المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة: الأشاعرة والمعتزلة.
أما الأشاعرة؛ فبعد إقرارهم بأن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الهدى والإضلال بيده سبحانه؛ أنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء والضلال، ففسروا الهداية بخلق الله سبحانه الهدى في قلب العبد، والإضلال بخلق الضلال في قلب العبد، وهذا القدر صحيح بلا ريب، وهو مما وافقوا فيه أهل السنة، إلا أنه غير كاف في بيان الأمر، فالهدى والضلال كما تقدم كل منهما مرتبتان: أولاهما فعل الرب سبحانه، وهو الهدى والإضلال، وثانيهما فعل العبد وهو الاهتداء والضلال، فالله الهادي والمضل، والعبد المهتدي والضال.
فللعبد فعل وأثر في ذلك؛ أما الهداية فهي في أصلها محض منة الله سبحانه وفضله وكرمه، لكن العبد يتسبب في أنواع الهداية، ففعله الحسنة الأولى سبب لمنِّ الله عليه بالحسنة الثانية، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، فذكر تيسيره لليسرى جزاء على إعطائه وتقواه وتصديقه، ولا شك أن هذا نوع من أنواع الهداية.
وأما الإضلال فهو عدل من الله سبحانه بسبب من العبد، كما أخبر سبحانه عن قوم ثمود بقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فأضلهم الله سبحانه بتركهم الهدى وبيان الرسول وإعراضهم.
فالأشاعرة أنكروا أثر العبد وتسببه في هداية أو ضلال، فأرجعوا
стр. 632
القول في الهداية والإضلال إلى أصلهم في الجبر ونفي تأثير الأسباب، ونفي الحكمة والتعليل.
وأما كون الله سبحانه يهدي ويضل فهم يثبتونه كما سبق، بل نصوا كذلك على مراتب الهداية الثلاث بعد الهداية العامة.
قال الباقلاني: "فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله يهدي المؤمنين ويضل الكافرين؟ قيل له: أجل، فإن قال: وما معنى هدايته للمؤمنين؟ قيل له: قد يهديهم بأن يخلق هداهم وينور بالإيمان قلوبهم، وقد يهديهم أيضًا بأن يشرح صدورهم ويتولى توفيقهم له وإعانتهم عليه وتسهيله لهم السبيل إليه، كل ذلك هداية منه لهم، وقد يهديهم أيضًا في الآخرة إلى الثواب وطريق الجنة، وذلك هدى لهم من فعله، فإن قال: فما معنى إضلاله الكافرين؟ قيل له قد أضلهم بأن يخلق ضلالهم قبيحًا. . . وقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صدورهم وإعدام قدرهم على الاهتداء، وقد يضلهم عن الثواب وطريق الجنة في الآخرة، كل ذلك إضلال لهم" (١).
وقال الجويني - بعد إيراده آيات في الهداية والإضلال -: "واعلم أن الهدى في هذه الآي لا يتجه حمله إلا على خلق الإيمان، وكذلك لا يتجه حمل الإضلال على غير خلق الضلال، ولسنا ننكر ورود الهداية في كتاب الله على غير المعنى الذي رُمناه، فقد يرد والمراد به الدعوة .. وقد ترد الهداية ويراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها يوم القيامة" (٢).
стр. 633
وقال الشهرستاني: "قالت الأشعرية: التوفيق والخذلان ينسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على جهة واحدة، فالتوفيق من الله تعالى خلق القدرة الخاصة على الطاعة. . . والخذلان خلق قدرة المعصية" (١).
وقال ابن المنيِّر: "الهدى من الله تعالى عند أهل السنة حقيقة هو خلق الهدى في قلوب المؤمنين، والإضلال: خلق الضلال في قلوب الكافرين، ثم ورد الهدى على غير ذلك من الوجوه مجازًا واتساعًا" (٢).
وقول الأشاعرة: خلق القدرة على الطاعة، وخلق القدرة على المعصية: المراد به خلق الطاعة والمعصية نفسها، إذ لا قدرة عندهم متقدمة على الفعل، وليس ثَمَّ إلا القدرة المقارنة.
قال الشهرستاني في سياق كلامه المتقدم: "والاستطاعة إذا كانت عنده مع الفعل، وهي تتجدد ساعة فساعة؛ فلكل فعل قدرة خاصة، والقدرة على الطاعة صالحة لها دون ضدها من المعصية فالتوفيق خلق تلك القدرة المتفقة مع الفعل والخذلان خلق قدرة المعصية. . . والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير والشر إن كانت توفيقًا بالإضافة إلى الخير، فهي خذلان بالإضافة إلى الشر" (٣).
وقد تقدم إبطال قولهم في نفي قدرة العبد ومشيئته، وقولهم في نفي الحكمة والأسباب، وهذا يرد قولهم هنا.
ويرده كذلك أن الله سبحانه أثبت للعبد اهتداءً وضلالًا، كما في قوله
стр. 634
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، فذكر أنه زاد هدايتهم جزاءً لهم على اهتدائهم، ولا يمكن حمل الاهتداء هنا على الدلالة والبيان، لأنه حاصل للكافر أيضًا، فلا تكون للمؤمن مزية عليه، وهذا باطل، فدل على أن للعبد فعلًا في الاهتداء بعد منَّة الله سبحانه عليه بالهداية الأولى.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فذكر هداية الدلالة وأنها حاصلة لهم، ثم ذكر أنهم عمَوا بفعلهم وقصدهم، فدل على أن العمى هنا ليس العمى عن هداية الدلالة، وإنما عن هداية التوفيق.
ويجمع بين الأمرين آيات كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١]، فذكر أولًا حصول هداية الدلالة ببلوغ الرسالة وإنزال الكتاب، ثم ذكر الاهتداء والضلال، فدل على أن العبد يهتدي ويضل، إذ لا يمكن حمل الهداية والضلال على الدلالة وعدمها.
والخلاف الأشد في هذه القاعدة مع المعتزلة.
فقد ذهبت المعتزلة إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى من الله سبحانه على وجوه:
الأول: البيان والدلالة.
الثاني: زيادة التثبيت والتسديد.
стр. 635
الثالث: الثواب في الجنة (١).
وجعلوا الإضلال من الله تعالى على وجوه:
الأول: العقاب والصرف عن طريق الجنة.
الثاني: ترك التوفيق والتسديد ومنع الألطاف.
الثالث: إيقاع اسم الضلال والتسمية به والدعوة به (٢).
وأنكروا أن يخلق الله سبحانه الهدى أو الضلال في قلوبهم، والإضلال عندهم من الله - على ما زعموه من معان - لا يكون إلا بعد استحقاق العقوبة.
قال القاضي عبد الجبار: "فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم، ولا نقول: إنه يضل عن الدين بأن يخلق الضلال فيهم، ولا أنه يريده ولا أنه يدعوهم إليه لأن ذلك هو الذي يليق بالشيطان والفراعنة" (٣).
قال يحيَى بن الحُسين (٤): "الهدى من الله هديان: هدي مبتدأ، وهدي
стр. 636
مكافأة، فأما الهدي المبتدَأ؛ فقد هدى الله به البر والفاجر، وهو العقل والرسول والكتاب، فمن أنصف عقله وصدق رسوله وآمن بكتابه، وحلل حلاله وحرم حرامه؛ استوجب من الله الزيادة، والهدي الثاني: جزاء على عمله ومكافأة على فعله، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
ومن كابر عقله وكذب رسوله ورد كتابه؛ استوجب من الله الخذلان، وتركه من التوفيق والتسديد، وأضله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وذلك قوله ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ عنى الهدى الثاني، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ يقول: ومن يرد أن يوقع اسم الضلال عليه - بعد أن استوجب بفعله القبيح -: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] " (١).
وقال مفسِّرًا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]: "كما اتخذ إلهه هواه؛ أوقع عليه اسم الضلال وسماه به ودعاه - بعد أن اتخذ إلهه هواه - وختم على سمعه، وتركه من التوفيق والتسديد، وخذله ولم يؤيده ولم يسدده" (٢).
وقال بعد أن ذكر معاني الضلال: "والوجه السادس: قوله سبحانه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
стр. 637
[النحل: ٩٣]، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، و ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].
ونحو هذا في القرآن كثير، يعني في جميع ذلك: أنه يوقع عليه اسم الضلال، ويدعوه به بعد العصيان والطغيان، لا أنه يغويهم عن الصراط المستقيم كما أغوى وأضل فرعونُ قومَه" (١).
وعندهم أن الله سبحانه إنما قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] "خبرًا عن نفسه وإثباتًا له القدرة على كل شيء، لكي لا يظن جاهل أن الله عاجز عن أن يمنع الضُّلَّال من الضلالة، لأن في الناس متجاهلين كثيرًا. . . فأراد سبحانه أن يثبت الحجة لنفسه على الجهال الذين يقولون مثل هذه المقالة فيه" (٢).
وضلال المعتزلة في هذه المسألة مرتبط بضلالهم في مسائل أخرى، منها:
- مسألة النعمة الدينية؛ فعندهم أنه ليس لله سبحانه على الطائع نعمة خاصة أعانه بها على الطاعة.
- مسألة خلق الأفعال، فأفعال العباد غير مخلوقة لله عندهم، شرها ابتداءً وخيرها طردًا للباب، فما وقع من اهتداء من العبد أو ضلال فالله لم يخلقه، لأن كل خير في أفعال العباد فهو اهتداء، وكل شر فهو ضلال.
- مسألة الحكمة، فالمعتزلة يثبتون حكمة منفصلة عنه سبحانه، وخلق الضلال عندهم مناف للحكمة؛ فهو لم يخلقه ولم يخلق نظيره من الهدى.
стр. 638
- مسألة الإرادة وانقسامها إلى شرعية وكونية؛ لذلك فإنهم جعلوا من أدلة نفي الإضلال من الله للعبد كونه لا يريد ما وقع من الضلال ولا يأمر به.
- مسألة الحسن والقبح، وما تفرع عنها من مسائل الإيجاب على الله والصلاح والأصلح، وسيأتي الكلام عليها بعون الله.
وقد استدلوا لمذهبهم بأدلة من القرآن والعقل.
أولًا: أدلة القرآن:
الأول: إضافته سبحانه الهدى والضلال إلى العبد نفسه، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١] (١).
الثاني: الآيات في أن الضلال غير مأمور به، وإذا كان غير مأمور به فكيف يكون مخلوقًا، وما أعقب ذلك من إنكار الله سبحانه على الضُّلال من احتجاجهم بمشيئة الله لذلك، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا
стр. 639
آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
الثالث: نفيه سبحانه أن يكون منه إضلال للعبد ابتداءً قبل بيان الحجة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فإذا فعل العبد القبيح استحق به الإضلال لا على معنى الخلق، لكن على ما تقدم من معنى.
الرابع: إخباره سبحانه عن الضُّلال أنهم هم من بدل نعمته كفرًا وفعلوا الضلال ودعوا إليه، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].
الخامس: إخباره سبحانه أن الضلال والفحشاء والمنكر من الشيطان لا منه، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١].
السادس: إخباره سبحانه بقدرة العباد على المعاصي وفعلهم لها، وأن ذلك ليس منه ولا يريده، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٩، ٩٠].
السابع: إخباره سبحانه أن الشيطان وأهل الشر من الإنس والجن هم من يزين الضلال والمعاصي للعباد ويضلهم، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ
стр. 640
لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] (١).
ثانيًا: دليل العقل: أنه يلزم على القول بأن الله يهدي ويضل لوازم باطلة، منها:
- أنه يلزم أن يستوي المطيع والعاصي، والطاعة والمعصية، إذ كلها من الله وبتقديره وشاءه وأحبه.
- أنه يلزم إبطال الرسالة، إذ المهدي لا يقدر على الخروج من الهدى إذ خلقه الله فيه، والكافر كذلك لا يقدر على الخروج من الكفر، فيكون إرسال الرسل حينئذ عبثًا وظلمًا، إذ فيه إقامة الحجة عليهم مع كونهم غير قادرين على الهدى.
- أنه يلزم أن يكون إبليس وليًّا لله؛ إذ جميع الفواحش التي يدعو إليها شاءها الله وخلقها (٢).
والجواب عما استدلوا به من القرآن:
أما الدليل الأول؛ فلا ريب أن الله سبحانه أضاف الضلال إلى العبد، وأنه هو الفاعل له، لكن هذا لا ينفي أن يكون الله سبحانه خالقه، فهو من الله خلقًا ومن العبد فعلًا واكتسابًا وتسبُّبًا.
стр. 641
وأما الدليل الثاني؛ فهو مبني على التسوية بين المشيئة والمحبة، وهذا باطل كما تقدم (١)، فالضلال لم يأمر به الله سبحانه ولم يحبه، لكنه شاءه وخلقه، فهو مخلوق لله سبحانه مراد إرادة كونية غير مراد الإرادة الشرعية.
وأما الدليل الثالث؛ فلا حجة لهم فيه؛ إذ أن انتفاء ابتداء الله سبحانه للعبد بالضلال لا يعني أن لا يضله، بل إنما يدل على أن الإضلال من الله سبحانه لا يكون إلا بعد فعل العبد لموجب الإضلال.
وما ذكروه من قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] يدل على هذا، فإنه تضمن إثبات إضلال الله سبحانه للعبد؛ فإن "حتى" للغاية، فإذا وجدت الغاية حصل الإضلال.
وأما ما ذكروه من كون الإضلال لا على معنى الخلق؛ فدعوى باطلة، ثم هو استدلال بموضع النزاع.
وأما الدليل الرابع؛ فالضلال والدعوة إليه فعل العبد واكتسابه لا شك في ذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون مخلوقًا لله سبحانه كما تقدم.
وأما الدليل الخامس؛ فصحيح الدلالة على أن الضلال والفحشاء والمنكر من الشيطان دعوةً ومحبةً لا منه سبحانه، فالله سبحانه لا يحب الضلال ولا يدعو إليه، لكن هذا لا يعارض أنه من الله خلقًا وتقديرًا لما اقتضته حكمته سبحانه.
وأما الدليل السادس؛ فهو يدل على أن العبد فاعل للضلال كاسب له، وهذا صحيح، لكن لا يدل على أنه غير مخلوق له سبحانه، فجميع أفعال العباد خلق لله سبحانه وفعل للعباد واكتساب.
стр. 642
وأما الدليل السابع؛ فيدل على ما ذكروه، لكن لا يدل على أن الله سبحانه لا يهدي ولا يضل، فتزيين الضلال والدعوة إليه وفعله واكتسابه شيء، وخلقه شيء آخر.
وأما الدليل العقلي، فهو إلزامات تدور على لزوم الجبر من إثبات هداية الله وإضلاله، وهذا إنما يلزم الجبرية النافين لقدرة العبد ومشيئته، وأما من يثبت للعبد قدرة ومشيئة يفعل بهما - وهما سببان من أسباب وجود الفعل -؛ فلا يتوجه عليه هذا الإلزام، فالله سبحانه يهدي فضلًا منه سبحانه، ثم العبد يتسبب في الهداية بعد ذلك إلى أنواع الطاعات، وهو سبحانه يضل عبده لاستحقاقه الإضلال، والعبد يضل بسبب تركه الهدى.
ثم إن إضلال الله سبحانه للعبد ليس ظلمًا بل هو عدل وحكمة - كما تقدم - (١).
وأما ما زعموه من أن الإضلال هو الخذلان وترك التسديد والإعانة ومنع الألطاف؛ فهو معنى صحيح، فمن أضله الله سبحانه فإنه قد خذله ومنع عنه الإعانة ولم يسدده، لكن الإضلال مشتمل - مع هذا - على معنى زائد، وهو خلقه سبحانه الضلال في القلب.
وأما دعواهم أن معنى إضلال الله سبحانه لعبده: تسميته ضالًّا أو دعوته بالضلال ونحو ذلك فباطل مخالف للشرع واللغة.
أما الشرع فتقدم، وأما اللغة فليس فيها أضله بمعنى وجده ضالًّا أو سماه ضالًّا ونحوه.
стр. 643
قال ابن القيم ﵀: "والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له، كقول بعضهم: المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديًا وضالًّا، فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يعلم قطعًا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه، وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة، وليس في لغة أمة من الأمم - فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها - هداه بمعنى سماه مهتديًا، وأضله سماه ضالًّا، وهل يصح أن يقال: علَّمه إذا سماه عالمًا وفهَّمه إذا سماه فهمًا. . . وهذا من جناية القدرية على القرآن ومعناه" (١).
стр. 644
المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 645
المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الإمام ابن قتيبة ﵀: "وعدل القول في القدر أن تعلم. . . وأن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد، ويتفضل بها على من أحب، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته" (١).
وقال الأشعري ﵀ في "الإبانة": "الله اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد بما لم يعط الكافرين وفضل عليهم المؤمنين" (٢).
وقال الآجري ﵀: "أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فلن يهتدوا إذا أبدًا" (٣).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فإنهم [أي: أهل السنة] متفقون على أن لله
стр. 646
على عبده المطيع المؤمن نعمة دينية خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر" (١).
وقال ﵀: "ولأجل هذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر على أن الله خص المؤمنين بنعمة دون الكافرين، بأن هداهم للإيمان" (٢).
وقال ﵀: "والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالإعانة والهداية؛ فإنه بيَّن لهم هداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وأعانهم على اتباع ذلك علمًا وعملًا" (٣).
ومن أدلة السنة: حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول: (لولا أنت ما اهتدينا، نحن ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزِلن سكينةً علينا، إن الأُلى - وربما قال: المَلَا - قد بَغوا علينا، إذا أرادوا فتنةً أبَيْنا أبَيْنا) - يرفع بها صوته - (١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجلٌ من الأنصار من أهل قُباء النبيَّ ﷺ فانطلقنا معه، فلما طَعِم وغسل يديه - أو قال: يده - قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطعَم، مَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ولا مكافي ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكَسَا من العُريِّ، وهدى من الضلالة، وبصر من العماية، وفضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين) (٢).
وقول كعب بن مالك ﵁ كما في حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا: "فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا" (٣).
стр. 649
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، وبالجملة؛ فكل آية تدل على هداية التوفيق فهي دليل على هذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن ذكر أصول عدة في القدر منها هذه المسألة -: "ونصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة - المبينة لهذه الأصول - كثيرة" (١).
وأما الإجماع؛ فحكاه شيخ الإسلام ﵀ كما تقدم النقل عنه (٢).
وأما العقل؛ فلأنه إذا لم يكن لله سبحانه على المطيع نعمة اختصه بها وأعانه؛ للزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بغير مرجح، وحدوث الحوادث بلا سبب حادث، إذ لو كان حال العبد قبل أن يفعل كحاله حين الفعل سواء لا مزية لأحد الحالين على الآخر؛ فما الذي رجح وجود الفعل منه على عدمه؟ فتخصيص هذه الحال بكونه فاعلًا فيها دون الأخرى ترجيحًا لأحد المتماثلين بدون مرجح، فلا بد إذن من مرجح يرجح الفعل، وهو إعانة الله سبحانه (٣).
قال ابن القيم ﵀ في رده على من ينكر هذه المسألة: "وكفى بالوحي، وصريح المعقول، وفطرة الله، والاعتبار الصحيح، وإجماع الأمة ردًّا لهذا القول وتكذيبًا له" (٤).
стр. 650
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة هي توضيح وتفصيل للقاعدة السابقة، وتختص ببيان كون الهداية حصلت بإعانة الله سبحانه للمطيع وإنعامه عليه، وببيان كون الضلال حصل لعدم الإنعام.
والنعمة نعمتان: نعمة عامة، يشترك فيها المؤمن وغيره، وهي نعمة الرزق والمسكن ونحوها من النعم الدنيوية.
ونعمة الفطرة السليمة المقتضية للحق، ونعمة الهداية العامة وهداية البيان (١).
وثمة نعمة خاصة، وهي نعمته سبحانه على المؤمنين بالعلوم النافعة والإرادات الصالحة، وهي نعمة دينية، ينال خيرها المؤمن في الدنيا والآخرة.
وفي هذه القاعدة مسألتان:
الأولى: معنى النعمة الدينية وحقيقتها وخصائصها.
الثانية: الفرق بينها وبين هداية التوفيق.
المسألة الأولى: معنى النعمة الدينية وحقيقتها وخصائصها.
النعمة الدينية هي فضلٌ يتفضل الله سبحانه به على من شاء من عباده يهتدي به إلى الأعمال الصالحة، حكمةً منه سبحانه وعلمًا، وهي من التوفيق الذي يوفق الله به عبده للقيام بالمأمور وترك المحظور.
وحقيقتها: أن الله سبحانه يخلق في قلوب العباد محبة الخير وإرادته وإيثاره على ضده، ويزيل الموانع التي تحول دون حصوله.
стр. 651
وذلك أنه ليس للعبد من نفسه قدرة على الهداية إلا أن يقدره الله سبحانه، هو قادر عليها القدرة المصححة التي هي مناط تكليفه بها، لكنه غير قادر عليها القدرة الموجبة، فلا يتمكن من فعلها إلا بمعونة من الله ، فإن أعانه وفق للهدى ووجد منه، وإلا فإنه يبقى على الضلال.
خصائصها:
لهذه النعمة الدينية خصائص تميزها عن غيرها من النعم، ومنها:
أولًا: أنها خاصة بالمؤمن دون غيره، فلا يوفق لها من ليس من أهل الإيمان.
وهذه النعمة تكون بالتوفيق للقيام بالمأمور، وبالتوفيق لترك المحظور، وهذا شامل لأصل الإيمان وشعبه؛ فقد يجتمع في الرجل الواحد توفيق من جهة، وخذلان من جهة أخرى؛ فالفاسق الملِّي منعم عليه بأصل الإيمان وبما قام به من أعمال صالحة، وغير منعم عليه فيما تركه من مأمور أو فعله من محظور، والطائع منعم عليه بما هو أكثر من ذلك.
وهذا التقرير على أصل أهل السنة أنه قد يجتمع في الرجل الواحد موجب الثواب وموجب العقاب (١)، إذ النعمة بالتوفيق للعمل هي التي أوجبت الثواب، وخلافها أوجب العقاب.
بل المؤمن الطائع نفسه يوفق لشيء من البر ويعان عليه، ولا يوفق لشيء آخر ولا يعان عليه، بل لا يمكن أن يوفق لكل خير إذ هذا ليس في مقدور العباد، كما قال ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا) (٢).
стр. 652
وقال ابن عبد البر ﵀: "فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال" (١).
قال ابن رجب ﵀: "لن تقدروا على الاستقامة كلها" (٢).
ومما يدل على خصوصيتها بالمؤمن أنه لو كان هو والكافر في وجودها سواء لكانا جميعًا مؤمنين (٣)، ولو كانا في عدمها سواء لكانا جميعًا كافرين، إذ لا مزية حينئذ ترجح الطاعة على سواها عند المؤمن، وقد عُلم أنها وقعت منه؛ فيلزم حينئذ أنها ترجحت على مثيلتها بغير مرجح، وهذا ممتنع كما تقدم (٤)، ويتضح هذا أكثر بما يأتي:
ثانيًا: أن هذه النعمة الدينية هي التي أوجبت القيام بالأمر وترك النهي، إذ أن العبد ليس له من نفسه - كما تقدم - قدرةٌ موجبةٌ للقيام بذلك، بل لا يستطيعه إلا بإعانة وتسديد، وهذه الإعانة هي حقيقة هذه النعمة لله على العبد، فإذا كان حصولها شرطًا في الطاعة لزم أن لا تحصل إلا بوجودها، إذ حصول المشروط متوقف على حصول شرطه (٥)، فإذا وجدت الإعانة وجدت الطاعة، وإذا عدمت عدمت.
стр. 653
وهذا كما تقدم تقريره آنفًا؛ فإن النعمة لو عدمت في المؤمن لَلَزِم أن الطاعة ترجحت على المعصية بغير مرجح، وهذا ممتنع.
ثالثًا: أن هذه النعمة محض فضل الله سبحانه على العبد ولطفه به؛ فليس للعبد عند الله عهد أو حق بأن ينعم عليه بها، بل هو سبحانه يختص بها من شاء فضلًا وجودًا وتكرُّمًا منه .
وهذا الاختصاص مبني على علمه سبحانه بمن يصلح لهذا الفضل ممن لا يصلح، وحكمته سبحانه التي تقتضي وضع الشيء في موضعه اللائق به.
قال شيخ الإسلام ﵀: "بل إعانته على الطاعة لمن أمره بها فضلٌ منه كسائر النعم، وهو يختص برحمته من يشاء" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين: حبه وحسنه الداعي إلى حبه، وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان، وأن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم، بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده، فجاد عليهم به فضلًا منه ونعمةً، والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح، حكيم بجعله في مواضعه" (٢)(٣).
стр. 654
المسألة الثانية: الفرق بينها وبين هداية التوفيق.
إذا تبين معنى النعمة الدينية على المؤمن؛ فما الفرق بينها وبين هداية التوفيق؟
والجواب أن هذه النعمة هي من هداية التوفيق، وهي سبب لهداية التوفيق.
فالله سبحانه إذا أراد هداية عبد فإنه يعينه؛ فيحبَّب إليه الهدى والإيمان، ويكرِّه إليه خلافه من الضلال والكفر، وهذه هي النعمة الدينية، ثم يجعل سبحانه هذا منه سببًا يخلق به في قلبه القدرة والإرادة والهدى، ويزال عنه موانع الهداية، ويقام له موانع الضلال، فيهتدي العبد إلى الحق والصواب.
فبنعمة الله سبحانه أحب الحق وأراده وكره خلافه، وبنعمته سبحانه هدي إلى الحق هداية التوفيق.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وإلهامهم الإيمان وهدايتهم إليه، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل لهم بها الإيمان دون الكافرين؛ هو من نعمته" (١).
وإذا كانت هذه النعمة الدينية هي سبب الهداية للمؤمن؛ فعدمها هو سبب ضلال الكافر، إذ لو أنعم الله عليه بهذه النعمة لاهتدى.
ومنعه سبحانه الكافر هذه النعمة ليس ظلمًا للكافر، لأنه لم يمنعه ما هو حق له، بل منعه فضله، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
стр. 655
وهذا السؤال يتكرر في كل مسألة تتعلق بالهدى والضلال، وقد سبق الكلام عليه فيما مضى (١).
والحاصل أن الله سبحانه اختص العبد المطيع دون غيره بنعمة أعانه بها على الطاعة والهداية إعانة لم يعن بها غيره، وهذه الإعانة هي محض فضله سبحانه لا استحقاق للعبد فيها، راجعة إلى علمه وحكمته، والله أعلم.
стр. 656
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
يخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة القدريةُ المعتزلة، فإنهم ذهبوا - بناءً على أصلهم في الهدى والضلال - إلى أن المؤمن والكافر سواء في إنعام الله سبحانه عليهما النعمة الدينية، وهي ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف، والمؤمن اهتدى بنفسه بغير نعمة أخرى خاصة من الله، والكافر ضل بنفسه من غير خذلان يخصه من الله سبحانه (١).
قال يحيى بن الحسين: "أما معنى تحبيب الله إلى العباد الإيمان وتكريهه للكفر والفسوق والعصيان؛ فهو بما جعل وحكم لمن آمن واتقى من الجنان والنعيم والجزاء والإحسان، وبما كان يريهم ويشرعه لديهم من نصر المؤمنين والإظهار لحجتهم والإعزاز لدينهم، والتكريه منه لما ذكر، فهو بما أوجب على فاعل ذلك من العقوبات في الآخرة بالنيران، وفي الدنيا بالقتل والسبي والذل والخذلان، فلما جعل ما جعل من الثواب للمؤمنين، وما أعد وحكم بما حكم به من العقاب على الكافرين؛ رغب الراغبون في الثواب وأوجبوا له الإيمان وآمنوا، وهاب واتقى وخاف العقاب الخائفون، فاتقوا الله وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان لخوف العقاب فاهتدوا، وزهد أهل الكفر في كفرهم لما يرون من ذلهم وصغارهم وظهور الحق والمحقين واعتلائهم، فتركوا الفسق ودخلوا في الحق، فهذا إن شاء الله معنى ما ذَكر من ذلك العليُّ الأعلى" (٢).
стр. 657
وقال القاضي عبد الجبار في تفسيرها: "لأن ذلك يدل على أن الإيمان من نعمة الله تعالى، من حيث ألطف لنا وسهل سبيلنا إلى فعله" (١).
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]: "التوفيق من فعل الله في الحقيقة، وهو ما يفعله مما يدعو العبد إلى العبادة، كخلق الولد والغنى وما شاكله" (٢).
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]: "ومعنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكناية كما سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله" (٣).
فيتضح من هذه النقول أن المعتزلة يرون أن الله سبحانه أقدر المؤمن والعاصي على الفعل والترك على السوية، ولم يجعل للمؤمن مزية في ذلك على العاصي، وتأولوا ما ورد من تحبيب الإيمان وتزيينه بالدعوة إليه، أو الإقدار عليه، أو بالثواب عليه.
وقولهم هنا مبني على ما ذهبوا إليه من أن الله سبحانه لا يهدي ولا يضل، وشبههم هناك هي شبههم هنا، والله أعلم.
ومما يبين بطلان إنكار المعتزلة للنعمة الخاصة بالطائع ما تقدم من أنه يلزم
стр. 658
من ذلك الترجيح بغير مرجح، لأنه لو كان حال العبد قبل الفعل كحاله حين الفعل سواء؛ فلا مرجح إذن رجح وجود الفعل منه على عدمه.
فلا بد إذن من مرجح يرجح الفعل على ضده، وهو إعانة الله سبحانه (١).
ويقال لهم أيضًا: قد أثبت الله سبحانه في آيات كثيرة أنه لولا نعمته ورحمته وفضله لما وقعت الطاعة من العبد، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، فإما أن يقولوا بمقتضى هذه الآيات، وأن الله سبحانه ابتدأ المؤمنين بنعمة خصهم بها عن الكافرين، فيخرجوا من قولهم ويوافقوا أهل السنة، وإما أن يقولوا بشمول هذه النعمة للكفار، وهذا باطل إذ يلزم عليه أن يكونوا مؤمنين طائعين، وهذا غير واقع (٢).
وإثبات المعتزلة للألطاف ليس فيه موافقة لأهل السنة في هذه المسألة، ويتضح ذلك ببيان الفرق بينهما.
إذ اللطف عند المعتزلة هو: "كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح" (٣)، فهو: "زيادة في تمكين المكلف أو إزاحة علته" (٤).
فاللطف عندهم راجع إلى الإقدار والتمكين فحسب، بل عندهم أنه
стр. 659
يجب على الله سبحانه أن يلطف لكل من كلفه، ولا مزية في هذا لأحد على أحد، وبعد هذا اللطف؛ من المكلفين من يؤمن، ومنهم من يكفر، وأما النعمة الدينية فهي أمر زائد عن ذلك، فهي خلق اختيار الطاعة في قلب العبد ومحبتها وإيثارها على ضدها، وهي التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
واللطف الخاص بالمؤمنين عندهم من قبيل الثواب على الطاعة لا أنه الحامل عليها، إذ هو بعد الطاعة، وهو التسديد والتثبيت ونحو ذلك من المعاني، ويتضح هذا في قول القاضي عبد الجبار: "فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم" (١).
وأما النعمة الدينية فهي الحامل على الطاعة، وليست هي ثوابها، ولكن قد تكون الطاعة الأولى سببًا في نعمة تحمل على طاعة أخرى، وهكذا.
ومما يبطل قولهم كذلك: ما تقدم من أدلة على ثبوت نعمة دينية خاصة بالمؤمن، والله أعلم.
стр. 660
المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 661
المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الربيع بن أنس ﵀: "لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده" (١).
ومثله عن الضحاك ﵀ (٢).
وقال الآجري ﵀: "وليس لأحد على الله حجة، بل لله الحجة على خلقه" (٣).
وقال ابن بطة ﵀: "فمن هداه بطَول منه اهتدى، ومن خذله ضل بلا حجة له ولا عذر" (٤).
وقال الصابوني ﵀: "ويشهدون [أي: أهل السنة والجماعة] أن الله تعالى
стр. 662
يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه" (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فإن القدر ليس حجة لأحد لا على الله ولا على خلقه" (٢).
وقال ﵀: "لا عذر لأحد بالقدر، بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر، بل لله الحجة البالغة، ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته داحضة ومن اعتذر به فعذره غير مقبول" (٣).
وقال ابن القيم ﵀: "والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب" (٤).
стр. 663
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
أما الكتاب، فمنه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَاقُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧].
وأما السنة؛ فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة؟ قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدر الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى ثلاثًا) (١).
стр. 664
وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (١).
وأما الإجماع؛ فممن حكاه:
- ابن عبد البر، قال ﵀: "وقد أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحد أن يجعله [أي القدر] حجة إذا أتى ما نهاه الله عنه، وحرمه عليه" (٢).
- شيخ الإسلام، قال ﵀: "وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء" (٣).
وقال ﵀: "وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضًا على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به منهيون عما نهاهم الله عنه. . . ومتفقون أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه ولا محرم فعله بل لله الحجة البالغة على عباده" (٤).
وأما العقل؛ فإنه لو كان القدر عذرًا للخلق في فعل المحظور وترك المأمور؛ للزم أن لا يُلام أحدٌ على إساءة، ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة، وللزم أن يمكن الناس من فعل ما يشتهون مطلقًا، وهذا معلوم الفساد ببدائه العقول، ولا يتصور أن تقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا
стр. 665
في الآخرة، بل هو موجب الفساد العام (١).
والأمة مجمعة على جواز لوم من أتى ما يلام عليه من المعاصي وذمه على ذلك، كما أنهم مجمعون على حمد من أتى من الأمور المحمودة ما يحمد عليه (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: - مدَلِّلًا بالإجماع والعقل على بطلان الاحتجاج بالقدر -:
"والاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين" (٣).
ومثله قول مرعي الكرمي ﵀: "والاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب والمعاصي باطلٌ باتفاق أهل الملل وذوي العقول، وهو مما يعلم بطلانه بضرورة العقل" (٤).
وأما الفطرة؛ فلأن الناس مفطورون على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولا بد لهم من التآمر على تحصيل منافعهم ودفع مضارهم، ولا يتأتى هذا إذا مُكِّن كل واحد من أن يفعل ما يشاء من المفاسد ويحتج بالقدر، لأن قبول هذه الحجة من المفسد يوجب الفساد الذي لا صلاح معه، وهذا مردود في فطر جميع الناس (٥).
стр. 666
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
تضمنت هذه القاعدة أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان، وهو أنه لا حجة لأحد على الله ، بل لله سبحانه الحجة البالغة على عباده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والاحتجاج في اللغة: مصدر احتج يحتج، وهو استفعال من الحجّ، والحجُّ في الأصل القصد، وله معان منها الحجة: الدليل والبرهان، وما دُوفع به الخصم، أو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، سميت بذلك لأنها تحج، أي تقصد إذ القصد لها وإليها (١).
والمراد بالاحتجاج بالقدر: جعله حجة لفعل أو ترك.
والاحتجاج هنا ليس مقصورًا على الخصم الخارجي، بل حتى على النفس، فإن النفس اللوامة، تلوم صاحبها على فعل المعصية، فهي مخاصمة له في ذلك.
والاحتجاج بالقدر إما أن يكون على معصية، أو على طاعة، أو على مصيبة، والاحتجاج به على المعاصي هو محل البحث هنا.
ودخول المعاصي في جملة ما قدَّره الله على العباد أمر مجمع عليه عند مثبتة القدر، وقد دل على ذلك جملة كبيرة من الأدلة الشرعية والعقلية.
ودل على ذلك أيضًا جملة صالحة من كلام أئمة السلف رضوان الله عليهم، من ذلك:
стр. 667
قال عبد الرحمن بن مهدي: "المعاصي بقدر" (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: "الخير والشر بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وأفاعيل العباد كلها بقدر" (١).
والاحتجاج بالقدر على المعاصي يتناول معنيين:
الأول: الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع.
الثاني: الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع.
أما الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع، فهو المتبادر من المعنى، سواء عند أهل السنة أو عند خصومهم.
وصورة هذا الاحتجاج هي أن يرتكب العبد المخالفة، ثم يعتذر ويحتج على من ينكر ذلك عليه بسبق المقادير، وأنه لا حيلة في دفع القدر، قصدًا منه لرفع اللوم والعقوبة عن نفسه.
وهذا النوع من الاحتجاج محرم لا يجوز، وهو باطل بالشرع والعقل من وجوه كثيرة:
أما الشرع، فقد ردَّ اللهُ سبحانه هذه الشبهة على أصحابها، من ذلك قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].
وهذه الآية أصل عظيم في الاستدلال على بطلان الاحتجاج بالقدر على
стр. 668
المعاصي، وهي فيصل بين أهل السنة والقدرية.
قال ابن عباس ﵄: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ حتى بلغ: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، والعجز والكيس من القدر" (١).
وقال علي بن زيد ﵀: "انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢).
أخبر سبحانه في هذه الآية أولًا أنها حجة المشركين، وكفى بها قبحًا ودحضًا أنها حجة المشركين، ثم ساق هذه الشبهة، ومفادها: "أن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك" (٣).
فما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى، وكل ما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده ؛ فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى (٤).
ثم شرع في ردها بأن هذه الحجة هي عين حجة الأقوام السابقة من الكفار التي ضلوا بسببها، وهي لم تنفعهم لأنهم عوقبوا، إذ لو نفعتهم لما عوقبوا.
стр. 669
ثم أخبر سبحانه أنه ليس لهم علم بنَوا مقالتهم عليه، بل كانت ثمرة اتباع الظن والخرص والكذب على الله، النابع عن اتباع الهوى.
ثم أعقب سبحانه ذلك بالحجة الدامغة عليهم، التي لا مناص لهم عنها، وهي أن هداية من هَدى، وإضلال من أضل إنما هو عن حكمة بالغة، إليها ترجع مشيئته في ذلك (١).
وتسويتهم بين رضا الله سبحانه ومشيئته باطل، إذ قد يشاء الله سبحانه ما لا يحبه ويرضاه، كما شاء خلق الكفر والفسوق وهو لا يرضاهما ولا يحبهما، وقد يرضى ويحب ما لا يشاء وجوده كإيمان أبي جهل وسجود إبليس، كما قد تقدم في الكلام على الإرادة (٢).
وهذه الآية حجة على كل من المعتزلة والجبرية، فصدرها دافع بصدور الجبرية؛ بإثبات أن للعبد اختيارًا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وعجزها معجز للقدرية؛ بإثبات نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية (٣).
ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
فقد جعلهم الله سبحانه متبعين في هذه الشبهة الفاسدة لمن سبقهم
стр. 670
من المشركين.
وقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يتضمن معنى التهديد والوعيد لهم، قال السعدي ﵀: "أي: البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة، فإذا بلَّغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه واحتجوا عليهم بالقدر؛ فليس للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله " (١).
وأما العقل، فمن وجوه كثيرة، منها:
أولها: أن العباد مأمورون منهيون، وقد علم بالضرورة أن الأمر والنهي إنما يتوجه لمن هو قادر على الضدين، ولولا هذا الإقدار لما خوطب بالتكليف، وإذا ثبت ذلك؛ فلا حجة في القدر على المعصية، لأنها والطاعة سواء في قدرة العبد، بل فالاحتجاج به بعد هذا ظلم محض، وعناد صرف (٢).
ثانيها: أن العبد قبل ركوب المعصية لا يعلم ما الذي سبق به القدر، فاحتمال سبق القدر بالمعصية حينئذ ليس أولى باحتمال سبْقه بالطاعة، والعكس بالعكس.
ثالثها: أنه يستلزم لوازم باطلة، منها:
١) أنه يستلزم طي بساط الشرع وإسقاط الأمر والنهي، إذ القدر حجة، وترك امتثال الأمر والنهي سبق به القدر، فيكون تركهما لا لوم فيه، وهذا من أبطل الباطل (٣).