الثاني: النصوص الدالة على إرادة الله لشيء، مع إخباره أنه لا يحبه.
وهذا في الكتاب والسنة كثير، كإرادته ظهور الدجال ويأجوج ومأجوج، مع إخباره أنهم كفار وفتنة ونحو ذلك.
الثالث: النصوص الدالة على نهي الله عن شيء مع إخباره أنه يقع بمشيئته. .
كالنهي عن عبادة الأوثان والشرك بالله في آيات وأحاديث أكثر من أن تحصى، مع الإخبار بوقوع ذلك في الأمة، فضلًا عن وقوعه في الأمم الأخرى قبل البعثة وحالها وبعدها.
كقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعُزَّى)، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًّا! قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه؛ فيرجعون إلى دين آبائهم) (١).
стр. 492
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
البحث في هذه القاعدة في مسألة مهمة من مسائل القدر، وهي مسألة الأمر واستلزامه الإرادة، وهذا الأصل مما فارق فيه المخالفون أهل السنة في باب القدر.
وقبل الكلام على هذه القاعدة لا بد من بيان خمس مقدمات:
المقدمة الأولى: معنى الإرادة.
الإرادة في الشرع نوعان (١)، ولكل نوع منهما أحكام، وبينهما اجتماع وافتراق.
النوع الأول: إرادة كونية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة، وهي التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وتسمى: الإرادة الخلقية القدرية، وهي متعلقة بربوبيته .
ومن أحكامها:
- أنها مستلزمة لوقوع المراد؛ فلا يمكن أن تتخلف.
- أنها غير ملازمة للمحبة؛ فقد تكون مما يحبه الله سبحانه، وقد تكون مما لا يحبه.
ومن أمثلتها:
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،
стр. 493
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦].
وكل آية في كتاب الله ذكر فيها مشيئته فهي مثال على هذه الإرادة، لأن المشيئة مرادفة للإرادة الكونية.
وقول النبي ﷺ : (إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره) (١).
وقول النبي ﷺ : (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (٢).
وقول النبي ﷺ : (إن ثلاثة في بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم. . .) الحديث (٣).
стр. 494
النوع الثاني: إرادة شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي المقارنة للأمر والنهي والحب والبغض والرضا والغضب.
وتسمى: الإرادة الدينية الأمرية، وهي متعلقة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته .
ومن أحكامها:
- أنها غير مستلزمة لوقوع المراد، إلا أن تتعلق بالإرادة الكونية.
- أنها ملازمة للمحبة؛ فكل ما أراده الله شرعًا فهو يحبه.
ومن أمثلتها:
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وهاتان الإرادتان تجتمعان فيما وقع في الوجود مما أراده الله شرعًا، كإيمان أبي بكر وعمر ﵄؛ فالله أراد الإيمان منهما شرعًا، وأراده كونًا فوقع.
وتنفرد الكونية فيما وقع في الوجود مما لا يريده الله شرعًا، إما لكونه لا يريده ولا يريد خلافه كالمباحات من أكل وقيام وسفر، أو لكونه يريد خلافه كالكفر والمعاصي.
وتنفرد الشرعية فيما لم يقع مما أراده الله شرعًا ودينًا، كإيمان فرعون وأبي جهل.
стр. 495
وتتخلف كلتا الإرادتين فيما لم يقع مما لم يرده الله شرعًا (١).
المقدمة الثانية: الإرادة صفة لله ، وهي ذاتية فعلية باعتبارين، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد.
المقدمة الثالثة: أن المراد بالأمر هنا: الأمر الشرعي الذي هو المراد الشرعي، إذ أن الأمر - كالإرادة - قسمان (٢):
أمر كوني، وهو المتعلق بخلقه وقدره، وهو المطابق للإرادة الكونية.
وأمر شرعي، وهو ما شرعه على ألسنة أنبيائه ورسله، وهو المطابق للإرادة الشرعية.
فالأمر الشرعي هو الذي يستلزم الإرادة الشرعية دون الكونية، وأما الأمر القدري فإنه يستلزم الإرادتين أو الكونية وحدها، ولا يستلزم الإرادة الشرعية وحدها.
المقدمة الرابعة: أن الإرادة الشرعية متعلقة بأفعال المكلفين.
يُقصد بالإرادة الشرعية ما يُقصد بالحكم الشرعي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، فهي أوامر الله ونواهيه لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم.
فالمراد الشرعي هو الحكم الشرعي سواء بسواء لا فرق.
وأما الإرادة المتعلقة بفعله فلها شأن آخر، وتلك هي الإرادة الكونية.
стр. 496
وحينئذ فالفرق ثابت بين إرادته من نفسه أن يفعل، وبين إرادته من عبده أن يفعل - كما سيأتي -.
قال ابن القيم ﵀ عقب تقسيمه للإرادة وبيان استلزامها للمحبة: "هذا ما إذا تعلقت الإرادة بأفعال العباد، وأما إذا تعلقت بأفعال الله فإنها لا تنقسم، بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له، ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته" (١).
المقدمة الخامسة: المراد الشرعي هو الدين كله، الشرائع والعقائد.
إذا تبين أن الإرادة الشرعية هي الحكم الشرعي؛ فينبغي أن يعلم أن هذا شامل لعقائد الدين وشرائعه، إذ أن أولى ما يدخل في الأوامر والنواهي: أصول الدين، فالتوحيد - الذي هو أساس الدين، ومضمون رسالة النبيين، ومقصود خلق الثقلين - هو أعظم مأمور به، ونقيضه أعظم منهي عنه.
والأوامر مرادٌ لله من العبد فعلها، والنواهي مرادٌ له من العبد تركها.
وهذه القاعدة تتضمن مسألتين:
المسألة الأولى: أن الأمر الشرعي يستلزم الإرادة الشرعية التي هي المحبة، بمعنى أن كل ما أمر الله به في الشرع فإنه يحبه، ولا يمكن أن يكون شيء من أوامره الشرعية مبغوضًا له.
وبالمقابل؛ فكل ما نهى عنه في الشرع فإنه يبغضه ولا يحبه.
قال ابن القيم ﵀: "والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه
стр. 497
وأراده إرادة دينية، وهو لا يحب شيئًا إلا ووجوده خيرٌ من عدمه، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئًا إلا وعدمه خير من وجوده" (١).
والمحبة التي يستلزمها الأمر هي محبة لذات الأمر ولما يؤدي إليه، فنفس التوحيد ونفس الصلاة ونفس ترك الشرك محبوب ذاتي له ، أي من حيث هو أمر هو محبوب لله .
ويدل عليه - إضافةً إلى ما تقدم - أمور:
الأول: أن الله موصوف بالكمال، ومن كماله أنه لا يأمر إلا بخير، ولا يأمر بالشر مطلقًا، والخير محبوب له ، فأمره محبوب له مَرْضي.
الثاني: أن أوامر الله الشرعية هي وحيه وكلامه، وهما من صفاته ، وصفاته ومقتضياتها محبوبة له ، فتكون أوامره الشرعية محبوبة له .
الثالث: أن الأحكام الشرعية معللة بحكم، وهذه الحكم مرجعها إلى حكمة كُلِّية هي المحبة - كما تقدم (٢) -، لذا فالله لم يشرع حكمًا إلا وهو يحبه.
المسألة الثانية: أنه لا تلازم بين الأمر الشرعي والإرادة الكونية، بمعنى أنه لا يلزم من أمر الله لعباده بأمر أن يكون هذا الأمر مراد الوقوع لله ، بل قد يقع وقد لا يقع.
стр. 498
كما أنه لا يلزم من وقوع الشيء أن يكون محبوبًا لله مرادًا له شرغا، بل يخلق الله ما يحبه وما لا يحبه، فالله خالق كل شيء، وكل ما خلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير ومحبوب له .
فالمراد نوعان:
مراد لذاته: وهو المحبوب لنفسه المرضي.
ومراد لغيره: وهو ما كان مبغوضًا بالنظر إلى ذاته، لكنه محبوب مراد لكونه وسيلة إلى المراد المحبوب لذاته (١).
وقد سبق في مبحث الحكمة ما يبين هذا (٢).
ومما يدل على هذه المسألة: واقع الأمر، إذ أن كثيرًا مما أمر الله به لم يقع، بل وقع خلافه، فالله أمر بالإيمان والتقوى وحسن الجوار وكف الأذى وترك المعاصي وغير ذلك، والذين وقع منهم ذلك هم الأقلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
ومما يوضح هاتين المسألتين: ثبوت الفرق بين إرادته من نفسه أن يفعل، وبين إرادته من عبده أن يفعل؛ فالأولى الإرادة المتعلقة بفعله ، والثانية هي الإرادة المتعلقة بفعل العبد، والأولى هي الكونية، والثانية هي الشرعية.
وهذا الفرق معلوم ببدائه العقول، إذ ليس كل ما يأمر به الإنسان غيره
стр. 499
يكون مرادًا له، بل قد يكون خلافه هو المراد له لاختلاف الجهة، كأمر الرجل غيره بخطبة امرأة نصحًا له، مع إضماره في نفسه إرادة خطبتها.
وإذا أمكن هذا في حق المخلوق فإمكانه في حق الخالق أولى وأحرى.
فالله إذا أمر العبد بأمر فقد يريد إعانته وقد لا يريد، مع كونه مريدًا منه الفعل.
بيانه أن الله أمر عباده على ألسنة أنبيائه ورسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، فأراد منهم امتثال الأمر وترك المنهي، ثم منهم من أراد الله خلق فعله وجعله فاعلًا، فوقع منه الامتثال والترك، ومنهم من لم يرد خلق فعله فلم يقع منه ذلك - مع كونه مريدًا له، حكمةً منه ، ولا يلزم من كون الأمر بالشيء حكمة أن يكون وقوع الامتثال من المأمور حكمة، بل قد تكون الحكمة في عدم الامتثال (١).
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧]، بعد أمره لهم بالنفير بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، فأخبر أنه أمرهم بالخروج وأراده منهم شرعًا، ثم أخبر بتثبيطه لهم عنه لكرهه له منهم، ثم أخبر بالحكمة التي اقتضت ذلك وهي أن في خروجهم ضررًا على المؤمنين.
قال ابن القيم ﵀: "ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته، فإن
стр. 500
أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه، وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام. . . وعلى هذا فها هنا إرادتان ومرادان: إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه، وليسا بمتلازمين" (١).
ومما ذكره أهل العلم في الدلالة على هذه القاعدة: اتفاق الفقهاء على أن الحالف لو قال في يمينه: والله لأفعلن كذا ثم قال إن شاء الله، ولم يفعل ما حلف عليه أنه لا يحنث وإن كان ما حلف عليه واجبًا أو مستحبًا، ولو قال: إن أحب الله بدل إن شاء الله؛ حنث إذا كان مشروعًا وجوبًا أو استحبابًا (٢).
فالحاصل أن أمر الله الشرعي يستلزم محبته ورضاه - اللذين هما إرادته الشرعية -، ولا يستلزم خلقه وتكوينه - اللذين هما الإرادة الكونية -، والله أعلم.
стр. 501
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف في هذه القاعدة كل من القدرية والجبرية، بعد اتفاقهم على أمرين:
- نفي القسمة في الإرادة إلى كونية وشرعية.
- وأن المراد بالإرادة المحبة.
فذهب القدرية إلى أن الأمر يستلزم الإرادة، بل الإرادة هي نفس الرضا والمحبة، فكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما أراده فقد أمر به وأحبه.
وذلك أن الإرادة عندهم مرادفة للمحبة، ولذلك فإن ما حدث من الأفعال التي لا يحبها الله سبحانه كالكفر والفساد والمعاصي؛ فإنها إنما تحدث بغير إرادته سبحانه.
وبناء على ذلك فإنه سبحانه لا يريد الكفر ولا الفساد ولا المعاصي، وأن ما يحدث من ذلك إنما يحدث بدون إرادته ومشيئته، وإنما قالوا بعدم مشيئته للأعمال الصالحة والمباحات طردًا للأصل؛ إذ كلها من باب واحد.
قال القاضي عبد الجبار: "وأحد ما يدل على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي؛ هو أنه لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُد متناقضًا" (١).
فالإرادة والمحبة والرضا - عندهم - متفقة في المعنى حقيقة (٢).
стр. 502
وقال أيضًا: "فصل في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة" (١).
وقال أيضًا: "فثبت بهذه الجملة أن كل من جازت عليه الإرادة جازت عليه المحبة، وأنه تعالى إذا صح كونه مريدًا فيجب أن يكون محبًّا، وكل ما صح أن يريده صح أن يحبه، وكل ما أوجب قبح محبته؛ أوجب قبح إرادته، فأما الرضا فهو إرادة الشيء، وإن كان لا يسمى بذلك إلا إذا وجد المراد" (٢).
وقال أيضًا: "وقد بينا من قبل أن المحبة والرضا والاختيار ترجع إلى الإرادة، فما ثبت أنه تعالى أراد من فعله؛ يحبه ويرضاه ويختاره لنا ويشاؤه، وما لا يريده ثبت أنه يكرهه ويسخطه ويبغضه، فهذا جملة ما نذهب إليه" (٣).
فالأمر عندهم ملازم للإرادة، وهي شرط فيه، فمتى انتفت الإرادة عن شيء لم يكن مأمورًا به، ومتى أمر بشيء كان مرادًا له، فالله سبحانه - عندهم - لا يأمر إلا بما يريد، وبناءً على ذلك نفوا إفادة صيغة الأمر للأمر بمجردها إلا إذا اقترنت بإرادة الآمر فعل الأمر من المأمور.
قال القاضي عبد الجبار: "وقد بينا فيما تقدم أنه إنما يكون أمرًا بإرادة المأمور به، وأنه لا بد من ذلك في كونه أمرًا، ولا بد أيضًا من أن يريد الآمر إحداث الأمر خطابًا للمأمور" (٤).
стр. 503
وقال أيضًا: "إن الأمر لا يكون أمرًا لصورته ولا لسائر أحواله، وإنما يكون أمرًا لإرادة الآمر من الأمور ما أمره به" (١).
وما لم يقع مما أمر الله سبحانه به كإيمان المشركين؛ فإنه محبوب لله سبحانه مراد كالذي وقع، لكنه لم يقع لأن المشركين اختاروا خلافه، فلم يخرج بعدم وقوعه عن كونه مرادًا لله تعالى.
ولذلك يجب أن يعلم أن البحث في كلام المعتزلة في هذه المسألة هو في الإرادة المتعلقة بأفعال المكلفين، أو بالتشريع، لا الإرادة المتعلقة بالخلق، وذلك أن أفعال العباد عندهم غير مخلوقة فلا يدخلها هذا النوع من الإرادة.
فالإرادة - على عمومها - عند المعتزلة نوعان:
النوع الأول: إرادة حتم وجبر وقسر، وهي إرادة الله سبحانه في خلق السموات والأرض وما بينهما من الخلق، فجاء خلقه كما أراد لم يمتنع منه شيء، وهذه الإرادة ملازمة للخلق والتكوين، فإذا أراد شيئًا كوَّنه، وإذا كونه فقد أراده.
النوع الثاني: إرادة تخيير وتحذير معها تمكين وتفويض، وهي إرادته سبحانه من خلقه ما أمرهم به، لأنه لو أراد منهم ما أمرهم به على معنى الإرادة الأول لما استطاعوا الخروج عن المأمور كما لا يستطيعون التحول من صورتهم الخَلقية إلى صورة غيرهم (٢).
فالمراد بالبحث النوع الثاني لا الأول، فالإرادة الكونية غير داخلة في أفعال
стр. 504
العباد أصلًا، لكونها - أي أفعال العباد - غير مخلوقة له سبحانه - بزعمهم -.
ولم أقف في كلام المعتزلة على استدلال لهم على ترادف الإرادة والمحبة على وجه الخصوص، وإنما توسعوا في الاستدلال على إرادة الرب سبحانه للطاعات بمعنى محبتها، وعدم إرادته للقبائح، بمعنى عدم محبتها، فقد ذكر عبد الجبار ثلاثة عشر دليلًا على ذلك تحت: "فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها" من المغني (١)، وهذه الأدلة متضمنة الدلالة على ترادف المحبة والإرادة.
وكذلك استدلوا على اشتراط الإرادة في الأمر (٢).
وهذا القدر من قول المعتزلة - أن الأمر مستلزم للمحبة - صحيح موافق لقول السلف، ومخالفتهم إنما هي في إنكار الإرادة الكونية المتعلقة بأفعال العباد، فالله عندهم لم يرد وقوع الإيمان ممن وقع منه على جهة الخلق والتكوين، ولم يرد خلافه لا على هذه الجهة ولا على جهة المحبة. وإنما ذهبوا إلى ذلك طردًا لأصلهم من أن الله سبحانه غير خالق لأفعال العباد، وقد تقدم في المبحث السابق إبطال هذا الأصل، وذلك متضمن لإبطال ما بني عليه من نفي الإرادة الكونية في أفعال العباد.
وينبغي التنبه على أن المعتزلة في إثباتهم للإرادة للرب سبحانه مخالفين لمذهب السلف، فإنهم يثبتون إرادة حادثة لا تقوم بالله سبحانه، بل في غير محل.
قال القاضي عبد الجبار: "واعلم أنه تعالى مريد عندنا بإرادة محدثة
стр. 505
موجودة لا في محل" (١).
وقال: "وقال شيخانا أبُو عليّ (٢) وأبُو هاشِم (٣) رحمهما الله وسائر من تبعهما: أنه تعالى مريد في الحقيقة، وأنه يحصل مريدًا بعد ما لم يكن؛ إذا فعل الإرادة، وأنه يريد بإرادة محدثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وأن إرادته توجد لا في محل" (٤).
وعقد لهذه الجمل فصولًا في المغني في الجزء السادس الذي أفرده للكلام على الإرادة وما يتعلق بها، فقال: "فصل في الدلالة على أن الله تعالى مريد في الحقيقة".
"فصل في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا لنفسه ولا لعلة".
"فصل: في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا بإرادة قديمة".
"فصل: في أنه يجب أن يكون مريدًا بإرادة محدَثة".
"فصل: في أن إرادته تعالى يجب أن تكون موجودة لا في محل وما يتصل بذلك" (٥).
стр. 506
وقابلهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أن الأمر لا يستلزم الإرادة، وأن الله قد يأمر بما لا يحبه، وقد يحب ما لا يأمر به.
ففسروا الإرادة بالمحبة، لكنهم جعلوها كونية؛ إذ جعلوا المراد هو الموجود، وما لم يوجد فليس بمراد، بل التزموا أنه يريد القبائح والشرور؛ لأنه إذا كان مريدًا لكل حادث - والإرادة هي المحبة - فهو محب لكل حادث راضٍ به أيًّا كان.
وهذا القول - أن الله تعالى يحب الكفر، ويرضاه كفرًا معاقَبًا عليه - هو ما يطلقه بعض الأشعرية على العموم دون تفصيل.
ولهم مذهب ثان وهو المنع من إطلاق ذلك، لأن الكفر والفسوق والعصيان غير محبوبة لله سبحانه، والإرادة هي المحبة، ثم من هؤلاء من يجعل المحبة والرضا عبارة عن إنعامه سبحانه وإفضاله، ومنهم من يحمل المحبة والرضا على الإرادة، لكنه يقول: إذا تعلقت الإرادة بنعيم ينال عبدًا فإنها تسمى محبة ورضًا، وإذا تعلقت بنقمة تنال عبدًا فإنها تسمى سخطًا (١).
وتأولوا ما ورد من نصوص دالة على أن الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، بأن المعنى: لا يريد الفساد ولا يريد الكفر، وهذا إما أن يحمل على من لم يقع منه ذلك، أو يحمل على أنه لا يريده دينًا.
وقال الباقلاني: "واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار والرضى والمحبة" (٢).
стр. 507
وقال الجويني: "أصل أهل الحق أن المحرمات مرادة للرب سبحانه، وأن إرادته القديمة تتعلق بحدوث المحظورات والمباحات تعلقها بالطاعات" (١).
وقال الدردير: "والحاصل أن كل كائن، أي واقع فهو مراد له تعالى، سواء أمر به أو لا، ومفهومه أن ما لم يكن فهو غير مراد الوقوع، سواء أمر به كالإيمان من أبي جهل، أو لم يأمر به كالكفر من المؤمنين. . . وإذا عرفت ذلك؛ فالقصد - يعني الإرادة - غير الأمر بالشيء، بل ولا يستلزمه، كما أنه لا يستلزمها" (٢).
وتأولوا ما ورد من نصوص في نفي محبة الرب للفساد، ونفي رضاه بالكفر لعباده بأن المراد هو نفي الإرادة بالتكليف به (٣)، فيكون المعنى: لا يريد الفساد ولا يريد لعباده الكفر، قالوا: وهذا يصح على وجهين: إما أن يكون خاصًّا بمن لم يقع منه الكفر والفساد، وإما بمعنى: لا يحب الفساد دينًا، ولا يرضاه دينًا (٤).
والأشاعرة أحسنوا إذ أثبتوا عموم قدرة الله سبحانه ونفوذ مشيئته، وأساؤوا بقولهم إن الله يريد الكفر والعصيان.
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أولًا: ما جاء من نصوص في أمر الله سبحانه بأشياء لم يرد تعالى وقوعها، إذ لو أرادها لوقعت، كأمر الله سبحانه المشركين بالإيمان، وأمر الخليل بذبح
стр. 508
ولده، وأمر إبليس بالسجود لآدم، مع إرادته سبحانه عدم وقوع ذلك، إذ لو أراده لوقع (١).
ثانيًا: إجماع المسلمين على كلمة متلقاة بالقبول ليست من المجملات المتأوَّلات، وهي قولهم: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (٢).
ثالثًا: أن من حلف على مأمور به فاستثنى ثم لم يفعل لم يحنث، ولو كان الأمر هو الإرادة لحنث، لأن الله سبحانه قد شاء أن يقضيه إذ أمره بذلك (٣).
رابعًا: أمر السيد عبده بما عصاه به عبده أمام القاضي ليقيم عذره، فهو آمرٌ له بما لا يريده منه، فدل على أن الأمر غير مستلزم للإرادة (٤).
خامسًا: أنه لو كان الأمر بمعنى الإرادة لما صح أن يقول الرجل: "أريد منك كذا ولا آمرك به"، لأنه حينئذ بمنزلة قوله: "أريد منك كذا ولا أريده منك" (٥).
سادسًا: أن المكره يصح منه الأمر ولا إرادة له، فدل على أن الأمر لا يستلزم الإرادة.
سابعًا: أن أهل اللغة لم يشترطوا الإرادة في الأمر، بل اشترطوا الصيغة مع الرتبة، ولو كانت شرطًا لما أخلُّوا بها.
стр. 509
وهذا الذي ذهبوا إليه من نفوذ مشيئة الرب وعموم ملكه صحيح موافق لقول السلف، لكنهم أخطؤوا في نفي إرادة الرب الشرعية واستلزام أمره سبحانه لها، وما أوردوه من أدلة صحيحة على ذلك فهو مسلَّم لهم لا ينازعون فيه، وإن كان في بعض ما أوردوه منها نظر.
والصواب في ذلك ما تقدم من قول أهل السنة من التفصيل بين الإرادتين، الكونية والشرعية، وأن الأمر يستلزم الشرعية لا الكونية.
وما تقيمه القدرية من أدلة على محبة الله سبحانه للأمر، وأنه لا يأمر إلا بما يحب؛ فهو صحيح يُدفَع به في نحر الجبرية، وما تقيمه الجبرية من أدلة على عموم ملك الرب ونفوذ مشيئته فهو صحيح ويُدفَع به في نحر القدرية.
стр. 510
المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة قي هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 511
المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الطحاوي ﵀: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل - من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به - تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب".
قال ابن أبي العز ﵀ في شرحه: "والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله؛ لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي يكون بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل؛ لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة" (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فالاستطاعة نوعان: متقدمة صالحة للضدين، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل، فتلك هي المصححة للفعل المجوزة
стр. 512
له، وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "والصواب أنها نوعان: نوع قبله وهي المصححة للتكليف التي هي شرط فيه، ونوع مقارن له فليست شرطًا في التكليف" (٢).
стр. 513
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على انقسام الاستطاعة إلى سابقة مقارنة: الكتاب والسنة.
فمن أدلة الاستطاعة السابقة:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فأوجب الحج على المستطيع، ولو لم تكن هذه الاستطاعة سابقةً للفعل غير مقارنة له؛ لما وجب الحج إلا على من وقع منه، وهذا باطل بالضرورة (١).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فأمر بالتقوى وقيدها بالاستطاعة، فلو لم يكن المراد بالاستطاعة السابقة لما استطاع التقوى إلا من اتقى، وهذا باطل كذلك (٢).
وقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢].
فاعتذروا عن تخلفهم بعدم استطاعتهم الخروجَ معه ﷺ ، ولو لم يكن المراد بالاستطاعة هنا السابقة لما احتاجوا أن يعتذروا.
وأيضًا لو كان مرادهم الاستطاعة المقارنة لكان اعتذارهم من قبيل الاعتذار عن الشيء بنفسه، فكأنهم يقولون نعتذر على عدم الخروج بأننا لم نخرج، وهذا باطل أيضًا.
ومثله الاستطاعة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ
стр. 514
أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (١).
وقوله ﷺ : (إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان) (٢).
وقوله ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (٣).
وبالجملة، فكل استطاعة علق بها حكم تكليفي (٤)، أو جاءت في سياق اعتذار - غير الاعتذار بالقدر - أو تحَدٍّ؛ فهي استطاعة سابقة بمعنى التمكن وسلامة الآلات - كما سيأتي -.
ومن أدلة الاستطاعة المقارنة:
قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠].
فالاستطاعة المنفية هنا هي الاستطاعة المقارنة، لأن انتفاء السمع
стр. 515
والبصر الذي يكون به التكليف عذر لهم لا حجة عليهم.
ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١].
وقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، ونظيرتيها.
فالمنفي هنا هو حقيقة الصبر لا أسبابه؛ فإنها كانت ثابتة لموسى، فهو من أولي العزم والصبر من الرسل، ولهذا عاتبه الخضر ﵇، ولو كان عادمًا لأسباب الصبر وأدواته لما استحق اللوم ولكان معذورًا.
стр. 516
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة من القواعد الجليلة في القدر، لأنها أساس من الأسس التي قام عليها مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي مما هدى الله إليه أهل السنة دون من عداهم، فله الحمد والمنة.
ولا بد قبل الشروع في بيانها من توضيح معنى الاستطاعة في اللغة.
الاسْتطَاعَة: مشتقة من الطَّوْع، كأنها كانت في الأصل الاستطواع، فلما أُسقطت الواو جعلت الهاء بدلًا منها، مثل قياس الاستعانة والاستعاذة.
والاستطاعة: الإطاقة والقدرة على الشيء (١).
والاستطاعة والقدرة والقوة والوسع والطاقة ألفاظ متقاربة في المعنى (٢).
والاستطاعة لفظ شرعي، جاءت به النصوص ما بين إثبات ونفي، وإنما دخله الإجمال من جهة أنه أطلق في الشرع على معنيين، فغابت هذه القسمة عن كثير من الناس فصاروا يعممون أحد هذين المعنيين على كل استطاعة وردت في النصوص، وسلك أهل السنة المحجة البيضاء ففرقوا بين المعنيين، ونزلوا على كل واحد منهما النصوص الشرعية الخاصة به.
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
الأولى: معنى الاستطاعة السابقة وأحكامها.
الثانية: معنى الاستطاعة المقارنة وأحكامها.
الثالثة: علاقة الاستطاعة السابقة بالاستطاعة المقارنة.
стр. 517
المسألة الأولى: معنى الاستطاعة السابقة وأحكامها.
الاستطاعة السابقة هي القدرة المصححة للفعل، أي التي يقدر بها الفاعل على الفعل، فهي سلامة الأدوات والوسائل والأسباب التي أودعها الرب سبحانه في الفاعل، والتي تشكل لديه بمجموعها استعدادًا وقوة يتمكن بها من الفعل إذا أراده - بمشيئة الله .
وهذه الاستطاعة تتنوع أفرادها بتنوع الأفعال المراد القيام بها؛ فاستطاعة الحج: الزاد والراحلة، واستطاعة الصلاة قدرة البدن، وقد تصل إلى حياة القلب فقط، واستطاعة الزكاة: ملك النصاب، واستطاعة الصيام قوة الجسم على تحمل الامتناع عن المفطر.
وهكذا كل أمر تكون الاستطاعة بحسبه، ويجمعها كلها سلامة الآلة التي يكون بها الفعل.
ومن أحكامها (١):
أولًا: أنها متقدمة على الفعل لا متأخرة ولا مقارنة.
أما كونها سابقة للفعل فلأنها وسيلته وأداته، وسبب من أجل أسبابه الوجودية، والله سبحانه لحكمته ربط الأسباب بمسبَّباتها، وجعل وجود الشيء متوقف على وجود أسبابه ومقتضياته، فوجود الشيء مع عدم بعض أسبابه الوجودية ممتنع، فوجب أن تكون هذه الاستطاعة متقدمة على الفعل كما يتقدم سبب الفعل عليه.
وأما كونها غير متأخرة فليس المراد به أنه بعد الفعل تعدم القدرة عليه، فلا
стр. 518
يكون في مقدور الفاعل فعله مرة أخرى؛ بل المراد أنها متأخرة عن الفعل المعين.
يبينه أن القدرة على فعل معين هي سبب من أسباب وجوده - كما تقدم -، وسبب الشيء لا يتأخر عنه وإلا لم يكن سببًا له، ثم هذه الاستطاعة تكون سببًا لفعل آخر، وهكذا، فالقول بأنها متقدمة أو غير متأخرة وكذا غير مقارنة؛ إنما هو بالنسبة إلى الفعل المعين نفسه - من حيث كونها سببًا له - لا بالنسبة إلى عموم الأفعال التي من جنسه.
وأما كونها غير مقارنة فالمراد منه أن الفعل إذا خرج بأسبابه إلى الوجود؛ فإن هذه الاستطاعة لا تكون حينئذ موجودة، بل تحل محلها استطاعة أخرى بها يتحقق الفعل - كما سيأتي -.
ثانيًا: أنها مناط الأمر والنهي؛ فإذا وجدت وجد الأمر والنهي، وإذا عدمت عدم الأمر والنهي (١).
فالله سبحانه لرحمته لا يكلف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، فإذا عدمت الاستطاعة لم يتوجه الأمر والنهي، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة في المبحث القادم إن شاء الله.
ثالثًا: أنها استطاعة شرعية (٢).
وهذا الحكم متمِّم للحكم السابق؛ فمعنى كونها استطاعة شرعية هو كونها مناطًا للأمر والنهي، مع تضمنه لمعنيين آخرين:
الأول: أنه لا يلزم من وجودها وجود الفعل، بل قد يتخلف الفعل، وقد
стр. 519
يحصل خلافه - مع تخلفه - مع وجود هذه الاستطاعة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن" (١).
الثاني: أنها أخص من الاستطاعة الكونية، فالاستطاعة الشرعية المشروطة في التكليف لم يكتف فيها الشارع بمجرد المكنة ولو حصل معها ضرر، بل جعل القدرة على الفعل مع الضرر كالعجز عنه تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] (٢)، يزيده إيضاحًا:
رابعًا: أنها صالحة للضدين.
فالاستطاعة السابقة يستطيع بها الفاعل الفعل والترك، فهو قبل الفعل مستطيع مختار، بمعنى أنه لا يلزم من حصول الاستطاعة السابقة وقوع الفعل، بل قد يقع وقد لا يقع.
فعلى ساق الاستطاعة قامت الأحكام الشرعية، والتكليف مع عدمها ممتنع، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
خامسًا: أنها حاصلة للفاعل والتارك.
فلا يختص بها أحدهما، بل هي لكليهما، فالذي قدَّر الله له أن يفعل؛ كانت الاستطاعة قبلُ حاصلة له، وإلا لما وقع منه الفعل؛ لأن هذه الاستطاعة سبب في وقوعه، ولا بد حتى يقع الفعل من وجود أسبابه.
стр. 520
ومن قدَّر عليه ألا يفعل فلا يخلو من أحد حالين:
- أن لا يكون مطالبًا بالفعل أصلًا؛ لعجز أو غيره، فهذا غير داخل فيما نحن بصدده.
- أن يكون مطالبًا به؛ فلا بد من استطاعته عليه، إذ لا تكليف مع العجز، فالتكليف دليل على الاستطاعة.
سادسًا: أنها سبب من أسباب وجود الفعل.
تقدم أن سلامة الآلات التي يكون بها الفعل من جملة أسبابه الوجودية التي يتوقف عليها، فليس وجود هذه الاستطاعة كعدمها، وليست هي متفردة بإيجاده، بل هي من جملة الأسباب، فلا بد للقيام بواجب الحج من وجود أسبابه التي من جملتها وجود الزاد والراحلة، فلا حج بدون زاد وراحلة، ولا مجرد وجود الزاد والراحلة محقق لوقوع الحج.
المسألة الثانية: معنى الاستطاعة المقارنة وأحكامها.
الاستطاعة المقارنة هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل، هي عبارة عن مجموع القدرة السابقة مع الإرادة الجازمة، اللذين هما المرجح التام للفعل بمشيئة الله .
قال شيخ الإسلام ﵀: "القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة؛ لزم وجود الفعل وصار واجبًا بغيره لا بنفسه. . . ومع القدرة التامة والإرادة الجازمة يمتنع عدم الفعل، ولا يتصور عدم الفعل إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة. . . أما مع كمال قدرته وإرادته فلا يتوقف الفعل على شيء غير ذلك والقدرة التامة والإرادة الجازمة هي
стр. 521
المرجح التام للفعل الممكن، فمع وجودهما يجب وجود ذلك الفعل" (١).
فعدم الفعل إما إن يكون لعدم القدرة عليه، أو لعدم إرادته - أصلًا أو كمالًا -، أو لعدمهما معًا.
وحصول القدرة المقارنة التي يكون بها الفعل هو من التوفيق الذي خص الله به الفاعل على التارك، وهذا التوفيق هو هداية الله للمؤمن، وخلافه من الإضلال.
لذلك قال الطحاوي ﵀: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل - من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به - تكون مع الفعل" (٢).
ومن هنا كان من مذهب أهل السنة أن لله على عبده المطيع نعمة دينية أمكنه بها من الطاعة، وسيأتي بيان هذه المسألة في قاعدة مستقلة إن شاء الله.
ومن أحكامها:
أولًا: أنها لا تكون إلا مقارنة للفعل، ولا تصلح إلا له.
فلا يمكن أن تتقدم عليه، كما لا يمكن أن تتأخر عنه.
وذلك لأن الفعل إنما يخرج إلى الوجود بهذه الاستطاعة، فبوجودها يوجد الفعل، وبعدمها يعدم الفعل، فهي موجب الفعل وعلة تامة له، فلا يتصور تقدمها أو تأخرها عنه، لأن العلة التامة تقارن المعلول لا تتقدمه (٣).
стр. 522
كما أنها مختصة بالفعل المعين، فلا تكون لغيره.
ثانيًا: أنها لا تصلح للضدين بل للفعل فقط، ومن هنا كانت استطاعة كونية.
أي يلزم من وجودها وجود الفعل ولا يمكن أن يتخلف، فلا يتصور وجودها مع عدم الفعل، لأنها المرجح التام له، يوضحه:
ثالثًا: أنها تختص بالفاعل دون التارك.
فالتارك إنما ترك الفعل لعدم القدرة التامة، أو لعدم الإرادة الجازمة، أو لعدمهما معًا، وعدمه أيًا منهما يخرجه عن كونه مستطيعًا هذه الاستطاعة.
والفاعل إنما صار فاعلًا لقدرته التامة ومشيئته الجازمة، وهما حقيقة الاستطاعة المقارنة، فالفاعل مستطيع بهذا المعنى دون التارك فإنه غير مستطيع.
رابعًا: أنها موجبة للفعل، وسبب تام في وجوده.
وهذا كما تقدم من كون الفعل يخرج إلى الوجود بالاستطاعة المقارنة التي هي القدرة التامة والمشيئة الجازمة.
وهذه الاستطاعة هي المرجح للفعل والسبب التام.
لكن مع كونها كذلك، فإنها لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من مشيئة الرب له، ولا تنافي في ذلك؛ لأن وجود القدرة والمشيئة إنما كان بمشيئة الله وخلقه، فكون الاستطاعة المقارنة مرجحًا للفعل فهذا بمشيئة الله لا بنفسها.
وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا المعنى فقال: "القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة؛ لزم وجود الفعل، وصار
стр. 523
واجبًا بغيره لا بنفسه" (١).
ولا تنافي كذلك لأن هذه الاستطاعة هي في حقيقة الأمر توفيق من الله لعبده، جعله به قادرًا على الطاعة، مريدًا لها.
ولا تنافي كذلك لأن لموجب هذه الاستطاعة موانع لا بد من إزالتها، إذ يبقى بعد وجود القدرة والإرادة زوال الموانع التي تحول دون وجود الفعل.
المسألة الثالثة: علاقة الاستطاعة السابقة بالاستطاعة المقارنة.
من خلال ما تقدم تتضح العلاقة بين الاستطاعتين، وملخص ذلك أن الاستطاعة السابقة هي جزء من الاستطاعة المقارنة.
والاستطاعة المقارنة تتضمن الاستطاعة السابقة وزيادة، وهذه الزيادة هي الإرادة الجازمة على القيام بالفعل.
فكل استطاعة سابقة إذا لاقت إرادة جازمة صارتا بمجموعهما قدرة مقارنة تامة، يخرج بها الفعل إلى الوجود بمشيئة الله .
والحاصل أن مذهب أهل السنة أن الاستطاعة نوعان: سابقة ومقارنة، ولكل واحدة منهما حقيقتها وأحكامها وأدلتها من الكتاب والسنة، والله أعلم.
стр. 524
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة طوائف من المخالفين.
فذهبت الجهمية إلى إنكار الاستطاعة من أصلها، وقالوا: ليس للعبد قدرة على فعله ولا استطاعة، وهذا بناءً على قولهم بأن العبد مجبور على فعله.
حكى عنه ذلك أهل المقالات، فقال البغدادي: "الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها" (١).
وقال الإسفراييني: "وكان من مذهبه أن لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم، فإنهم كلهم مضطرون لا استطاعة لهم بحال" (٢).
وقال الشهرستاني: "ومنها: قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار" (٣).
وحكاه ابن حزم عن طائفة من الأزارقة أيضًا (٤).
стр. 525
وهذا القول باطل ببدائه العقول، وهو ثمرة مذهبه في الجبر، وأن الإنسان كالريشة في مهب الريح.
وذهبت القدرية المعتزلة إلى إنكار الاستطاعة المقارنة، وأن الاستطاعة سابقة لا غير.
قال القاضي عبد الجبار: "فصل في الاستطاعة، وهو الكلام في أن القدرة متقدمة لمقدورها غير مقارنة له"، ثم قال: "وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها" (١).
وقال: "باب في أن القدرة قبل الفعل. . . إذا أعطى الله القدرة والاستطاعة للعبد؛ فقد مكنه بها من الأفعال أجمع، ويصح منه أن يفعل بها الخير والطاعة كما يمكنه أن يفعل بها الشر والمعصية، فلذلك قلنا إنها متقدمة على الفعل" (٢).
وحكى الأشعري إجماعهم على ذلك فقال: "وأجمعت المعتزلة على أن الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي غير موجبة للفعل" (٣).
واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أولًا: ما تقدم من أدلة على الاستطاعة السابقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
стр. 526
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]، ونحو ذلك من الآيات.
ثانيًا: أنه لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه (٢).
ثالثًا: أن القدرة صالحة للضدين، فلو كانت مقارنة لهما لوجب بوجودها وجود الضدين، فيجب في الكافر - وقد كلف الإيمان - أن يكون كافرًا مؤمنًا دفعة واحدة وهو محال (٣).
رابعًا: أن القدرة لو كانت مع الفعل لكانت قدرة على الموجود فقط، والموجود استغنى بوجوده عن القدرة أصلًا (٤).
خامسًا: أنه لو كان القادر منا إنما يقدر على الفعل حال وجوده لكان الرب سبحانه كذلك لا يقدر على الفعل إلا حال وجوده، لأن حال القادر لا يختلف (٥).
стр. 527
وعند النظر في هذه الأدلة يلاحظ أن المعتزلة استدلوا بها على أمرين: على إثبات الاستطاعة المتقدمة، وعلى نفي الاستطاعة المقارنة.
أما دلالتها على إثبات الاستطاعة المتقدمة؛ فصحيحة لا إشكال فيها، النقلية منها، والعقلية في الجملة، حاشا الدليل الأخير؛ فإنه مبني على تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا باطل.
وأما دلالتها على نفي الاستطاعة المقارنة فباطل من وجوه:
الأول: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على إثبات الاستطاعة المقارنة، كما دلت على إثبات الاستطاعة السابقة، فإثبات هذه ونفي هذه تشهٍّ وهوى.
الثاني: أن نفي الاستطاعة المقارنة يؤول إلى التسوية بين الفاعل والتارك؛ إذ لا استطاعة يختص بها الفاعل، وهذا باطل.
الثالث: أن القدرة السابقة إما أن تكون تامة أو غير تامة، فإن كانت تامة؛ لزم وجود الضدين إذ القدرة عليهما على السواء وهذا محال، وإن كانت ناقصة فهي غير موجبة للفعل، فيلزم وجود استطاعة أخرى تتممها، وهو المطلوب (١).
الرابع: أن القدرة غير كافية في وجود الفعل، بل لا بد معها من إرادة ترجح الفعل على الترك، والقدرة مع الإرادة الجازمة موجبة للفعل بإذن الله، وهما حقيقة القدرة المقارنة - كما تقدم - (٢).
ومذهب المعتزلة في الاستطاعة مبني على قولهم بنفي التوفيق وأن يكون للرب سبحانه على المطيع نعمة خاصة به يعينه بها على الطاعة، بل إقدار الرب
стр. 528
سبحانه وإعانته للمطيع والعاصي سواء، ولكن هذا بنفسه رجح الطاعة وهذا بنفسه رجح المعصية كالوالد الذي أعطى كل واحد من ابنيه سيفًا فهذا جاهد به في سبيل الله وهذا قطع به الطريق.
وهذا مردود باتفاق أهل السنة والجماعة على إثبات نعمة دينية خص الله بها المطيع دون العاصي، أعانه بها على الطاعة (١).
وذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة للفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه.
قال الباقلاني: "ويجب أن يعلم أن الاستطاعة للعبد لا تكون إلا مع الفعل، لا تجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه" (٢).
وقال أيضًا: "فإن قال: فهل تزعمون أنه يستطيع الفعل قبل اكتسابه، أو في حال اكتسابه؟ قلنا: لا، بل في حال اكتسابه، ولا يجوز أن يقدر عليه قبل ذلك" (٣).
وقال الرازي: "مسألة: القدرة مع الفعل خلافًا للمعتزلة: لنا أن القدرة عرَض؛ فلا تكون باقية، فلو تقدمت على الفعل لاستحال أن يكون قادرًا على الفعل؛ لأن حال وجود القدرة ليس إلا عدم الفعل، والعدم المستمر يستحيل أن يكون مقدورًا، وحال حصول الفعل لا قدرة" (٤).
стр. 529
وقال: "مسألة: القدرة لا تصلح للضدين خلافًا للمعتزلة" (١).
وقال الآمدي: "مذهب أهل الحق من الأشاعرة: أن القدرة الحادثة لا تتقدم على مقدورها ولا تتعلق به قبل حدوثه، بل وقت حدوثه" (٢).
وقال أيضًا: "مذهب أكثر أصحابنا امتناع تعلق القدرة الحادثة بمقدورين معًا" (٣).
وقال التفتازاني: "القدرة الحادثة على الفعل لا توجد قبله خلافًا للمعتزلة" (٤).
وعقد الأشعري في كتابه "اللمع" بابًا في الكلام في الاستطاعة، قرر فيه أن الاستطاعة لا تكون إلا مقارنة للفعل (٥).
واستدلوا لمذهبهم بأمور منها:
أولًا: ما تقدم من أدلة على ثبوت الاستطاعة المقارنة، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] (٦).
وقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] (٧)، ونحوهما من الآيات.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
стр. 530
﴾ [إبراهيم: ٤٠]، فلو كانت القدرة سابقة على الفعل لما كان لطلبه معنى، ولصح أن يقول له الله سبحانه: قد جعلتك مقيمًا، ويكون الإنسان مستغنيًا عن معونة ربه سبحانه (١).
ثانيًا: أنه لو لم تكن القدرة الحادثة متعلقة بالفعل حال حدوثه؛ لما كانت متعلقة به أصلًا، واللازم ممتنع؛ فالملزوم ممتنع (٢).
ثالثًا: أن القدرة عرض، والعرض لا يبقى، فلو كانت متقدمة على الفعل للزم وقوعه مع عدم القدرة، وهو محال (٣).
رابعًا: أن من لم يخلق الله سبحانه له استطاعة محال أن يكتسب شيئًا، فلما استحال أن يكتسب الفعل إذا لم تكن استطاعة؛ صح أن الكسب إنما يوجد لوجودها، وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل للفعل (٤).
فالاستطاعة مع الكسب كالعلة مع المعلول، ولا يصح تقدم العلة على المعلول، فلا يصح تقدم الاستطاعة على الكسب (٥).
هذه أهم أدلتهم، وقد أرادوا منها أمرين: إثبات الاستطاعة المقارنة، ونفي الاستطاعة السابقة.
فأما دلالتها على الاستطاعة المقارنة، فصحيحة خلا الدليل الثالث، فإن