلوق، وهذا باطل، فعلم الله سبحانه ليس كعلمنا، سواء العلم الأول، أو علم الظهور. الثاني: أن القول بأنه بحاجة لحواس أو تخيل، هذا في حق المخلوق، وأما في حق الخالق سبحانه فتدرك الجزئيات بما اتصف به من صفات العلم

стр. 161

والسمع والبصر ونحوها، يوضحهما: الثالث: أن يقال: ماذا تريد بالحواس؟ فإن أردت بها أن يكون له سمع وبصر فهذا حق دلت عليه النصوص الشرعية، وإن أردت غير ذلك فبينه، فنفي السمع والبصر بذريعة كونهما حواسًّا باطل، مع التنبيه على أن إطلاق الحواس في حقه سبحانه غير جائز. الرابع: أن غير الجزئيات كالسموات والأرض - ونحوهما مما لا يتغير - هي محسوسة أيضًا، فيلزم نفي علمه بها لحاجته إلى حواس ليدركها بها، وهذا باطل.

стр. 162

المبحث الخامس: "علم الظُّهور لا ينافي علم الله السابق" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 163

المبحث الخامس: "علم الظُّهور لا ينافي علم الله السابق" لا يزال الحديث في هذه القاعدة موصولًا بمرتبة العلم؛ من جهة علاقة العلم القديم بعلم الظُّهور وأنه لا تنافي بينهما. والمقصود بعلم الظُّهور هنا: "العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده، وهو العلم الذي يترتب عليه المدح والذم، الثواب والعقاب" (١). المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال ابن قتيبة ﵀: "إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة فأنظره قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا، وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدره فيهم يتم، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدَّق عليهم ما ظنه فيهم فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكِّين يعني نعلمهم موجودين ظاهرين، فيحق القول ويقع الجزاء" (٢).

стр. 164

وقال البغوي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢١]: "أراد علم الوقوع والظُّهور، وقد كان معلومًا عنده بالغيب" (١). وقال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]: "ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبًا" (٢). وقال السعدي ﵀: "القاعدة الثامنة والأربعون: متى علق الله علمه بالأمور بعد وجودها، كان المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء. . . وقد ورد عدة آيات يخبر بها أنه شرع وقدر كذا؛ ليعلم كذا، فوجه هذا: أن هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وأما علمه بأعمال العباد وما هم عاملون قبل أن يعملوا، فذلك علم لا يترتب عليه الجزاء، لأنه إنما يجازي على ما وجد من الأعمال، وعلى هذا الأصل نزل ما يرد عليك من الآيات" (٣). وقال ابن عثيمين ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]: "المراد علم الظُّهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب" (٤).

стр. 165

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل القرآن في مواطن كثيرة على إثبات علم الظهور، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]. وقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. وغير ذلك من الآيات.

стр. 166

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. مقصود هذه القاعدة بيان العلاقة بين العلم السابق وعلم الظُّهور، وأن ثبوت علم الظُّهور لله لا ينافي علمه السابق. وقد تقدمت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على إثبات علم الله السابق، وأنه متعلق بكل شيء، كما تقدم كذلك تعريف علم الظُّهور (١). والعلم بصفة عامة ينقسم إلى قسمين: - علم سابق على وقوع الشيء: وهو العلم بأنه سيكون، سواء كان أزليًّا كعلم الله ، أو حادثًا كعلم المخلوق بما علَّمه ربه ﵎. - وعلم لاحق: وهو الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده (٢). والفرق بينهما أن العلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، ولا أي أثر من الآثار التي تقوم عليها الأحكام الشرعية؛ فلا يعاقب اللهُ لفضله وعدله الإنسانَ على مخالفةٍ علمها منه في الأزل - مع أنها ستقع منه حتمًا -، بل تتوقف المؤاخذة على وقوع مقتضيها في الشاهد، وكذا سائر الآثار المترتبة على المؤاخذة، كفراق الزوجة أو رد الشهادة ونحو ذلك، وكذا لا يثيبه إلا على ما وقع منه من الحسنات، وما تبعها من آثار إن كانت متعدية، كالصدقة الجارية. وأما علم الظُّهور، فهو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب وجميع الآثار

стр. 167

المترتبة عليهما. وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القاعدة هو في مسألتين: الأولى: في إثبات علم الظُّهور وأنه غير العلم السابق. الثانية: في أن علم الظُّهور لا يقدح في العلم السابق. أما الأولى: فهي مسألة كبيرة دقيقة (١)، وهي مبنية على مسألة أخرى في باب الصفات، وهي: هل هذا العلم التابع لوقوع المعلوم أمر ثبوتي؟ أم أنه نسبة عدمية وإضافة فقط بين العلم السابق والمعلوم؟ والذي عليه عامة السلف وأئمة السنة والحديث أنه أمر ثبوتي كما دل عليه النص؛ وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فقد أخبر بحصول الرؤية بعد وقوع المرئي (٢). ومعنى هذا الأمر الثبوتي هنا: علم الله بكون الشيء ووجوده - وقت كَونه -، وهذا غير العلم بأنه سيكون - قبل كونه - (٣)، فإذا ثبت وجود أمر ثبوتي هو غير العلم القديم؛ لم يعد هناك ما يُشْكل في إثبات علم الظُّهور. يوضحه: أن الله لم يخبر بعلمه له بعد وجوده فحسب؛ بل أخبر سبحانه في مواطن كثيرة بأنه يراه بعد وجوده؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وكذا أخبر بأنه يسمعه بعد وقوعه؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي

стр. 168

إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ لقد جاءت خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآية" (١). ومعلوم قطعًا أن السمع والبصر إنما يتعلقان بالموجود بعد وجوده، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم (٢)، وإخباره عن رؤيته وسماعه إخبار عن العلم به كذلك، ولهذا كان ابن عباس ﵄ يفسرها بالرؤية فيقول: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا لنرى. قال شيخ الإسلام ﵀: "ففسر [أي ابن عباس] العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علمًا آخر" (٣). وهذا كما لا يخفى تفسير باللازم، فرؤية الشيء بعد وجوده، وكذا سماعه بعد وقوعه من لازمها العلم به، فيلزم من الرؤية والسماع العلم بالمرئي

стр. 169

والمسموع، ولا يلزم من العلم بالشيء رؤيته وسماعه؛ لأن الرؤية والسماع إنما يتعلقان بالموجود، والعلم أعم منهما؛ فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود (١). فالشاهد أنه أخبر بحصول الرؤية والسماع بعد الوقوع؛ فيلزم منه حصول علم به بعد الوقوع هو غير العلم السابق. وتجدر الإشارة هنا إلى أن في تفسير: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ خمسة أقوال (٢): الأول: إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي؛ على عادة العرب في إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فُعل بهم إليه، وهو اختيار ابن جرير ﵀. الثاني: إلا لنميز أهل اليقين. الثالث: إلا لنرى. وهذا والذي قبله رويا عن ابن عباس ﵄. الرابع: إلا لنبين لكم أنا نعلم. الخامس: إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جهالًا به قبل أن يكون، فأضاف العلم إلى نفسه، على وجه الترفق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته. والأقوال: الثاني والثالث والرابع متقاربة؛ إذ مرجعهما إلى إظهار العلم السابق بالشيء (٣)، وكذا الأول والخامس مرجعهما إلى تأويله بعلم العباد. فيتحصل من هذه الأقوال الخمسة قولان: - أن المراد بذلك علم الظهور والوقوع، وهو اختيار ابن كثير ﵀ (٤).

стр. 170

- أن المراد به علم العباد. ولا تنافي بينهما؛ إذ بوقوع المعلوم يعلمه الله سبحانه موجودًا، علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، ويعلمه العباد أيضًا بعد أن لم يكونوا عالمين به، فيجتمع فيه الأمران، والله أعلم. ومما يوضح هذا أيضًا: شمول علم الله للموجود والمعدوم، مع إجماع العقلاء قاطبة على الفرق بينهما، فهذا الشيء المعيَّن الذي كان معدومًا ثم وجد؛ لا شك أن تعلق علم الله به معدومًا غير تعلقه به موجودًا، مع التنبيه على أن تحقق وقوع المعلوم بالنسبة لله سواء؛ فلا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه وقع (١). وأما الثانية: - وهي محور القاعدة -، فيدل عليها أمور: الأول: أن الله هو الذي أخبر بثبوت علم الظُّهور مع إثباته للعلم السابق، فلو كان قادحًا فيه لكان كلام الله متناقضًا، والله سبحانه منَزَّه عن ذلك. قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعًا في القرآن، مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله" (٢). الثاني: أن علم الله ليس كعلم المخلوقين، فلا يلزم من كونه

стр. 171

يخبر بحصول علم له بشيء بعد وقوعه أن ذلك العلم كان مسبوقًا بجهل، بل علمه سبحانه علم تام كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا تعتريه أي صورة من صور النقص، ومن كمال علمه سبحانه: علمه بالشيء قبل وجوده، وعلمه به بعد وجوده، قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوده، ثم لما خلقه علمه كائنًا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون؛ فهذا هو الكمال" (١). الثالث: أن علم الله هو علم بالشيء على ما هو عليه، فإذا علم الله وقوع شيء على صفة ما؛ كأن يعلم أن زيدًا يقتل عمرًا بسيف؛ فلا بد أن يقع معلومه، بأن يَقتل زيدٌ عمرًا، على الصفة نفسها وبالسيف نفسه، ولا يمكن ألا يُقتل عمرو، أو أن يُقتل بسكين مثلًا. فالقتل - على هذه الصفة - برز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، بأن صار واقعًا بعد أن كان مقدرًا. وبعلمه سبحانه به بعد وقوعه، لم يحصل له علم لم يكن موجودًا، وإنما هو العلم السابق، مع علم آخر هو علم بوقوع القتل في الوجود وخروجه إلى عالم الشهادة بعد أن كان مقدَّرًا، يوضحه: الرابع: أن متعَلَّق العِلْمين مختلف، فالعلم السابق يتعلق بالمقدَّر، وعلم الظهور يتعلق بالموجود، فاختلاف متعلقهما يدفع تنافيهما ويردُّه. فالحاصل أن علم الظهور لا ينافي علم الله السابق، والله أعلم.

стр. 172

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. خالف أهلَ السنة والجماعة في هذه القاعدة طوائفُ من المخالفين (١): الطائفة الأولى: وهم القدرية الغلاة والفلاسفة الذين ينفون علمه بالمحدَثات إلا بعد حدوثها، وقد سبقت حكاية مذهبهم والرد عليها فأغنى عن إعادته هنا. الطائفة الثانية: ما ذهب إليه الجهم بن صفوان، فقد ذهب إلى إثبات علوم حادثة لله سبحانه، وأن المعلومات إذا تجددت أحدث الباري سبحانه علومًا متجددة لا في محل، بها يعلم العلوم الحادثة، ثم العلوم تتعاقب حسب تعاقب المعلومات في وقوعها متقدمة عليها، وكلها لا في محل (٢)، ووافق جهمًا على هذا القول: هشَام بن الحَكم (٣). واستدل جهم على مقالته هذه بأن العلم بأن الشيء سيقع غير العلم بأنه وقع، فالله سبحانه لو علم الشيء قبل حدوثه بالعلم القديم، ثم وقع فإنه لا يخلو: إما أن يبقى علمه بهذا الشيء على ما هو عليه، أو لا يبقى، فإن كان الأول فهو جهل، لثبوت الفرق بين العلم بالشيء واقعًا والعلم بأنه سيقع،

стр. 173

وإما أن لا يبقى فيلزم أنه تغير، وهو محال في حق الله سبحانه (١). وإذا ثبت أن علمه سبحانه محدث، فلا يخلو: إما أن يحدث في ذاته سبحانه، أو في محل، فإن كان الثاني فيلزم أن يكون المحل هو المتصف به دون الله سبحانه، وإن كان الأول: كان الباري محلًّا للحوادث، ولزم حدوث التغير فيه، وكلاهما باطل، فتعين أنه لا في محل (٢)، فهروبًا من هذا وذاك: أثبت علمًا حادثًا، لكنه غير قائم به سبحانه، بل لا في محل! واستدل هشام على قوله بأن الله إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن عالمًا بها بشبهتين (٣): الأولى: أنه لو كان لم يزل عالمًا لكانت المعلومات لم تزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود. الثانية: أنه لو كان عالمًا بما يفعله عباده لم يصح التكليف. هذا بالإضافة إلى ما استدل به الجهم من شبه، إلا أنه عبر بالتجدد بدلًا من التغير (٤). وقد حُكي هذا القول عن الزرارية أيضًا أتباع زرارة بن أعين الرافضي، حكاه عنهم الأشعري (٥) والبغدادي (٦).

стр. 174

وقول هذه الطائفة في غاية البطلان، وهو مخالف للأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع على تقدم علم الله سبحانه، وقد سبق سياق شيء منها (١). الطائفة الثالثة: وهم الذين يقولون: إنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم. وهو قول الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة. قال الشهرستاني: "قال الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵁ على طريقته -: لا يتجدد لله تعالى حكم ولا يتعاقب عليه حال ولا تتجدد له صفة، بل هو تعالى متصف بعلم واحد قديم متعلق بما لم يزل ولا يزال، وهو محيط بجميع المعلومات على تفاصيلها من غير تجدد وجه العلم أو تجدد تعلق أو تجدد حال له لقدمه، والقدم لا يتغير ولا يتجدد له حال" (٢). وقال الغزالي: "الأصل الثامن: أن علمه قديم؛ فلم يزل عالمًا بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته، ومهما حدثت المخلوقات؛ لم يحدث له علم بها، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي" (٣). وقال الآمِدي (٤): "الباري تعالى عالم بعلم واحد قائم بذاته، قديم أزلي،

стр. 175

متعلق بجميع المتعلقات، غير متناه بالنظر إلى ذاته، ولا بالنظر إلى متعلقاته" (١). ومعنى التعلق عندهم: "اقتضاء الصفة أمرًا زائدًا على قيامها بالذات، كاقتضاء العلم معلومًا ينكشف به، واقتضاء الإرادة مرادًا يتخصص بها، واقتضاء القدرة مقدورًا، وهكذا. . ." (٢)، وهو على قسمين: - تعلق صلوحي، ومرادهم به: صلاحية تعلق الصفة بالشيء منذ الأزل. - تعلق تنجيزي، وهو تعلق الصفة بالشيء بالفعل، فإذا كان في الأزل سمي تنجيزيًّا قديمًا، وإن كان بعد ذلك سمي حادثًا. وهذا التعلق أمر اعتباري عندهم على التحقيق، أي غير وجودي، قال البيجوري: "فهو [أي التعلق] أمر اعتباري. وقيل هو أمر وجودي، وقيل واسطة بين الموجود والمعدوم فيكون حالًا، وقيل هو من مواقف العقول فلا يعلمه إلا الله تعالى، والتحقيق الأول" (٣). والصفات المتعلقة عندهم تنقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام (٤):

стр. 176

الأوّل: ما يتعلق بالممكنات، وهو القدرة والإرادة، ولكن القدرة تعلقها تعلق إيجاد وإعدام، والإرادة تعلقها تعلق تخصيص. الثاني: ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهو العلم والكلام، لكن تعلق العلم تعلق انكشاف، وتعلق الكلام تعلق دلالة. الثالث: ما يتعلق بالموجودات، وهو السمع والبصر الرابع: ما لا يتعلق بشيء وهو الحياة. واختلفوا في العلم، هل له تعلقان، صلوحي وتنجيزي، أم أنه ليس له إلا تعلق واحد تنجيزي قديم، فممن ذهب إلى الأول: ابن عاشُور (١)، ووجهه أن تعلق الصفة: تحقق مقتضاها في الخارج لا في ذات موصوفها؛ فلا يفضي ذلك إلى اتصاف الله تعالى بوصف حادث. وممن اختار الثاني: الأشعري (٢)، والسَّنُوسي (٣)، والبيجوري (٤)،

стр. 177

والدَّرْدير (١)، ووجهه أن كل واجبٍ، وكلّ مستحيلٍ، وكلّ جائزٍ فهو منكشف له تعالى بعلمه، لا يخفى عليه شيء؛ لأنّ قول القائل: علم الله يَصلُحُ لكذا، ظاهر الفساد؛ إذ يقتضي أنّ شيئًا لم ينكشف له - تعالى عن ذلك -، فتعلقه تنجيزيٌّ قديم لا غير. وأيًّا كان فهم متفقون على نفي تجدد علم غير العلم السابق. وقال بهذا القول أيضًا: الماتريدية، فذهبوا - كالأشاعرة - إلى نفي تجدد شيء ثبوتي، وإنما جعلوا التجدد في التعلقات، قال السعد التفتازاني: "لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات؛ لأنها صفات قديمة تحدث لها تعلقات بالحوادث" (٢). وقال أيضًا: ". . . كالعلم والقدرة وسائر الصفات، فإن كلًّا منها صفة واحدة قديمة والتكثر والحدوث إنما هو في التعلقات والإضافات، لما أن ذلك أليق بكمال التوحيد، ولأنه لا دليل على تكثر كل منها في نفسها" (٣). وقال الفرهاري: "وحاصل الدفع أن للعلم تعلقين بالمعلومات، أحدهما قديم شامل لكل ما يمكن تعلق العلم به من الأزليات والحادثات والممكنات والمحالات وهذا التعلق بالحادث يكون باعتبار أنه سيوجد، ثانيهما: تعلقات

стр. 178

فيما لا يزال مختصة بالمتجددات تحدث عند حدوثها. . . ولا يلزم من ذلك تغير في الصفة الإلهية بل في متعلقاتها وهي أمور إضافية لا يوجب تغيرها تغيرًا في الصفة القديمة" (١). وهذا القول أيضًا هو قول طوائف من المعتزلة لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم لا بين العلم والمعلوم. وقول هؤلاء باطل من وجوه: الأول: أن مآل كلامهم إلى نفي ما دل عليه القرآن صراحة من تجدد علم لله سبحانه بالشيء المتجدد غير العلم القديم، يوضحه: الثاني: أن هذا التعلق الذي أثبتوه إما أن يكون أمرًا وجوديًّا أو أمرًا عدميًّا، فإن كان الثاني فقد بطل قولهم من أصله، وإن كان عدميًّا فلم يتجدد لله شيء، إذ العدم لا شيء، وهذا مناف لما أثبتته النصوص من حدوث تجدد (٢). الثالث: أن حدوث التعلق الذي هو نسبة وإضافة فقط ممتنع، إذ وجود هذا التعلق مشروط بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك، فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية، كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية فإنها لا بد أن تستلزم أمورًا ثبوتية (٣). الرابع: أن مجرى هذا العلم في هذا مجرى باقي الصفات من سمع وبصر ونحوها، فالمسموع والمبصر قبل وجودهما عدمًا، والعدم لا يتعلق به سمع

стр. 179

ولا بصر، ولكن إذا وجد الشيء سُمع وأُبصر، فكذلك العلم بالشيء موجودًا، لا يتعلق به إلا بعد أن يوجد، والله أعلم. ولما كان التعلق بهذا التعقيد؛ فقد اعترف أكابرهم بصعوبة إدراكه وكونه مما لا يجب على المكلف معرفته. قال البيجوري: "ومعرفة التعلقات غير واجبة على المكلف لأنها من غوامض علم الكلام، كما نقله الشيخ البرَّاوي (١) عن سيدي محمد الصغير، وذكره الشيخ الشنواني" (٢).

стр. 180

المبحث السادس: "من العلم ما هو سببٌ في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
следующие страницы →