وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما أخبر أنه مقدور له.
وقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤].
فتسوية البنان فعله، واستواؤها مفعوله، وقد أخبر بقدرته على كليهما (١).
وأما قدرته على المقدور المباين، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥].
فهذه الآيات نص في قدرته على الأعيان المفعولة.
وأما شمولها لأفعال العباد بخاصة، فيدل عليها ما ورد من كونه خالق أفعال العباد، لأن كونه خالق أفعال العباد يستلزم أنه قادر عليها، وستأتي هذه الأدلة في موضعها إن شاء الله.
وأما قدرة العبد على فعله القائم به، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ
стр. 247
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (١).
وأما قدرة العبد على المقدور المباين، فمن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
فأخبر بقدرتهم على المحاربين، وهذه قدرة على الأعيان المنفصلة.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: ٧٥].
فأخبر أن العبد المملوك لا يقدر على شيء، والآخر بخلافه قادر على ما لم يقدر عليه هذا.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
أخبر أنهم في هذه الحال لا يقدرون على شيء مما كسبوا، فدل بالمفهوم على أنهم في غير تلك الحال يقدرون على ما كسبوا، وكذلك غيرهم يقدر على ما كسب.
ومن هذا الباب ما جاء من الأدلة على أن المفعولات الخارجة مصنوعة
стр. 248
لهم، لأن المصنوع لهم مقدور لهم بالضرورة، كقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] (١).
المسألة الرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.
فالفعل اللازم: هو الذي لزم فاعله ولم يتعد أثره إلى غيره، أي لم يتعدَّ إلى مفعول، وهو في حق الله كالاستواء، والإتيان والنزول والمجيء.
والفعل المتعدي: بخلافه، وهو ما لم يلزم فاعله، بل تعدى أثره إلى غيره، وهو في حق الله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والهدى والإضلال.
والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، لأن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديًا إلى مفعول أو لم يكن، والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديًا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من الفاعل (٢).
وقد اجتمع النوعان في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، فالاستواء فعل لازم، والخلق فعل متعد.
стр. 249
ومذهب أهل السنة أن كلًّا من الفعلين اللازم والمتعدي ثابت لله ، وأنه سبحانه قادر على كِلا الفعلين (١).
أما القدرة على الفعل اللازم، فمما يدل عليها:
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
فالله مستو على العرش، ففعله للاستواء دليل على قدرته عليه، إذ يمتنع الفعل بدون قدرة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وهذا إخبار بأنه سيفعل ذلك وهذا أيضًا متضمن لقدرته على ذلك.
ومثل هذين حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) (٢).
وأما القدرة على الفعل المتعدي، فمما يدل عليها:
قوله : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
وقوله : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
стр. 250
وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
فأخبر بقدرته على الخلق وإحياء الموتى صريحًا، وبقدرته على الهداية والإضلال ضمنًا، والله أعلم.
وأما مقدمات المشيئة:
المسألة الأولى: ثبوت صفة المشيئة لله .
المشيئة من الصفات الثابتة لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وقد تقدمت أدلة على ثبوت المشيئة مرتبةً من مراتب القدر، فأغنى عن إعادتها هنا.
وقد دل على مشيئة الله إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان (١).
المسألة الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.
وذلك أن الإرادة تنقسم إلى قسمين (٢):
إرادة كونية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث؛ كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهي المستلزمة لوقوع المراد، وهي إرادة ما يريد أن يفعله هو ؛ فهي مقتضى الربوبية.
إرادة شرعية: وهي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعًا ودينًا، وهي ملازمة للأمر الشرعي، ولا تستلزم وقوع المراد، وهي إرادته من العبد فعل ما أمره به (٣).
стр. 251
فلا تكون المشيئة بمعنى المحبة أبدًا، وحيثما وردت في كلام الشارع فالمراد بها الإرادة الكونية.
قال ابن القيم ﵀: "لفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي" (١).
وقال ﵀ في حمل المشيئة على الأمر -: "وهذا باطل قطعًا، فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك، وإنما استعملت في مشيئة التكوين" (٢).
وأما المسألة الأساسية فيهما، فيمكن ترتيبها في ثلاث مسائل:
الأولى: شمول قدرة الله لكل شيء.
الثانية: شمول مشيئة الله لكل شيء، وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع.
الثالثة: جواز تعلق قدرة الرب بكل ما جاز أن تتعلق به مشيئته والعكس، وجودًا وعدمًا.
أما المسألة الأولى: شمول قدرة الله لكل شيء.
فالمراد بها أنه ما من شيء إلا والله قادر عليه، فلا يعزب عن قدرته شيء.
وقد دل على هذه المسألة:
قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
وقد وصف الله نفسه بأنه على كل شيء قدير في خمسة وثلاثين موضعًا في القرآن.
стр. 252
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
فـ (كل شيء) في كلا الآيتين على عمومه فيدخل فيه كل ما صح أن يكون شيئًا؛ ما وُجد فعلًا، وما لم يوجد مما يتصوره الذهن موجودًا إن تُصوِّر وجوده في الخارج، لا يستثنى من ذلك شيء ولا يزاد عليه شيء.
وأما ما صح أن يتصوره الذهن لكن لا يمكن وجوده في الخارج فهذا ليس بشيء أصلًا، فلا يكون داخلًا فيما سبق (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأما أهل السنة فعندهم أن الله تعالى على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا؛ فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء" (٢).
وبيان ذلك: أن الشيء إما أن يكون موجودًا أو معدومًا، فالموجود أمره واضح، ولا إشكال فيه.
وله أربع مراتب:
- الوجود العيني: وهو الوجود في الخارج.
- الوجود الذهني: وهو الوجود في العلم.
- الوجود اللفظي: وهو الوجود في النطق واللسان.
- الوجود الرسمي، وهو الوجود في الخط والكتابة (٣).
стр. 253
قال السيوطي:
مراتبُ الوجود أربعٌ فقطْ … حقيقةٌ تصورٌ لفظٌ فخطْ
فوجود الموجود في الخارج هو الوجود العيني، والعلم به الذي في القلوب هو الوجود الذهني العلمي، والعبارة عن ذلك هو الوجود اللفظي اللساني، وكتابة ذلك هو الوجود الرسمي البناني (١).
وقد جمع الله هذه المراتب الأربعة في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
فمرتبة الوجود العيني في قوله: ﴿خَلَقَ﴾، ومرتبة الوجود الذهني في قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ومرتبة الوجود الرسمي في قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وأما مرتبة الوجود اللفظي فمن لوازم التعليم بالقلم، فإن الكتابة فرع النطق، والنطق فرع التصور (٢).
وأما المعدوم؛ فهو على قسمين:
الأول: المعدوم الممكن، وهو ما أمكن وجوده في الخارج، وإن لم يكن موجودًا فيه فعلًا، وهو على قسمين:
- ما قُدر أنه سيقع، كأشراط الساعة الكبرى من خروج الدجال
стр. 254
والدابة ونحو ذلك.
- ما قُدر أنه لا يقع، مع إمكان الوقوع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
فعلق عدم وجودها على عدم مشيئته، فدل على إمكانها، وقد يسمى هذا القسم ممتنع لغيره، أي لعدم مشيئته، تمييزًا له عن الممتنع لذاته.
ومن هذا الباب إمكان إدخال المؤمنين النار، وتعذيب من لا ذنب له، هو ممكن له لكن لا يفعله فضلًا منه سبحانه وحكمةً، وسيأتي لبيان ذلك مبحث مستقل إن شاء الله.
والممكن بقسميه يصح أن يسمى شيئًا باعتبار وجوده في العلم - أو فيه مع اللفظ والكتاب - مع إمكان وجوده في الخارج، فيكون داخلًا في عموم (كل شيء).
الثاني: المعدوم الممتنع، وهو ما لا يمكن وجوده في الخارج، مثل كون الشيء موجودًا معدومًا، فإن هذا ممتنع لذاته لا يعقل ثبوته في الخارج، وإنما يتصوره الذهن على وجه التمثيل، ثم يحكم بامتناع وجوده في الخارج، فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء.
فله وجود في العلم، لكنه ممتنع الوقوع في الخارج، فخرج بهذا عن كونه شيئًا، فلا يكون داخلًا في عموم (كل شيء).
والمعدوم بقسميه على هذا التقرير ليس شيئًا في الخارج.
стр. 255
وهذا موضع إجماع أهل السنة والجماعة، وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف (١).
وأما المسألة الثانية: شمول مشيئة الله لكل شيء، وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع.
فالمراد منها أن مشيئة الرب نافذةٌ، فليس في الوجود موجب تام إلا مشيئة الله وحده فلا يكون شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج عن مشيئته شيء.
وتقدم عند الكلام على المشيئة - بصفتها من مراتب القدر - الإشارة إلى أدلة شمولها، وأنها متضمنة لأمرين (٢):
الأول: أن ما وقع من الأشياء إنما وقع بمشيئته ، فهي الموجب التام.
الثاني: أن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته ، فتعليقه عدم الوقوع على عدم المشيئة دليل على جواز نفوذها.
ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨].
فانقطاع خلود أهل الجنة والنار أمر لا يكون، وقد أخبر لو شاء لفعله.
стр. 256
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، فرد حصول الفعل إلى مشيئته .
فكل ما صح أن يُسمى شيئًا - كما سبق بيانه - يصح أن يشاءه الله .
وأما المسألة الثالثة: جواز تعلق قدرة الرب بكل ما جاز أن تتعلق به مشيئته والعكس، وجودًا وعدمًا.
فهذه المسألة هي في الحقيقة لبُّ هذه القاعدة، وقد بان من مجموع ما سبق المراد منها، وزيادة في البيان يقال:
القدرة إنما تصح على ما يصح أن يُشاء، لأن ما لا يصح أن يُشاء ليس بشيء؛ فلا يصح تعلق القدرة به، وكذلك المشيئة إنما تكون على المقدور، والله على كل شيء قدير، وما لا يصح أن يكون مقدورًا - لكونه ليس شيئًا - لا يصح توجه المشيئة إليه.
فشمول كل منهما دليل على شمول الأخرى.
قال شيخ الإسلام ﵀: "قدرة الرب لا يفعل بها إلا مع وجود مشيئته، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وليس كل ما كان قادرًا عليه فعله. . . وإذا كان لو شاءه لفعله دل على أنه قادر عليه، فإنه لا يمكن فعل غير المقدور" (١).
فجواز القدرة دليل على جواز المشيئة، وجواز المشيئة دليل على جواز القدرة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] دخل في ذلك ما يصلح أن يكون مقدورًا، وذلك يتناول كل ما كانت ذاته ممكنة الوجود، وقد يقال: دخل في ذلك كل ما يسمى شيئًا بمعنى مشيئًا. . . فكل ما
стр. 257
يصلح أن يشاء فهو عليه قدير، وإن شئت قلت: قدير على كل ما يصلح أن يقدر عليه، والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء" (١).
والأصل الجامع في هذا الباب: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، وذلك أن (شيء) في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسمَّوا المشيء شيئًا، فيكون المعنى: على كل مشيء قدير - سواء كان شيئًا في الخارج أو في العلم فقط - أي: على كل ما يُشاء قدير، فأثبت قدرته على كل ما يُشاء، وجواز مشيئته لكل ما هو قادر عليه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا، كنَال ينال نيلًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشيء شيئًا. . . فقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي على كل ما يشاء؛ فمنه ما قد شيء فوُجد، ومنه ما لم يُشأ لكنه شيء في العلم بمعنى انه قابلٌ لأن يشاء، وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، أو ما كان شيئًا في العلم فقط، بخلاف ما لا يجوز أن تتناول المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته، أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل في العموم ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء" (٢).
والحاصل أن قدرة الله شاملة لكل شيء، وأن مشيئته كذلك شاملة لكل شيء؛ وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع، وأن جواز شمول كل منهما دليل على جواز شمول الأخرى، والله أعلم.
стр. 258
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهلَ السنة في هذه القاعدة المعتزلة، وكلام المعتزلة في القدرة كثير ومتشعب، والذي يهمنا هنا كلامهم في هذه المسألة، وهي شمول القدرة وشمول المشيئة، وجواز تعلق القدرة بكل ما يجوز أن تتعلق به المشيئة والعكس.
ومذهبهم في هذه المسألة أن كلًّا من القدرة والمشيئة غير شامل لكل شيء، بل من الأشياء ما لا يقدر عليه الرب سبحانه ولا يشاؤه، فمخالفتهم في أمور:
الأمر الأول: جعلهم المعدوم شيئًا في الخارج.
الأمر الثاني: إخراجهم القدرة عن عمومها، وجعلهم بعض الموجودات خارجة عن قدرة الرب ومشيئته.
الأمر الثالث: تجويزهم تعلق المشيئة بما هو خارج عن القدرة.
أما الأمر الأول: فاشتهر في أول أمره عن معتزلة بغداد، وقال به أبو الحسين الخَيَّاط (١)، والشَّحَّام (٢)، ثم من بعدهما (٣)، وقد حكى الإسفراييني اتفاق المعتزلة على ذلك خلا الصالحي، وحكى عنهم أنهم يقولون إن الجوهر
стр. 259
قبل وجوده جوهر والعرض عرض، وأن هذه الأمور متحققة قبل الوجود، والوجود لم يزدها شيئًا (١).
وممن حكى عنهم ذلك أيضًا: البغدادي، إلا أنه جعل القول بأن الجوهر قبل وجوده جوهر: قول البصريين منهم (٢)، وحكاه الأشعري قولًا للبغداديين منهم إلا في العرض (٣)، وجعل ابن حزم هذا قول سائر المعتزلة عدا هشَام بن عمرو الفُوطي (٤).
واحتجوا على هذه المقالة بما جاء في النصوص من الإخبار عن بعض المعدومات بأنها شيء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].
واحتجوا كذلك بكون المعدوم يُخبَر عنه ويُوصَف ويُتمنى، ومن المحال أن يكون ما هذه صفته ليس شيئًا (٥).
وهذه المقالة بنوها على التفريق بين الوجود والماهية، وأن الوجود قدر زائد على الماهية، فماهية الشيء - أي عينه - عندهم ثابتة قبل وجوده (٦).
стр. 260
وجعْل المعتزلة المعدوم شيئًا في الخارج أمرٌ مردود من وجوه:
الأول: عدم الدليل الصحيح على ذلك، أثرًا كان أو نظرًا، وما استدلوا به من نصوص لا يُسلم لهم، والصواب في ذلك أن للشيء وجودًا ذهنيًّا، ووجودًا لفظيًّا ووجودًا رسميًّا خطيًّا، ووجودًا خارجيًّا - كما تقدم -، فما ورد من نصوص في إطلاق الشيء على ما هو معدوم؛ فمحمول على غير الوجود الخارجي، إما اللفظي أو الذهني العلمي، أو الرسمي، لكن المعتزلة لما لم يهتدوا لهذا التقسيم - أو لما لم يقروا به - توهموا أن الوجود مقصور على الوجود الخارجي، فظنوا أن إطلاق الشيء على المعدوم يقتضي كونه موجودًا.
الثاني: أن التفريق بين الوجود والماهية باطل، فوجود الشيء عين ماهيته، وماهيته عين وجوده، سواء قصد بالوجود الذهني أو اللفظي أو الخطي أو الخارجي العيني، ومن جعل الوجود زائدًا على الماهية؛ لزمه أن يجعل الماهية قابلة للوجود، والوجود صفة لها فيجعل الوجود الواجب صفة لغيره، وهذا باطل (١)، يوضحه:
الثالث: أن هذا يلزم عليه كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج، وهذا باطل، إذ ليس في الخارج إلا عين الشيء ووجوده (٢).
فخلاصة الأمر أن الماهية والوجود شيء واحد، لا فرق بينهما، وإن كان إطلاق الماهية - في الاصطلاح - أكثر على الوجود الذهني، وإطلاق الوجود
стр. 261
أكثر على الحقيقة الخارجية (١).
وأما الأمر الثاني: وهو إخراجهم القدرة عن عمومها، وجعلهم بعض الموجودات خارجة عن قدرة الرب ومشيئته.
وهذا أصل متفق عليه عند كل المعتزلة، فقد اتفقوا على إخراج أفعال العباد عن قدرة الرب سبحانه ومشيئته، وجعلوا العباد هم المحدثين لها بقدرتهم وإرادتهم، وليس للقدرة والمشيئة الإلهية في ذلك مدخل.
قال القاضي عبد الجبار: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعلٍ من فاعلَيْن" (٢).
وقال في بيان أن الله لم يشأ ما وقع من العباد من المعاصي: "فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها" (٣)، وذلك أن إرادة القبائح قبيحة، والله منزه عن القبيح؛ فوجب ألا يشاءه (٤).
وحكى البغدادي اتفاق المعتزلة على أن الله سبحانه لم يشأ ما لم يأمر به، وما لم ينه عنه من أفعال العباد (٥).
стр. 262
والمعتزلة تطلق القول بعموم القدرة، فيقولون: الرب قادر على كل المقدورات، أو على سائر أجناس المقدورات، كما في قول القاضي عبد الجبار: "وأنه [أي الرب سبحانه] قادر على جميع أجناس المقدورات، ومن كل جنس على ما لا يتناهى، وأنه لا ينحصر مقدوره لا في الجنس ولا في العدد" (١).
وليس مرادهم من ذلك عموم قدرة الرب على كل شيء، بل مرادهم قدرته على كل مقدور له، ومن الأشياء ما لا يدخل تحت مقدوره، فقد ذهب المعتزلة - عدا الشحام - إلى أن الله سبحانه لا يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده، وإنما النزاع بينهم في قدرته على جنس ما أقدر عليه العباد على قولين، وتنازعوا كذلك في قدرته على الظلم، واكثرهم على إثبات ذلك، وبعضهم يطلق القول بقدرته على الظلم لا على أن يظلم (٢)، وذهبوا كذلك - عدا ضرار بن عمرو وبشر بن المعتمر - إلى أن الله سبحانه لا يقدر على لطف يلطف به الكافر حتى يؤمن، وأنه ليس في قوة الرب سبحانه أحسن مما فعل بنا (٣).
بل قد ذهب أبو الهُذَيل (٤) منهم إلى أن مقدورات الرب تفنى حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرًا على شيء، ومن هنا قال بفناء حركات أهل
стр. 263
الجنة والنار (١).
وذهب النظام منهم إلى أن الله سبحانه لا يقدر على فعل ما علم أن غيره أصلح منه (٢).
وذهب الجَاحِظ (٣) إلى أن الله سبحانه لا يقدر على إفناء الأجسام بالكلية وإنما يرققها ويفرق أجزاءها فقط (٤).
وذهب هشام بن عمرو الفوطي منهم إلى أن الله سبحانه إذا خلق شيئًا فإنه لا يقدر على أن يخلق مثل ذلك الشيء أبدًا، لكن يقدر على أن يخلق غيره (٥).
وذهب عبَّاد بن سليمان (٦) منهم إلى أن الله سبحانه لا يقدر على أن يخلق غير ما خلق (٧)، وهو قول الأسوارية منهم أتباع علي الأسواري (٨).
والمقصود بيان ضلال المعتزلة في إخراجهم قدرة الله سبحانه عن عمومها
стр. 264
وتحريفهم معنى قوله : ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بقولهم: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وكذلك بيان ضلالهم في إخراجهم المشيئة عن بعض مخلوقاته سبحانه.
ومذهبهم هذا مردود باطل، إذ أنه يتضمن أن يكون في ملك الله ما لا يريده وما لا يقدر عليه، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد (١)، وسيأتي مزيد تفصيل في الرد عليهم في مبحث أفعال العباد.
وأما الأمر الثالث: وهو تجويزهم تعلق المشيئة بما هو خارج عن القدرة؛ فقد صرح به القاضي عبد الجبار فقال: "ونحن إذا قلنا إنه تعالى مريد فلا نعني به كونه قادرًا ولا عالمًا، لأنه قد يريد ما لا يقدر عليه، وقد يقدر على ما لا يريده" (٢).
وهذا أيضًا واضح البطلان، من وجوه:
الأول: ما تقدم من أدلة على عموم قدرة الرب على كل شيء، فليس ثَمَّ شيء خارج عن القدرة أصلًا.
الثاني: أن لفظ المشيئة - كما تقدم - كوني، فلا بد إذا شاء الرب شيئًا أن يكون، ولا يمكن أن يتخلف أصلًا، والمعتزلة - مع سائر المخالفين - إنما ضلوا في هذا الباب بعدم تفريقهم بين المشيئة والمحبة، والمراد الكوني والمراد الشرعي، وسيأتي الرد عليهم في هذا في موضعه إن شاء الله.
стр. 265
المبحث التاسع: "الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 266
المبحث التاسع: "الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال"
هذه القاعدة هي آخر قواعد هذا الباب، والكلام فيها عن الفطرة ومعناها وعدم منافاتها للقدر السابق.
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال ابن القيم ﵀ في كتابه شفاء العليل (١): "الباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها، واختلاف الناس في المراد بها، وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال".
وقال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن حكى تفسير الإمام أحمد للفطرة بالإسلام -: "وقوله في موضع آخر: يولد على ما فُطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك؛ فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين، فتهويد الأبوين وتنصيرهما
стр. 267
وتمجيسهما هو مما قدره الله تعالى، والمولود ولد على الفطرة سليمًا وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه كما مثل النبي ﷺ ذلك بقوله: (كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) (١)، فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره" (٢).
стр. 268
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب مع السنة، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه، كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء؟) ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] (١).
وفي رواية: قالوا يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (٢).
وحديث ابن عباس وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن أولاد المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (٣).
стр. 269
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
مقصود هذه القاعدة بيان أن سبق المقادير لا ينافي كون الإنسان ولد على الفطرة، وينبغي قبل الخوض في هذا الموضوع تقرير معنى الفطرة في اللغة والشرع.
الفِطْرة في اللغة: من فَطَرَ الشيء يفطُره فَطرًا، والفِطْرة الحالة منه كالجِلْسة والرِّكْبة.
والفاء والطاء والراء: أصل صحيح، يدل على فتح شيء وإبرازه، وقد فسرت الفطرة في اللغة بمعان كلها ترجع إلى هذا الأصل:
فقيل: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، أي: انشقت (١).
وحديث عائشة ﵂: أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه (٢)، أي تتشقق.
ووجه مناسبته للأصل ظاهر، فإن الشيء إذا انشق فقد فُتح وأُبرز ما فيه.
وقيل: الابتداء والاختراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أي: مبتدعهما ومبتدئهما (٣).
وقول أحد الأعرابيين اللذين اختصما إلى ابن عباس ﵄ في بئر: "أنا
стр. 270
فطرتها"، أي: أنا ابتدأتها (١).
ووجه مناسبتها للأصل أن ما اخترع وابتدئ فقد أُبرز إلى الوجود، وشُق عنه غطاء العدم.
وقيل: الخِلقة، والفطر: الخلق، وبه فسر قتادة والسُّدي (٢) قولَه تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أي: خالق السموات والأرض.
وهذا المعنى قريب من المعنى الثاني.
وقيل: ما قرُب عهده، فكل ما أُعجِل عن إدراكه فهو فَطير، ومنه قولهم: حيس فطير، أي: طري قريب حديث العمل.
وقولهم لبن فطير: للذي يُحلب ساعتئذ، وخبز فطير: للذي اختُبز من ساعته ولم يختمر، ورأي فطير: للذي استُعجل به قبل أن يستحكم، وجِلد فطير: للذي لم يُروَ من دباغ (٣).
الفطرة في الشرع:
اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، والصواب الذي عليه جمهور السلف، أن المراد بها: الإسلام (٤).
стр. 271
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
فالفطرة هنا الإسلام بإجماع السلف.
قال ابن عبد البر ﵀: "وقال آخرون: الفطرة ههنا الإسلام، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل، قد أجمعوا في قول الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: فطرة الله: دين الله الإسلام" (١).
ومما نقل عنهم في ذلك: أبو هريرة فقد كان يقول عقب رواية الحديث: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ " (٢).
ومن ذلك أيضًا: تفسير الزهري ﵀ كما روى البخاري عنه (٣) أنه قال: "يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لِغِيَّة (٤)، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة - وإن كانت أمه على غير الإسلام - إذا استهل صارخًا يصلى عليه، ولا يصلى على من لا يستهل من
стр. 272
أجل أنه سقط"، ثم استدل بحديث أبي هريرة ﵁ (١).
ومن ذلك أيضًا: تفسير عطاء وعمرو بن دينار - رحمهما الله -، كما روى عبد الرزاق (٢) عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ولد الزنا حين يولد بعد ما استهل أيصلى عليه؟ قال: "نعم"، قلت: كيف وهو كذلك؟ قال: "من أجل أنه ولد على الفطرة، فطرة الإسلام". قال ابن جريج: "وسألت عمرو بن دينار فقال مثل قول عطاء".
ومن ذلك أيضًا: تفسير ابن زيد ومجاهد وعكرمة، كما رواه عنهم الطبري (٣).
ثانيًا: حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) (٤)، وفي لفظ: (حنفاء مسلمين) (٥).
стр. 273
ثالثًا: حديث الفطرة المتقدم، وفي بعض ألفاظه التصريح بأن المراد بالفطرة: ملة الإسلام، ومنها: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، و (إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه) (١).
وكذلك جاء التصريح بكونها فطرة الإسلام في حديث الأسود بن سَريع ﵁، وفيه قوله ﷺ : (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (٢).
رابعًا: أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عقيب ذلك عن أطفال المشركين، وهذا يدل على أنهم فهموا أن المراد بالفطرة الإسلام (٣).
خامسًا: أن النبي ﷺ قال هذا الحديث عقيب إنكاره عليهم قتل أولاد المشركين كما في حديث الأسود بن سريع ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ : (ما حملكم على قتل الذرية؟) قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين! قال: (أَوَهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة
стр. 274
حتى يعرب عنها لسانها) (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: (أَوَليس خياركم أولاد المشركين) يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك" (٢).
سادسًا: أن النبي ﷺ شبه تهويد أبوين وتنصيرهما وتمجيسهما للمولود بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها (٣)، يوضحه:
سابعًا: أن النبي ﷺ لم يذكر لموجب الفطرة شرطًا، وإنما ذكر ما يمنع موجبها (٤).
ثامنًا: أنه جاء في أحاديث أُخَر إطلاق الفطرة على الإسلام، كما في أحاديث سنن الفطرة، ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب) (٥).
وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من
стр. 275
الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك. . .) (١)، وغيرهما من الأحاديث.
والمراد بسنن الفطرة: سنن الإسلام، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن فطرة الإسلام: الغسل يوم الجمعة والاستنان وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم، حُدُّوا شواربكم وأعفوا لِحاكُم) (٢).
وكما في حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين) (٣).
وكما في حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت؛ مت على الفطرة) (٤).
стр. 276
وخالف الراجح ممن ذهب إلى هذا القول فريقان:
- فريق قال بنفي العموم في قوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة)، فعندهم أن من الأطفال من يولد على الفطرة، ومنهم من ليس كذلك. ومعنى الحديث: أن المولود على الفطرة من الأبوين الكافرين يكفرانه، أي يحكم له بذلك تبعًا لهما، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما وذلك حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه.
واستدلوا بدليلين:
الأول: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (١).
الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا) (٢).
стр. 277
قالوا: ففي هذا الحديث ومع حديث غلام الخضر ما يدل على أن قوله ﷺ : (كل مولود) ليس على العموم.
فعندهم أن النبي ﷺ أخبر أن الله خلق هذا الغلام كافرًا، وإذا كان كذلك استحال أن يكون ولد على الفطرة، لأن قول النبي ﷺ فيه ذلك هو إخبار وحي، لا حكم دنيوي.
وكذلك الحديث الآخر أخبر فيه ﷺ أن من الأطفال من يولد مؤمنًا فهو على الفطرة، ومنهم من يولد كافرا فليس هو على الفطرة.
ووجَّهوا العموم في قوله ﷺ : (كل مولود) بأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب، كما في قول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وهي لم تدمر السموات والأرض (١).
والصواب أن الحديث على عمومه، لأنه جاء بألفاظ تدل دلالة قطعية على إرادة العموم، منها: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) (٢)، و (كل بني آدم يولد على الفطرة) (٣).
وأما ما استدلوا به من أحاديث فسيأتي الكلام عليها (٤)(٥).
стр. 278
- وذهب محمَّد بن الحَسَن ﵀ (١) إلى أن هذا القول من النبي ﷺ كان في أول الإسلام قبل نزول الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد.
قال أبو عبيد: "سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث فقال: كان هذا في أول الإسلام، قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد" (٢).
ويرده حديث الأسود بن سريع ﵁ المتقدم، فهو نص في المسألة، لأنه كان عقب غزوة حنين، ولذلك قال ابن عبد البر ﵀: "فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهية الخوض في ذلك، وأما قوله فيه: إن ذلك القول كان من النبي ﵇ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد؛ فليس كما قال، لأن في حديث الأسود بن سَريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد" (٣).
ولعل منشأ الإشكال عنده ﵀ أنه رأى استقرار الشريعة على تبعية
стр. 279
أولاد المشركين لآبائهم في الدنيا، فظن أن قول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) يقتضي أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين فقال: هذا منسوخ (١).
وقبل حكاية الأقوال الأخرى المخالفة لهذا القول يحسن بيان مسألتين، توضحان القول الراجح، وتتضمنان ردًا مجملًا على ما خالفه من أقوال.
المسألة الأولى: المعنى المراد بكون المولود على الفطرة:
ليس المراد من كون المولود ولد على الفطرة، أو على ملة الإسلام، أو على الإسلام، أو خُلق حنيفًا: أنه ولد عالمًا بهذا الدين ومريدًا له، فإن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضيةٌ موجبةٌ لدين الإسلام لمعرفته ومحبته، إذا سلمت عن المعارض.
قال شيخ الإسلام ﵀ في معنى الفطرة: "وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة" (٢).
فكل مولود يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وإلهيته، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره.
وينبغي أن يعلم أنه ليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، بل المراد أن نفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، ثم موجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا
стр. 280
سلمت عن المعارض، وقد يعرض لها ما يفسدها، وهذا كما أن المولود يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، وبغض خلافه، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته، وقد يعرض له ما يفسده عليه، فيحب ما لا يلائمه ويبغض ما يلائمه (١).
المسألة الثانية: بيان منشأ الغلط في هذه المسألة، وسبب الخلاف:
منشأ الغلط في هذه المسألة هو اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن بعض أهل السنة لما رأوا أن أحكام الكفر تجري على أولاد الكفار في أمور الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانة آبائهم لهم وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم والموارثة بينهم وبين آبائهم واسترقاقهم إذا كان آباؤهم محاربين؛ ظنوا أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به.
والصواب أن حكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا، فقد يكون الرجل في أرض الكفار وهو مؤمن كاتم لإيمانه، فيغزوهم المسلمون فيقتلونه - وهم لا يعلمون حاله - فيُعامل معاملة قتلى الكفار، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجرى عليهم في الدنيا أحكام المسلمين وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار.
وكون أطفال المشركين يتبعون لآبائهم في حكم الدنيا أمر قد علم بالاضطرار من شرع الرسول ﷺ .
стр. 281
فإذا عُرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.
والنبي ﷺ لم يرد بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، الإخبار بأحكام الدنيا وحال أطفال الكفار، وإنما أراد بيان الحقيقة التي خلقوا عليها (١).
وسبب الخلاف: أن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله بل مما فعله الناس، فكل مولود خلقه الله على الفطرة، وكفره إنما حصل بعد ذلك من الناس.
فأراد الأئمة منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، فصاروا يتأولونه بتأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه، فكان مقصودهم صحيحًا، لكن سلكوا في حصوله طرقًا بعضها صحيح، وبعضها ضعيف (٢).
وأما الأقوال الأخرى في معنى الفطرة فهي خمسة:
القول الأول: أن المراد بالفطرة في الحديث: الخلقة التي خُلق عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد: خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، قالوا: والفاطر الخالق وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقد الكفر أو
стр. 282
الإيمان بعد البلوغ إذا ميز (١).
وقد حكى ابن عبد البر ﵀ هذا القول عن طائفة من أهل الفقه والنظر دون تسمية، ورجحه على غيره من الأقوال، واختاره كذلك: الطحاوي (٢)، والقرطبي (٣).
ومن الأدلة عليه:
أولًا: قوله ﷺ : (كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء؟) (٤)، قالوا: شبَّه قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم يطرأ عليها النقص بعد بقطع آذانها وأنوفها.
ويدل على ذلك المعنى اللغوي، فالفطرة السلامة والاستقامة، والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم.
ثانيًا: أنه لو كان الأطفال قد فطروا على شيء على الكفر أو الإيمان في ابتداء أمرهم ما انتقلوا عنه أبدًا، والمشاهد بخلاف ذلك.
ثالثًا: أن الله قد أخبر بأن الطفل يولد ولا معرفة له بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ومن كان كذلك استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
رابعًا: أن الله قد أخبر أن الإنسان إنما يجزى بعمله كما قال:
стр. 283
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وإنما يكون ذلك إذا بلغ، لذا فقد أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا، وإذا تعلق الأمر بالبلوغ امتنع أن يكون الكفر والإيمان حاصل قبله.
خامسًا: أن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، فهذا يدفع كون المراد بالفطرة: الإسلام (١).
سادسًا: لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب أن يحكم للطفل إذا ولد من بين أبوين كافرين بحكم الإسلام ما دام طفلًا، فلا يرثهما ولا يرثانه، ولوجب ألا يصح استرقاقه ونحو ذلك (٢).
والجواب عن هذا القول أن يقال: القول بأن: "كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، أي خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك".
إن أُريد بالفطرة فيه مجرد التمكن من المعرفة والقدرة عليها من غير إرادة لها فهذا ضعيف من وجهين:
الأول: أن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حين يُسأل عمن مات صغيرًا.
الثاني: أن النبي ﷺ علل النهي عن قتل أولاد المشركين بكونهم على الفطرة، فإذا كانت الفطرة هي مجرد القدرة، والقدرة في الكبير أكمل منها في
стр. 284
الصغير، فوجب أن تعصم دماء المشركين البالغين من باب أولى، وهذا باطل.
وإن أُريد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها أيضًا؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان (١).
وأما القول: "وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّزوا".
فجوابه أن يقال: إن أُريد بهذا أنهم خُلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر؛ فهذا فاسد لوجهين:
الأول: أنه لا فرق حينئذ بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فعليه كان ينبغي أن يذكر الإسلام كذلك.
الثاني: أن الفطرة على قولهم قابلة للمدح والذم على السواء، وما كان كذلك لم يستحق مدحًا ولا ذمًا لذاته، والفطرة ممدوحة لذاتها في الشرع لأن النبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه النقص الحاصل لها بالجدع، ولأن الله أمر بلزومها كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وهذا هو
стр. 285
الذي يشعر به ظاهر الكلام.
وإن أُريد به أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر بما فيها من قبول واستعداد، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فيقال لهم: هذا القبول والاستعداد، هل هو كاف في حصول المعرفة، أم أن حصولها يتوقف على مؤثر خارجي، فإن كان الأول فقولهم صحيح، وإن كان الثاني فهو باطل لوجهين:
الأول: أن هذا المؤثر يمكن أن يوجد تارة وينعدم أخرى، وإذا انعدم انعدمت المعرفة، وهذا لا يصح، لأن النبي ﷺ عمم الفطرة في جميع بني آدم، ولأنه لم يذكر لموجب المعرفة شرطًا، بل ذكر موانعه.
الثاني: أن هذا المؤثر الخارجي يمتنع أن يكون مؤثرًا بذاته، وإنما هو سبب، فعندئذ إن وجب حصول المعرفة فإنما وجبت بالسبب وإن فقدت فلعدمه، وهذا فاسد؛ لأن في الفطرة قبول الكفر والإنكار إذا وجد من يعلمها ذلك، فلا فرق حينئذ بين الإيمان والكفر والمعرفة والإنكار، لأن في الفطرة قوة قابلة لكم منهما وحصول أحدهما متوقف على السبب الخارجي، وهذا باطل (١).
وأما جواب ما استدلوا به من أدلة:
الدليل الأول: جوابه أن يقال: هذا دليل على أن الفطرة هي الإسلام، لأنه شبه التهويد والتنصير بتغيير الخلقة، فدل على أن ضدهما - وهو الإسلام -