٢) الانقطاع بين القاسم وابن مسعود (١).
وعليه فهذا الأثر لا يصح.
الثاني: على فرض ثبوته فهو معارَض بالنصوص التي دلت على أن اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا إثبات، وقد سبقت.
الثالث: أنه مخالف لجمهور الصحابة، فإن هذا القول لم يؤثر عن أحد منهم.
وبهذا يتبين أن هذا الاعتراض غير متوجه، والله أعلم.
الاعتراض الثالث: أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة به، فيحتمل التبديل (٢).
والجواب عليه: أن لم يثبت في شيء من النصوص أن أحدًا من الخلق يطلع على اللوح المحفوظ لا الملائكة ولا غيرهم، بل قد ثبت خلاف ذلك من وجوه:
- منها وصفه سبحانه له بالحفظ.
- وكون المكتوب فيه علم الله الذي ليس لأحد الاطلاع عليه.
- وصفه بأنه عنده، وقد تقدمت بما أغنى عن إعادتها هنا (٣).
كما أنه يلزم عليه نفي اختصاص الله بالغيب وهذا باطل بالضرورة.
وأما استدلال من جوَّز اطلاع الملائكة عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، على أن
стр. 212
الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، والضمير في ﴿يَمَسُّهُ﴾ راجع إليه، والمطهَّرون هم الملائكة.
فالجواب: أنه لا يسلم لهم صحة الاستدلال إلا بالبرهان على هذه المسائل الثلاث:
- أن المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ.
- أن مرجع الضمير إليه.
- أن المراد بالمطهَّرين: الملائكة.
ولا سبيل لهم إلى ذلك، ففي كل منها خلاف كبير.
فقد اختلف في المراد بالكتاب المكنون، فقيل: كتاب في السماء، قاله ابن عباس.
وقيل: عند الله في صحف مطهرة، قاله ابن عباس ومالك.
وقيل هو اللوح المحفوظ، قال به جابر بن زيد وابن عباس.
وقيل: التوراة والإنجيل؛ فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه، قاله عكرمة.
وقيل: الزبور، قاله السدي.
وقيل: هو المصحف الذي في أيدينا، قاله مجاهد وقتادة (١).
واختلف أيضًا في مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿يَمَسُّهُ﴾، فقيل يرجع إلى القرآن، والمراد: المصحف، ثم من هؤلاء من فسر المس بالمس المعنوي فقال: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون: أي المؤمنون بالقرآن، قاله الفراء وهو اختيار البخاري، أو لا يوفق للعمل به، أو لا يمس ثوابه إلا
стр. 213
المؤمنون به، وإن كان أكثر المفسرين - كما قال الواحدي - على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون (١).
فإن كان الأول هو الصواب فلا حجة لهم، وإن كان الثاني رجعنا إلى الخلاف في المراد بالكتاب المكنون.
واختلف كذلك في المراد بالمطهرين، فقيل: الملائكة، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وأبو العالية وغيرهم.
وقيل: الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل، قاله ابن زيد وأبو العالية.
وقيل: لا يمسه عند الله إلا المطهرون.
وقيل: حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقيل: كل من كان مطهرًا من الذنوب، رجحه ابن جرير (٢).
فإن كان غير الأول هو الصواب فلا حجة لهم، وإلا لزمهم القول بأن غير الملائكة تمسه كذلك، وهو باطل؛ وهم لا يقولون به، وإن كان الأول هو الصواب رجعنا إلى الخلاف في المراد بالكتاب المكنون أيضًا.
والقول بأن المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ بعيد، لأنه مخالف للأدلة التي نصت على حفظ اللوح كما تقدم قريبًا، ولأن الأدلة على خلافه كما في قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].
стр. 214
قال مالك ﵀: "أحسن ما سمعت في هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ " (١).
قال ابن العربي ﵀: "أما قول من قال: إن المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ فهو باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، فلو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه محل، وأما من قال: أنه الذي بأيدي الملائكة من الصحف فإنه قول محتمل، وهو الذي اختاره مالك" (٢).
وقد ذكر الألوسي في تفسيره أنه وقف على نسخة مؤلفة في هذه المسألة لبعض الأفاضل - كانت عنده وفُقدت في حادثة بغداد -، قرر فيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي (٣)، فيفهم من كلامه أنه يقول بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ.
واختار الشوكاني كذلك هذا القول في كتابه "قطر الولي" (٤).
واستدل كل منهما بأدلة ترجع - عند التأمل - إلى إثبات وقوع المحو والإثبات، وهذا القدْر لا شك فيه، لكن النزاع في محله، هل هو مقصور على الصحف، أم أنه شامل كذلك للوح.
وبعضها يرجع إلى عموم متعلق المحو والإثبات، وستأتي مناقشة هذه الأدلة إن شاء الله.
стр. 215
وأما المسألة الثانية: متعلق المحو والإثبات.
فالمراد بمتعلق المحو والإثبات: أي ما الذي يمحى؟
اختلف أهل السنة في هذه المسألة على سبعة أقوال، ومجمل هذه الأقوال:
١) يمحى كل شيء إلا الموت والحياة، والشقاء والسعادة؛ فإنهما قد فُرغ منهما، وهو قول ابن عباس ومجاهد.
٢) يمحى كل شيء إلا السعادة والشقاوة، وهو قول لابن عباس ومجاهد أيضًا.
٣) يمحى كل شيء بدون استثناء، وهو قول عمر، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والضحاك، وأبي وائل شقيق بن سلمة.
٤) أن الذي يمحى ما ليس فيه ثواب ولا عقاب والذي يثبت ما فيه ثواب وعقاب، وهو قول الضحاك وأبي صالح.
٥) أن الذي يمحى ويثبت هو الأجل؛ يمحو من قد حان أجله، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله، وهو قول الحسن.
٦) أن الذي يمحى ويثبت هي الذنوب؛ يمحوها بالمغفرة، ويثبتها بعدمها، وهو قول سعيد بن جبير.
٧) أن الذي يمحى ويثبت هو الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن جريج، وقتادة، والقرظي، وابن زيد (١).
стр. 216
والأقوال الخامس والسادس والسابع: حقيقتها نفي المحو والإثبات على المعنى المراد في هذا المبحث، وسيأتي التطرق لها في مناقشة مانعي المحو والإثبات.
وأما الأقوال الأُخَر فترجع إلى ثلاثة أقوال:
الأول: العموم بدون استثناء.
الثاني: العموم مع استثناء شيء محدد، إما السعادة والشقاوة، أو هما مع الآجال.
الثالث: أن المحو والإثبات لشيء خاص وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.
أما القول الأول، فممن ذهب إليه: الشوكاني.
وعند تأمل ما ورد من نصوص وآثار في ذلك - وسبق شيء منها - يلحظ أنها نصت على المحو والإثبات في ثلاثة أشياء:
- السعادة والشقاوة.
- الآجال.
- الأرزاق.
وما عداها فهو مفهومُ عموماتٍ، لا منطوقٌ صريحٌ، كالعموم في قوله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وفي قوله ﷺ : (لا يرد القدر إلا الدعاء) (١).
والذي يظهر قصر المحو والإثبات على هذه الكلمات الثلاث لوجوه:
أولها: النص عليها دون غيرها - كما تقدم آنفًا -.
стр. 217
ثانيها: أن هذه الكلمات هي التي تتعلق بالمعين من الأشخاص دون غيرها، يدل على ذلك أنها هي التي يكتبها الملَك في التقدير العمري في الرحم، وهو التقدير الخاص بالمعينين من بني آدم، فلذلك يثبت فيها المحو والإثبات في حق المعين عند إتيانه بأسبابهما، يوضحه:
ثالثها: أنه لم يثبت المحو والإثبات في حق عموم الناس، وإنما ثبت في حق معينين، وكل ما يخص المعين إنما يدور على هذه الكلمات الثلاث.
ولا يعكّر على هذا التقرير ثبوته في حق قوم نوح كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤]؛ لأن العموم إنما هو في الخطاب؛ تمامًا كقول النبي ﷺ : (من سَرَّه أن يُبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره فليَصِل رَحِمَه) (١)، فإنه خطاب عام لكل الأمة، وأما المحو والإثبات فهو في حق المعين الذي أتى بالسبب، ولا يتوقف حصولهما في حق من أتى بسببهما على إتيان جميع المخاطبين بأسبابهم، لذلك تحقق هذا في حق قوم نوح، فمن آمن زيد في عمره وأُخِّر، ومن لم يؤمن عوجل بالعقوبة وأُهلك.
رابعها: أن تعميم متعلق المحو والإثبات ليشمل كل شيء يلزم عليه لازم باطل: وهو عدم الوثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر، وكذا لا يبقى وثوق بالإخبار بأنه ﷺ خاتم النبيين، لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه (٢).
стр. 218
وهذا يترتب عليه هدم الدين ومحو الشريعة كما لا يخفى.
وقد أورد القائلون بالعموم بدون استثناء على هذا القول عدة اعتراضات:
الاعتراض الأول: استعاذته ﷺ من سوء القضاء وطلب الحفظ منه، ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه.
الاعتراض الثاني: أنه ﷺ شرع لأمته الدعاء، ولولا إمكان التغيير لألغاه.
وهذان الاعتراضان من باب واحد، وإنما يصلحان أدلةً على من ينكر المحو والإثبات، وليس فيهما أن المحو والإثبات يقعان في كل شيء، إلا أن يراد أن كلًّا من (القضاء) و (الدعاء) هنا عام في كل شيء، وهذا لا يصح، لأن القضاء وصف هنا بالسوء، فالمستعاذ منه هو القضاء السيء لا مطلق القضاء، والقضاء إنما يكون سيئًا في حق من وقع عليه من المعينين، ولا يخرج فيهم هذا عن الكلمات الثلاث كما تقدم.
الاعتراض الثالث: اعتذاره ﷺ عن الخروج لصلاة التراويح بخشيته أن تفرض عليهم، ولا معنى لهذه الخشية - بعد سبق القضاء أنها ستكون خمسًا - لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير.
والجواب عليه: أن هذا خارج محل النزاع أصلًا، لأن محل النزاع هو القدر لا الشرع، فإن المحو والإثبات في الشرائع - المعبر عنه بالنسخ - واقعٌ بلا إشكال ما دام الوحي ينزل على النبي ﷺ .
الاعتراض الرابع: أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفًا من النار حتى أن منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني.
стр. 219
والجواب عليه: أن خوفهم هذا راجع إلى المحو والإثبات في السعادة والشقاوة، وهذا لا إشكال في وقوع المحو والإثبات فيه (١).
الاعتراض الخامس: أن العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، شاملٌ لكل شيء؛ فما من شيء من المقادير إلا وهو قابلٌ للمحو والإثبات.
والجواب عليه: أن هذا عام مخصوص بالكلمات الثلاث، ووجه اختصاصه ما تقدم قريبًا في وجوه قصر المحو والإثبات على الكلمات الثلاث.
لكن لا يمنع هذا شموله للمحو والإثبات في الشرائع، ولا شموله أيضًا لمحو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب (٢).
وبهذا يظهر الجواب عن القول الثالث، وهو أن المحو والإثبات لشيء خاص وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.
وزيادة في تحريره يقال: في قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، المثبت عند أصحاب هذا القول: ما فيه ثواب وعقاب، والممحو: ما ليس فيه ثواب وعقاب، فكأن الله سبحانه قال: أمحو ما ليس فيه ثواب وعقاب، وأثبت ما فيه ثواب وعقاب.
وهذا لا يصح، لأن محو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب حتمٌ - تفضلًا من الله والله سبحانه علقه بالمشيئة؛ والشيء إذا كان حتمًا لا
стр. 220
يعلق بالمشيئة (١).
فالخروج من هذا الإلزام يكون بالقول بإمكان كل من المحو والإثبات فيما فيه ثواب وعقاب، وما ليس فيه ثواب وعقاب ممحو على كل حال تفضلًا من الله .
فتفسير من فسر الآية بهذا من السلف هو تفسير بالمثال، وإلا فهو من جملة ما يمحى لا كله، والله أعلم.
وأما القائلون بالعموم مع استثناء شيء محدد؛ إما السعادة والشقاوة، أو هما مع الآجال، فيرد على تعميمهم بما تقدم في الرد على القول الأول.
وأما استثناؤهم الآجال فيُستدل له بأدلة:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
الثاني: وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
الثالث: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي؛ أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ : (قد سألت الله لآجال
стр. 221
مضروبة وأيام معدودات وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل) (١).
ويؤيده (٢) حديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) (٣)، فحصر زيادة العمر بالبر دون غيرها.
والجواب عن الاستدلال بالآيتين: أنهما لا تعارضان وقوع المحو والإثبات في الآجال، لأنهما خاصتان بمن حضر أجله بالنص، بخلاف من لم يحضر أجله، فالمحو والإثبات في الأجل واقع ما لم يحضر الأجل، فإذا حضر لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
قال الزهري ﵀ في قول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]: "نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يُقدم، وما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء، ويقدم ما شاء" (٤).
وقال الشوكاني ﵀: "إذا حضر الأجل فإنه لا يتقدم ولا يتأخر، وقبل حضوره يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن
стр. 222
يقدمه لمن عمل شرا أو قطع ما أمر الله به أن يوصل وانتهك محارم الله سبحانه" (١).
وقد جمع الله بين الأمرين في قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٣، ٤].
وقد ثبت في السنة أن الله يزيد في الأجل وينقص منه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال ستين سنة قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته) (٢).
ومثله ما تقدم من كون صلة الرحم وحسن الجوار يزيدان في الأعمار (٣).
فتبين بهذا أن هاتين الآيتين لا تعارضان دخول المحو والإثبات في الآجال.
стр. 223
وأما حديث أم حبيبة ﵂، فالجواب عليه من وجهين:
الأول: أن الحديث ليس فيه أن الآجال لا تتغير مطلقًا، وإنما الذي فيه أنها لا تزيد بالدعاء خاصة، قال شيخ الإسلام ﵀: "ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط" (١).
وقال أيضًا: "وأما حديث أم حبيبة؛ ففيه أن الدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو، ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء؛ فالأعمار المقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له نافع فيه" (٢).
وعليه، فلا يكون دليلًا لمنع المحو والإثبات في الآجال مطلقًا، سيما وقد ثبتا فيها في أحاديث أخر وبأسباب أخر.
على أن منع تأثير الدعاء لا يُسلم، فقد ثبت أن النبي ﷺ دعا لأنس فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له) (٣).
وقد استجاب الله لنبيه، فعمر أنس وكثر ماله وولده، فقد قال
стр. 224
عقب هذا الحديث: "فدعا لي بثلاث؛ فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة"، فثبت بهذا جواز الدعاء بزيادة الآجال، وأنه مؤثر فيها.
وكذلك يرده ما في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في قصة آدم وداود ﵉.
الثاني: أن نهي النبي ﷺ هنا من باب الإرشاد إلى ما هو أنفع وأولى، خصوصًا أن مجرد طول العمر ليس محمودًا إلا مع الصلاح، ودعاؤها ﵂ كان - فيما يظهر - مجردًا عن الفائدة الأخروية.
لذلك شرع الدعاء بتغيير الآجال لما تضمن نفعًا أخرويًا، كما في حديث أنس المتقدم، وكما في حديث عمار بن ياسر ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. . .) (١).
وأما حديث ثوبان ﵁ فلا دلالة فيه على منع المحو والإثبات في الآجال، وإنما فيه حصر لسببهما، والجواب عليه من وجهين:
الأول: ما تقدم من ثبوت الدعاء بطول العمر.
الثاني: أن الدعاء من البر، لأن البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به (٢)، والدعاء مما أمر الله به.
стр. 225
وأما استثناء السعادة والشقاوة فيُستدل له بأدلة:
الأول: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصرة، فنكَّس فجعل ينكُت بمخصرته، ثم قال: (ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا وكتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)، قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١).
الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين
стр. 226
يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا؛ فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (١).
الثالث: حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: (أتدرون ما هذان الكتابان)؟ قال قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال للذي في يده اليمنى: (هذا كتاب من رب العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا)، ثم قال للذي في يساره: (هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا)، فقال أصحاب رسول الله ﷺ فلأي شيء إذن نعمل إن كان هذا أمرًا قد فرغ منه؟ قال رسول الله ﷺ : (سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار ليختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل)، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: (فرغ ربكم من العباد)، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: (فريق في الجنة)، ونبذ باليسرى فقال: (فريق في السعير) (٢).
стр. 227
فدلت هذه الأحاديث على أن السعادة والشقاوة قد فرغ منهما فلا محو ولا إثبات.
والجواب عليها من وجوه:
الأول: أن يقال: مما لا شك فيه أن إثبات الأسباب لا ينافي سبق القدر، لأن هذه الأسباب من جملة القدر.
والدعاء وصلة الرحم وغيرهما - مما ثبت تأثيره في المحو والإثبات -، إنما هي أسباب من جملة ما قدره الله من الأسباب، وحينئذ فإثباتها لا ينافي سبق القدر بمسبَّباتها.
فسبْق القدر بالسعادة والشقاوة لا ينافي الإتيان بأسبابهما، بل الإتيان بأسبابهما من جملة المقدور الذي ييسر به المرء لعمل أهلهما (١)، كما بين ذلك النبي ﷺ في الأحاديث المتقدمة.
فالأسباب التي تؤثر في السعادة والشقاوة محوًا وإثباتًا هي من جملة السعادة والشقاوة.
الثاني: أن هذه النصوص وأمثالها محمولة على القضاء المبرم لا المعلق - وهذا واضح جدًا - والقضاء المبرم لا محو فيه ولا إثبات، وإنما ذلك في المعلق الذي بأيدي الملائكة كما تقدم بيانه (٢).
стр. 228
الثالث: أن الدعاء بمحو الشقاوة وإثبات السعادة فعله أكابر السلف، كعمر وابن مسعود ﵄، وأبي وائل شقيق بن سلمة ﵀.
فعن أبي عثمان النَّهدي، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال - وهو يطوف بالبيت ويبكي -: "اللهم إن كنت كتبت علي شِقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب؛ فاجعله سعادةً ومغفرة".
وعن أبي قِلابة، عن ابن مسعود ﵁، أنه كان يقول: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني، وأثبتني في أهل السعادة".
وعن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (١).
ومما ينبغي التنبيه عليه أن في حديث عبد الله بن عمرو إثبات هذين الكتابين، كتاب السعادة وكتاب الشقاوة، وأنهما مشاركان للوح المحفوظ بكونهما مما لا محو فيه ولا إثبات، كما لا محو ولا إثبات في اللوح المحفوظ.
وبهذا يتبين أن المحو والإثبات واقعان في المقادير؛ فيما يتعلق بالكلمات الثلاث خاصة دون غيرها، وأن ذلك المحو والإثبات إنما يكون في صحف الملائكة، دون اللوح المحفوظ فإنه مصون عن التغيير والتبديل والمحو والإثبات، والله أعلم.
стр. 229
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
مخالفو أهل السنة والجماعة في هذه القاعدة على ضربين:
الأول: من مخالفته غير خارجة عن مجمل الأقوال التي حكيت عن أهل السنة.
الثاني: من مخالفته خارجة عن الأقوال التي حكيت عن أهل السنة.
أما الصنف الأول،؛ فهم المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
أما المعتزلة؛ فعباراتهم في تفسير المحو والإثبات تدل على إثباتهم له، ومن ذلك قول القاضي عبد الجبار في تفسير ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]: المراد بذلك أنه ﷻ يمحو عن المؤمن الصغائر لأنها مغفورة، ويحتمل أنه الناسخ والمنسوخ، ويحتمل أنه يمحو ما لا مدخل له في الثواب والعقاب، ويثبت ما له مدخل في ذلك، ويحتمل أنه يمحو ما كتب من آجال وأرزاق من مضى ويثبت ذلك فيمن يبقى ويحدث" (١).
وبنحوه قول الزمخشري: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: ينسخ ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ، وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة؛ لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ غيره، وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة ويثبت إيمانهم وطاعتهم، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضًا من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أصل كل كتاب وهو
стр. 230
اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه" (١).
ويظهر من هذين النقلين أن المعتزلة يقرون بالمحو والإثبات في المقادير في الجملة.
وأما الأشاعرة؛ فإنهم يثبتون المحو والإثبات كذلك، ومن ذلك قول البيجوري - في حديث زيادة العمر بصلة الرحم -: "فالزيادة - بحسب الظاهر - على ما في صحف الملائكة، وإلا فلا بد من تحقق ما في علمه تعالى، كما يشير له قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، أي أصل اللوح المحفوظ وهو علمه تعالى الذي لا محو فيه ولا إثبات، وأما اللوح المحفوظ؛ فالحق قبول ما فيه للمحو والإثبات كصحف الملائكة، وبعضهم فسر أم الكتاب باللوح المحفوظ لأنه ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه، والراجح الأول" (٢).
ومن ذلك أيضًا ما فعله الرازي، فقد ذكر أن في المحو والإثبات في الآية قولين: العموم في كل شيء، والتخصيص ببعض الأشقياء دون بعض، ثم أورد اعتراض سبق المقادير وجفاف القلم، وأجاب عليه بأن ذلك المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه (٣). فتقريره هذا صريح في إثبات ذلك.
وأما الماتريدية؛ فيثبتون المحو والإثبات في المقادير كذلك، ومن ذلك
стр. 231
صنيع إمامهم أبي منصور الماتريدي في تفسيره عند آية الرعد؛ فإنه ذكر أن من المعاني التي يحتملها المحو والإثبات: محو ما لا جزاء له ولا ثواب وإبقاء ما له جزاء وثواب مما يكتبه الحفظة من الأعمال والأفعال، أو محو ما في صحف الحفظة مما كتبوه من أعمال العباد من الزيادة على ما في اللوح المحفوظ عند معارضتها به، وإثبات ما فيه من الزيادة عليها فيها (١).
فهؤلاء جميعًا لا ينكرون ثبوت المحو والإثبات في المقادير، وجملة مقالتهم من جنس أقوال أهل السنة.
وأما الصنف الثاني؛ فهم على قسمين:
الأول: من ينكر المحو والإثبات من أصله، ويؤول ما جاء في النصوص من أدلة عليه.
الثاني: من يثبت المحو والإثبات في علم الله سبحانه.
أما الصنف الأول؛ فهو ما يُفهم من مذهب الصوفية أصحاب الكشف والذوق، فقد أنكروا وقوع المحو والإثبات في المقادير، وأولوا ما ورد من أدلة عليه.
قال القُشَيري (٢): "المحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العبادة.
стр. 232
فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة، وأتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة، فهو صاحب محو وإثبات. . .
وأما حقيقة المحو والإثبات، فصادران عن القدرة، فالمحو: ما ستره الحق ونفاده (١)، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه، والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قيل: يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله.
ومحو الحق لكل أحد وإثباتهُ على ما يليق بحاله، ومن محاه الحق سبحانه على مشاهدة أثبته بحق حقه، ومن محاه الحق عن إثباته به ردَّه إلى شهود الأغيار، وأتيته في أودية التفرقة" (٢).
وقال ابن عَطاء الأَدمي (٣): " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ عن رسوم الشواهد والأعراض وكلما يورد على سره من عظمته وحرمته وهيبته ولو غاب أنواره، فمن أثبته فقد أحضره ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوعه لا يعدوه" (٤).
وقال الواسطي: "يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم في شواهدهم، ويمحوهم عن شواهدهم ويثبتهم في شاهد الحق، ويمحو رسوم نفوسهم
стр. 233
عن نفوسهم ويثبتهم برسمه" (١).
فهذه الأقوال منهم تبين إنكارهم للمحو والإثبات وتأويلهم له إلى ما ذُكر، وهذا القول باطل، وبطلانه من وجهين:
الأول: أنه عار عن دليل صحيح من كتاب أو سنة.
الثاني: أن إنكار المحو والإثبات لم يؤثر عن أحد من سلف الأمة، بل المأثور عنهم إثباته، وإن وقع في عباراتهم اختلاف في محل المحو والإثبات وما الذي يمحى ويثبت - على ما سبق بيانه -.
وأما الصنف الثاني؛ فهم الرافضة - قاتلهم الله - والذين ذهبوا إلى القول بالبداء وتغير علم الله سبحانه.
والبَداء في اللغة: من البدوّ، يقال: بدا يبدو بدوًّا وبداءً، وهو الظهور بعد خفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤].
ومنه تغير الرأي عما كان عليه؛ تقول: بدا لي في هذا الأمر بداء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (٢).
والبداء لا يجوز نسبته إلى الرب سبحانه، لأنه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما باطل ينزه الله سبحانه عنه.
وأصل القول بالبداء إنما كان عبد الله بن سبأ (٣)، وتلقفه عنه المختار
стр. 234
الثقفي الكذاب وسرى في أتباعه الكَيسَانية (١).
وللقول بالبداء منزلة عظيمة عند الرافضة قبحهم الله، وهو من أعظم العبادات عندهم.
وقد أفرد الكُليني (٢) للبداء بابًا في كتاب التوحيد من "أصول الكافي"، ذكر فيه ستة عشر حديثًا عن الأئمة في تقرير هذه العقيدة الخبيثة، منها:
عن زرارة عن أحدهما أنه قال: "ما عُبد الله بشيء مثل البداء" (٣).
وعن أبي عبد الله أنه قال: "ما عُظِّم الله بمثل البداء" (٤).
стр. 235
وعن الرضا أنه قال: "ما بعث الله نبيًّا قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقرَّ لله بالبداء" (١).
وعن أبي جعفر قال: "العلم علمان، فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون؛ لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء" (٢).
وعن أبي عبد الله قال: "إن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه" (٣).
فهذه روايات صريحة في وقوع التغيير في علم الله سبحانه.
وقد أجمع الرافضة على القول بالبداء، كما نقل إجماعهم على ذلك المفيد في "أوائل المقالات" (٤).
وهذه العقيدة أقل شأنًا من أن يُشتغل بالرد عليها، ويكفيها بطلانًا مخالفتُها لإجماع أهل القبلة على أن علم الله لا يلحقه النقص ولا التغير، إضافة لما اشتملت عليه من لوازم باطلة.
ووجه إيراد مخالفة هؤلاء هنا أمران:
الأول: أنهم استدلوا بأدلة المحو والإثبات في المقادير على مذهبهم.
стр. 236
الثاني: أنهم يقولون - على هذا - بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، إذ الذي في اللوح المحفوظ علم الرب سبحانه، والله أعلم.
стр. 237
المبحث الثامن: "ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك العكس، وما لا فلا"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 238
المبحث الثامن: "ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك العكس، وما لا فلا"
البحث في هذه القاعدة هو في العلاقة بين قدرة الله الشاملة ومشيئته النافذة، وأن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
المطلب الأول: تفصيل القول في القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قالى شيخ الإسلام ﵀: "فإن ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة؛ فإن ما شاء الله كان ولا يكون شيء إلا بقدرته، وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة؛ فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك بالعكس، وما لا فلا" (١).
وقال ﵀: "ومذهب المسلمين أن الله على كل شيء قدير، سواء شاءه أو لم يشأه. . . فالله تعالى قادر على ذلك فلو شاءه لفعله بقدرته، وهو لا يشاؤه" (٢).
стр. 239
وقال ﵀: "ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور طوائف أهل الكلام على أن الله قادر على ما علم وأخبر أنه لا يكون، وعلى ما يمتنع صدوره عنه لعدم إرادته لا لعدم قدرته عليه" (١).
وقال ﵀: "قدرة الرب لا يفعل بها إلا مع وجود مشيئته، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وليس كل ما كان قادرًا عليه فعله. . . وإذا كان لو شاءه لفعله دل على أنه قادر عليه، فإنه لا يمكن فعل غير المقدور" (٢).
وقال ﵀: "فإنه أخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أشياء وهو لم يفعلها، فلو لم يكن قادرًا عليها لكان إذا شاءها لم يمكن فعلها" (٣).
وقال ابن القيم ﵀: "وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل ما لم يفعله في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] ونظائره، وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة" (٤).
стр. 240
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب العزيز، ويمكن تقسيم أدلته إلى قسمين:
الأول: إخباره بقدرته على ما عَلم أنه لا يفعله:
قوله : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥].
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: (أعوذ بوجهك) فلما نزلت: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: قال: (هاتان أهون) أو (أيسر) (١).
فبين النبي ﷺ أن الله سبحانه عافى الأمة من أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، مع إخبار الله أنه قادر على ذلك (٢).
وقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، أي لقادرون أن نذهب به فتهلكوا عطشًا، وتخرب أرضوكم، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريًا (٣)، ومعلوم أنه لم يذهب به (٤).
стр. 241
الثاني: إخباره أنه لو شاء أن يفعل أمورًا لم تكن لفَعَلَها، ومن ذلك:
قوله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وقوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨].
وقوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما لا يكون أنه لو شاء لفعله. . . وأمثال هذه الآيات تبين أنه لو شاء أن يفعل أمورًا لم تكن لفعلها، وهذا يدل على أنه قادر على ما عَلم أنه لا يكون، فإنه لولا قدرته عليه لكان إذا شاء لا يفعله، فإنه لا يمكن فعله إلا بالقدرة عليه، فلما أخبر - وهو الصادق في خبره - أنه لو شاء لفعله؛ عُلم أنه قادر عليه وإن عَلم سبحانه أنه لا يكون، وعُلم أيضًا أن خلاف المعلوم قد يكون مقدورًا" (١).
стр. 242
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
لهذه القاعدة تعلق بالمرتبة الثالثة من مراتب القدر، والمقصود منها شمول قدرة الرب لما كان ولما لم يكن، وشمول مشيئته لما كان وجوازها فيما لم يكن.
وكلٌ من القدرة والمشيئة - فيما ظهر لي من كلام أهل العلم - تتعلق بها عدة مسائل.
أما القدرة: فتتعلق بها سبع مسائل:
الأولى: ثبوت صفة القدرة لله .
الثانية: دوام قدرة الله في الأزل والأبد.
الثالثة: أن القدرة تتناول الفعل القائم بالفاعل، ومقدوره المباين.
الرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.
الخامسة: قدرة الله شاملة لكل شيء.
السادسة: ثبوت القدرة للعبد على فعله بإقدار الله له.
السابعة: أن القدرة تنقسم إلى سابقة ومقارنة.
والمسألة السابعة محلها مبحث الاستطاعة، وكذا السادسة محلها مبحث أفعال العباد، وستأتيان في موضعهما إن شاء الله.
والمسألة الخامسة هي محل البحث وما عداها فهي مقدمات أساسية تبينها وتشرحها.
وأما المشيئة: فتتعلق بها أربع مسائل:
الأولى: المشيئة صفة ثابتة لله .
стр. 243
الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.
الثالثة: شمول مشيئة الله لكل ما كان.
الرابعة: جواز تعلق مشيئة الرب بكل ما جاز أن تتعلق به قدرته.
والمسألتان الثالثة والرابعة هما محل البحث، والأولى والثانية هما مقدمتان لهما.
وسيكون البدء بمقدمات كل منهما، ثم بالمسألة الأساسية فيهما.
أما مقدمات القدرة:
المسألة الأولى: ثبوت صفة القدرة لله .
القدرة من الصفات الذاتية الثابتة لله على ما يليق بجلاله وعظمته، ومن أسمائه تعالى: (القادر) و (القدير) و (المقتدر).
وقد دل على اتصاف الله سبحانه بها الكتاب والسنة.
أما الكتاب، فمن أدلته:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وأما السنة:
حديث جابر ﵁ في الاستخارة وفيه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر،
стр. 244
وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب) (١).
حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: (اعلم أبا مسعود، لَلَّهُ أقدر عليك منك عليه)، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ (٢).
وحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : (ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ) (٣).
المسألة الثانية: دوام قدرة الله في الأزل والأبد، فإنه قادر ولا يزال قادرًا على ما يشاؤه بمشيئته (٤).
والقدرة في هذا كسائر صفات الكمال، لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ويقولون [أي السلف] إنه لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، لم يزل متكلمًا إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالمًا ولم يزل قادرًا ولم يزل حيًا سميعًا بصيرًا، ولم يزل مريدًا، فكل كمال لا نقص فيه يمكن اتصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متصفًا بصفات الكمال
стр. 245
منعوتًا بنعوت الجلال والإكرام " (١).
ومن الأدلة على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أتاه رجل فقال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ كأنه شيء كان؟ قال: "أما قوله: ﴿وَكَانَ﴾ فإنه لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بكل شيء عليم" (٢).
المسألة الثالثة: أن القدرة تتناول الفعل القائم بالفاعل، ومقدوره المباين.
وهذا عام في قدرة الله وفي قدرة العبد.
أما في قدرة الله فمن الأدلة عليها:
قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١].
فأخبر أنه قادر على نفس فعله القائم به، وهو أن يخلق، فنفس الخلق فعل له وهو قادر عليه.
стр. 246
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما أخبر أنه مقدور له.
وقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤].
فتسوية البنان فعله، واستواؤها مفعوله، وقد أخبر بقدرته على كليهما (١).
وأما قدرته على المقدور المباين، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥].
فهذه الآيات نص في قدرته على الأعيان المفعولة.
وأما شمولها لأفعال العباد بخاصة، فيدل عليها ما ورد من كونه خالق أفعال العباد، لأن كونه خالق أفعال العباد يستلزم أنه قادر عليها، وستأتي هذه الأدلة في موضعها إن شاء الله.
وأما قدرة العبد على فعله القائم به، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ
стр. 247
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (١).
وأما قدرة العبد على المقدور المباين، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
فأخبر بقدرتهم على المحاربين، وهذه قدرة على الأعيان المنفصلة.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: ٧٥].
فأخبر أن العبد المملوك لا يقدر على شيء، والآخر بخلافه قادر على ما لم يقدر عليه هذا.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
أخبر أنهم في هذه الحال لا يقدرون على شيء مما كسبوا، فدل بالمفهوم على أنهم في غير تلك الحال يقدرون على ما كسبوا، وكذلك غيرهم يقدر على ما كسب.
ومن هذا الباب ما جاء من الأدلة على أن المفعولات الخارجة مصنوعة
стр. 248
لهم، لأن المصنوع لهم مقدور لهم بالضرورة، كقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] (١).
المسألة الرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.
فالفعل اللازم: هو الذي لزم فاعله ولم يتعد أثره إلى غيره، أي لم يتعدَّ إلى مفعول، وهو في حق الله كالاستواء، والإتيان والنزول والمجيء.
والفعل المتعدي: بخلافه، وهو ما لم يلزم فاعله، بل تعدى أثره إلى غيره، وهو في حق الله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والهدى والإضلال.
والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، لأن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديًا إلى مفعول أو لم يكن، والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديًا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من الفاعل (٢).
وقد اجتمع النوعان في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، فالاستواء فعل لازم، والخلق فعل متعد.
стр. 249
ومذهب أهل السنة أن كلًّا من الفعلين اللازم والمتعدي ثابت لله ، وأنه سبحانه قادر على كِلا الفعلين (١).
أما القدرة على الفعل اللازم، فمما يدل عليها:
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
فالله مستو على العرش، ففعله للاستواء دليل على قدرته عليه، إذ يمتنع الفعل بدون قدرة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وهذا إخبار بأنه سيفعل ذلك وهذا أيضًا متضمن لقدرته على ذلك.
ومثل هذين حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) (٢).
وأما القدرة على الفعل المتعدي، فمما يدل عليها:
قوله : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
وقوله : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
стр. 250
وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
فأخبر بقدرته على الخلق وإحياء الموتى صريحًا، وبقدرته على الهداية والإضلال ضمنًا، والله أعلم.
وأما مقدمات المشيئة:
المسألة الأولى: ثبوت صفة المشيئة لله .
المشيئة من الصفات الثابتة لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وقد تقدمت أدلة على ثبوت المشيئة مرتبةً من مراتب القدر، فأغنى عن إعادتها هنا.
وقد دل على مشيئة الله إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان (١).
المسألة الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.
وذلك أن الإرادة تنقسم إلى قسمين (٢):
إرادة كونية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث؛ كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهي المستلزمة لوقوع المراد، وهي إرادة ما يريد أن يفعله هو ؛ فهي مقتضى الربوبية.
إرادة شرعية: وهي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعًا ودينًا، وهي ملازمة للأمر الشرعي، ولا تستلزم وقوع المراد، وهي إرادته من العبد فعل ما أمره به (٣).