← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١). وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]، ونحو ذلك من الآيات. ثانيًا: أنه لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه (٢). ثالثًا: أن القدرة صالحة للضدين، فلو كانت مقارنة لهما لوجب بوجودها وجود الضدين، فيجب في الكافر - وقد كلف الإيمان - أن يكون كافرًا مؤمنًا دفعة واحدة وهو محال (٣). رابعًا: أن القدرة لو كانت مع الفعل لكانت قدرة على الموجود فقط، والموجود استغنى بوجوده عن القدرة أصلًا (٤). خامسًا: أنه لو كان القادر منا إنما يقدر على الفعل حال وجوده لكان الرب سبحانه كذلك لا يقدر على الفعل إلا حال وجوده، لأن حال القادر لا يختلف (٥).

стр. 527

وعند النظر في هذه الأدلة يلاحظ أن المعتزلة استدلوا بها على أمرين: على إثبات الاستطاعة المتقدمة، وعلى نفي الاستطاعة المقارنة. أما دلالتها على إثبات الاستطاعة المتقدمة؛ فصحيحة لا إشكال فيها، النقلية منها، والعقلية في الجملة، حاشا الدليل الأخير؛ فإنه مبني على تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا باطل. وأما دلالتها على نفي الاستطاعة المقارنة فباطل من وجوه: الأول: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على إثبات الاستطاعة المقارنة، كما دلت على إثبات الاستطاعة السابقة، فإثبات هذه ونفي هذه تشهٍّ وهوى. الثاني: أن نفي الاستطاعة المقارنة يؤول إلى التسوية بين الفاعل والتارك؛ إذ لا استطاعة يختص بها الفاعل، وهذا باطل. الثالث: أن القدرة السابقة إما أن تكون تامة أو غير تامة، فإن كانت تامة؛ لزم وجود الضدين إذ القدرة عليهما على السواء وهذا محال، وإن كانت ناقصة فهي غير موجبة للفعل، فيلزم وجود استطاعة أخرى تتممها، وهو المطلوب (١). الرابع: أن القدرة غير كافية في وجود الفعل، بل لا بد معها من إرادة ترجح الفعل على الترك، والقدرة مع الإرادة الجازمة موجبة للفعل بإذن الله، وهما حقيقة القدرة المقارنة - كما تقدم - (٢). ومذهب المعتزلة في الاستطاعة مبني على قولهم بنفي التوفيق وأن يكون للرب سبحانه على المطيع نعمة خاصة به يعينه بها على الطاعة، بل إقدار الرب

стр. 528

سبحانه وإعانته للمطيع والعاصي سواء، ولكن هذا بنفسه رجح الطاعة وهذا بنفسه رجح المعصية كالوالد الذي أعطى كل واحد من ابنيه سيفًا فهذا جاهد به في سبيل الله وهذا قطع به الطريق. وهذا مردود باتفاق أهل السنة والجماعة على إثبات نعمة دينية خص الله بها المطيع دون العاصي، أعانه بها على الطاعة (١). وذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة للفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه. قال الباقلاني: "ويجب أن يعلم أن الاستطاعة للعبد لا تكون إلا مع الفعل، لا تجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه" (٢). وقال أيضًا: "فإن قال: فهل تزعمون أنه يستطيع الفعل قبل اكتسابه، أو في حال اكتسابه؟ قلنا: لا، بل في حال اكتسابه، ولا يجوز أن يقدر عليه قبل ذلك" (٣). وقال الرازي: "مسألة: القدرة مع الفعل خلافًا للمعتزلة: لنا أن القدرة عرَض؛ فلا تكون باقية، فلو تقدمت على الفعل لاستحال أن يكون قادرًا على الفعل؛ لأن حال وجود القدرة ليس إلا عدم الفعل، والعدم المستمر يستحيل أن يكون مقدورًا، وحال حصول الفعل لا قدرة" (٤).

стр. 529

وقال: "مسألة: القدرة لا تصلح للضدين خلافًا للمعتزلة" (١). وقال الآمدي: "مذهب أهل الحق من الأشاعرة: أن القدرة الحادثة لا تتقدم على مقدورها ولا تتعلق به قبل حدوثه، بل وقت حدوثه" (٢). وقال أيضًا: "مذهب أكثر أصحابنا امتناع تعلق القدرة الحادثة بمقدورين معًا" (٣). وقال التفتازاني: "القدرة الحادثة على الفعل لا توجد قبله خلافًا للمعتزلة" (٤). وعقد الأشعري في كتابه "اللمع" بابًا في الكلام في الاستطاعة، قرر فيه أن الاستطاعة لا تكون إلا مقارنة للفعل (٥). واستدلوا لمذهبهم بأمور منها: أولًا: ما تقدم من أدلة على ثبوت الاستطاعة المقارنة، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] (٦). وقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] (٧)، ونحوهما من الآيات. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

стр. 530

﴾ [إبراهيم: ٤٠]، فلو كانت القدرة سابقة على الفعل لما كان لطلبه معنى، ولصح أن يقول له الله سبحانه: قد جعلتك مقيمًا، ويكون الإنسان مستغنيًا عن معونة ربه سبحانه (١). ثانيًا: أنه لو لم تكن القدرة الحادثة متعلقة بالفعل حال حدوثه؛ لما كانت متعلقة به أصلًا، واللازم ممتنع؛ فالملزوم ممتنع (٢). ثالثًا: أن القدرة عرض، والعرض لا يبقى، فلو كانت متقدمة على الفعل للزم وقوعه مع عدم القدرة، وهو محال (٣). رابعًا: أن من لم يخلق الله سبحانه له استطاعة محال أن يكتسب شيئًا، فلما استحال أن يكتسب الفعل إذا لم تكن استطاعة؛ صح أن الكسب إنما يوجد لوجودها، وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل للفعل (٤). فالاستطاعة مع الكسب كالعلة مع المعلول، ولا يصح تقدم العلة على المعلول، فلا يصح تقدم الاستطاعة على الكسب (٥). هذه أهم أدلتهم، وقد أرادوا منها أمرين: إثبات الاستطاعة المقارنة، ونفي الاستطاعة السابقة. فأما دلالتها على الاستطاعة المقارنة، فصحيحة خلا الدليل الثالث، فإن

стр. 531

مذهب الأشاعرة بأن العرض لا يبقى زمانين "قول محدَث في الإسلام، لم يقله أحد من السلف والأئمة، وهو قول مخالف لما عليه جماهير العقلاء من جميع الطوائف" (١)، والحس يكذبه؛ فإن كل أحد يدرك أن لون ثوبه في لحظة هو لونه في لحظة تالية وهكذا. وأما استدلالهم بها على نفي الاستطاعة السابقة فباطل من وجوه: الأول: دلالة الأدلة الصحيحة الصريحة على إثبات الاستطاعة السابقة - كما تقدم - فنفيها معارضة لهذه الأدلة وإبطال لها. الثاني: أن نفي القدرة السابقة لا يجعل للتارك استطاعة، وإذا لم يكن مستطيعًا كان معذورًا، وهذا معلوم البطلان، يوضحه: الثالث: أن القول بنفي الاستطاعة المتقدمة يعود على التكليف بالإبطال، إذ الاستطاعة المتقدمة هي مناط التكليف، وهذا باطل. وقد التزم الأشاعرة لذلك القول بالتكليف بما لا يطاق، قال الأشعري: "ومما يبين ذلك [أي أن الاستطاعة مع الفعل] أن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]، وقال: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وقد أمروا أن يسمعوا الحق وكلفوه، فدل ذلك على جواز تكليف ما لا يطاق، وأن من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعًا" (٢). الرابع: أن الاستطاعة المقارنة متضمنة للاستطاعة السابقة وزيادة هي الإرادة الجازمة بتوفيق الله سبحانه، فنفي الاستطاعة المقارنة هجر من القول،

стр. 532

إذ حقيقته إنكار الاستطاعة أصلًا، وهذه هي حقيقة قول الأشاعرة، فإنهم لم يجعلوا للعبد في الاستطاعة المقارنة أثرًا، وهذا مبني على قولهم في خلق الأفعال، وأن للإنسان قدرة غير مؤثرة على فعله، فهو كما عبَّر الرازي - وأحسن في التعبير -: "مجبور في صورة مختار" (١). الخامس: أن كل أحد يجد من نفسه قدرة على كثير مما لم يفعله، وهذه القدرة لا يمكن أن تكون مقارنة، إذ لا فعل حينئذ تقارنه. وقد تأول الأشاعرة ما ورد من أدلة على الاستطاعة السابقة بغير استطاعة البدن، فتأولوا استطاعة الحج بالمال الذي هو الزاد والراحلة، وتأولوا استطاعة خروج المنافقين بالمال والجِدة والظَّهر (٢). وتبعًا لقول الأشاعرة والمعتزلة بأن الاستطاعة واحدة لا غير؛ فإنهم اختلفوا في بقاء الاستطاعة ودوامها. أما الأشاعرة فذهبوا - كما تقدم - إلى أن الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى زمانين، ووافقهم على ذلك الماتريدية مع قولهم بالاستطاعتين (٣). وأما المعتزلة فاختلفوا فيما بينهم في ذلك كما حكاه الأشعري في المقالات.

стр. 533

فذهب أكثر المعتزلة إلى أنها تبقى. وذهب أبو القَاسِم البَلخِي (١) وبعض المعتزلة إلى أنها لا تبقى وقتين، وأن الفعل يوجد في الوقت الثاني بالقدرة المتقدمة المعدومة، ولكن لا يجوز حدوثه مع العجز، بل يخلق الله في الوقت الثاني قدرة فيكون الفعل واقعًا بالقدرة المتقدمة. وهذا قولهم في الفعل المباشر، فأما المتولد فقد يجوز عندهم أن يحدث بقدرة معدومة وأسباب معدومة، ويكون الإنسان في حال حدوثه ميتًا أو عاجزًا (٢). وهذه الأقوال لا دليل عليها يعضدها، لا من جهة الشرع ولا من جهة العقل، بل هما على خلافها، أما الشرع فلعدم الدليل على ذلك، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل هذه الأقوال لم تُحْكَ عن أحد من سلف الأمة وأئمتها. وأما العقل؛ فلأنه لا يعقل وجود الفعل إلا مع وجود القدرة عليه، إذ القدرة عليه شرط وجودي له، ووجود الشيء مع عدم شرطه الوجودي باطل (٣). وأما التزام بعضهم وقوع الفعل مع عدم القدرة؛ فهو باطل، لأن القدرة إذا ارتفعت وقع نقيضها وهو العجز، فيكون الفعل مقدورًا معجوزًا عنه في آن معًا، وهو محال.

стр. 534

المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 535

المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به" هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بباب القدر، ومبناها على مسألة الاستطاعة. المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال الطحاوي ﵀: "الله لم يكلفنا ما لا نطيق، ولم يتعبدنا بما نحن عنه عاجزون" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "ما لا يطاق يُفسَّر بشيئين: يُفسَّر بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدًا. ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده فهذا هو الذي وقع فيه التكليف" (٢). وقال ﵀: "فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل؛ فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها؛ فلا

стр. 536

يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير. وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل؛ فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين" (١). وقال مرعي الكرمي ﵀: "اعلم أن تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه بطريق الآلات. . . فهذا غير واقع في الشريعة ولم يكلف الله به أحدًا. ثانيهما: تكليف ما لا يطاق للاشتغال بضده مع سلامة الآلات. . . والتكليف بهذا واقع بالاتفاق" (٢).

стр. 537

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. عند التأمل في نصوص الكتاب والسنة يلاحظ أن النفي لما لا يطاق فيها متوجه إلى ما يعجز عنه، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده؛ فهذا لم يرد في النصوص كما سيأتي، ومن النصوص الدالة على أن الله لا يكلف العباد ما يعجزون عنه: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الطبري ﵀: "لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (١). وقال ابن كثير ﵀: "أي لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم" (٢). وقوله في الآية نفسها: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، مع قول الله : (قد فعلت) (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال ابن جرير ﵀: "لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت" (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].

стр. 538

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. مسألة تكليف ما لا يطاق مبنية على مسألة الاستطاعة ومتفرعة عنها، وقبل الشروع في بيانها لا بد من بيان مقدمتين: الأولى: معنى الطاقة. الطاقة في اللغة: اسم يوضع موضع المصدر، يقال: أطاق يطيق إطاقة وطاقة، والطاقة: هي القدرة على الشيء، ومنه قولهم: طوقني الله أداء حقك، أي: قوَّاني (١). واستخدمت الطاقة في الشرع بمعناها اللغوي لكن على وجه أخص؛ فالطاقة في الشرع: القدرة على الشيء من غير ضرر يلحق الفاعل. الثانية: إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة. أخبر الله أنه لا يكلف نفسًا فوق طاقتها وقدرتها، رحمةً منه . وهذا القدر من مسألة تكليف ما لا يطاق شرعي لا إشكال فيه، وهو القدر الذي عرفه الصحابة ﵃ وسلف الأمة، مع كونهم لم يسموه تكليف ما لا يطاق. ثم لما تكلم من بعدهم في هذا المعنى وأضافوا صورًا غير شرعية صار هذا المعنى مجملًا مشتملًا على حق وباطل، فتوجب التفصيل فيه رفعًا للاشتباه وتمييزًا للحق منه عن الباطل. قال شيخ الإسلام بعد ذكر التفصيل في هذه المسألة: "وإذا عرف هذا؛

стр. 539

فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام" (١). فمناط كون هذا الإطلاق بدعة أمران: الأول: أن الشارع وكذا الصحابة والتابعون لم يطلقوه. الثاني: أنه مجمل مشتمل على حق وباطل. والكلام في هذه القاعدة في مسائل: المسألة الأولى: معنى التكليف بما لا يطاق. ما لا يطاق يفسر بشيئين كما ذكر أهل العلم (٢): الأول: ما لا يطاق للعجز عنه. الثاني: ما لا يطاق لا للعجز عنه، ولكن للاشتغال بضده. أما القسم الأول؛ فهو على نوعين: أولهما: ما يُعجز عنه لا لاستحالته في نفسه، ولكن لعدم القدرة عليه مع كونه ممكنًا في نفسه، وهذا على ضربين: - ما يكون سببه ضعف الوسائل والآلات التي يكون بها الفعل، كمن عجز عن حضور الجماعة لمرض يعوقه. - ما يكون سببه ضرر يلحق الفاعل من زيادة مرض أو خوف ضرر معتبر في الشرع، مع سلامة الآلات والوسائل. ثانيهما: ما يُعجز عنه لاستحالته في نفسه، وهو على نوعين كذلك: - ما هو ممتنع عادةً، كتكليف الأعمى نقط المصحف، وتكليف

стр. 540

المقعد بالمشي. - ما هو ممتنع في نفسه، كالجمع بين الضدين، كالتكليف بالنطق والسكوت في آن واحد. ولهذا القسم أحكام: الأول: أنه مشتمل على ما هو شرعي وما هو غير شرعي. فالذي جاء في النصوص أن الله لم يكلف عباده ما يعجزون عنه، أو ما يقدرون عليه مع نوع مشقة وضرر - كما تقدم في الأدلة -. وأما ما هو ممتنع؛ سواء كان امتناعه في نفسه أو في العادة؛ فهذا - مع القول بأنه لم يقع التكليف به - فإنه لم يأت إطلاقه في النصوص. وكذلك مع كونه لم يرد في النصوص فإنه خطأ في نفسه؛ فإن الممتنع ليس بشيء أصلًا - كما تقدم - (١)، فكيف يوصف العبد بعدم إطاقته؟ وهذا القسم - أعني الممتنع - إنما ذكَره مَن ذكَره مِن أهل العلم في معرض الرد على المخالفين، ومخاطبتهم باصطلاحهم، وإلا فهو في حقيقة الأمر غير داخل في هذا القسم لما تقدم. الثاني: أنه متعلق بمسائل الأمر والنهي لا بمسائل القضاء والقدر. لمسألة تكليف ما لا يطاق تعلقان: تعلق بالأمر والنهي، وتعلق بالقدر، فما كان منها راجعًا إلى العجز؛ فإنه متعلق بالشرع، وما كان منها راجعًا إلى الاشتغال بالضد؛ فإنه متعلق بالقدر. وعلاقة ما لا يطاق للعجز عنه بالأمر والنهي: أن النزاع فيه يتعلق بهما،

стр. 541

بمعنى: هل يكلف العبد بالقيام بالأمر مع عدم هذه الإطاقة أو لا يكلف؟ بقطع النظر عن وقوع الامتثال منه من عدمه. فعدم التكليف لما يطاق في هذا القسم هو أن الله لحكمته ورحمته - لم يأمر عباده وينهاهم عما إذا أرادوا امتثاله عجزوا عنه، وإن كان قد يكلفهم بما يقدرون عليه وإن لم يريدوه (١)؛ إذ لا تلازم بين أمره سبحانه الشرعي وإرادته الكونية - كما تقدم في مبحث مستقل -، يوضحه: الثالث: أنه متعلق بالاستطاعة المتقدمة لا المقارنة. وذلك لأن الاستطاعة المتقدمة هي التي تتعلق بالأمر والنهي دون المقارنة؛ فإنها تتعلق بالقدر، وسيأتي بيان علاقة تكليف ما لا يطاق بالاستطاعة. وأما القسم الثاني: وهو ما لا يطاق للاشتغال بضده، فالمراد به أن المكلف المتلبس بخلاف ما أمر به غير مطيق لما أمر به، بمعنى أنه غير قادر على الإتيان به، كتكليف المشتغل عن الصلاة بغيرها في وقت أدائها، سواء كان هذا المشتغَل به مباحًا أو محرمًا أو مكروهًا أو أقل وجوبًا من الفعل المأمور به، وكتكليف الكافر بالإيمان حال كفره. فحقيقة هذا القسم أن من لم يفعل المأمور به فقد كُلف ما لا يطيق. ومأخذ ذلك أن الفعل لا بد في وجوده من قدرة تامة، وإرادة جازمة، فإذا انصرفت الإرادة عن الفعل المأمور به إلى ضده لم يوجد الفعل، لا لنقص القدرة، وإنما لاشتغال الإرادة؛ لأن الإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر.

стр. 542

ومأخذ توجه الأمر به إليه - والحالة هذه - هو إمكان أن يترك ذلك الضد ويفعل الضد المأمور به (١). ولهذا القسم أحكام: الأول: أن إطلاق تكليف ما لا يطاق عليه إطلاق غير شرعي، كما سيأتي التنبيه عليه. الثاني: أنه متعلق بمسائل القضاء والقدر لا بمسائل الأمر والنهي. وذلك لأن البحث فيه هو في الفعل المأمور به من حيث وقوعه من عدمه، لا في توجه الأمر به، يوضحه: الثالث: أنه متعلق بالاستطاعة المقارنة لا المتقدمة. لأن وقوع الفعل متوقف على الاستطاعة المقارنة لا المتقدمة. المسألة الثانية: جواز التكليف بما لا يطاق من عدمه. المقصود بهذه المسألة بيان هل كُلِّف العباد ما لا يطيقون؟ وهي في الحقيقة ثمرة للمسألة السابقة وهي تقسيم ما لا يطاق. وقبل الشروع فيها يُنبه على أمرين: الأمر الأول: أن لهذه المسألة مآخذ (٢)، من حقق الصواب فيها هدي إلى الحق في هذه المسألة، ومن لا فلا. أولها: أن الصواب أن الاستطاعة نوعان: سابقة مصححة، ومقارنة موجبة، فالأولى شرط في التكليف دون الثانية.

стр. 543

ثانيها: أن تعلق علم الله بعدم وقوع الفعل لا يخرجه عن كونه مقدورًا للعبد القدرة المصححة السابقة، وإن أخرجه عن كونه مقدورًا له القدرة المقارنة الموجبة له. ثالثها: أن ما تعلق علم الله سبحانه بأنه لا يكون من أفعال المكلفين؛ إما أن يكون لعدم قدرة العبد عليه، وإما أن يكون لعدم إرادة العبد له، وإما أن يكون لعدم مشيئة الله له. فالأول: لا يكلف العبد به لعجزه عنه، إذ القدرة مناط التكليف. وأما الثاني: فيجوز الأمر به ووقوعه، ولا يخرجه عدم إرادة العبد عن الإمكان. وأما الثالث: فلا يخرجه عدم مشيئة الرب سبحانه له عن كونه ممكنًا في نفسه، كما لم تخرجه مشيئة العبد عن كونه ممكنًا في نفسه؛ إذ أن مناط الإمكان هو قدرة العبد لا إرادته، فلا يمتنع التكليف بما لو أراده الفاعل لفعله - بعد مشيئة الله ، وإنما يمتنع بما لو أراده لم يقدر عليه. الأمر الثاني: أن النزاع في هذه المسألة يتنوع باعتبارين: الأول: بالنظر إلى المأمور به، أي من حيث وقوعه من عدمه. الثاني: بالنظر إلى جواز الأمر به (١)، فمن لم يفرق بين هذين الاعتبارين لم يوفق للحق في هذه المسألة، والفرق بينهما ثابت من وجوه: - أن جواز الأمر به متعلق بوجود شرط التكليف وهو القدرة، بقطع النظر عن الوقوع من عدمه، فمتعلقه هو الشرع، وأما وقوعه

стр. 544

فمتعلق بالقدر ومشيئة الرب له. - أن جواز الأمر به لا تعلق له بإرادة العبد له؛ بل يأمر سبحانه بالفعل من يريده ومن لا يريده من المكلفين، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وأما وقوعه فهو مشروط بإرادة العبد له، ولا يمكن وقوعه بدونها. - أن جواز الأمر به لا يستلزم مشيئة الرب سبحانه له، بل يأمر سبحانه شرعًا بما لم يرد وقوعه كونًا - كما تقدم (١) -، وأما وقوعه فلا بد فيه من مشيئته سبحانه، إذ لا يخرج شيء في الوجود عنها. ويلاحظ أن كلا الأمرين السابقين مبنيان على مسألة الاستطاعة والتفريق بين المتقدمة منها والمقارنة، ومن هنا تظهر العلاقة بين الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق، وأن من وفق للصواب في الأولى وفق للصواب في الثانية ومن لا فلا، والله الموفق. إذن فتكليف ما لا يطاق ينبني على مسألة الاستطاعة، فمتى وجدت الاستطاعة المتقدمة المصححة للفعل وجد التكليف، ولا يكون حينئذ تكليفًا بما لا يطاق بل هو مما يطيقه العباد باعتبار القدرة عليه، ومتى فقدت عُدِم التكليف ولم يتوجه. وكل من وجد منه الفعل المأمور به فقد أطاقه بالمعنى القدري، ويكون قد كُلف بما أطاقه قدرًا، ومن لم يوجد منه الفعل فهو غير مطيق له، لا من جهة الوسع والقدرة - إذ لولاهما ما خوطب به ابتداءً - وإنما من جهة عدم وقوعه

стр. 545

منه لانشغال إرادته بضدٍّ له. وبعبارة أخرى: تكليف ما لا يطاق قسمان: - ما لا يطاق للعجز عنه، سواء كان لضعف أسبابه أو وجود أضدادها، أو كان لاستحالته في نفسه أو عادة؛ فهذا لا يجوز التكليف به، فحكمة الله سبحانه ورحمته وعدله وكرمه وسائر صفات كماله تمنع منه. وقد اتفق حملة الشريعة على عدم التكليف به. - ما لا يطاق لا للعجز عنه، ولكن للاشتغال بضده، فهذا يجوز التكليف به (١). على أن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا القسم بدعة من القول في الشرع واللغة، أما في الشرع: فلأنه لا يقال لمن لم يؤمر بالحج مع استطاعته إنه مكلف بما لا يطيق، بل يقال: هو لم يستطع الحج - أي الاستطاعة المقارنة، وإن كان مستطيعًا له استطاعة الوسائل والآلات - (٢). وأما في اللغة: فلأن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، ومضمون تسمية ما لم يفعله العبد تكليفًا بما لا يطاق: أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! (٣). المسألة الثالثة: ما لا يطاق مما لم يكلِّف الله سبحانه به قسمان: - ما لا يطاق في أصل الشرع، فالشرع موافق لطاقة المكلفين من

стр. 546

حيث الجملة؛ فلم يشرع الله سبحانه من الأحكام ما لا يقدر عليه عموم المكلفين، بحيث لا يقدر عليه أحد منهم، بل شرع ما يقدرون عليه بالجملة، وإن كان يوجد في المعينين من لا يقدر على بعض ما شرعه الله تعالى. - ما لا يطاق في حق المعينين، فلا يطالب المعين من المكلفين بما لا يقدر عليه، وإن كان يقدر عليه بنوع مشقة. ومن هنا جاءت الشريعة بالتيسير، فخفف عن المعينين من التكاليف ما لا قدرة لهم عليه البتة، وما لهم عليه قدرة لكن مع مشقة تلحقهم. مثال الأول: تكليف الفقير بالزكاة، فالفقير لا قدرة له على الزكاة أصلًا، فلذلك لم يطالب بها. ومثال الثاني: جهاد الأعرج والأعمى والمريض، فالأعرج قادر على الجهاد وكذا الأعمى والمريض، لكنه شاق عليهم، فخفف الله سبحانه عنهم ولم يوجبه عليهم، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]. وقد سبق الكلام على الاستطاعة الشرعية وكونها أخص من الاستطاعة الكونية بما أغنى عن إعادته هنا (١). ومن هنا كانت الطاقة قسمان كالاستطاعة: طاقة شرعية، وطاقة كونية. ومن الأدلة على هذا حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: (من هذه؟) قالت: فلانة؛ تذكر من صلاتها قال:

стр. 547

(مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا)، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (١)، فهذه المرأة مطيقة كونًا لهذا القيام، بدليل أنها فعلته، وقد جعله النبي ﷺ فوق الطاقة. ومثله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والوصال) - مرتين - قيل: إنك تواصل؟ قال: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكلفوا من العمل ما تطيقون) (٢). قال ابن الوزير ﵀: "فسمح مما يطاق الكثير الذي لا يعلم مقداره إلا هو، ولم يبق من التكاليف إلا ما جعله سببًا لرحمته وفضله وكرامته" (٣). ومن هنا يعلم خطأ من أطلق القول بأن العباد لا يطيقون إلا ما كَلَّفهم ربهم، لأنه إذا قصد بالطاقة هنا السابقة للفعل التي هي سلامة الآلات؛ فغير صواب لما تقدم من أن في طاقة العبد فعل أكثر مما كلفه الله به، ولكن الله خفف ويسر على المكلفين رحمة منه ، وإن قصد بها المقارنة فالمعنى صحيح، لكن هذا الإطلاق بدعة في اللغة والشرع كما تقدم (٤). فالحاصل أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة وضلال، وأنه لا بد

стр. 548

فيه من التفصيل؛ فما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده فالتكليف به واقع اتفاقًا، على أن تسميته تكليفًا بما لا يطاق بدعة في اللغة والشرع، والله أعلم.

стр. 549

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. خالف أهل السنة في هذه القاعدة الجبرية من جهمية وأشاعرة، والقدرية المعتزلة. فذهبت الجهمية إلى جواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا من غير تفصيل. قال الشهرستاني في حكاية مقالات الجهم: إن "الثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر، قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا كان جبرًا" (١). وهذا قول باطل مصادم للنصوص القطعية الدالة على أن الله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، على ما تقدم بيانه. وذهب الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يطاق بالجملة، قال الرازي: "قال أهل السنة [يريد الأشاعرة]: لا يمتنع تكليف ما لا يطاق، وقالت المعتزلة: إنه لا يجوز" (٢). وعلة ذلك عندهم أنه لا يجب على الله سبحانه شيء ولا يقبح منه شيء؛ إذ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه، إلا أنه عندهم مراتب (٣): الأول: ما لا يطاق لعلم الله بعدم وقوعه أو لعدم إرادته له، أو للخبر عنه بأنه لا يقع، فإن مثله لا تتعلق به القدرة الحادثة لأن القدرة مع الفعل ولا تتعلق بالضدين. قالوا: والتكليف بهذا جائز، بل هو واقع إجماعًا، إذ لو لم يكن واقعًا لما

стр. 550

كان العاصي مكلَّفًا حال معصيته. الثاني: الممتنع عادة، فهذا جائز عندهم، وإن لم يقع بالاستقراء. الثالث: ما لا يطاق لامتناعه في نفسه، فهذا التكليف به عندهم فرع تصوره، فمن تصوره منهم قال بجواز التكليف به، ومن لا؛ منع ذلك. قال الجويني: "تكليف ما لا يطاق تكثر صوره، فمن صوره تكليف جمع الضدين، وإيقاع ما يخرج عن قبيل المقدورات، والصحيح عندنا أن ذلك جائز غير مستحيل" (١). ومن أدلتهم على ذلك: أولًا: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقد تضمنت الآية الاستعاذة من التكليف بما لا يطاق، فلو لم يكن ذلك ممكنًا؛ لما ساغت الاستعاذة منه (٢). ثانيًا: أن الله قد كلف الكافر الذي مات على كفره بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن، فهو مكلف بفعل الإيمان مقارنًا للعلم بعدم الإيمان، وهذا تكليف بما لا يطاق (٣). ثالثًا: أن القدرة على الكفر والإرادة له من خلق الله سبحانه، ومجموعهما يوجب الكفر، فإذا كلفه بالإيمان فقد كلفه بما لا يطاق (٤).

стр. 551

رابعًا: الاتفاق على جواز تكليف العبد القيام مع كونه قاعدًا حالة توجه الأمر عليه، وهذا من تكليف ما لا يطاق، لأن وقوع القيام مقدورًا من غير قدرة عليه مستحيل كجمع الضدين، وإنما المأمور به قيام مقدور عليه (١). خامسًا: أن أبا لهب كُلف بالإيمان، ومما كلف أن يؤمن به قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، ومضمون هذه الآية أنه لن يؤمن؛ فأضحى مكلَّفًا بالإيمان بأنه لا يؤمن. وكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بما لا يطاق (٢). والجواب على أدلتهم: أما الدليل الأول؛ فلا ريب أن الآية دلت على ما ذكروه من إمكان التكليف بما لا يطاق، لكن ليس المراد بهذا التكليف بما لا يطاق ما ذكروه، من وجهين: الأول: أن المراد به أن يكلفهم ما يطيقونه بمعنى أنهم يقدرون عليه، لكن مع مشقة وعسر، كما جاء في تفسير الآية. قال ابن الأنْبَاري ﵀ (٣): "المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا

стр. 552

مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، فخاطب العرب على حسب ما تعقل؛ فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك لكنه يثقل عليه" (١). وقد ذكر في تفسير الآية خمسة أقوال، ليس منها ما ذكروه (٢): - فقيل: إنه ما يصعب ويشق من الأعمال، قاله الضحاك والسدي وابن زيد والجمهور. - وقيل: إنه المحبة، قاله إبراهيم. - وقيل: الغُلمة، قاله مكحول. - وقيل: حديث النفس ووساوسها. - وقيل: عذاب النار. والأقوال الأربعة الأخيرة ترجع إلى الأول، وهو ما ذكره ابن الأنباري ﵀. الثاني: أن إطلاق تكليف ما لا يطاق على المشتغَل بضده لم يرد في الشرع كما تقدم، وحيثما جاء إطلاق ما لا يطاق في نصوص الشرع؛ فإنما يرجع إلى القدرة المتقدمة على الفعل، أو إلى الابتلاء. وهذا الجواب مبني على ما ثبت في النصوص من التفريق بين الاستطاعة السابقة والمقارنة (٣).

стр. 553

وأما الدليل الثاني؛ فلا ريب أن الكافر الذي مات على الكفر كان مكلفًا بالإيمان، وأنه لم يطقه، فهو مكلف حقيقة بما لم يطقه، لكن ليس في هذا دلالة على مذهبهم من وجوه: الأول: أن هذا الكافر كان قادرًا على الإيمان، إذ لو عجز لما كان مكلفًا، فمن هذه الحيثية لم يكلف ما لا يطيق، لكن من جهة كونه كان مشتغلًا بضد ما كلف به كان مكلفًا بما لم يطقه، يوضحه: الثاني: أن ما لا يطاق له جانبان: كوني وشرعي، فالشرعي لم يكلف الله أحدًا ما لا يطيقه، أي ما يعجز عنه، وأما الكوني: فقد يكلف الله من علم أنه لن يفعل، لكن إطلاق ما لا يطاق عليه بدعة في الشرع (١). الثالث: أن الفرق ثابت بين ما لا يطاق وبين ما لم يطق، فالأول راجع إلى الاستطاعة الشرعية، والثاني راجع إلى الاستطاعة الكونية المقارنة، وحقيقة البحث هي في الاستطاعة الشرعية لا الكونية، لأنهم يتكلمون فيها بجواز ووجوب ومنع. وبهذا يتبين أن من وفق لمعرفة أن الاستطاعة متقدمة ومقارنة، وفق للصواب في التكليف بما لا يطاق. وأما الدليل الثالث؛ فلا ريب أن أفعال العباد مخلوقة للرب سبحانه، وأن من لم يقع منه الفعل؛ فإنما لم يقع لعدم مشيئة الله وخلقه له، لكن من لم يشأ الله إيمانه ممن خاطبه بالإيمان لم يكلفه ما لا يطاق من جهة الوسع والآلة، وإن كان مكلفًا بما لا يطاق من جهة الاشتغال بالضد، لكن إطلاق ما لا يطاق عليه بدعة كما تقدم.

стр. 554

وأما الدليل الرابع؛ فجوابه ما تقدم من الفرق بين التكليف الراجع إلى الاستطاعة السابقة والمقارنة؛ فالقاعد المكلف بالقيام حال القعود لم يكلف ما لا يطيق بهذا الاعتبار، وإن كان كلف ما لا يطيق باعتبار عدم الاستطاعة المقارنة، لكن لا يطلق عليه أنه كلف ما لا يطيق. وأما الدليل الخامس؛ فهو خطأ؛ إذ أن أبا لهب لما نزلت فيه الآية كانت قد حقت عليه كلمة العذاب، كالكافر الذي عاين الملائكة في النزع، وكالأقوام المعذبة لما عاينت العذاب، فهؤلاء صاروا بعد استحقاق العذاب غير مخاطبين بأمر الرسل بالإيمان (١). ولهذا فقد ضعف بعض الأشاعرة هذا الدليل، قال الإيجي: "وبه يعلم أن كثيرًا من أدلة أصحابنا مثل ما قالوه في إيمان أبي لهب؛ نصب للدليل في غير محل النزاع" (٢). وذهبت المعتزلة إلى عدم جواز تكليف ما لا يطاق. قال القاضي عبد الجبار: "لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها؛ لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح" (٣).

стр. 555

وحكى الأشعري اتفاقهم على ذلك فقال: "وأنكروا بأجمعهم أن يكلف الله عبدًا ما لا يقدر عليه" (١). ومن أدلتهم: الأول: ما جاء من نصوص تدل بمنطوقها على أن الله لا يكلف أحدًا ما لا يطاق، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (٢). الثاني: أن تكليف ما لا يطاق قبيح، والله سبحانه لا يفعل القبيح (٣). الثالث: أن القدرة سابقة على مقدورها صالحة للضدين، غير مقارنة له، فالكافر المكلف بالإيمان قادر عليه، فلم يكلف ما لا يطيق (٤). فالمعتزلة أصابوا في نفي تكليف ما لا يطاق في حق مَن عدِم الاستطاعة المتقدمة، وأخطؤوا فيما عدا ذلك. والجواب عما استدلوا به: أما الدليل الأول؛ فدلالة ما ذكروه من الآيات على أن الله لا يكلف العباد ما لم يطيقوه صحيحة، إذ المراد بها عندهم الطاقة المتقدمة على الفعل - إذ لا معنى للقدرة عندهم غير المتقدمة -، لكن هذا القدر لا ينفي أن يكون التارك غير مطيق للفعل حال تركه لانشغاله بضده، وإن كان إطلاق تكليف ما لا

стр. 556

يطاق عليه بدعة، لكن المقصود أن الأدلة دلت كذلك على نفي الاستطاعة عمن اشتغل بضد ما أمر به وقت لزوم فعله (١)، فنفي المعتزلة لهذا بدعة وضلال. وأما الدليل الثاني؛ فهو جارٍ على سَنَن المعتزلة الأعوج في إيجابهم على الله "رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه" (٢). وهذا باطل، بل لا يوجب العباد على ربهم شيئًا، بل هو سبحانه أوجب على نفسه ما أوجب من العدل وغيره تفضُّلًا منه سبحانه. وقولهم: "تكليف ما لا يطاق قبيح" على الإطلاق غير صحيح، إذ منه ما هو واقع في حقيقة الأمر، كتكليف المشتغل بالضد بضده، فإنه غير مطيق لما كُلف به بمعنى غير مستطيع الاستطاعة المقارنة، على ما تقدم. وأما الدليل الثالث؛ فصحيح لا غبار عليه، فالكافر لم يكلف بما لا يطيق من جهة الوسع والتمكن، إلا أنه مكلف بما لم يطقه لاشتغاله بضده، على ما تقدم. والواقع أن قول المعتزلة في أن المستطيع لم يكلف ما لا يطيق صحيح لأنهم لا يثبتون الاستطاعة المقارنة، ويبقى عليهم نفيهم للاستطاعة المقارنة التي يترتب عليها عدم المنع من تكليف ما لا يطاق بمعنى عدم الاستطاعة الكونية. ومن هنا يعلم أن ما نُسب إلى الماتريدية من موافقة المعتزلة في هذه المسألة (٣)

стр. 557

غير دقيق، فإنهم وإن وقع قي عباراتهم إطلاق نفي تكليف ما لا يطاق، فإنهم في حقيقة الأمر مُقرُّون بالأساس الذي بني عليه القول في مسألة تكليف ما لا يطاق، وهو تقسيم الاستطاعة إلى سابقة ومقارنة، بخاصة إذا علمنا أن إطلاق ما لا يطاق على المشتغل بضده بدعة في الشرع. بل في عبارة إمام المذهب أبي منصور الماتريدي التصريح بذلك، فإنه عرض لقول الكعبي في دعواه أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة ورده، وهذا كلامه بنصه: "ثم نذكر ما ذكره الكعبي مما يبين وهمه في قضاياه، زعم أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة، وهذا إنما هو في العقل الذي لا يعرف الطاقة غير القوة الظاهرة وهي الصحة، وأما غيرها فليس كما يقول. بل كلف الله صاحب موسى بما يعلم أنه لا يستطيع وكذلك تكليف ما يجهل مثله في البديهة قسمته فمثله الأول، ثم يقال له وكذلك تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل، والذي ادعيته من القبح إنما هو في عقول من يحيل وجود الفعل ولا قوة، وذلك وقت الفعل فصار قوله عند التحصيل هو القبيح في العقل إن صدق فيما ادعى ولا قوة إلا بالله. وأما الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل، وأما من ضيع القوة فهو حق أن يكلف مثله ولو كان لا يكلف مثله لكان لا يكلف إلا من يطيع وليس ذلك شرط المحنة، ولا قوة إلا بالله" (١). وقال الكَمَال بن أبي شريف (٢): " (والحل) الذي به يتضح محل النزاع (أن

стр. 558

المراد بما لا يطاق) في قولنا: يمتنع تكليف ما لا يطاق هو (المستحيل لذاته أو) المستحيل (في العادة)، ويتضح ذلك بأن تعلم أن المستحيل ثلاثة أنواع: مستحيل لذاته، وهو المحال عقلًا كجمع النقيضين والضدين، ومستحيل عادة لا عقلًا، كالطيران من الإنسان، و (كما ذكرنا في التكليف بحمل جبل)، ومستحيل لتعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه، أو إخبار الله تعالى بعدم وقوعه، كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، أو من أخبر الله تعالى أنه لا يؤمن. والمراد بقولنا يمتنع التكليف بما لا يطاق: التكليف بالنوعين الأولين، (أما) الفعل (المستحيل) وقوعه (باعتبار سبق العلم الأزلي بعدم وقوعه) من المكلف (لعدم امتثاله) الأمر به حال كونه (مختارًا) عدم الامتثال، (وهو) أي ذلك الفعل (مما يدخل تحت قدرة العبد عادة فلا خلاف في وقوعه)، أي وقوع التكليف به، (كتكليف أبي جهل وغيره من الكفرة) كأبي لهب وأبي بن خلف (بالإيمان مع العلم بعدم إيمانه والإخبار به) " (١). وممن قرره بمثل هذا التفصيل: الفرهاري في النبراس (٢). وفي هذا الكلام تصريح بالمقصود وهو كونهم موافقين بالجملة لأهل السنة في هذه المسألة، والله أعلم.

стр. 559

المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 560

المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته" المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال شيخ الإسلام ﵀: "والله سبحانه خلق الأسباب ومسبَّباتها وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم" (١). وقال ابن القيم ﵀: " [الله] سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا وجعل الأسباب محل حكمته، في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري" (٢). وقال ﵀: "فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه" (٣).

стр. 561

وقال ﵀: "فرب الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب والحكم ما يجعله في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته" (١). وقال مرعي الكرمي ﵀: "فإن الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذا العالم على أسباب ومسبَّبات تناط بتلك الأسباب" (٢). وقال القرطبي ﵀: "وربْطُ الأسباب بالمسبَّبات حِكمتُه وحُكمُه على ما سبق به علمه" (٣).

стр. 562

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة على إثبات الأسباب. أما الكتاب والسنة، فأدلتهما أكثر من أن تحصى، فهما مملوءان من إثبات الأسباب. قال شيخ الإسلام ﵀: "و [القرآن] مملوء بأنه يخلق الأشياء بالأسباب" (١). وقال الإمام المتبحر ابن القيم ﵀: "ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة، بل حقيقة" (٢). وقال أيضًا: "والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرًا وحسًّا وفطرةً وعقلًا، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدة أسفار" (٣). ويمكن تقسيم أدلة الكتاب والسنة إلى أنواع (٤): الأول: أن يرتب الحكم على ما قبله بحرف يفيد التسبب، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي

стр. 563

الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. الثاني: أن يرتب الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. الثالث: أن يرتب الجزاء على شرطه، وهو أكثر من أن يُستوعب، كقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. الرابع: أن يذكر الشيء جزاءً لشيء آخر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤]. الخامس: الأدلة الدالة على التعليل - وقد سبقت -، وذلك لأن مضمون التعليل هو إثبات أن هذا سبب لهذا، لذلك كان من نفى التعليل نفى الأسباب (١)، فمن هنا تتبين العلاقة القوية بين مسألتي الحكمة والأسباب. "وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا

стр. 564

والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (١). وأما السنة، فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) (٢). فأخبر ﷺ أن صلاته سبب لهذا المسبب وهو تنوير قبورهم. وقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁ في قصة مرضه: (ثم لعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون) (٣). فأخبر أن النفع لقوم والضرر لآخرين سيحصل بسببه. وأما الإجماع، فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: "وإلا فالسلف والأئمة متفقون على إثبات الأسباب والحكم، خلقًا وأمرًا" (٤). وقال أيضًا: "والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره، وإثبات الأسباب والقوى" (٥). وقال ﵀ في نفاة الأسباب: "وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وصرائح العقول" (٦).

стр. 565

وأما العقل، فدلالته من وجهين: الأول: أن الأسباب هي شروط للمسبَّبات، ووجود المشروط بدون شرطه ممتنع (١)؛ فوجود المسبَّبات بدون أسبابها ممتنع (٢). الثاني: أنه لا بد للمخلوق من فعل ما ينفعه ودفع ما يضره، وهذان في حقيقة الأمر جماع الأسباب، فلا بد له عقلًا من الإتيان بالأسباب. وأما الحس، فلأننا نشاهد في الوجود ترتب المسبَّبات على أسبابها، ونشاهد عدم استغناء الناس عن الأسباب، ونشاهد كذلك تخلف المسبَّبات عند تخلف أسبابها، فهذا كله يجعل في النفوس ضرورة تقتضي ثبوت الأسباب وأن إنكارها سفَهٌ في العقول، وجحد للمسلَّمات. وأما الفطرة، فلأن المخلوقات - بخلقتها التي خلقها الله عليها - تسعى لتحصيل منافعها ببذل أسبابها، وتسعى كذلك لدفع الشرور بدفع أسبابها من غير أن تتلقى علم ذلك من أحد، فالرضيع يلتقم الثدي ليحصل على اللبن، ويبعد يده عن النار لئلا يحترق. وهذا موجود ملاحظ حتى في غير بني البشر. وبالجملة، "فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء" (٣).
следующие страницы →