← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

معنيين: أحدهما: تهيؤ الفاعل للتأثير، والآخر تهيؤ المنفعل للقبول، فحيثما لم يجتمع المعنيان؛ لم يحصل فعل ولا أثر البتة، كما أن النار وإن كانت محرقة؛ فإنها متى ما لم تجد قابلًا متهيأً للاحتراق لم يحصل الاحتراق، وكذلك الأمر في سائر ما أشبههما، وكلما كان التهيؤ في الفاعل والقابل جميعًا أتم؛ كان الفعل أكمل، ولولا ما يعرض من التمنع في المنفعل لكانت الأفعال والآثار الطبيعية ضرورية". وذلك لأن الخصومة مع الفلاسفة ليست في تأثير الأسباب بما أودعه الله سبحانه فيها من قوى وطبائع، فهذا شيء وافقوا فيه أهل السنة، وإنما في كون هذا التأثير من نفسها، وليس لمشيئة الله سبحانه فيها أثر، ومن هنا فارق قولُ المعتزلة قولَ الفلاسفة، فالمعتزلة يثبتون مشيئة الله سبحانه وخلقه - لما سوى أفعال العباد - كما سيأتي. ووجه آخر وهو أن كون السبب مقتض لمسببه ضرورة لا ينافي في حقيقة الأمر اشتراط وجود المحل، فالقول إن الإحراق في النار ضروري لا ينافي أنه يلزم وجود ما تحرقه النار من خشب أو قطن ونحوه، وإنما ينافي تخلفَ الإحراق عند وجود المحل وانتفاء المانع كما تخلف الإحراق في قصة إبراهيم ﵇، فعلى تقريرهم أنه يجب أن تحرق النارُ إبراهيم، لأنهم لا يثبتون مشيئة الله سبحانه ولا إرادته ولا خلقه للإحراق، وعند أهل السنة جاز ذلك لتخلف الشرط الأصلي والسبب التام وهو مشيئة الله سبحانه. والقول بالفيض وما بني عليه من الاقتضاء الضروري بين الأسباب والمسببات كلاهما باطل من كل وجه وهو مناف لأصل الدين ومضاد لربوبية الله سبحانه وشمول علمه وكونه الخالق لكل شيء وأنه لا شيء إلا بإرادته.

стр. 597

وأما المعتزلة؛ فمذهبهم في الأسباب وتأثيرها موافق - فيما ظهر لي - في الجملة لمذهب أهل السنة، فإنهم يقرون بما أودع الله من قوى وطبائع في الأشياء، فيقرُّون أن في النار قوة تحرق بها ما تلاقيه مما يصلح للإحراق، وأن في الطعام قوة الإشباع، وهكذا، وأن ذلك بمشيئة الله سبحانه وخلقه. قال القاضي عبد الجبار: "السبب يوجب المسبب إذا احتمله المحل، ولا يوجب إذا لم يحتمله" (١). وقال أيضًا: "إن الأصل في السبب أن يوجب المسبب إذا كان المحل محتملًا له، وإنما نعدل عن ذلك بدلالة" (٢). ففي كلام القاضي أن للسبب شروطًا وموانع، وهذا - مع ما هو معروف من مذهبهم من إثبات مشيئة الله سبحانه وخلقه - يثبت تأثير السبب وينفي كونه علة تامة. إلا أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة في باب الأسباب إنما هي في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك، ولم يجعلوا قدرة العبد ومشيئته أسبابًا من جملة أسباب تؤثر بمشيئة الله في إيجاد المسبب. فمذهبهم في هذا مبني على مذهبهم في خلق الأفعال، وقد تقدم إبطاله

стр. 598

وبيان أن قدرة العبد ومشيئته لا تعدو كونها جزءًا من أجزاء السبب الذي يخلق الرب سبحانه به فعل العبد. إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في الفعل المتولد، بناء على اختلافهم في فاعله، فمن أثبت التوليد وهم جمهور المعتزلة؛ ألحقه بالفعل المباشر، وجعل مشيئة العبد وقدرته موجبة له وعلة تامة فيه، ومن نفى التوليد نفى ذلك. قال الأشعري ﵀: "واختلفوا [أي المعتزلة] في السبب، هل هو موجب للمسبب أم لا على مقالتين: فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولد: الأسباب موجبة لمسبباتها. وقال الجبائي: السبب لا يجوز أن يكون موجبًا للمسبب، وليس الموجب للشيء إلا من فعله وأوجده" (١). وذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وقالوا بأن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة اقتران عادي، أي أن الله سبحانه أجرى العادة أن يوجد المسبب عند وجود سببه لا به. وقد قرر هذا الباقلاني ومما قاله: "فأما ما يهذون به كثيرًا من أنهم يعلمون حسًّا واضطرارًا أن الإحراق والإسكار الحادثين واقعان عن حرارة النار وشدة الشراب؛ فإنه جهل عظيم" (٢). وقال الغزالي في مناقشة قول الفلاسفة بالطبع: "فما الدليل على أنها [أي

стр. 599

الأسباب] الفاعل؟! وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عندها ولا تدل على الحصول بها، وأنه لا علة له سواها. . . فقد تبين أن الوجود عند الشيء لا يدل على أنه موجود به" (١). وقال الجرجاني في تعريف السبب في الشرع: "عبارة عما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه" (٢). كما نقل اتفاق الأشاعرة على هذا، فقال: "فإن كثيرًا من الأسباب العادية كذلك مع الاتفاق على أنها غير مؤثرة أصلًا، ألا ترى أنا إذا علمنا ملاقاة النار للقطن؛ علمنا احتراقه وإن لم نعلم شيئا آخر غير الملاقاة، وإذا علمنا أن البدن الصحيح يتناول الغذاء الجيد؛ علمنا حصول الشبع وإن لم نعلم غير التناول، مع اتفاقنا على أن الاحتراق والشبع إنما يحصلان بفعل الله تعالى ابتداءً من أن يكون (٣) للملاقاة والتناول مدخل فيهما بالتأثير، وأنت خبير بأن هذا الاتفاق إنما هو بين الأشاعرة" (٤). وقال السنوسي: "ومنها تعلم أن اختياره لإيجاده ممكنًا مع ممكن آخر كاختياره جل وعلا إيجاد الشبع مع الأكل، والري مع الشرب، والإحراق مع النار، وتفريق الأجزاء مثلًا مع حد السيف وحز العضو، والمقدور مع القدرة الحادثة ونحو ذلك مما لا ينحصر؛ لا يدل جميع ذلك على أن لتلك الأمور المقارنة تأثيرًا فيما اقترنت به لا استقلالًا ولا معاونة، بل

стр. 600

وجودها وعدمها بالنسبة للتأثير سواء، وإيجاده جل وعلا الممكن مع ممكن يقارنه كإيجاده له تعالى منفردًا بدون مقارنة ممكن آخر" (١). وقال البيجوري: "ومنها يعلم بطلان دعوى أن شيئًا يؤثر بطبعه أو بقوة فيه، فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو بقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله، لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًّا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًّا بحيث يصح تخلفها فهو المؤمن الناجي إن شاء الله تعالى" (٢). وهذا عندهم شامل للأسباب القدرية والشرعية، قال الجرجاني: "وأما الثواب والعقاب المترتبان على الأفعال الاختيارية؛ فكسائر العاديات المترتبة على أسبابها بطريق العادة من غير لزوم عقلي واتجاه سؤال" (٣). وقد ترتب على إنكار الأشاعرة لتأثير الأسباب مسائل منها: الأولى: نفيهم تأثير قدرة العبد ومشيئته في الفعل، وقد تقدم ذلك. الثانية: نفيهم للحكمة، وزعمهم أن الله يفعل لمحض الإرداة وصرف المشيئة، يعني نفي السببية في أفعال الله سبحانه.

стр. 601

وقد تقدم الكلام على هاتين المسألتين. الثالثة: نفيهم لصفات الأفعال من حسن وقبح، وزعمهم أن ذلك إنما يكون بالشرع فقط، وسيأتي ذلك في موضعه بعون الله. وقد استدل الأشاعرة على قولهم بشبه منها: أولًا: أن إثبات تأثير الأسباب قدح في القدرة الإلهية، إذ لا مؤثر غيرها (١). ثانيًا: أن إثبات الأسباب يعارض دليل الجواهر الفردة (٢)، ويفتح الباب أمام زندقة الفلاسفة القائلين بالطبع (٣). أما شبهتهم الأولى، فمردودة من وجهين: الأول: أن التأثير لفظ مشترك، يراد به التأثير التام الذي لا يتخلف، ويراد به التأثير الناقص الجزئي، والمراد بتأثير السبب الثاني لا الأول، إذ المؤثر

стр. 602

التام هو مشيئة الرب سبحانه وقدرته؛ فإثبات هذا التأثير للسبب لا يقدح في القدرة الإلهية، ولا يترتب عليه محذور. الثاني: أن القوى والطبائع التي تؤثر في المسببات هي خلق للرب سبحانه وبقدرته ومشيئته وجدت، فكيف تكون مضادة لقدرته ومشيئته؟! وأما شبهتهم الثانية؛ فردها من وجوه: الأول: أن دليل الجواهر المفردة دليلٌ متعقَّب منتقد، قد أنكره بعض المتكلمين وتوقف فيه آخرون (١)، وهو منقوض من وجوه كثيرة، منها: - أنه طريق مبتدع في الدين لم يكن عليه سلف الأمة، وهو عريٌّ عن الدليل الصحيح (٢). - أنه - كغيره من طرق أهل الكلام والفلسفة - طريق شائك طويل وعر، ومقدماته تدور بين الاشتباه والخفاء بحيث لا يدركها إلا الأذكياء، وما كان كذلك لا يصح أن يجعل دليلًا لما هو فرض عيني على كل مسلم (٣). - أنه مع ذلك غير موصل إلى عين المقصود، بل غايته إثبات محدث لا على التعيين، وهذا ما لا يفي بالمقصود، ولو سلم إيصاله إلى أن المحدث الله سبحانه؛ فإنه لا يوصل إلى المقصود من ذلك، وهو إفراده سبحانه بالعبادة التي هي مقصود الخلق (٤).

стр. 603

الثاني: أنه لا يلزم من إثبات تأثير الأسباب قول الفلاسفة القائلين بالطبع؛ إذ بينهما وسط حق، وهو إثبات السبب سببًا، أي أنه مؤثر تأثيرًا ناقصًا. الثالث: أنه لو سلم أن إثبات تأثير السبب يبطل هذا الدليل، فليس في ذلك ما يقدح في ربوبية الله سبحانه، إذ ذلك مما تضافرت عليه أدلة المنقول والمعقول والفطر والحس، وعدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول، لكن الأشاعرة لما اعتمدوا في إثبات وحدانية الرب على هذا الدليل؛ كان في إبطاله سدًّا لباب إثبات الصانع عندهم، وفتحًا لباب الشرك والإلحاد. ثم إن إنكار تأثير الأسباب يفضي إلى التسوية بينها وبين أضدادها، فلا يجعل للعين ميزة في نفسها عن الخد ولا للطعام ميزة في نفسه عن التراب، وهذا من أوضح الباطل (١). وفي الحقيقة أنه لا دليل معتبر للأشاعرة في إنكارهم تأثير الأسباب، بل هم مخالفون بذلك لأدلة العقل والنقل والفطرة والحس، وقد قال ابن حزم ﵀: "ما نعلم لهم حجة شغبوا بها في هذا الهوس أصلًا" (٢). وقال شيخ الإسلام: "قال بعض الفضلاء: تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع؛ فأضحكوا العقلاء على عقولهم" (٣).

стр. 604

المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 605

المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة" المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: "إن الله هو الهادي والفاتن" (١). قال الطحاوي ﵀: "يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد" (٣). وقال ابن كثير ﵀: "الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء،

стр. 606

المضل لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله" (١). وقال الشيخ السعدي: "يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله" (٢). وقال السَّفَّاريني ﵀: "الله تعالى إذا شاء هداية عبده يهتدي، وإذا أراد ضلاله وهلاكه يعتدي، فهو سبحانه الموفق لمن أراد له السعادة، والخاذل من شاء إبعاده، فالتوفيق والخذلان من الحكيم المنان" (٣).

стр. 607

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع. أما أدلة الكتاب فكثيرة جدًّا، ومنها قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧]. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣].

стр. 608

ومنها قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦]. والآيات في هذا كثيرة جدًّا. وأما أدلة السنة، فمنها حديث جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: (مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي له. . .) (١). وحديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وكان يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه) (٢).

стр. 609

حديث علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: سداد السهم) (١). وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كلانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (٢). وقوله ﷺ يوم أحد لما انكفأ المشركون: (استووا حتى أثني على ربي)، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرِّب لما باعدت. . .) الحديث (٣). وحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا مبلغ والله يهدي، وقاسم والله يعطي. . .) (٤).

стр. 610

وحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) (١). وكل نص في القرآن والسنة في الختم والطبع ونحوهما فهو دليل على أن الله يضل من يشاء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله. وأما الإجماع، فممن حكاه: - ابن القيم، قال ﵀: "وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد" (٢). - ابن الوزير، قال ﵀: "فالهداية من الله تعالى، وهو الهادي بإجماع المسلمين" (٣).

стр. 611

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. هذه المسألة من أجل مسائل الدين بالنسبة للمكلفين، وعليها مدار نجاتهم في أولاهم وأخراهم، فهداية الله للعبد هي أعظم نعمه عليه، فحاجة العبد إليها فوق كل حاجة، وضرورته إليها فوق كل ضرورة (١). والإضلال هو أعظم نقم الله على العبد، وكل شر يلحقه فبإضلال الله له. قال ابن القيم ﵀: "هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال" (٢). والهِدَايَة في اللغة: مصدر هدى يَهدي، وهي التقدم للإرشاد، ومنه: هادي الخيل: أول رعيل منها، لأنه المتقدم. والهادية: العصا، لأنها تتقدم ممسكها كأنها ترشده، وهي المتقدمة من الإبل، وهي من كل شيء أوله (٣). والإِضْلَال: مصدر أضل يُضِلُّ: جعله ضالًّا، وأصل الضلال غيبوبة الشيء وضياعه وذهابه في غير حقه، يقال: ضلَّ الماءُ في اللبن: إذا غَاب، وضلَّ الكافِرُ: إذا غابت عنه الحُجَّة، وضلَّ الناسِي: إذا غابَ عنه حِفْظُه، ومنه ضالة الإبل: أي ضائعتها، وضللت المسجد والدار: إذا لم تعرف موضعهما (٤).

стр. 612

قال الأزهري ﵀: "والإضلال في كلام العرب ضدّ الهِدَاية والإرشاد، يقال: أَضللْتُ فلانًا، إذا وجهتَه للضلال عن الطريق" (١). وقد تضمنت هذه القاعدة مسائل عديدة: الأولى: في الهداية وما يتعلق بها. الثانية: في الإضلال وما يتعلق به. الثالثة: معنى هداية الله وإضلاله للخلق. المسألة الأولى: في الهداية وما يتعلق بها. تتعلق بالهداية جزئيات عدة: الأولى: تعريفها. الهداية من حيث العموم هي: "العلم بالحق مع قصده وإيثاره على غيره" (٢). الثانية: مراتبها. باستقراء نصوص الكتاب والسنة يتبين أن للهداية أربع مراتب (٣): المرتبة الأولى: الهداية العامة. وهي: هداية كل مخلوق إلى ما يصلح له ويناسبه من أمور حياته ومعاشه. وهذه الهداية مبنية على أمرين:

стр. 613

١) معرفة ما ينفع وما يضر. ٢) إيثار ما ينفع ومحبته، وترك ما يضر وبغضه. فالله خلق خلقه وأودع فيهم معرفة ما تقوم به أمور معايشهم، وأودع فيهم محبة ما ينفعهم وقصده وإيثاره، وبغض ما يضرهم وتركه والابتعاد عنه، كما هدى الحيوان لجلب ما ينفعه بالأكل والشرب، ودفع ما يضره باللباس والكِنِّ. وهذه الهداية مراتب لا يحصيها إلا هو سبحانه، فتبارك الله رب العالمين. ومن خصائص هذه المرتبة: ١) أنها أسبق مراتب الهداية. فالهداية العامة توجد مع المخلوق بوجوده، ولهذا كثيرًا ما يجمع الله بينها وبين الخلق في الذكر، كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. فالخلق: الإيجاد، والهداية: التعليم، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وسيأتي في أدلة هذه المرتبة آيات أخرى. ٢) أنها عامة في كل مخلوق من حي أو جماد، لا تختص ببني آدم ولا بغيرهم. فكل ما خلقه الله فهو مَهديٌّ هذه الهداية، وميسَّرٌ لها وموفق لها، لا فرق في ذلك بين حي وجماد، ولا بين جن وإنس وحيوان، ولا بين مؤمن وكافر، بل ولا بين عاقل ومجنون، فكلٌّ مهدي هذه الهداية، وإن اختلفت صورها وأشكالها.

стр. 614

ولكل منها ما يليق به؛ فللحيوان المتحرك بإرادته ما يليق به، وللجماد المسخر لما خلق له هداية تليق به، كما أن لكل عضو له هداية تليق به؛ فللرجلين المشي، ولليدين البطش والعمل، وللِّسان الكلام، وللأذن الاستماع، وللعين كشف المرئيات، ولكل عضو ما خلق له (١). ٣) أنها فطرية، لا يتوقف حصولها على مؤثِّر خارجي. أي أنها لا تحتاج إلى تعليم ولا إلى تلقٍّ، بل توجد شيئًا فشيئًا بوجود المخلوق. وكونها فطرية لا يعني أنها ملازمة للإنسان لا تنفك عنه ولا يضل عنها، بل قد يطرأ عليها ما يغيرها، بل ما يقلبها على عقبها، وإذا كانت معرفة الله ومحبته ومحبة دين الإسلام وإرادته - وهي أعظم ما فُطر عليه المكلفون - قد تتغير وتفسد؛ فتغير هذه وفسادها من باب أولى. ولا يعني أيضًا أنها تحصل للمخلوق بمجرد وجوده، بل تحصل له رويدًا رويدًا بحسب حاجته لها. قال شيخ الإسلام ﵀: "فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما وُلد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة" (٢). ٤) أنها متعلقة بأمور الدنيا لا بأمور الدين. أي ليس حصولها يزيد في الدين، وليس نقصها - إن قدر أنها نقصت -

стр. 615

نقص في الدين، كما أن الدين ليس شرطًا لحصولها. قال شيخ الإسلام ﵀: "وذلك أن المغفرةَ مشروطة بالإيمان، فلا تكون إلا لأهل الإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة؛ فإنها تحصلُ بدون الإيمان" (١). ومن أدلتها: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. قال عطاء ﵀: "جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه" (٢). وقال ابن جزي ﵀: "قدّر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به" (٣). وقال السعدي ﵀: "وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته" (٤). وقد فسرت هذه الآية ببعض أمثلتها، كقول بعضهم: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وقول آخرين: هدى الأنعام لمراتعها، والصواب أنها عامة (٥). وقد ذكر الله في هاتين الآيتين أربعة أمور عامة: الخلق

стр. 616

والتسوية والتقدير والهداية، وجعل التسوية -التي هي إتمام الخلق وإتقانه وإحسانه بحيث لا يكون فيه خلل ولا تفاوت - من تمام الخلق الذي هو الإيجاد، والهداية من تمام التقدير (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]. قال قتادة ﵀: "أعطى كل شيء ما يصلحه، ثم هداه له" (٢)، ومثله عن الحسن (٣). وقال مجاهد ﵀: "سوى خلق كل دابة، ثم هداها لما يصلحها، فعلمها إياه" (٤). وعلى هذا تكون هذه الآية نظيرة الآية السابقة، والمعنى أن الله أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه لما يصلحه في معيشته من مطعم ومشرب ومنكح وغير ذلك، وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين (٥). وفي هذه الآية ما في سابقتها من تفاسير بالمثال، إلا أن العموم هو المراد منها، والله أعلم (٦).

стр. 617

المرتبة الثانية: هداية الدلالة والإرشاد للمكلفين. وهي: "هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك" (١). ومن خصائصها: ١) أنها أخص من المرتبة الأولى. وذلك من وجهين: الأول: أنها خاصة بالمكلفين من إنس وجن، فلا يدخل فيها من سواهم ممن لا تكليف عليهم منهم كالصبيان والمجانين، ولا يدخل فيها كذلك من عداهم من المخلوقات، لا العاقلة كالملائكة، ولا غير العاقلة من حيوان وجماد. الثاني: أنها خاصة بالهداية إلى الخير والشر دون ما سواهما من أنواع الهدايات. ٢) أنها حجة الله على عباده، فلا يعذب الله من لم تبلغه. فالبيان والدلالة على طريق الخير والشر شرط لقيام الحجة على المكلف، وبدونها لا تقوم عليه حجة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٢). إذ أن مناط قيام الحجة على العبد أمور ثلاثة: هي العقل، والبلوغ، ووصول الدعوة. دل على ذلك حديث الأسود بن سريع ﵁ أن نبي الله ﷺ

стр. 618

قال: (أربعة يوم القيامة: رجلٌ أصم لا يسمع شيئًا، ورجلٌ أحمق، ورجلٌ هرم، ورجلٌ مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (١). ٣) أنه تحصل على أيدي الرسل وأتباعهم. وذلك أن الله سبحانه أرسل رسله من الملائكة والبشر لإقامة العبودية لله سبحانه، وحده لا شريك له، وهذه العبودية لا بد لحصولها من شيئين: ٣) معرفة هذا المعبود وما له من صفات بها استحق أن يعبد. ٤) معرفة ما يريده من العبادات، صفةً، وأداءً، وعددًا ونحوه. وهذان الأمران يتوقف حصولهما على الوحي ولا يمكن معرفتهما بمجرد العقل، والوحي إنما يؤخذ عن الرسل وعن أتباعهم المبلغين عنهم ما أُوحي إليهم. ومن معنى حصولها على أيدي الرسل وأتباعهم أنه لا يتوقف حصولها على قبول المدعو لها واهتدائه - بهداية الله له -، بل يحصل بمجرد وصولها له وفهمها. قال ابن القيم ﵀: "ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل" (٢).

стр. 619

٤) أنها غير مستلزمة للاهتداء التام، بل هي شرط فيه أو جزء سبب. فالهداية التامة التي هي هداية التوفيق لا يمكن حصولها إلا بعد حصول هداية الدلالة والبيان، فهي بمنزلة الشرط للمشروط، والسبب للمسبب، وإذا كانت كذلك؛ فهي غير مستلزمة للاهتداء، لأن السبب والشرط لا يستقلان بحصول المسبب والمشروط بل لا بد من أسباب وشروط أخرى، ولا بد مع ذلك من انتفاء الموانع (١). قال ابن القيم ﵀: "فالهداية هي البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة. . . فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق" (٢). ومن أدلتها: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا

стр. 620

يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. وحيث أضيفت الهداية في القرآن أو السنة إلى القرآن أو إلى الرسل أو إلى أتباعهم؛ فهي هداية دلالة وبيان. وحيث وُصف بها الكفار فهي هداية دلالة، إذ لو كانت توفيقًا لما كانوا كافرين، هذا إذا لم يكن المقصود بها الهداية إلى الجنة والنار. المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام. وهي: "مشيئة الله لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد" (١). ومن خصائصها: ١) أنها ملك لله سبحانه، فلا يقدر عليها إلا هو سبحانه. وذلك لأن هذه الهداية هي هداية للقلوب، والله سبحانه هو المالك للقلوب المتصرف فيها، كما قال ﷺ : (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) (٢). ولأن الهداية والإضلال من مقتضى الربوبية، فالرب سبحانه هو الذي يهدي ويضل لا غيره. ولأن حقيقة هذه الهداية لا يقدر عليها إلا الله؛ فلا يقدر على خلق الهدى في القلب وجعل العبد قادرًا عليه، مريدًا له مؤثرًا له على غيره إلا هو سبحانه.

стр. 621

ولأنه سبحانه هو الذي يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق خلافها. ولأن الله سبحانه أخبر بأن رسوله لا يملكها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فإذا كان أعلم الخلق بالله وبدينه لا يملك لأحد الهداية؛ فغيره من باب أولى. فهداية التوفيق ملك لله سبحانه وحده، والمطلوب من العبد الإتيان باسبابها فإنها مقدورة له (١). قال ابن القيم ﵀: "فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريدًا للهدى محبًّا له مؤثرًا له عاملًا به، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل" (٢). ٢) أنها أخص أنواع الهداية. فهي خاصة بمن منَّ الله عليهم بالإيمان ووفقهم له، دون من سواهم. ٣) أنها موجبة للاهتداء وسبب تام له. فمن هداه الله هداية التوفيق فهو المهتدي، بخلاف من هُدي هداية الدلالة؛ فإنه قد يهتدي وقد لا يهتدي. قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨]. قال الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، والمهتدي - وهو السالك سبيل الحق، الراكب قصد المحجة في دينه - من

стр. 622

هداه الله لذلك فوفقه لإصابته، والضال من خذله الله فلم يوفقه لطاعته، ومن فعل الله ذلك به فهو الخاسر: يعني الهالك" (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧]. قال الشيخ السعدي ﵀: "يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده فييسره لليسرى ويجنبه العسرى؛ فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله فيخذله ويكله إلى نفسه؛ فلا هادي له من دون الله، وليس له وليٌّ ينصره من عذاب الله" (٢). ٤) أنها سبب الهداية إلى طريق الجنة، وخلافها سبب الهداية إلى طريق النار. فالله سبحانه جعل الجنة مثوى أوليائه، والنار مثوى أعدائه، وأولياؤه هم المهديون الذين وفقهم الله للإيمان، وأعداؤه هم الذين خذلوا ولم يوفقوا، فمن آمن واهتدى في الدنيا، هداه إلى طريق الجنة في الآخرة، ومن لا؛ هداه إلى طريق النار. ومن أدلتها: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].

стр. 623

وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقد يقتصر كثير من أهل العلم في ذكر معاني الهداية على هداية الإرشاد وهداية التوفيق دون ما سواهما، وذلك لأن الخصومة مع أهل البدع فيهما، ومثال ذلك قول ابن كثير ﵀: "ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله . . . ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه" (١). المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة، وذلك حين يساق أهلهما إليهما. ومن خصائصها: ١) أنها ثمرة الهداية الدنيوية وغايتها وجزاؤها. فمن هُدي هداية التوفيق؛ هدي إلى طريق الجنة، ومن لا؛ هُدي إلى طريق النار. ٢) أنها لا تكون إلا بعد الموت لا قبله. لأنها هداية مخصوصة إلى طريق الجنة والنار، وهما من أمور الآخرة.

стр. 624

ومن أدلتها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤، ٥]. فهذه هداية بعد قتلهم، والهدايات السابقة هي قبل الموت، وهي هداية للمؤمنين إلى الجنة (١). وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣]. وهذه هداية بعد حشرهم، فهي هداية بعد الهدايات السابقة، وهي هداية لأهل النار إليها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة (٢). قال مجاهد ﵀: "يكون لهم نورًا يمشون به" (٣). وكل من هذه الهدايات مراتب كثيرة، لا يحصيها إلا الله وحده، وليست شيئًا واحدًا. أما الهداية العامة؛ فالخلق فيها متفاوتون، فمنهم من هدي الهداية العظيمة التي لا يغيب عنه بها تفاصيل أموره ومعاشه، ومنهم من تغيب عنه كثير من تفاصيل ذلك، ومن هنا كان فيهم الكيس وفيهم العاجز، وفيهم الذكي وفيهم

стр. 625

الغبي، وهكذا. وأما هداية الدلالة؛ فمن المكلفين من يبين له الحق وأدلته على أكمل صورة بحيث لا يكون إلا معاندًا إذا لم يؤمن، كما هو حاصل في هداية الأنبياء لأقوامهم، وبخاصة نبينا ﷺ ، ومنهم من تبلغه على وجه أضعف، حتى يصل إلى درجة يصعب معها الحكم بقيام الحجة عليه. وأما هداية التوفيق؛ فمن المؤمنين من يهدى للصراط ويهدى لتفاصيل الصراط، ومنهم من يهتدي للصراط، لكن لا يهتدي لتفاصيله، إذ هذه الهداية هدايتان: هداية إلى الصراط، وهداية فيه (١)، ومن هنا يعلم خطأ من فسر قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] بالتثبيت على الهداية، إذ أن الإنسان بحاجة إلى معرفة تفاصيل الهداية في جميع ما يأتيه ويذره، من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التوبة منها، وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية فيها، وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الحاجات إلى أنواع الهدايات، فمن كملت له هذه الأمور فسؤاله حينئذ سؤال تثبيت، لكن من الذي كملت له؟ (٢).

стр. 626

وأما هداية الجنة والنار؛ فالمؤمنون منهم من تكمل له الهداية، فيمر على الصراط كالطرف وكالبرق، ومنهم دون ذلك حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، كما جاء في الحديث (١). المسألة الثانية: في الإضلال وما يتعلق به. تعريفه: الإضلال في الشرع: هو ضد الهداية، وهو خذلان الله سبحانه للعبد، وعدم تمكينه من الهداية للصراط المستقيم. وهو في الحقيقة ضدٌّ لهداية التوفيق، إذ لا بد للمخلوق من هداية عامة، وكذلك هو مهدي يوم القيامة حتمًا؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، ومن لم يهتدِ هداية الدلالة فهو معذور لعدم قيام الحجة عليه. والإضلال إفعال من الضلال، وهو: "الذهاب عن طريق الصواب" (٢). مراتبه: الإضلال ليس على درجة واحدة بل هو مراتب مختلفة، ترجع إلى مرتبتين أساسيتين: الأولى: الإضلال الأكبر، وهو التام الحقيقي الذي يُحال بين صاحبه وبين أصل الهداية، وهو إضلال الكفر المخرج من الملة.

стр. 627

الثانية: الإضلال الأصغر، وهو ما دون ذلك، مما هو من شعب الكفر دون أصله، ويتنوع كذلك إلى: كبائر، وصغائر. وقد جاء في النصوص التعبير عن الإضلال بمعان كثيرة، ذكر الإمام ابن القيم ﵀ منها: الختم، والطبع، والأكنة، والغطاء، والغلاف، والحجاب، والوقر، والغشاوة، والران، والغل، والسد، والقفل، والصمم، والبكم، والعمي، والصد، والصرف، والشد على القلب، والإغفال، والمرض، وتقليب الأفئدة، والحول بين المرء وقلبه، وإزاغة القلوب، والخذلان، والإركاس، والتثبيط، والتزيين، وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم، وإماتة قلوبهم، وإمساك النور عنها، وجعل القلب قاسيًا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا لا يقبل الإيمان. وذكر ﵀ أن هذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها، ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر، ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشاوة، ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي. وقد تعرض ﵀ لبيان كل واحد منها، وذكر أدلته (١). وحاصل الأمر أن هذه الأمور هي محاملُ للإضلال وصورٌ له، فالله سبحانه يضل من شاء من عباده إما بالختم على قلوبهم، أو بالطبع عليها، أو بإركاسها، أو بصرفها عن الهدى. . . وهكذا.

стр. 628

المسألة الثالثة: معنى هداية الله وإضلاله للخلق. هذه المسألة هي لبُّ هذا المبحث، وبيانها من وجهين، عام وخاص. أما العام: فهو أن الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم. والمراد أنه سبحانه يمن على من شاء من عباده فيوفقهم للصراط المستقيم المتضمن فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، محبةً له سبحانه وتعظيمًا. ويخذل من يشاء ويَكِله إلى نفسه فلا يعينه، فيزيغ عن الصراط المستقيم، فيقع في المحرمات ويترك الواجبات. ومَنُّه بالهداية فضل منه وحكمة، وإضلاله عدل وحكمة كذلك. وأما الخاص: فيكون ببيان كل واحد على حدة. أما الهدى؛ فيحصل من اجتماع أمرين: ١) هداية الله سبحانه للعبد، وهذا فعل له سبحانه، وهو خلق الهدى ومحبة ما أمر به وبغض ما نهى عنه، اعتقادًا وقولًا وعملًا في قلب العبد، وهذه نعمة دينية من الله للعبد أعانه بها على الهداية. ٢) اهتداء العبد وهذا فعل له هو، وهو أثر فعل الله سبحانه. وهذا الاهتداء يحصل على وفق هذا الترتيب: أولًا: معرفة الحق على وجه صحيح. ثانيًا: جعله مريدًا له مؤثرًا له على ضده. ثالثًا: خلق القدرة على القيام بموجب هذا الهدى، قولًا وعملًا ونيَّةً. رابعًا: إدامة ذلك والتثبيت عليه حتى الممات. قال ابن القيم ﵀: "وهما [أي: هداية الإرشاد وهداية التوفيق]

стр. 629

هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة" (١). وأما الإضلال؛ فيحصل كذلك بأمرين: ١) إضلال الله سبحانه للعبد، وهو فعله سبحانه، وهو خلق الضلال وبغض ما أمر به الله وحب ما نهى عنه. ٢) ضلال العبد وهو فعله، وهو كذلك أثر فعل الله سبحانه. وهذا الإضلال منه ما يكون ابتداءً، ومنه ما يكون طارئًا بعد هدى. قال ابن القيم ﵀: "وهذه المرتبة [أي: هداية التوفيق] تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى، والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه؛ فهو الهادي والعبد المهتدي. . . ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد" (٢). وإضلال الله سبحانه لمن شاء من عباده وهدايته من شاء منهم من صفاته سبحانه الفعلية التي تتعلق بمشيئته سبحانه، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء. والله سبحانه إنما يهدي من يعلم أنه أهل للهداية، وإنما يضل من يعلم أنه ليس أهلًا لها، فهو حكيم يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ

стр. 630

أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. وإضلال الله سبحانه لمن شاء من عباده - سواء الابتدائي أو ما كان بعد هدى - محض الحكمة والعدل، ليس فيه ظلم، وذلك من وجوه: الأول: أن هذا فعله سبحانه، والله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. الثاني: أن هذا الإضلال منه سبحانه مبني على علمه بهذا العبد بأنه لا يصلح للهداية، ولو علم أنه يصلح للهداية لما أضله. الثالث: أن الإضلال هو ترك الفضل منه سبحانه، وترك الفضل لا ظلم فيه، يوضحه: الرابع: أن من أضله الله سبحانه لم يَحُل بينه وبين الهدى وبيان الرسل، بل أقام له أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا ولم يحل بينه وبينها، وأراه الصراط المستقيم حتى كأنه يشاهده عيانًا، وإنما قطع عنه توفيقه ولم يرد من نفسه إعانته والإقبال بقلبه إليه. فلم يَحُل بينه وبين ما هو مقدور له، وإن حال بينه وبين ما لا يقدر عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه (١). والحاصل أن الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم، وأنه من يهده فلا مضل له، ومن يضله فلا هادي له، والهداية فضله سبحانه، والإضلال عدله، وكلاهما صادر عن حكمته سبحانه.

стр. 631

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. خالف أهل السنة في هذه القاعدة: الأشاعرة والمعتزلة. أما الأشاعرة؛ فبعد إقرارهم بأن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الهدى والإضلال بيده سبحانه؛ أنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء والضلال، ففسروا الهداية بخلق الله سبحانه الهدى في قلب العبد، والإضلال بخلق الضلال في قلب العبد، وهذا القدر صحيح بلا ريب، وهو مما وافقوا فيه أهل السنة، إلا أنه غير كاف في بيان الأمر، فالهدى والضلال كما تقدم كل منهما مرتبتان: أولاهما فعل الرب سبحانه، وهو الهدى والإضلال، وثانيهما فعل العبد وهو الاهتداء والضلال، فالله الهادي والمضل، والعبد المهتدي والضال. فللعبد فعل وأثر في ذلك؛ أما الهداية فهي في أصلها محض منة الله سبحانه وفضله وكرمه، لكن العبد يتسبب في أنواع الهداية، ففعله الحسنة الأولى سبب لمنِّ الله عليه بالحسنة الثانية، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، فذكر تيسيره لليسرى جزاء على إعطائه وتقواه وتصديقه، ولا شك أن هذا نوع من أنواع الهداية. وأما الإضلال فهو عدل من الله سبحانه بسبب من العبد، كما أخبر سبحانه عن قوم ثمود بقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فأضلهم الله سبحانه بتركهم الهدى وبيان الرسول وإعراضهم. فالأشاعرة أنكروا أثر العبد وتسببه في هداية أو ضلال، فأرجعوا

стр. 632

القول في الهداية والإضلال إلى أصلهم في الجبر ونفي تأثير الأسباب، ونفي الحكمة والتعليل. وأما كون الله سبحانه يهدي ويضل فهم يثبتونه كما سبق، بل نصوا كذلك على مراتب الهداية الثلاث بعد الهداية العامة. قال الباقلاني: "فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله يهدي المؤمنين ويضل الكافرين؟ قيل له: أجل، فإن قال: وما معنى هدايته للمؤمنين؟ قيل له: قد يهديهم بأن يخلق هداهم وينور بالإيمان قلوبهم، وقد يهديهم أيضًا بأن يشرح صدورهم ويتولى توفيقهم له وإعانتهم عليه وتسهيله لهم السبيل إليه، كل ذلك هداية منه لهم، وقد يهديهم أيضًا في الآخرة إلى الثواب وطريق الجنة، وذلك هدى لهم من فعله، فإن قال: فما معنى إضلاله الكافرين؟ قيل له قد أضلهم بأن يخلق ضلالهم قبيحًا. . . وقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صدورهم وإعدام قدرهم على الاهتداء، وقد يضلهم عن الثواب وطريق الجنة في الآخرة، كل ذلك إضلال لهم" (١). وقال الجويني - بعد إيراده آيات في الهداية والإضلال -: "واعلم أن الهدى في هذه الآي لا يتجه حمله إلا على خلق الإيمان، وكذلك لا يتجه حمل الإضلال على غير خلق الضلال، ولسنا ننكر ورود الهداية في كتاب الله على غير المعنى الذي رُمناه، فقد يرد والمراد به الدعوة .. وقد ترد الهداية ويراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها يوم القيامة" (٢).

стр. 633

وقال الشهرستاني: "قالت الأشعرية: التوفيق والخذلان ينسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على جهة واحدة، فالتوفيق من الله تعالى خلق القدرة الخاصة على الطاعة. . . والخذلان خلق قدرة المعصية" (١). وقال ابن المنيِّر: "الهدى من الله تعالى عند أهل السنة حقيقة هو خلق الهدى في قلوب المؤمنين، والإضلال: خلق الضلال في قلوب الكافرين، ثم ورد الهدى على غير ذلك من الوجوه مجازًا واتساعًا" (٢). وقول الأشاعرة: خلق القدرة على الطاعة، وخلق القدرة على المعصية: المراد به خلق الطاعة والمعصية نفسها، إذ لا قدرة عندهم متقدمة على الفعل، وليس ثَمَّ إلا القدرة المقارنة. قال الشهرستاني في سياق كلامه المتقدم: "والاستطاعة إذا كانت عنده مع الفعل، وهي تتجدد ساعة فساعة؛ فلكل فعل قدرة خاصة، والقدرة على الطاعة صالحة لها دون ضدها من المعصية فالتوفيق خلق تلك القدرة المتفقة مع الفعل والخذلان خلق قدرة المعصية. . . والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير والشر إن كانت توفيقًا بالإضافة إلى الخير، فهي خذلان بالإضافة إلى الشر" (٣). وقد تقدم إبطال قولهم في نفي قدرة العبد ومشيئته، وقولهم في نفي الحكمة والأسباب، وهذا يرد قولهم هنا. ويرده كذلك أن الله سبحانه أثبت للعبد اهتداءً وضلالًا، كما في قوله

стр. 634

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، فذكر أنه زاد هدايتهم جزاءً لهم على اهتدائهم، ولا يمكن حمل الاهتداء هنا على الدلالة والبيان، لأنه حاصل للكافر أيضًا، فلا تكون للمؤمن مزية عليه، وهذا باطل، فدل على أن للعبد فعلًا في الاهتداء بعد منَّة الله سبحانه عليه بالهداية الأولى. وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فذكر هداية الدلالة وأنها حاصلة لهم، ثم ذكر أنهم عمَوا بفعلهم وقصدهم، فدل على أن العمى هنا ليس العمى عن هداية الدلالة، وإنما عن هداية التوفيق. ويجمع بين الأمرين آيات كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١]، فذكر أولًا حصول هداية الدلالة ببلوغ الرسالة وإنزال الكتاب، ثم ذكر الاهتداء والضلال، فدل على أن العبد يهتدي ويضل، إذ لا يمكن حمل الهداية والضلال على الدلالة وعدمها. والخلاف الأشد في هذه القاعدة مع المعتزلة. فقد ذهبت المعتزلة إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى من الله سبحانه على وجوه: الأول: البيان والدلالة. الثاني: زيادة التثبيت والتسديد.

стр. 635

الثالث: الثواب في الجنة (١). وجعلوا الإضلال من الله تعالى على وجوه: الأول: العقاب والصرف عن طريق الجنة. الثاني: ترك التوفيق والتسديد ومنع الألطاف. الثالث: إيقاع اسم الضلال والتسمية به والدعوة به (٢). وأنكروا أن يخلق الله سبحانه الهدى أو الضلال في قلوبهم، والإضلال عندهم من الله - على ما زعموه من معان - لا يكون إلا بعد استحقاق العقوبة. قال القاضي عبد الجبار: "فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم، ولا نقول: إنه يضل عن الدين بأن يخلق الضلال فيهم، ولا أنه يريده ولا أنه يدعوهم إليه لأن ذلك هو الذي يليق بالشيطان والفراعنة" (٣). قال يحيَى بن الحُسين (٤): "الهدى من الله هديان: هدي مبتدأ، وهدي
следующие страницы →