← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤]. الصنف الخامس: الأدلة الدالة على أن الله يلهم عباده التقوى والفجور، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]. الصنف السادس: الأدلة الدالة على أن الله يعز ويذل، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. الصنف السابع: الأدلة الدالة على أن الله يضحك ويبكي، ويحيي ويميت، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٣، ٤٤]. ومن هذا الباب ما جاء في النصوص من سؤال الله أن يجعل كذا، كقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقوله ﷺ : (رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا، لك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي) (١).

стр. 457

ووجه الدلالة من هذا القسم أن الله أخبر أنه خلق هذه الأشياء في العباد مع كونها من أفعالهم. قال شيخ الإسلام ﵀: "ففي القرآن من ذكر تفصيل أفعال العباد التي بقلوبهم وجوارحهم، وأنه هو ﵎ يحدث من ذلك ما يطول وصفه" (١). وأما الإجماع فممن حكاه: - اللالكائي، قال ﵀: "سياق ما فسر من الآيات. . . وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعاتها ومعاصيها" (٢). - شيخ الإسلام، قال ﵀: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة" (٣).

стр. 458

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. هذه القاعدة من القواعد العظيمة في القدر وهي مرتبطة ارتباطًا مباشرا بالمرتبة الرابعة من مراتب القدر التي هي الخلق. ونفي ما تضمنته هذه القاعدة من خلق الله لأفعال العباد نفي لقسط كبير من ملك الله وآياته؛ بل نفي لما هو من محاسن ملكه وأعظم آياته ومخلوقاته (١). وهذه المسألة هي لب باب القدر، وعنها تشعبت كثير من مسائله. ولا بد قبل البدء بشرحها من بيان خمس مقدمات هي: الأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ، فجهة فعلها غير جهة خلقها. فالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل. الثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعله شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته. الثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم، وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله هو الذي أقدره على ذلك. قد سبق الكلام على هذه المقدمات الثلاث في المبحث السابق.

стр. 459

الرابعة: إثبات عموم خلقه . وقد دل على عموم خلقه أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]. ونفى عن غيره أن يكون خالقًا لشيء، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقال : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]. ومن أسمائه: الخالق والخلاق، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦]. وهذا العموم يدخل فيه أفعال العباد قطعًا، إذ لا موجب لإخراجها عنه، لذلك كان نفاة خلق أفعال العباد مجوس هذه الأمة، لأنهم أثبتوا خالقًا مع الله ، بل خالقين. الخامسة: إثبات كمال ملكه . من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله متصف بالملك التام على ما يليق بجلاله وكماله، ومن أسمائه سبحانه: الملك والمالك والمليك. ومن الأدلة على هذه الأسماء: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، على قراءتين: (ملك) و (مالك) (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].

стр. 460

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. وقوله ﷺ : (يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض) (١). قال الزَّجَّاج ﵀ (٢): "وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والمُلَّاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى" (٣). وقال الخطابي ﵀: "هو التام الملك، الجامع لأصناف المملوكات، فأما المالك: فهو الخاص" (٤). وقد أخبر الله أنه الملك على الحقيقة، ومن سواه فلا يملك شيئًا، فقال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]. وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي

стр. 461

السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. وكل من الخَلْق والمُلْك من خصائص الربوبية، أي أخص ما يتصف به الرب . وإثبات كمال الملك يقتضي إثبات خلقه لأفعال العباد، لأن إخراجها عن خلقه إخراج لها عن ملكه. والكلام على هذه القاعدة في مسائل: الأولى: معنى كون الله خالقًا لأفعال العباد. الثانية: الجمع بين كون أفعال العباد خلقًا لله وفعلًا للعبد. الثالثة: شمول خلق الله لجميع أفعال العباد. المسألة الأولى: معنى كون الله خالقًا لأفعال العباد. يُراد بكونه خالقًا لأفعال العباد ما يُراد بكونه خالقًا لغيرها من الأشياء؛ إذ الباب واحد، فالجميع أُخرج من العدم إلى الوجود بقدرته ومشيئته وحكمته، وإنما التباين بينها في الأسباب التي بها وُجدت، فالزرع وُجد بسبب البذر والماء وغيرهما من الأسباب، والولد وُجد بسبب الجماع. وكذا الأمر في أفعال العباد؛ وُجدت بما قدره الله من الأسباب، كقدرة العبد ومشيئته. وكون قدرة العبد ومشيئته سببًا لا يعني استقلاله بالخلق، إذ لا موجب تام إلا قدرة الله ومشيئته كما تقدم (١). والله خالق السبب والمسبب وهو قادر على خلق أفعال

стр. 462

العباد بدون هذه الأسباب، لكن حكمته تأبى ذلك، بل هو سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها. وهذا - عند التأمل - من أقوى الأدلة على كون أفعال العباد مخلوقة. المسألة الثانية: الجمع بين كون أفعال العباد خلقًا لله وفعلًا للعبد. لا إشكال عند أهل السنة بين كون الله خالقًا لأفعال العباد، وبين كونها أفعالهم وكسبهم، لأمرين: أولهما: أن الشارع هو الذي أخبر بهذا وأخبر بهذا، والتناقض في كلامه ممتنع باتفاق، فيلزم ألا يكون بينهما تناقض، بل لكل واحد منهما وجهه الصحيح. ثانيهما: أن الجهة مختلفة، فهي لله مفعولة مخلوقة، وهي للعبد فعل وكسب، وفرق بين الفعل والمفعول - كما تقدم (١) - فالتنافي غير وارد أصلًا. فلله من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وللمخلوق منها الفعل والكسب. قال ابن القيم ﵀: "ويؤمنون بأن من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا والمصلي مصليًّا والمتحرك متحركًا، وهو الذي يسير عبده في البر والبحر، وهو المسير والعبد السائر وهو المحرك والعبد المتحرك. . . ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازًا، وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول. . . فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه

стр. 463

مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه" (١). المسألة الثالثة: شمول خلق الله لجميع أفعال العباد. أفعال العباد فيها الحسن والقبيح، والطاعة والمعصية والإيمان والكفر، وفيها ما ليس كذلك. فهي إما أن ترجع إلى الخير وأسبابه، أو إلى الشر وأسبابه، أو إلى ما ليس بخير ولا شر - بالنظر إلى ذاته -. وهذه الأقسام الثلاثة مخلوقة لله ، أما الخير وأسبابه، وكذا ما ليس بخير ولا شر؛ فلا إشكال فيه عند من يثبت أصل خلق الله لأفعال العباد. وأما أفعال الشر وأسبابه، فيدل على دخولها تحت خلق الله أمران: الأول: أنها كالقسمين السابقين؛ لا فرق، والنظير له حكم نظيره. الثاني: أنها لا تعدو أن تكون من جملة الشرور التي هي خلق لله كما تقدم - وله فيها الحكمة البالغة. ولا يلزم من كون الله خالقًا لأفعال عباده - بأقسامها الثلاثة - أن يتصف بما تضمنته، بل له من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق - كما تقدم -، وله في تقديرها الحكمة البالغة والرحمة السابغة والحمد التام.

стр. 464

وللمخلوق منها الفعل والكسب، ويحمد على إحسانه، ويذم على إساءته، حمدًا وذمًا تترتب عليه الأحكام الشرعية في الدنيا والآخرة. وقد مضى في المقدمات تقرير أن أهل السنة يثبتون الفرق بين الفعل والمفعول، وبين فعل وأفعل، وأن حكم الصفة يرجع إلى محلها. فالله يوصف بما فعله وقام به لا بما خلقه في غيره، ولا بما جعل غيره فاعلًا له. والمقصود أن الله هو خالق أفعال العباد، وخالق ما كان سببًا فيها من قدرة ومشيئة لهم، والله أعلم.

стр. 465

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. تقدم في المبحث الماضي حكاية أقوال الفرق في مسألة خلق الأفعال على سبيل الإجمال، وأنها على قولين: قول القدرية، وقول الجبرية. أما الأول: فقول القدرية المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن العباد يخلقون أفعالهم ويحدثونها، وأن الله سبحانه لم يخلقها. وأقوال أئمتهم في تقرير هذا المذهب كثيرة، بل قد حكوا اتفاقهم عليه، ومن ذلك ما تقدم من قول القاضي عبد الجبار: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه" (١) (٢). وقال أيضًا: "فصل في خلق الأفعال، والغرض به الكلام على أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها" (٣). وقال أيضًا: "أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده ومن قبله وذلك واضح، فإن أفعالهم حدثت من جهتهم وحصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقوا عليها المدح والثواب والعقاب، فلو كانت

стр. 466

من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله؛ لما جاز ذلك" (١). وقال ابن المرتضى: "وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه" (٢). واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]. قالوا: نفى الله عن خلقه التفاوت، فلا يخلو أن يكون هذا التفاوت في الخلق أو في الحكمة، والأول غير مراد لأن التفاوت في الخلق مشاهد لا يخفى، فيتعين أن المراد الثاني، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون أفعال العباد مخلوقة له، لما فيها من التفاوت المنافي للحكمة (٣). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]. قالوا: الإحسان المذكور إما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله الله سبحانه فهو إحسان، وإما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله حسن، والأول غير مراد؛ لأن في أفعاله سبحانه ما ليس إحسانًا كالعقاب، فتعين أن الثاني هو المراد، وإذا كان كذلك؛ امتنع أن تضاف أفعال العباد إليه سبحانه لاشتمالها على ما ليس بحسن (٤). الدليل الثالث: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. قالوا: بيَّن سبحانه أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام

стр. 467

والحسن معًا، وأفعال العباد فيها ما ليس بمتقن؛ فوجب ألا تكون مخلوقة لله سبحانه (١). الدليل الرابع: أن جميع القرآن - أو أكثره - قد تضمن المدح والذم والوعد والوعيد والثواب والعقاب، فلو كانت أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه؛ لم يصح تعلق ذلك بالعباد، إذ فيه مدح الغير وذمه ونحو ذلك على ما ليس فعلًا له (٢). هذا ما استدلوا به من جهة السمع، وأما من جهة النظر: الدليل الخامس: أن الفرق ثابت بين ما قام بالعباد من أوصاف بسبب أفعالهم، وبين ما قام بهم من أوصاف خَلْقية، فالأول يمدح ويذم، والثاني لا يتوجه إليه مدح ولا ذم، ولو كانت أفعال العباد مخلوقة لله؛ للزم أن يكونا سواء، وللزم ألا يتوجه لفاعليها مدح ولا ذم (٣). الدليل السادس: أن أفعال العباد تجب بحسب قصودهم ودواعيهم، وتنتفي بحسب كراهتهم وصوارفهم، فلولا أنها محتاجة إليهم ومتعلقة بهم لما صح ذلك (٤). الدليل السابع: أنه قد ثبت في الشاهد أن العاقل لا يسيء إلى نفسه ولا يريد من غيره ذلك لعلمه بقبحه ولغناه عنه، والله سبحانه أولى بذلك، فوجب أن لا يكون خالقًا لأفعال العباد لأن ذلك يقتضي أنه يسيء إلى نفسه (٥).

стр. 468

الدليل الثامن: أن في أفعال العباد ما هو جور وظلم، فلو كان الله سبحانه خالقًا لها لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا، والله منزه عن ذلك، فوجب أن لا تكون مخلوقة له سبحانه (١). والجواب على ما استدلوا به من وجهين: مجمل ومفصل. أما المجمل؛ فمن وجوه ثلاثة هي أصول سبق الكلام عليها (٢): الأول: أن الفرق ثابت في - حقيقة الأمر - بين الفعل والمفعول، ففرق بين فعل الفاعل والمفعول المنفصل؛ إذ الفعل إحداث الشيء والمفعول هو الحدث، فلا يلزم من كون أفعال العبد مخلوقة لله سبحانه أن تكون فعلًا له، بل هي مفعولة له، وهي فعل من فعلها وهم العباد، فجهة الفعل غير جهة الخلق. ومثال ذلك: الصلاة، فإنها تطلق على فعل المصلي القائم به الذي يسمى بسببه كان مصليًا، وهو قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه ونحو ذلك، وتطلق على المفعول المنفصل، وهي الصلاة التي وجدت بفعله. الثاني: أن الفرق ثابت بين فعل وأفعل، فالفعل هو الذي يقوم بالفاعل، وأما الإفعال فلا يقوم به، وإنما يقوم بمن جعله فاعلًا له. فالله سبحانه أفْعَلَ العبدَ - أي جعله فاعلًا - والعبدُ فَعَل، فالله الذي جعله مصليًا والعبد صلى، وهو الذي جعله مطيعًا والعبد أطاع، وهو الذي جعله كافرًا والعبد كفر، وهكذا. . . الثالث: أن الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون

стр. 469

غيره، فالله سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما خلقه في غيره، فلا يوصف الله تعالى بأفعال العباد، لأن تلك الأفعال لم تقم به وإنما قامت بمن فعلها وهم العباد، وهم المتصفون بها. وهذا الرد شامل لكل مخالف في هذا الباب. وأما الرد المفصل؛ فهو بتتبع كل دليل على حدة. أما الدليل الأول؛ فجوابه أن المراد بالتفاوت في الآية: التفاوت في الخلقة، ويدل عليه السياق، فإنه ذكر خلق السموات، ثم ذكر عدم التفاوت، ثم أعقب ذلك بالأمر بإرجاع البصر لإدراك انتفاء الفطور وهو النقص والخلل، من تشقق ونحو ذلك، فدل على أن المراد بذلك التفاوت في الخلقة. قال ابن قتيبة: " ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلافٍ، وأصله من الفوت وهو: أن يفوت شيء شيئًا فيقعَ الخللُ، ولكنه متصل بعضُه ببعض. ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: أي من صُدوع" (١). وقال الفرَّاء: "والتفاوت: الاختلاف، أي: هل ترى في خلقه من اختلاف" (٢). قال ابن كثير: "وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب

стр. 470

ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللا؛ أو فطورًا؟ قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: شقوق" (١). وقال البغوي: "ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض، بل هي مستقيمة مستوية، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت بعضها بعضًا لقلة استوائها ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ شقوق وصدوع" (٢). وأما الدليل الثاني؛ فبطلانه من وجوه: الأول: أن تخطئة القول بأن جميع ما خلقه الله إحسانٌ ليست بصحيحة، بل كل ما خلقه الله فهو إحسان، وما وجد فيه من خلاف ذلك فهو جزئي مغمور في جانب الإحسان، إذ أفعاله سبحانه - كما تقدم - كلها خير (٣)، والعقاب ونحو ذلك هو إحسان في حقيقة الأمر، حتى للمعاقَب، كما قال الحسن في أهل النار: "لقد دخلوا النار وإنَّ حمده لفي قلوبهم؛ ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلًا" (٤). والعقاب الذي هو ظلم هو أن يعاقب الإنسان على عمل غيره، فأما عقوبته على فعله الاختياري وإنصاف المظلومين من الظالمين، فهو من كمال

стр. 471

عدل الله تعالى وإحسانه، والعدل ممدوح (١). الثاني: أن جهة إضافة أفعال العباد إلى الله سبحانه غير جهة إضافتها إلى العباد، فالأولى إضافة خلق وتقدير، والثانية إضافة فعل ومباشرة وكسب، فلا يلزم من إضافتها إلى الرب سبحانه خلقًا أن يتصف بما تضمنته من حكم - على ما تقدم في الرد المجمل -. الثالث: أن خلق الله سبحانه لما خلقه من أفعال العباد القبيحة إنما هو لحكم عظيمة، يمدح الله سبحانه عليها، وبعدم خلقها تفوت هذه الحكم. وأما الدليل الثالث؛ فكسابقه. وكذا الدليل الرابع. واحتجاج المعتزلة وسائر المتكلمين بالنقل لا يستقيم لهم لسببين: الأول: أن ما هم عليه مناف لما جاء به النقل. الثاني: أنهم ليسو من أهل العناية بالنقل، وبخاصة الأحاديث النبوية. وأما ما احتجوا به من النظر، وهو باقي الأدلة: فالدليل الخامس؛ وهو احتجاجهم بتوجه المدح والذم إلى أفعال العباد دون ما قام بهم من صفات خلقية، فباطل من وجهين: الأول: أن متعلق المدح والذم هو الفعل والكسب، وخلقة الإنسان مما لا كسب له فيها، فلا يتوجهان إليه فيها، وأما أفعاله فهي كسبه وفعله، وأنتم أثبتم الفرق بينهما، يوضحه:

стр. 472

الثاني: ما تقدم مرارًا من اختلاف الجهة بين الخلق والفعل، فأفعال العباد من جهة خلقها كأوصافهم الخلقية لا يتوجه إليها مدح ولا ذم. والدليل السادس؛ وهو احتجاجهم بوجوب أفعال العباد بحسب دواعيهم وانتفائها بحسب صوارفهم، فلا حجة لهم فيه لوجوه: الأول: أنه لا تلازم بين وقوع الفعل بحسب الداعي أو انتفائه بحسب الصارف وبين خلق الفعل، فلا يلزم من قيامي إذا أردت القيام وجلوسي إذا تعبت أني أنا الخالق لقيامي وجلوسي. الثاني: أن فعل العبد قد يحصل بغير داعيه هو، بل بداعي غيره، كمن يقيم رجلًا ويجلسه، فقيامه وجلوسه كان بحسب داعي غيره وقصده، ولم يلزم من ذلك أن يكون الغير هو الخالق للقيام والجلوس. الثالث: أن قصد الفاعل وداعيه من جملة الأسباب التي يخلق الله سبحانه بها الفعل، والسبب لا يستقل بوجود المسبَّب كما تقدم، وهذا السبب مخلوق لله سبحانه. والدليل السابع؛ وهو احتجاجهم بكون العاقل لا يسيء إلى نفسه، وأن خلق أفعال العباد السيئة يقتضي إساءة للرب فاقتضى أن لا يكون خالقها، فباطل كذلك لاختلاف الجهة بين خلق أفعال العباد وكسبها كما تقدم. وأما الدليل الثامن؛ وهو احتجاجهم بوجود الظلم في أفعال العباد، مما يستدعي تنزيه الرب عن خلقها، فباطل لما تقدم من اختلاف الجهة كذلك. وهذان الدليلان - السابع والثامن - يردهما معًا أن الظلم والسوء في أفعال العباد إنما خلقهما الله سبحانه لحكمة كانا بها خيرًا ومصلحة، وما

стр. 473

تضمناه من شرور فهو مغمور في جانب هذه الحكمة (١). وبعد تقريرهم هذا اختلفوا في جواز إطلاق خلق الإنسان لفعله على ثلاثة أقوال (٢): الأول: المنع من إطلاق ذلك لنهي الشرع عنه، مع أن معنى فاعل وخالق واحد. قال القاضي: "أما تسمية أفعالنا بأنها مخلوقة؛ فغير جائزة على الإطلاق، وقد منع السمع من إطلاق لفظ الخالق في العبد، وإن كان من حيث اللغة لا يمتنع تسميته بذلك، وليس يمتنع أن يكون محدثًا" (٣). الثاني: ضده، وهو جواز ذلك، لأن خالق معناه: مقدر، فمن وقع منه الخلق أطلق عليه خالق سواء كان قديمًا أو محدثًا. الثالث: المنع لأن الخلق في الحقيقة هو الفعل لا بآلة ولا جارحة، والمخلوق يفعل بآلة وجارحة. وأما القول الثاني وهو قول الجبرية، فقالت به طائفتان:

стр. 474

الجبرية الغلاة، وهم الجهمية؛ وذهبوا إلى أن العبد مجبور على فعله بالكلية وأنه لا اختيار له ولا قدرة ولا مشيئة، بل هو كالريشة في مهب الريح، وهو مضطر إلى أفعاله اضطرارًا. الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة؛ الذين يقولون إن الله سبحانه خالق أفعال العباد، وأن العبد كاسب لفعله، فالله خالق للفعل، والعبد كاسب له. ثم اختلفوا اختلافًا عظيمًا في تفسير هذا الكسب، واضطربوا في تقريره اضطرابًا شديدًا، وأقوالهم ترجع إلى قولين اثنين: القول الأول: وهو الذي عليه جمهور الأشاعرة - واستقر عليه قول أبي الحسن (١) - أن الكسب هو اقتران عادي بين القدرة المحدثة والفعل، وأنه لا أثر للقدرة أبدًا. قال السنوسي: "وعن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها مقارنة له من غير تأثير: عبَّر أهل السنة بالكسب، وهو متعلق التكليف الشرعي، وأمارة على الثواب والعقاب" (٢). وقال أيضًا: "مذهب أهل الحق - على ما سبق - أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في شيء من الممكنات، وهي تتعلق بمقدورها تعلقًا من غير تأثير، بل نسبته إليها كنسبة العلم الذي يتعلق بمعلومه ولا يؤثر فيه" (٣). وقال الجرجاني: "والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن

стр. 475

يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًّا له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري" (١). وقال - شارحًا لقول الإيجي: "المقصد الأول: في أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها" (٢) -: "ليس لقدرة العباد تأثير فيها بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد" (٣). وقال الآمدي: "وذهب من عدا هؤلاء من أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم بالاكتساب وإلى الله تعالى بالخلق والاختراع، وأنه لا أثر للقدرة الحادثة فيها أصلًا" (٤). وقال الدردير: "فلا تأثير لقدرتنا في شيء من أفعالنا الاختيارية، كالحركات والسكنات والقيام والقعود ونحو ذلك، بل جميع ذلك مخلوق له بدون واسطة، كما أن قدرتنا مخلوقة له تعالى" (٥). لذلك فقد فُسِّر الكسب عند هؤلاء بتفسيرين: أولهما: ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به، بل ومن غير صحة مشاركته - إذ لا تأثير له - وإنما هو مجرد المقارنة.

стр. 476

الثاني: ما يقع به المقدور في محل قدرته (١). القول الثاني: وهو قول من يثبت للقدرة الحادثة أثرًا، واختلفوا في تفسير التأثير - بعد اتفاقهم على نفي التأثير الذي يثبته أهل السنة على ما تقدم (٢) - على أقوال منها: قول الباقلاني: فقد ذهب إلى أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين، على أن تتعلق قدرة الرب سبحانه بأصل الفعل، والقدرة الحادثة بصفته التي لا يجوز أن توصف بها قدرة الرب سبحانه، ومثال ذلك لطم اليتيم تأديبًا وإيذاءً، فذات اللطم في كلا الحالين واقع بقدرة الله وتأثيره، وكونه طاعة على الأول، ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره (٣). قال الباقلاني: "ويجب أن يُعلم أن العبد له كسب وليس مجبورًا، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية، لأنه تعالى قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني: من ثواب طاعة، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] يعني: من عقاب معصية. . . فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق الله تعالى، فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما لا يقال لله تعالى إنه مكتسب، كذلك لا يقال للعبد إنه خالق" (٤). وقوله هذا يؤول في حقيقة الأمر إلى إنكار تأثير قدرة العبد، لأن الثواب

стр. 477

والعقاب والطاعة والمعصية أوصاف شرعية لا علاقة لها بأصل الفعل، والبحث هنا في الناحية الكونية لأفعال العباد، فليس ورود الشرع بحرمة الفعل أو كونه طاعة أو معصية ونحو ذلك مؤثِّرًا في المسألة. فما قاله ليس ببعيد عن قول أبي الحسن، فهو يتفق معه في المعنى وإن خالفه في اللفظ. ويكفي في بطلان هذا القول عدم الدليل عليه، وكونه قولًا محدثًا. قول أبي المعالي الجويني: فقد ذهب إلى إثبات تأثير القدرة الحادثة في مقدورها لا على وجه الإحداث والخلق؛ إذ نفي هذه القدرة يأباه العقل والحس، وإثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهي كنفي القدرة أصلًا، وأما إثبات في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير، خصوصًا والأحوال على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم، فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضًا عدم الاستقلال (١). وهذا القول قرره في "العقيدة النظامية" بكلام طويل (٢)، قال في آخره: "وقد أطلت أنفاسي قليلًا، ولكن - حرس الله مولانا (٣) - لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان - وحق القائم على كل نفس بما كسبت - أحب إلي من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها" (٤).

стр. 478

وكان قبل ذلك يؤيد المشهور من مذهب الأشاعرة من نفي تأثير القدرة الحادثة، كما في كتاب الإرشاد (١). وما ذهب إليه - فيما قرره - موافق لمذهب السلف في الجملة، وهو توسط حسن، وإن كان فيما قرره ما لا يوافق عليه (٢). قول الغزالي: فقد ذهب إلى إثبات مقدور بين قادرين، وأن الفعل يقع بمجموع القدرتين على فعل واحد، وكلاهما مؤثر فيه. قال: "وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما؛ فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال" (٣). والقول بمقدور بين قادرين بهذا المعنى - كما سيأتي - باطل، ولا يسعفه أن يحمل قوله على تأثير القدرة الحادثة على وجه السببية، إذ هو - والأشاعرة - منكرون للأسباب. وقد استدل جمهور الأشاعرة - القائلون بنفي تأثير القدرة المحدثة - لمذهبهم بأدلة منها: الدليل الأول: الآيات التي فيها إثبات خلق الله سبحانه لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾

стр. 479

[الأنعام: ١٠٢] فتضمنت الآية تفرد الباري بخلق كل مخلوق، والاستدلال بها يعتضد بكونها في سياق التمدح، فاقتضى اختصاصه بها (١)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، قالوا هي نص في محل النزاع (٢). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، سواء كانت (ما) مصدرية أو موصولة (٣). الدليل الثالث: ما دل على أن الله سبحانه يجعل العبد مسلمًا ومصليًا، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] (٤). الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، قالوا: نفى عنهم القتل وأثبته لنفسه، ونفى عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه. الدليل الخامس: دليل التمانع المشهور، وتقريره أنه لو كانت قدرة العبد مؤثرة؛ وأراد تحريك جسم في وقت وأراد الله تعالى سكونه في ذلك الوقت، فإما أن يقع المرادان جميعًا وهو ظاهر الاستحالة، أو لا يقع شيء منهما وهو أيضًا محال، وإما أن يقع أحدهما دون الآخر فيلزم الترجيح بلا مرجح لأن

стр. 480

التقدير استقلال كل من القدرتين بالتأثير من غير تفاوت (١). الدليل السادس: أن فعل العبد مقدور لله، فلو كان مقدورًا كذلك للعبد للزم اجتماع المؤثرين على أثر واحد، والقول بمقدور بين قادرين، وهو ممتنع (٢). الدليل السابع: أن الفعل المتقن لا يصدر إلا عن عالم محيط بالفعل، فلو كانت أفعال العبد مخلوقة له لوجب أن يكون عالمًا بها، وهذا منتف، للقطع بعدم إحاطته بعلمها، ولصدور أفعال عن النائم والغافل (٣). الدليل الثامن: أنه لو جاز تأثير القدرة الحادثة في الفعل بالإيجاد والاختراع؛ لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود، من حيث إن الوجود قضية واحدة لا يختلف وإن اختلفت محاله وجهاته، والقول بجواز تأثيرها في إيجاد كل موجود باطل بالمشاهدة، فوجب بطلان تأثيرها في فرد من أفراده (٤). هذه أبرز أدلتهم، وبيان بطلانها من وجهين: مجمل، وقد تقدم في الرد على أقرانهم المعتزلة ومفصل على كل دليل بدليله. أما الدليل الأول؛ فالاستدلال به على خلق أفعال العباد صحيح، لكن ليس فيه ما يدل ما ذهبوا إليه من نفي القدرة والاختيار عن العبد، ففرق بين كون العبد فاعلًا لفعله، له قدرة واختيار فيه، وبين كونه خالقًا له. وأما الدليل الثاني، فلا ريب في دلالة هذه الآية على خلق أفعال العباد،

стр. 481

لكن ليس فيها ما يدل على انتفاء قدرتهم واختيارهم، بل فيها ما يثبت ذلك، وهو إضافة الفعل إليهم، فأفعالهم مضافة إليهم اكتسابًا وفعلًا ومباشرة، ومضافة إلى الرب سبحانه خلقًا وتقديرًا. وأما الدليل الثالث؛ فهو كذلك حق في نفسه، لكنه لا يدل على نفي قدرة العبد واختياره، بل يدل عليها، إذ فيه ثبوت كون العبد فاعلًا لفعله من صلاة وصيام وإيمان وكفر، وهذا كاف في الدلالة على المقصود. وبالجملة فما يذكره الجبرية من أدلة على خلق أفعال العباد فهو حق، لكن إنما يتوجه على القدرية الذين ينفون خلق الرب سبحانه لأفعال العباد. ثم القرآن دل في مواطن كثيرة على ثبوت قدرة العبد على فعله وثبوت اختياره - كما تقدم (١) -. وأما الدليل الرابع؛ فقد جعل أصلًا للقول بالجبر (٢)، ولا يصح الاستدلال به على ذلك، فإنه خطاب للمؤمنين في وقعة بدر، فقوله لهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ لأن الملائكة جنود الله كانت تقاتل معهم، فلم ينفرد المسلمون بقتلتهم بل قتلهم الملائكة. وقوله لنبيه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ لأن الرمي المثبت غير الرمي المنفي؛ لأنه أثبت ونفى؛ والمثبت لا بد أن يكون غير المنفي، فإنه أثبت لنبيه رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رميًا بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، والرمي المثبت هو ما فعله النبي ﷺ وهو حذف الحصى في وجوه

стр. 482

المشركين، والرمي المنفي هو إيصال الحصى إلى وجوه المشركين، فأضاف إليه ﷺ ما هو مقدور له وفي محل قدرته وهو ابتداء الرمي، ونفى عنه ما لا يقدر عليه إلا هو، وهو إيصال الحصى إلى وجوه الكفار، ولو صح الاستدلال بهذه الآية لصح أن يقال: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما أكلت إذ أكلت ولكن الله أكل ونحو ذلك مما يعلم بطلانه ضرورة. فوجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة كدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه (١). وأما الدليل الخامس؛ فلا ريب في صحة دليل التمانع على إفراد الله سبحانه بالخلق والإيجاد (٢)، لكن ذلك لا يمنع من ثبوت تأثير لقدرة العبد واختياره كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، وهذا الدليل إنما يتوجه إذا قيل إن تأثير قدرة الله مكافئ لتأثير قدرة العبد، وهذا لا يقوله أحد (٣). وأما الدليل السادس؛ فهو ثمرة الدليل الرابع، وهو تلبيس وتضليل، إذ القول باجتماع مؤثرين على أثر إن أريد به استقلال كل منهما بالتأثير فباطل، وإن أريد به أن لأحدهما تأثير بالإيجاد والخلق، وللآخر تأثير من جنس تأثير السبب في مسببه، فليس بباطل.

стр. 483

ففعل العبد يضاف إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير. فالتعبير عن ذلك بمقدور بين قادرين أو اجتماع مؤثرين فيه تلبيس من جهة إيهامه تكافؤ قدرة الرب وقدرة العبد (١). وأما الدليل السابع؛ فلا ريب أن من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، وبدونه لا يوجد، لكن ليس كل علم شرط في ذلك، وضابط هذا العلم هو علم الفاعل المختار بما يريد أن يفعله؛ وهذا علم جملي ليس بتفصيلي، كمن أراد أن يصنع بابًا، فلا بد له من العلم بما يتوقف صنع الباب عليه من وجوب وجود خشب، وكونه مستو، ووجود مسامير ومطرقة ونحو ذلك، وهذا القدر من العلم كاف في وجود الفعل، ولا يلزم العلم بالتفاصيل من ذلك كنوع الخشب ومن أي شجر قطع، ومن أي غابة، ومن قطعه، وكم بقي حتى يبس، ومن صنع المسامير، ومن صنع المطرقة، ونحو ذلك (٢). وأما الاستدلال على ذلك بأفعال النائم والساهي، فباطل كذلك، أما النائم فلأن أفعاله في الحقيقة ضرورية له غير مكتسبة، كحركة المرتعش (٣). وأما الساهي؛ فهو قادر على الفعل، وله علم وتصور إرادة، وإنما حصل في حقه غياب الشعور بالإرادة لانشغال محل التصور منه بشيء آخر منعه من

стр. 484

الشعور بالإرادة فعملت عملها وهي غير مشعور بها، إذ الفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه (١). وأما الدليل الثامن؛ فمن أعجب العجب، وأغرب ما يكون من الاستدلال، ومضمونه أنه لا يقدر على شيء من الموجودات إلا من يقدر على كل شيء، وهذا مضاد للعقل والشاهد، وهو منتقض بما أثبتوه من كسب للعبد، إذ يلزم من كون العبد كاسبًا لفعله أن يكون كاسبًا لكل موجود، وهذا ما لا يقولون به، وهو باطل بداهة (٢). وبهذا يتبين بطلان قول القدرية والجبرية في أفعال العباد.

стр. 485

الفصل الرابع: قواعد متعلقة بمسائل متفرقة وتحته عشرة مباحث: المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية". المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة". المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به". المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته". المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة". المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة". المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة". المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه". المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب". المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك".

стр. 486

المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 487

المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية" المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن التحقيق أنه [أي الأمر الشرعي] غير مستلزم للإرادة الكونية القدرية، وإن كان مستلزمًا للإرادة الدينية الشرعية" (١). وقال ابن القيم ﵀: "والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا" (٢). وقال الشاطبي: "الأمر والنهي يستلزم طلبًا وإرادة من الآمر؛ فالأمر يتضمن طلب المأمور به وإرادة إيقاعه، والنهي يتضمن طلبا لترك المنهي عنه وإرادةً لعدم إيقاعه، ومع هذا؛ ففعل المأمور به وترك المنهي عنه يتضمنان أو يستلزمان إرادة بها يقع الفعل أو الترك أو لا يقع. وبيان ذلك أن الإرادة جاءت في الشريعة على معنيين:

стр. 488

أحدهما: الإرادة الخَلْقية القدرية المتعلقة بكل مراد؛ فما أراد الله كونه كان، وما أراد أن لا يكون فلا سبيل إلى كونه، أو تقول: وما لم يرد أن يكون؛ فلا سبيل إلى كونه. والثاني: الإرادة الأمرية المتعلقة بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع المنهي عنه، ومعنى هذه الإرادة أنه يجب فعل ما أمر به ويرضاه، ويحب أن يفعله المأمور ويرضاه منه، من حيث هو مأمور به، وكذلك النهي يحب ترك المنهي عنه ويرضاه. فالله أمر العباد بما أمرهم به؛ فتعلقت إرادته بالمعنى الثاني بالأمر؛ إذ الأمر يستلزمها لأن حقيقته إلزام المكلف الفعل أو الترك؛ فلا بد أن يكون ذلك الإلزام مرادًا، وإلا لم يكن إلزامًا ولا تصور له معنى مفهوم. . . والإرادة بهذا المعنى الأول لا يستلزمها الأمر؛ فقد يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد، وأما بالمعنى الثاني؛ فلا يأمر إلا بما يريد، ولا ينهى إلا عما لا يريد" (١).

стр. 489

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة: تضمنت هذه القاعدة جزئيتين، وقد دل على كل منهما الكتاب والسنة. أما الجزئية الأولى وهي: استلزام الأمر للإرادة الشرعية، فدلالة النصوص عليها من وجوه: الأول: النصوص التي دلت على إرادة الله لشيء، مع إخباره في موضع آخر أنه يحبه، ووجه دلالته أن هذا المراد قد أمر الله سبحانه به. كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأخبر أنه يريد لعباده التوبة والتطهر، مع إخباره في الآية الأخرى أنه يحب ذلك. الثاني: النصوص التي دلت على أمر الله بشيء، مع إخباره أنه يحبه. كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر بالتطهر، ثم أخبر بأنه يحبه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، فأمره بالقسط في الحكم، ثم أخبر أنه يحب المقسطين. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فأمر

стр. 490

بالإحسان وأخبر أنه يحب أهله. الثالث: النصوص التي دلت على نهي الله عن شيء، مع إخباره أنه لا يحب فاعله. كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فنهى عن الاعتداء وأخبر أنه لا يحب المعتدين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمر بعدم الخيانة، وأخبر أنه لا يحب الخائنين. وأما الجزئية الثانية وهي: عدم استلزام الأمر للإرادة الكونية، فدلالة النصوص عليها من وجوه كذلك: الأول: النصوص الدالة على أن الله لا يحب الكفر والفساد ونحوهما من الشرور، ولا يرتضيهما ولا يحب أهلهما. كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]. ووجه دلالة هذه النصوص أن الشرور التي وقعت إنما وقعت بمشيئة الله وإرادته، ولولا أن الله أراد وقوعها لما وقعت، وقد أخبر أنه يكرهها، وكراهيته لها تنافي أمره بها؛ فدل على أنه لا تلازم بين وقوعها وبين أمر الله بها.

стр. 491

الثاني: النصوص الدالة على إرادة الله لشيء، مع إخباره أنه لا يحبه. وهذا في الكتاب والسنة كثير، كإرادته ظهور الدجال ويأجوج ومأجوج، مع إخباره أنهم كفار وفتنة ونحو ذلك. الثالث: النصوص الدالة على نهي الله عن شيء مع إخباره أنه يقع بمشيئته. . كالنهي عن عبادة الأوثان والشرك بالله في آيات وأحاديث أكثر من أن تحصى، مع الإخبار بوقوع ذلك في الأمة، فضلًا عن وقوعه في الأمم الأخرى قبل البعثة وحالها وبعدها. كقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعُزَّى)، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًّا! قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه؛ فيرجعون إلى دين آبائهم) (١).

стр. 492

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. البحث في هذه القاعدة في مسألة مهمة من مسائل القدر، وهي مسألة الأمر واستلزامه الإرادة، وهذا الأصل مما فارق فيه المخالفون أهل السنة في باب القدر. وقبل الكلام على هذه القاعدة لا بد من بيان خمس مقدمات: المقدمة الأولى: معنى الإرادة. الإرادة في الشرع نوعان (١)، ولكل نوع منهما أحكام، وبينهما اجتماع وافتراق. النوع الأول: إرادة كونية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة، وهي التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وتسمى: الإرادة الخلقية القدرية، وهي متعلقة بربوبيته . ومن أحكامها: - أنها مستلزمة لوقوع المراد؛ فلا يمكن أن تتخلف. - أنها غير ملازمة للمحبة؛ فقد تكون مما يحبه الله سبحانه، وقد تكون مما لا يحبه. ومن أمثلتها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،

стр. 493

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]. وكل آية في كتاب الله ذكر فيها مشيئته فهي مثال على هذه الإرادة، لأن المشيئة مرادفة للإرادة الكونية. وقول النبي ﷺ : (إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره) (١). وقول النبي ﷺ : (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (٢). وقول النبي ﷺ : (إن ثلاثة في بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم. . .) الحديث (٣).

стр. 494

النوع الثاني: إرادة شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي المقارنة للأمر والنهي والحب والبغض والرضا والغضب. وتسمى: الإرادة الدينية الأمرية، وهي متعلقة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته . ومن أحكامها: - أنها غير مستلزمة لوقوع المراد، إلا أن تتعلق بالإرادة الكونية. - أنها ملازمة للمحبة؛ فكل ما أراده الله شرعًا فهو يحبه. ومن أمثلتها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وهاتان الإرادتان تجتمعان فيما وقع في الوجود مما أراده الله شرعًا، كإيمان أبي بكر وعمر ﵄؛ فالله أراد الإيمان منهما شرعًا، وأراده كونًا فوقع. وتنفرد الكونية فيما وقع في الوجود مما لا يريده الله شرعًا، إما لكونه لا يريده ولا يريد خلافه كالمباحات من أكل وقيام وسفر، أو لكونه يريد خلافه كالكفر والمعاصي. وتنفرد الشرعية فيما لم يقع مما أراده الله شرعًا ودينًا، كإيمان فرعون وأبي جهل.

стр. 495

وتتخلف كلتا الإرادتين فيما لم يقع مما لم يرده الله شرعًا (١). المقدمة الثانية: الإرادة صفة لله ، وهي ذاتية فعلية باعتبارين، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد. المقدمة الثالثة: أن المراد بالأمر هنا: الأمر الشرعي الذي هو المراد الشرعي، إذ أن الأمر - كالإرادة - قسمان (٢): أمر كوني، وهو المتعلق بخلقه وقدره، وهو المطابق للإرادة الكونية. وأمر شرعي، وهو ما شرعه على ألسنة أنبيائه ورسله، وهو المطابق للإرادة الشرعية. فالأمر الشرعي هو الذي يستلزم الإرادة الشرعية دون الكونية، وأما الأمر القدري فإنه يستلزم الإرادتين أو الكونية وحدها، ولا يستلزم الإرادة الشرعية وحدها. المقدمة الرابعة: أن الإرادة الشرعية متعلقة بأفعال المكلفين. يُقصد بالإرادة الشرعية ما يُقصد بالحكم الشرعي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، فهي أوامر الله ونواهيه لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم. فالمراد الشرعي هو الحكم الشرعي سواء بسواء لا فرق. وأما الإرادة المتعلقة بفعله فلها شأن آخر، وتلك هي الإرادة الكونية.
следующие страницы →