← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال ﵀: "فرب الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب والحكم ما يجعله في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته" (١). وقال مرعي الكرمي ﵀: "فإن الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذا العالم على أسباب ومسبَّبات تناط بتلك الأسباب" (٢). وقال القرطبي ﵀: "وربْطُ الأسباب بالمسبَّبات حِكمتُه وحُكمُه على ما سبق به علمه" (٣).

стр. 562

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة على إثبات الأسباب. أما الكتاب والسنة، فأدلتهما أكثر من أن تحصى، فهما مملوءان من إثبات الأسباب. قال شيخ الإسلام ﵀: "و [القرآن] مملوء بأنه يخلق الأشياء بالأسباب" (١). وقال الإمام المتبحر ابن القيم ﵀: "ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة، بل حقيقة" (٢). وقال أيضًا: "والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرًا وحسًّا وفطرةً وعقلًا، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدة أسفار" (٣). ويمكن تقسيم أدلة الكتاب والسنة إلى أنواع (٤): الأول: أن يرتب الحكم على ما قبله بحرف يفيد التسبب، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي

стр. 563

الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. الثاني: أن يرتب الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. الثالث: أن يرتب الجزاء على شرطه، وهو أكثر من أن يُستوعب، كقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. الرابع: أن يذكر الشيء جزاءً لشيء آخر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤]. الخامس: الأدلة الدالة على التعليل - وقد سبقت -، وذلك لأن مضمون التعليل هو إثبات أن هذا سبب لهذا، لذلك كان من نفى التعليل نفى الأسباب (١)، فمن هنا تتبين العلاقة القوية بين مسألتي الحكمة والأسباب. "وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا

стр. 564

والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (١). وأما السنة، فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) (٢). فأخبر ﷺ أن صلاته سبب لهذا المسبب وهو تنوير قبورهم. وقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁ في قصة مرضه: (ثم لعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون) (٣). فأخبر أن النفع لقوم والضرر لآخرين سيحصل بسببه. وأما الإجماع، فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: "وإلا فالسلف والأئمة متفقون على إثبات الأسباب والحكم، خلقًا وأمرًا" (٤). وقال أيضًا: "والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره، وإثبات الأسباب والقوى" (٥). وقال ﵀ في نفاة الأسباب: "وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وصرائح العقول" (٦).

стр. 565

وأما العقل، فدلالته من وجهين: الأول: أن الأسباب هي شروط للمسبَّبات، ووجود المشروط بدون شرطه ممتنع (١)؛ فوجود المسبَّبات بدون أسبابها ممتنع (٢). الثاني: أنه لا بد للمخلوق من فعل ما ينفعه ودفع ما يضره، وهذان في حقيقة الأمر جماع الأسباب، فلا بد له عقلًا من الإتيان بالأسباب. وأما الحس، فلأننا نشاهد في الوجود ترتب المسبَّبات على أسبابها، ونشاهد عدم استغناء الناس عن الأسباب، ونشاهد كذلك تخلف المسبَّبات عند تخلف أسبابها، فهذا كله يجعل في النفوس ضرورة تقتضي ثبوت الأسباب وأن إنكارها سفَهٌ في العقول، وجحد للمسلَّمات. وأما الفطرة، فلأن المخلوقات - بخلقتها التي خلقها الله عليها - تسعى لتحصيل منافعها ببذل أسبابها، وتسعى كذلك لدفع الشرور بدفع أسبابها من غير أن تتلقى علم ذلك من أحد، فالرضيع يلتقم الثدي ليحصل على اللبن، ويبعد يده عن النار لئلا يحترق. وهذا موجود ملاحظ حتى في غير بني البشر. وبالجملة، "فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء" (٣).

стр. 566

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. البحث في هذه القاعدة والتي بعدها هو في مسألة الأسباب، وهي مسألة عظيمة، وتأتي أهميتها من أمور: الأول: أن القيام بها محض العبودية (١). فإن عبودية الله تكون بفعل أوامره، وترك نواهيه، وكلاهما في حقيقة الأمر أسباب يأتي بها العبد وأسباب يتجنبها؛ إذ أنهما أعمال، والأعمال أسبابٌ شرعية يقوم بها العبد لنيل رضوان ربه. فهما محل العبودية من العبد لله ، هذا وجه. ووجه آخر: وهو أن القيام بهذه الأسباب أمرًا ونهيًا - وهذه هي العبودية - لا يكون إلا بالقيام بأسبابها، فالصلاة التي هي أعظم واجبات العبودية بعد التوحيد، - مع كونها سببًا - تحتاج إلى أسباب حتى يتأتى القيام بها. ووجه ثالث: وهو أن هذه الأوامر والنواهي التي يأتي بها العبد بالأسباب هي أسباب للفلاح أو عدمه، فعاد الأمر للأسباب عبودية وجزاءً. الثاني: أنه لا بد للخلق منها، والتجرد منها ممتنع عقلًا وشرعًا وحسًّا (٢). فاتخاذ الأسباب أمر معلوم من الدين بالضرورة؛ لما استفاض وتواتر في النصوص من ترتب النجاة على التقوى والعبادة والطاعة لله ، وهذا ممتنع بدون إثبات الأسباب، لأنها محل العبودية - كما تقدم -. وقد تقدم في الأدلة أن العقل والحس والفطرة مع الشرع قد دل على

стр. 567

إثبات الأسباب، وأن حصول مسبَّباتها بدونها ممتنع، ومعلوم أن تجرد المخلوق عن المسبَّبات ممتنع، فتجرده عن أسبابها ممتنع أيضًا. الثالث: تعلقها بعموم مسائل القدر كالحكمة وخلق الأفعال، والإرادة والاستطاعة وغير ذلك، وكذا تعلقها بمسائل الشرع، بل تعلقها بكل موجود، فـ "الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر" (١). وقبل البدء بشرح هذه القاعدة لا بد من الكلام على ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: تعريف الأسباب والمسبَّبات. السَّبَبُ لغة: هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء (٢). وأما المسبَّب فهو: الأمر الحاصل عن السبب، فالولد مسبَّب والنكاح سبب، والشبع مسبَّب والأكل سبب، وهكذا. المقدمة الثانية: أقسام الأسباب. تنقسم الأسباب بعدة اعتبارات: باعتبار العادة وخلافها، فتنقسم إلى: - أسباب مألوفة: وهي الأسباب التي يعرفها عامة الناس ويعهدونها، كالبذر للزرع، والجماع للولد ونحو ذلك.

стр. 568

- أسباب غير مألوفة: وهي الأسباب التي لا تعهد عند أكثر الناس أو كلهم، مثال الأول: إيقاد النار من غصني المَرْخ والعَفَار (١)، ومثال الثاني: خلق عيسى من أم ولا أب. باعتبار الشرعية وغيرها، فتنقسم إلى: - أسباب شرعية: وهي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالشرع سواء ترتب عليها مسبَّبات شرعية أو دنيوية. فمثال الأول: الحج المبرور سبب لغفران الذنوب، كما قال ﷺ : (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه) (٢). ومثال الثاني: قول النبي ﷺ : (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) (٣). ومن الأشياء ما ثبتت سببيته بغير الشرع، ثم أكد الشرع هذه السببية، كالحجامة لصحة الجسم؛ فقد ثبتت سببيتها قبل الشرع، ثم أكد النبي ﷺ على سببيتها وأمر بها، كما في قوله ﷺ : (الحجامة على

стр. 569

الريق أمثل، وفيه شفاء وبركة، وتزيد في العقل وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس. . .) (١). - أسباب كونية: وهي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالتجربة والحس ونحو ذلك من الأمور الكونية. فمثال ما ثبت بالتجربة: استفراغ المؤذي سبب لصحة البدن، ومثال ما ثبت بالحس: الماء سبب لنمو النبات. باعتبار الدنيا والآخرة، فتنقسم إلى: - أسباب دنيوية: وهي التي يتوصل بها إلى مسبَّبات دنيوية، كالماء سبب للري، والأكل سبب للشبع. - أسباب أخروية: وهي التي يتوصل بها إلى مسبَّبات أخروية، كبناء مسجد سبب في بناء بيت في الجنة، قال النبي ﷺ : (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها؛ بنى الله له بيتًا في الجنة) (٢). ومن هذا الباب سائر الأعمال التي هي أسباب لدخول الجنة. باعتبار الحكم الشرعي، فتنقسم إلى: - أسباب واجبة: وهي الأسباب التي أمر الشارع بها العباد على وجه اللزوم، في دينهم ودنياهم من صلاة وزكاة وصوم وصدقة وأمر

стр. 570

بالمعروف ونهي عن المنكر، وكذا الأسباب التي تحفظ الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال. - أسباب مستحبة: وهي الأسباب التي أمر الشارع بها العباد من غير إلزام، في دينهم ودنياهم، فالأول مثل نوافل الصلاة والصدقات والصوم والحج وسائر المستحبات الشرعية، والثاني: مثل الوضوء بين الجماعين المتتابعين. - أسباب مباحة: وهي الأسباب التي أباحها الشارع للعباد فلم يوجبها ولم يستحبها، وكذا لم يحرمها ولم يكرهها، مثل ما يكون من أسباب المعاش من طعام وشراب ولباس وما شابه. وهذه الإباحة هي بالنظر إلى ذات السبب، وتلتحق بأحد الأحكام الأربعة بالنية. - أسباب مكروهة: وهي الأسباب التي نهى عنها الشارع لا على سبيل اللزوم، كالشرب قائمًا وكفضول الطعام والشراب واللباس والنوم. - أسباب محرمة: وهي الأسباب التي نهى عنها الشارع جزمًا، إما لضررها على الدين أو على الدنيا فيما يتعلق بالضرورات الأربع بعد الدين، وهذا التحريم أنواع: أولها: تحريم الشرك، وهو على ضربين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وكل منهما على أنواع، وهذان أعظم أنواع المحرمات. ثانيها: تحريم البدعة، سواء بدع العبادات أو العقائد، وهي أكثر من أن تحصر.

стр. 571

ثالثها: تحريم المعصية، سواء الكبائر منها أو الصغائر، وسواء كانت عن فعل أو ترك. المقدمة الثالثة: أحكام الأسباب. للأسباب أحكام لا تنفك عنها، منها: أولًا: أن ثبوتها متوقف على الدليل؛ الشرعي فيما مسبَّبه شرعي، والكوني فيما مسبَّبه كوني، على ما تقدم. وجعل الشيء سببًا بدون دليل أمر محرم، قال شيخ الإسلام ﵀: "لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم، أو يخالف الشرع؛ كان مبطلًا" (١). ثانيًا: أنه يمتنع التجرد منها عقلًا وشرعًا وحسًّا، على ما تقدم؛ إذ لا يمكن قيام شيء من أمر الدنيا والآخرة إلا بالأسباب، فالله الخالق لكل شيء خلق هذه المسبَّبات مقرونة ومربوطة بأسبابها، فيمتنع وجودها بدونها عادةً، بل لا يتصور الفصل بينهما إلا كما يتصور الفصل بين المشروط وشرطه، وبطلان هذا معلوم بداهةً، إذ يمتنع وجود الشيء مع فقد بعض شروطه الوجودية كما تقدم (٢). ثالثًا: أن لها تأثيرًا في وجود مسبَّباتها، وليست علامة محضة عليها. رابعًا: أنها لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من وجود المعاون ودفع المانع. هذان الحكمان محلهما القاعدة الآتية.

стр. 572

وهذه القاعدة تتضمن مسألتين: المسألة الأولى: معنى ربط الأسباب بالمسبَّبات. معنى ذلك أن الله جعل كل شيء من أمر الدنيا والآخرة، ومن أمور الشرع والقدر قائمًا على الأسباب متعلقًا بها، يتوقف وجوده على وجودها. فالوصولى إلى أي مسبَّب شرعي أو كوني موقوف على تحصيل سببه، كما يتوقف حصول المشروط على تحقق شرطه. قالى ابن القيم ﵀: "فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة، كل ذلك مرتبطًا بالأسباب قائمًا بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر" (١). وقال ﵀: "فالأسباب هي مجاري الشرع والقدر، فعليها يجري أمر الله الكوني والديني" (٢). وارتباط الأسباب بمسبَّباتها يكون على وجهين: الأول: ارتباط حسي مشاهد، وهذا في الأسباب الدنيوية، سواء كانت كونية أو شرعية، فمثال الأول: ارتباط الري بالشرب، والولد بالنكاح، ومثال الثاني: ارتباط النصر والتمكين بإقامة الدين.

стр. 573

الثاني: ارتباط غيبي، وهذا في الأسباب الأخروية، كارتباط صحبة النبي ﷺ في الجنة بكفالة اليتيم، وكارتباط دخول الدرك الأسفل بالنفاق. والمقصود بالغيب هنا الغيب المطلق، وإلا فكثير من الأسباب الدنيوية يدخلها الغيب النسبي. فنيل أي شيء شرعي أو كوني موقوف على تحصيل سببه. وافتقار المسبَّب إلى سببه لا يعني انتفاء قدرة الله على خلقه بدون سببه، بل هو سبحانه قادر على ذلك، كما خلق آدم ﵇ بلا أبوين بل بـ (كن)، وكما خلق عيسى ﵇ كذلك بدون أب، فالله خالق للسبب والمسبَّب، وهو خالق كل شيء، وما من شيء إلا وهو مخلوق مربوب له سبحانه. قال ابن القيم ﵀: "بل الأسباب محل حكم الله ورسوله، وهي في اقتضائها لمسبَّباتها شرعًا على وزان الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبَّباتها قدرًا، فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره، وهما خلقه وأمره، والله له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق الله ولا تغيير لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها، بل يجريها على أسبابها وما خلقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شرعت له، بل هذه سنته شرعا وأمرًا وتلك سنته قضاء وقدرًا" (١). المسألة الثانية: الأسباب هي محل الحكمة. خلق الله المخلوقات كلها على أتم ما يكون من التناسق والانتظام، فلا خلل ولا تفاوت، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾

стр. 574

[السجدة: ٧]، قال مجاهد ﵀: "أتقن كل شيء خلقه" (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]. قال الطبري ﵀: "الذي خلق الأشياء فسوى خلقها وعدلها، والتسوية التعديل" (٢). وقال ابن كثير ﵀: "أي خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات" (٣). وكذلك شرعه ، فإنه على أحسن ما يكون من الائتلاف والانسجام، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، قال قتادة: "أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وأن قول الناس يختلف" (٤). وقال الطبري ﵀: "أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض" (٥). وهذا التناسق والائتلاف مرجعه إلى صدوره عن الله ، بكونه منوطًا

стр. 575

بالحكم مبنيًا على الأسباب. وإناطته بالحكم سببها بناؤه على الأسباب؛ إذ لو قدر خلو المسبَّب عن الأسباب وإمكان وجوده بدونها؛ لفاتت الحكم والغايات التي قرنها الله به. فالحكمة غاية الفعل، والأسباب طريقها ومجراها، لأن حقيقة الحكمة أن هذا الأمر سبب لهذا الأمر، فلولا الأسباب لما صح التعليل، ولانتفت الحكمة (١). والحاصل أن الله خلق المسبَّبات وخلق أسبابها مرتبطةً بها لا انفكاك لها عنها، وجعل هذه الأسباب مظاهر حكمته، والله أعلم.

стр. 576

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعد، والرد عليهم. ارتباط الأسباب بمسبباتها لم يخالف فيه أحد من المنتسبين للإسلام من حيث الأصل، لكن وجد منهم من عارض بينها وبين التوكل، وهم المتصوفة، فجعلوا التوكل ترك الأسباب. قال سَهْل بن عبد الله التسْتري (١): "المتوكل إذا رأى السبب فهو مدع" (٢)، أي غير صادق فيما ادعاه من توكل. ونحوه كذلك عن أبي يعقوب السُّوسِي (٣). وروى القشيري عن ذي النون المصري أنه سئل عن التوكل فقال: "خلع الأرباب وقطع الأسباب" (٤). وسئل أبو عبد الله القُرَشي عن التوكل فقال: "ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك" (٥). وللمتصوفة في ذلك من الأقوال والقصص الشيء الكثير. والحق أن التوكل من جملة الأسباب المؤدية إلى المراد، بل هو من أعظم

стр. 577

الأسباب، والتوكل الصحيح لا ينافي اتخاذ الأسباب المشروعة. قال ابن القيم: "فإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق" (١). وهؤلاء لا يمكنهم طرد قولهم، إذ لا بد لهم من الإتيان بالأسباب من طعام وشراب ونوم ونكاح وغيرها (٢).

стр. 578

المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 579

المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة" المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال شيخ الإسلام ﵀: "ومذهب الفقهاء أن السبب له تأثير في مسبَّبه؛ ليس علامة محضة" (١). وقال ﵀: "بل جمهور أهل السنة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة. . . وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية؛ بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب وينبت النبات بالماء، ولا يقولون إن القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون أن لها تأثيرًا، لفظًا ومعنًى" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر

стр. 580

قدرته ومشيئته" (١) وقال مرعي الكرمي ﵀: "والحاصل أن الأسباب وتأثيرها بمشيئة الله مما لا ينكر وإن كان الله تعالى هو خالق السبب والمسبب" (٢).

стр. 581

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. تضمنت هذه القاعدة جزئيتين: الأولى: تأثير السبب. الثانية: أنه غير مستقل بالتأثير. أما الجزئية الأولى، فيدل على هذه القاعدة ما يدل على القاعدة السابقة من أدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والحس والعقل، إذ هذه القاعدة متممة ومكملة لها. ووجه الدلالة منها أن إثبات سببيتها يقتضي إثبات أنها مؤثرة، إذ لا معنى لكونها سببًا لا في اللغة ولا في الشرع ولا في العقل ولا في الحس ولا في الفطرة؛ إلا أنها مؤثرة. أما في اللغة، فلما تقدم من أن السبب هو ما يتوصل به إلى الشيء، كالدلو لماء البئر، والسُّلَّم للسطح، ومعلوم أنه لولا الدلو والسُّلَّم لما تمكن الفاعل من أخذ الماء وارتقاء السطح، فدل على أنهما مؤثرين في ذلك. وأما في الشرع، فلأن الشارع رتب الأحكام على أسبابها في الدنيا والآخرة؛ فرتب القصاص على القتل، والضمان على الإتلاف، واستحقاق الغنائم على القتال، ولو لم تكن هذه الأسباب مؤثرة في مسبَّباتها مقتضية لها لما كان لهذا الترتيب معنى، وللزم منه الطعن في حكمة الله وعدله، وأنه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، ولذلك كان من نفى الأسباب نافيًا للحكمة، وواصفًا الله بما ينافي عدله (١).

стр. 582

قال ابن الجوزي ﵀: "فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة" (١). وأما في العقل، فلأن السبب مع مسبَّبه كالشرط مع مشروطه، لا يمكن أن يتأخر الشرط عنه، كما لا يمكن أن يوجد المشروط بدونه. فكذلك السبب؛ لا يمكن أن يتأخر عن المسبَّب فيوجد المسبَّب ولمَّا يوجد السبب بعد، كما لا يمكن أن يوجد المسبَّب بدون سببه أصلًا. وهذا يدل ضرورةً على أنه مؤثر، إذ لو كان مجرد علامة على المسبَّب غير مؤثر فيه لأمكن وجود المسبَّب مع تأخره عنه، لأن علامة الشيء يصح تأخرها وتقدمها عليه، كما يصح وجوده من دونها، وهذا ظاهر البطلان. وأما في الحس، فلأننا نشاهد أسبابًا سلبت قواها المؤثرة فلم توجد مسبَّباتها - مع عدم خروجها عن مطلق السببية -، كماء الرجل العقيم، فهو باق على سببيته، لكنه سلب خاصية الإخصاب، فلم يعد مؤثرًا في الحمل، فلذلك لا يحصل الحمل حتى مع وجوده. ولو كان الماء غير مؤثر أصلًا في حصول الحمل، بل هو علامة عليه لما تخلف الحمل، ولما كان لسلب خاصيته أثر في ذلك. وأوضح منه ما قصه الله سبحانه علينا من قصة إبراهيم وإلقائه في النار، وانقلابها عليه بردًا وسلامًا، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨، ٦٩]. فلم تخرج النار عن كونها نارًا، ولكن سلبت خاصيتها وقوتها فلم تؤثر

стр. 583

بالإحراق، بل وانقلبت إلى ضده من البرد (١). وأما في الفطرة، فلأن المؤاخذة بالذنب أمر مستقر في فطر الخلق، فلا ينفع المسيءَ اعتذارُه بكون فعله مجرد أمارة على حصول الإساءة، وليس له تأثير فيها، بل يزيده ذلك جرمًا ويكون سببًا لمزيد العقوبة عليه، لكونه استخف بفطر الناس وعقولهم، ولو كان صادقًا في كونه غير مؤثر في الإساءة لعُذر ولم يعاقَب. وأما الجزئية الثانية، فيدل عليها الكتاب والسنة والإجماع والحس. أما الكتاب: ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥، ٥٦]. فذكرهم لا يمكن وجوده - مع إتيانهم بأسبابه - إلا أن يشاء الله، ولو كان سببًا تامًا لما توقف على المشيئة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠، ٣١]. فأخبر سبحانه أن مشيئة العبد - التي هي سبب من أسباب الفعل - متوقفة في حصولها على مشيئة الله ، وأنها لا يمكن أن تحصل بدونها. وهذا من أظهر ما يكون من الدلالة، لأنه إذا كان السبب متوقفًا في وجوده على مشيئة الله، فتوقف تأثيره على المشيئة من باب أولى. وأما السنة، فمثل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت

стр. 584

دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) (١). فقيد النبي ﷺ نيل الموحدين لشفاعته في الآخرة - التي هي سبب لمغفرة الذنوب ونيل الخيرات - بمشيئة الله ، فدل على أنها سبب غير تام، وهذا مع كونها من أقوى الأسباب في تحقيق مسبَّبها - كما لا يخفى - والله المستعان. بل قيد النبي ﷺ وجود السبب نفسه الذي هو تخبئة الشفاعة إلى يوم القيامة بمشيئة الله - كما في لفظ آخر للحديث - بقوله: (فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) (٢). فإذا كان السبب لا قيام له بنفسه، ولا وجود بغير مشيئة الله، فكيف يكون له تأثير تام في مسبَّبه إلا بمشيئته ؟ وأما الإجماع، فممن حكاه شيخ الإسلام، قال ﵀: ". . . وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه، وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى. . . وهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها" (٣). وأما الحس: فلأننا نشاهد تخلف المسبَّبات مع انعقاد أسبابها، ولو كانت أسبابها موجبة لها بمجردها لما تخلفت.

стр. 585

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. هذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة السابقة ومتممة لها، إذ من مقتضى إثبات سببية الشيء إثبات أنه مؤثر؛ إذ لا معنى للسبب إلا أن يكون مؤثرًا في مسبَّبه - كما تقدم -. وقبل الشروع في بيانها لا بد من بيان معنى التأثير. التأثير لغةً: مصدر أثر، وهو: إبقاء الأثر في الشيء. يقال: أثَّر في الشيء: أي ترك فيه أثرًا، والأثر هو بقية الشيء والجمع آثار وأُثُور (١). وهذه القاعدة متضمنة لمسائل أربع: المسألة الأولى: ثبوت تأثير الأسباب. والكلام فيها في مقامين، عام وخاص. أما المقام العام: فهو في ثبوت تأثير الأسباب على وجه العموم. فقد خلق الله المخلوقات وأودع فيها قوى وطبائع؛ فجعل في الماء قوة التبريد، وفي النار قوة الإحراق، وفي الطعام قوة الإشباع وهكذا، ولهذه القوى خصيصة وهي أنها ذاتية في الشيء؛ فالإبصار في العين وصف ذاتي لها؛ فهي مبصرة بخلقتها التي خلقها الله عليها. فالتأثير المراد هنا هو التأثير الكامن في الأسباب، قبل أن تلاقي مسبَّباتها؛ وهذا هو التأثير بالقوة، فإذا لاقتها، أثرت فيها تأثيرًا خاصًّا، وهو: المقام الخاص: التأثير بالفعل، وهو تأثير السبب في المسبَّب المعين على

стр. 586

وجه الخصوص. فإن النار مثلًا إن لاقت محلًّا يصلح لأثرها أثرت فيه بالإحراق، والإحراق قوة فيها، وكذا الطعام؛ فيه قوة الإشباع، فإذا أكل أثَّر في الآكل بالإشباع. وإثبات تأثير الأسباب هو معنى كونها ليست علامة محضة، وسيأتي في المطلب القادم حكاية هذا القول عن طائفة من أهل الأهواء. المسألة الثانية: مقدار التأثير. إذا ثبت أن للأسباب تأثيرًا في المسبَّبات، فما مقدار هذا التأثير؟ وقبل الجواب على هذا السؤال لا بد من معرفة أن التأثير لفظ مشترك بين معنيين (١): الأول: التأثير التام في المسبَّب، بحيث يلزم من وجودِه وجودُ المسبَّب ومن عدَمِه عدَمُه، وهذا معنى كونه علة تامة. الثاني: التأثير الناقص أو الجزئي، بحيث لا يلزم منه وجود المسبَّب، بل قد يعدم مع وجوده. والذي يثبت للأسباب من ذلك الثاني دون الأول، إذ لا مؤثر تام إلا مشيئة الله ، وما عداها فلا يعدو أن يكون مجرد سبب أو جزء سبب من أسباب كثيرة يكون بها الفعل، وهذا السبب لا بد له مع المعاونة من صرف الموانع. فالأسباب لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من وجود المعاون ودفع المانع. فالماء سبب للزرع، وهو جزء من مجموعة أسباب كصلاح التراب

стр. 587

واعتدال الهواء ووجود نور الشمس وغير ذلك، وله موانع كفساد البذر، وشدة الحرارة وغير ذلك مما لا يحصى. قال شيخ الإسلام ﵀: "فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له، وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى" (١). وقال ابن القيم ﵀: "قاعدة: ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير، بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه، وانتفاء مانع يمنع تأثيره" (٢). بل السبب نفسه من نعم الله ، وهو المتفضل به، كما أن المسبَّب من نعمه، وهو قادر على الإنعام بالمسبَّب بدون هذا السبب، أو بدون غيره من الأسباب، وهو قادر كذلك على سلب سببيته، وكذا معارضته بمانع، بل قادر على أن يرتب عليه ضد مقتضاه (٣). وهنا مسألة مهمة، وهي إن كان المقدور قد سبق فما فائدة الإتيان بالسبب؟ والجواب أن هذا المقدور قد قدر بأسبابه ولم يقدر مجردًا عنها، فكل من الأسباب والمسببات قد سبق بها القدر، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع بالأكل، والري بالشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر دخول الجنة بالأعمال، وقدر دخول

стр. 588

النار بالأعمال (١). المسألة الثالثة: ثبوت تأثير الأسباب لا ينافي التوحيد، بل يقرره ويؤيده. أما كون ذلك لا ينافي التوحيد فلأمور: الأول: أن هذه الأسباب إنما وجدت بإيجاد الله سبحانه لها ولولا مشيئته لها لما وجدت. الثاني: أنه سبحانه هو الذي نصبها طرقًا موصلة إلى مسبباتها، وهو سبحانه الذي أودع فيها القوة التي بها تؤثر في مقدورها، فالكل منه سبحانه. الثالث: أن تأثيرها ليس تامًّا، بل ناقصٌ جزئيٌّ، وهو محتاج مع ذلك إلى أسباب أخرى معينة، ومحتاج إلى دفع الموانع، وما كان كذلك امتنع أن يكون له من نفسه شيء. قال ابن القيم ﵀: "ويا لله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها، كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم، وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلَّى بينها وبين اقتضائها لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا؛ فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟ " (٢). وأما كونه مقررًا للتوحيد، فلأمور كذلك:

стр. 589

الأول: أن الأسباب هي دلائل التوحيد، فبها عرف الله سبحانه، فعرفت ربوبيته، وعرفت أسماؤه وصفاته، وعرف استحقاقه للعبادة. الثاني: أن الأسباب هي محل التوحيد، فبها يُعبد الله سبحانه ويُوحد، وبها يجازي على التوحيد. فعاد أمر التوحيد إلى الأسباب، ولذلك كان القرآن - الذي أنزل لتقرير التوحيد، وكل آية فيه متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه (١) - مملوءًا بذكر الأسباب، بل هو من أعظم الكتب إثباتًا للأسباب (٢). قال ابن القيم ﵀: "وبالأسباب عرف الله، وبها عُبد الله، وبها أطيع الله، وبها تقرب إليه المتقربون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته، وبها نصر حزبه ودينه وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي، ومهتد وغوي" (٣). المسألة الرابعة: ثبوت تأثير الأسباب لا يعني الاعتماد عليها. إذا ثبت أن للأسباب تأثيرًا في مسبباتها، وأنه لا بد من الأخذ بها، وأن الاستغناء عنها ممتنع؛ فيجب أن يعلم أنه لا يجوز الركون إليها والاعتماد عليها في تحصيل المسببات دون الله سبحانه، فلا يطمئن إليها ولا يثق بها ولا يرجوها ولا يخافها، بل يأتي بها، مع اعتماد القلب على خالقها وهو الله . وذلك لأن هذه الأسباب لا تعدو كونها جزءًا من أسباب الفعل، والسبب

стр. 590

التام والعلة الحقيقية هي مشيئة الله سبحانه، وإذا شاء الله أوجد المسبب بدون هذا السبب، بل إذا شاء سبحانه جعله على ضد مقتضاه - كما تقدم - (١). فها هنا أربع مراتب: الأولى: الاعتماد على الأسباب، والالتفات بالقلب إليها. الثانية: محوها من أن تكون أسبابًا وإنكارها. الثالثة: الإعراض عنها وإهمالها. الرابعة: الإتيان بها، وتنزيلها منازلها، ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، مع تعلق القلب بخالقها سبحانه دونها. فالأولى: شرك في التوحيد، والثانية: نقص في العقل، والثالثة: مخالفة للشرع وقدح فيه، والرابعة هي مقتضى التوحيد والشرع والعقل. وهذا معنى قول بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع (٢). والحاصل أن الأسباب مؤثرة على الحقيقة في إيجاد مسبباتها تأثيرًا ناقصًا

стр. 591

غير تام، وأن إثباتها غير قادح في التوحيد بل مقررٌ له، وأن الواجب تنزيلها منزلتها بلا وكس ولا شطط، والله أعلم.

стр. 592

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة والرد عليهم. خالف أهل السنة في هذه القاعدة: الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة. أما الفلاسفة؛ فمذهبهم أن السبب مقتض ضرورةً لمسببه، وأنه يصدر عنه بلا اختيار ولا إرادة. وهم يبنون مذهبهم في الأسباب على نظرية الفَيْض أو الصُّدُور الأفلوطينية، والصدور والفيض مصطلحان مترادفان (١)، فالفيض هو: القول بأن العالم يفيض عن الله كما يفيض النور عن الشمس، أو الحرارة عن النار فيضًا متدرجًا (٢)، والصدور هو: فيض الموجودات عن الواحد أو الخير، لأن الواحد عندهم يحدث العقل، ثم يحدث النفس، والعالم، والموجودات الفردية، على سبيل التتابع، مرتّبة بعضها فوق بعض (٣). فنظرية الفيض عند الفلاسفة مقابلة لعقيدة الخلق عند أهل الأديان (٤)، فعند هؤلاء أن الله سبحانه خلق العالم، وعند الفلاسفة أن العالم فاض عنه بلا إرادة ولا مشيئة منه لذلك. قال الفَارَابي (٥): "القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه: والأول

стр. 593

هو الذي عنه وُجد، ومتى وُجد للأول الوجود الذي هو له؛ لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره، على ما هي عليه من الوجود، الذي بعضه مشاهد بالحس، وبعضه معلوم بالبرهان، ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو" (١). وقد حكى ابن رشد اتفاق الفلاسفة فقال: "وأما كون المبادئ المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول، وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحدًا، وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلًا واحدًا، كالحال في بدن الحيوان المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحدًا وموجودًا بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول؛ فأمر أجمعوا عليه، لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد" (٢). وكون الوجود يفيض عن الباري سبحانه بالطبع لا بقصد منه لا ينافي معرفته به ورضاه، قال ابن سينا: "وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع، بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ولا رضًا منه، وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته؛ فيجب أن يعقل أنه يلزم وجود الكل عنه، لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلًا محضًا ومبدأ أولَ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه وليس في

стр. 594

ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه. . . فالأول راض بفيضان الكل عنه" (١). فالفلاسفة يرون أن علم الله سبحانه سبب الموجودات، ويرون أن علمه سبحانه بالأشياء كُلِّيٌّ لا يتغير، قال ابن سينا: "العلم في الأول غير مستفاد من الموجودات، بل من ذاته، فعلمه سبب لوجود الموجودات، فلا يجوز على علمه التغيير" (٢). فبناء على علمه صدر عن ذاته العقل الأول، ثم عن العقل الأول العقل الثاني وهكذا، إلى أن وصلت السلسلة إلى العقل العاشر الذي هو الفعال (٣)، فصدور الأشياء كان على حسب نظام الكون الصادر عن ذاته، على حسب علمه بواسطة العقول إلى أن ينتهي إلى العقل العاشر الذي يدبر المخلوقات، فبناء على ذلك كان اقتضاء السبب لمسببه ضروري وإلا لزم القدح في علمه تعالى. قال ابن سينا: "وقد بان لنا فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة العدد، فليست إذن موجودة معًا عن الأول، بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأول عنه، ثم يتلوه عقل وعقل. . . وكذلك الحال في عقل عقل وفلك فلك، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا" (٤). فعند الفلاسفة أن مدبرنا هو العقل الفعال لا الرب سبحانه، بل يزيد الفارابي على ذلك بأن يزعم أن العقل الفعال هو جبريل ﵇ فيقول:

стр. 595

"والعقل الفعال فِعله العناية بالحيوان الناطق والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال الذي للإنسان أن يبلغه، وهو السعادة القصوى. . . والعقل الفعال هو الذي ينبغي أن يقال إنه الروح الأمين وروح القدس، ويسمى بأشباه هذين من الأسماء ورتبته تسمى الملكوت وأشباه ذلك من الأسماء" (١). فأصل شبهتهم في ذلك قولهم بالفيض وصدوركل شيء عن الشيء الذي قبله دون إرادة واختيار، فالنار تحرق بطبعها والماء يروي بطبعه والإحراق والإرواء ضروريان لازمان لا يمكن تخلفهما، وقولهم بالاقتضاء الضروري كان نتيجة لنفيهم علم الله سبحانه بالجزئيات، وزعمهم بأن علمه كلي لا يتغير - كما تقدم -. وقد فرق الفلاسفة بين الإنسان وسائر الموجودات في ذلك، قال ابن رشد: "جميع الموجودات تطلب غايتها بالحركة ونحوه، وهي الحركة التي تطلب بها غايتها التي من أجلها خلقت، وذلك بيِّن؛ أما جميع الموجودات فبالطبع، وأما الإنسان فبالإرادة" (٢). ولا يعكر على هذا التقرير ما قاله الفارابي في "مقالة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم" (٣): "قد يظن بالأفعال والآثار الطبيعية أنها ضرورية كالإحراق في النار والترطيب في الماء والتبريد في الثلج، وليس الأمر كذلك، لكنها ممكنة على الأكثر؛ لأجل أن الفعل إنما يحصل باجتماع

стр. 596

معنيين: أحدهما: تهيؤ الفاعل للتأثير، والآخر تهيؤ المنفعل للقبول، فحيثما لم يجتمع المعنيان؛ لم يحصل فعل ولا أثر البتة، كما أن النار وإن كانت محرقة؛ فإنها متى ما لم تجد قابلًا متهيأً للاحتراق لم يحصل الاحتراق، وكذلك الأمر في سائر ما أشبههما، وكلما كان التهيؤ في الفاعل والقابل جميعًا أتم؛ كان الفعل أكمل، ولولا ما يعرض من التمنع في المنفعل لكانت الأفعال والآثار الطبيعية ضرورية". وذلك لأن الخصومة مع الفلاسفة ليست في تأثير الأسباب بما أودعه الله سبحانه فيها من قوى وطبائع، فهذا شيء وافقوا فيه أهل السنة، وإنما في كون هذا التأثير من نفسها، وليس لمشيئة الله سبحانه فيها أثر، ومن هنا فارق قولُ المعتزلة قولَ الفلاسفة، فالمعتزلة يثبتون مشيئة الله سبحانه وخلقه - لما سوى أفعال العباد - كما سيأتي. ووجه آخر وهو أن كون السبب مقتض لمسببه ضرورة لا ينافي في حقيقة الأمر اشتراط وجود المحل، فالقول إن الإحراق في النار ضروري لا ينافي أنه يلزم وجود ما تحرقه النار من خشب أو قطن ونحوه، وإنما ينافي تخلفَ الإحراق عند وجود المحل وانتفاء المانع كما تخلف الإحراق في قصة إبراهيم ﵇، فعلى تقريرهم أنه يجب أن تحرق النارُ إبراهيم، لأنهم لا يثبتون مشيئة الله سبحانه ولا إرادته ولا خلقه للإحراق، وعند أهل السنة جاز ذلك لتخلف الشرط الأصلي والسبب التام وهو مشيئة الله سبحانه. والقول بالفيض وما بني عليه من الاقتضاء الضروري بين الأسباب والمسببات كلاهما باطل من كل وجه وهو مناف لأصل الدين ومضاد لربوبية الله سبحانه وشمول علمه وكونه الخالق لكل شيء وأنه لا شيء إلا بإرادته.

стр. 597

وأما المعتزلة؛ فمذهبهم في الأسباب وتأثيرها موافق - فيما ظهر لي - في الجملة لمذهب أهل السنة، فإنهم يقرون بما أودع الله من قوى وطبائع في الأشياء، فيقرُّون أن في النار قوة تحرق بها ما تلاقيه مما يصلح للإحراق، وأن في الطعام قوة الإشباع، وهكذا، وأن ذلك بمشيئة الله سبحانه وخلقه. قال القاضي عبد الجبار: "السبب يوجب المسبب إذا احتمله المحل، ولا يوجب إذا لم يحتمله" (١). وقال أيضًا: "إن الأصل في السبب أن يوجب المسبب إذا كان المحل محتملًا له، وإنما نعدل عن ذلك بدلالة" (٢). ففي كلام القاضي أن للسبب شروطًا وموانع، وهذا - مع ما هو معروف من مذهبهم من إثبات مشيئة الله سبحانه وخلقه - يثبت تأثير السبب وينفي كونه علة تامة. إلا أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة في باب الأسباب إنما هي في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك، ولم يجعلوا قدرة العبد ومشيئته أسبابًا من جملة أسباب تؤثر بمشيئة الله في إيجاد المسبب. فمذهبهم في هذا مبني على مذهبهم في خلق الأفعال، وقد تقدم إبطاله

стр. 598

وبيان أن قدرة العبد ومشيئته لا تعدو كونها جزءًا من أجزاء السبب الذي يخلق الرب سبحانه به فعل العبد. إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في الفعل المتولد، بناء على اختلافهم في فاعله، فمن أثبت التوليد وهم جمهور المعتزلة؛ ألحقه بالفعل المباشر، وجعل مشيئة العبد وقدرته موجبة له وعلة تامة فيه، ومن نفى التوليد نفى ذلك. قال الأشعري ﵀: "واختلفوا [أي المعتزلة] في السبب، هل هو موجب للمسبب أم لا على مقالتين: فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولد: الأسباب موجبة لمسبباتها. وقال الجبائي: السبب لا يجوز أن يكون موجبًا للمسبب، وليس الموجب للشيء إلا من فعله وأوجده" (١). وذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وقالوا بأن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة اقتران عادي، أي أن الله سبحانه أجرى العادة أن يوجد المسبب عند وجود سببه لا به. وقد قرر هذا الباقلاني ومما قاله: "فأما ما يهذون به كثيرًا من أنهم يعلمون حسًّا واضطرارًا أن الإحراق والإسكار الحادثين واقعان عن حرارة النار وشدة الشراب؛ فإنه جهل عظيم" (٢). وقال الغزالي في مناقشة قول الفلاسفة بالطبع: "فما الدليل على أنها [أي

стр. 599

الأسباب] الفاعل؟! وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عندها ولا تدل على الحصول بها، وأنه لا علة له سواها. . . فقد تبين أن الوجود عند الشيء لا يدل على أنه موجود به" (١). وقال الجرجاني في تعريف السبب في الشرع: "عبارة عما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه" (٢). كما نقل اتفاق الأشاعرة على هذا، فقال: "فإن كثيرًا من الأسباب العادية كذلك مع الاتفاق على أنها غير مؤثرة أصلًا، ألا ترى أنا إذا علمنا ملاقاة النار للقطن؛ علمنا احتراقه وإن لم نعلم شيئا آخر غير الملاقاة، وإذا علمنا أن البدن الصحيح يتناول الغذاء الجيد؛ علمنا حصول الشبع وإن لم نعلم غير التناول، مع اتفاقنا على أن الاحتراق والشبع إنما يحصلان بفعل الله تعالى ابتداءً من أن يكون (٣) للملاقاة والتناول مدخل فيهما بالتأثير، وأنت خبير بأن هذا الاتفاق إنما هو بين الأشاعرة" (٤). وقال السنوسي: "ومنها تعلم أن اختياره لإيجاده ممكنًا مع ممكن آخر كاختياره جل وعلا إيجاد الشبع مع الأكل، والري مع الشرب، والإحراق مع النار، وتفريق الأجزاء مثلًا مع حد السيف وحز العضو، والمقدور مع القدرة الحادثة ونحو ذلك مما لا ينحصر؛ لا يدل جميع ذلك على أن لتلك الأمور المقارنة تأثيرًا فيما اقترنت به لا استقلالًا ولا معاونة، بل

стр. 600

وجودها وعدمها بالنسبة للتأثير سواء، وإيجاده جل وعلا الممكن مع ممكن يقارنه كإيجاده له تعالى منفردًا بدون مقارنة ممكن آخر" (١). وقال البيجوري: "ومنها يعلم بطلان دعوى أن شيئًا يؤثر بطبعه أو بقوة فيه، فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو بقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله، لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًّا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًّا بحيث يصح تخلفها فهو المؤمن الناجي إن شاء الله تعالى" (٢). وهذا عندهم شامل للأسباب القدرية والشرعية، قال الجرجاني: "وأما الثواب والعقاب المترتبان على الأفعال الاختيارية؛ فكسائر العاديات المترتبة على أسبابها بطريق العادة من غير لزوم عقلي واتجاه سؤال" (٣). وقد ترتب على إنكار الأشاعرة لتأثير الأسباب مسائل منها: الأولى: نفيهم تأثير قدرة العبد ومشيئته في الفعل، وقد تقدم ذلك. الثانية: نفيهم للحكمة، وزعمهم أن الله يفعل لمحض الإرداة وصرف المشيئة، يعني نفي السببية في أفعال الله سبحانه.
следующие страницы →