المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
تضمنت هذه القاعدة أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان، وهو أنه لا حجة لأحد على الله ، بل لله سبحانه الحجة البالغة على عباده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والاحتجاج في اللغة: مصدر احتج يحتج، وهو استفعال من الحجّ، والحجُّ في الأصل القصد، وله معان منها الحجة: الدليل والبرهان، وما دُوفع به الخصم، أو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، سميت بذلك لأنها تحج، أي تقصد إذ القصد لها وإليها (١).
والمراد بالاحتجاج بالقدر: جعله حجة لفعل أو ترك.
والاحتجاج هنا ليس مقصورًا على الخصم الخارجي، بل حتى على النفس، فإن النفس اللوامة، تلوم صاحبها على فعل المعصية، فهي مخاصمة له في ذلك.
والاحتجاج بالقدر إما أن يكون على معصية، أو على طاعة، أو على مصيبة، والاحتجاج به على المعاصي هو محل البحث هنا.
ودخول المعاصي في جملة ما قدَّره الله على العباد أمر مجمع عليه عند مثبتة القدر، وقد دل على ذلك جملة كبيرة من الأدلة الشرعية والعقلية.
ودل على ذلك أيضًا جملة صالحة من كلام أئمة السلف رضوان الله عليهم، من ذلك:
стр. 667
قال عبد الرحمن بن مهدي: "المعاصي بقدر" (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: "الخير والشر بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وأفاعيل العباد كلها بقدر" (١).
والاحتجاج بالقدر على المعاصي يتناول معنيين:
الأول: الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع.
الثاني: الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع.
أما الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع، فهو المتبادر من المعنى، سواء عند أهل السنة أو عند خصومهم.
وصورة هذا الاحتجاج هي أن يرتكب العبد المخالفة، ثم يعتذر ويحتج على من ينكر ذلك عليه بسبق المقادير، وأنه لا حيلة في دفع القدر، قصدًا منه لرفع اللوم والعقوبة عن نفسه.
وهذا النوع من الاحتجاج محرم لا يجوز، وهو باطل بالشرع والعقل من وجوه كثيرة:
أما الشرع، فقد ردَّ اللهُ سبحانه هذه الشبهة على أصحابها، من ذلك قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].
وهذه الآية أصل عظيم في الاستدلال على بطلان الاحتجاج بالقدر على
стр. 668
المعاصي، وهي فيصل بين أهل السنة والقدرية.
قال ابن عباس ﵄: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ حتى بلغ: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، والعجز والكيس من القدر" (١).
وقال علي بن زيد ﵀: "انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢).
أخبر سبحانه في هذه الآية أولًا أنها حجة المشركين، وكفى بها قبحًا ودحضًا أنها حجة المشركين، ثم ساق هذه الشبهة، ومفادها: "أن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك" (٣).
فما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى، وكل ما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده ؛ فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى (٤).
ثم شرع في ردها بأن هذه الحجة هي عين حجة الأقوام السابقة من الكفار التي ضلوا بسببها، وهي لم تنفعهم لأنهم عوقبوا، إذ لو نفعتهم لما عوقبوا.
стр. 669
ثم أخبر سبحانه أنه ليس لهم علم بنَوا مقالتهم عليه، بل كانت ثمرة اتباع الظن والخرص والكذب على الله، النابع عن اتباع الهوى.
ثم أعقب سبحانه ذلك بالحجة الدامغة عليهم، التي لا مناص لهم عنها، وهي أن هداية من هَدى، وإضلال من أضل إنما هو عن حكمة بالغة، إليها ترجع مشيئته في ذلك (١).
وتسويتهم بين رضا الله سبحانه ومشيئته باطل، إذ قد يشاء الله سبحانه ما لا يحبه ويرضاه، كما شاء خلق الكفر والفسوق وهو لا يرضاهما ولا يحبهما، وقد يرضى ويحب ما لا يشاء وجوده كإيمان أبي جهل وسجود إبليس، كما قد تقدم في الكلام على الإرادة (٢).
وهذه الآية حجة على كل من المعتزلة والجبرية، فصدرها دافع بصدور الجبرية؛ بإثبات أن للعبد اختيارًا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وعجزها معجز للقدرية؛ بإثبات نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية (٣).
ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
فقد جعلهم الله سبحانه متبعين في هذه الشبهة الفاسدة لمن سبقهم
стр. 670
من المشركين.
وقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يتضمن معنى التهديد والوعيد لهم، قال السعدي ﵀: "أي: البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة، فإذا بلَّغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه واحتجوا عليهم بالقدر؛ فليس للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله " (١).
وأما العقل، فمن وجوه كثيرة، منها:
أولها: أن العباد مأمورون منهيون، وقد علم بالضرورة أن الأمر والنهي إنما يتوجه لمن هو قادر على الضدين، ولولا هذا الإقدار لما خوطب بالتكليف، وإذا ثبت ذلك؛ فلا حجة في القدر على المعصية، لأنها والطاعة سواء في قدرة العبد، بل فالاحتجاج به بعد هذا ظلم محض، وعناد صرف (٢).
ثانيها: أن العبد قبل ركوب المعصية لا يعلم ما الذي سبق به القدر، فاحتمال سبق القدر بالمعصية حينئذ ليس أولى باحتمال سبْقه بالطاعة، والعكس بالعكس.
ثالثها: أنه يستلزم لوازم باطلة، منها:
١) أنه يستلزم طي بساط الشرع وإسقاط الأمر والنهي، إذ القدر حجة، وترك امتثال الأمر والنهي سبق به القدر، فيكون تركهما لا لوم فيه، وهذا من أبطل الباطل (٣).
стр. 671
٢) أنه يستلزم إبطال الثواب والعقاب والجنة والنار، إذ لا لوم على فعل المعصية لسبق القدر بها، والطاعة قرينتها في ذلك، فعلى ماذا يكون الثواب والعقاب؟
٣) أنه يستلزم إبطال الرسالة وإفحام الأنبياء، وإسقاط حجة الله على عباده، لأن الرسل إذا أمروا أقوامهم بشرائع الإيمان إقامةً لحجة الله ؛ حاججهم أقوامهم بهذه الحجة، فتصحيح هذه الحجة يستلزم إفحام الرسل بداهةً، بل يستلزم ما هو أعظم من ذلك وهو كون الرسالة عبثًا وسفهًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
٤) أنه يستلزم الفساد العام، إذ لو كان القدر حجة؛ لكان حجة للجميع، وليس لأحد دون أحد، وعليه يلزم تمكين كل أحد من فعل ما يريد ومعلوم ضرورةً أن في هذا فساد معايش العباد وأديانهم.
ومن هنا كان من يحتج بالقدر متناقضًا متبعًا لهواه، لأنه لو ظلمه أحد في مال أو عرض أو أي متاع حقير واحتج عليه بالقدر؛ لما قبل منه بل لشنع عليه وأبطل احتجاجه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وهؤلاء لا يحتجون بالقدر إلا إذا كانوا متبعين لأهوائهم بغير علم، ولا يطردون حجتهم، فإن القدر لو كان عذرا للخلق للزم أن لا يلام أحد ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يقتص من ظالم أصلًا، بل يُمكن الناس أن يفعلوا ما يشتهون مطلقًا، ومعلوم أن هذا لا يتصور أن يقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو موجب الفساد العام وصاحب هذا لا يكون إلا ظالمًا متناقضًا، فإذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته وجزاه ولم يعذره بالقدر، وإذا كان هو الظالم
стр. 672
احتج لنفسه بالقدر، فلا يحتج أحد بالقدر إلا لاتباع هواه بغير علم، ولا يكون إلا مبطلًا لا حق معه" (١).
ومن هذه اللوازم الباطلة يُعلم أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي هو عين القول بأن العبد مجبور عليها، إلا أن الجبرية الخُلَّص يفضُلون هؤلاء بأنهم يجعلون العبد مجبورًا على كلا الأمرين: الطاعة والمعصية، وأما هؤلاء فيجعلون العبد مجبورًا على المعصية، وأما الطاعة فهو غير مجبور عليها، بل فعلها بقدرته وإرادته.
وفي هؤلاء يصدق قول من قال من أهل العلم: "أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به؟! " (٢)، وإنما الواجب عكس القضية، فالمطلوب أن يشهد العبد سبق القدر ونفوذ المشيئة عند فعله الطاعة، وأن يشهد ذنوبه وتقصيره إذا وقع في معصية (٣).
ومن هنا يُعلم أن هؤلاء متبعون لأهوائهم، وأنهم لم يقصدوا إقامة الحجة في واقع الأمر، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنه لا حجة لهم.
قال السعدي ﵀: "ومنها [أي من وجوه بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي]: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودًا، ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم
стр. 673
يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ" (١).
والمحتجون بالقدر على المعاصي عكسوا الأمر؛ إذ أن سبق المقادير في الحقيقة باعث على تجنب المعاصي والمنكرات وفعل القربات والطاعات، ولذلك لما سمع سراقة ﵁ قول النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر)؛ قال: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (٢)، وقد تقدم الكلام على ذلك في ثمرات الإيمان بالقدر (٣).
وأما الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع، فصورته أن يقع العبد في المعصية، ثم يتوب منها توبة نصوحًا، ويعلم أنه مقصر، وأنه مذنب باغ لا حجة له ولا عذر، ثم يحتج عليها بسبق القدر، وهذا إنما يكون عقب المعصية بعد التوبة منها، لا حال المعصية ولا قبلها.
وهذا النوع من الاحتجاج جائز ولا ينافي الشرع من وجهين:
الأول: أنه لا يؤدي إلى تعطيل الأمر والنهي، إذ تعظيم الشرع قائم في نفس هذا المحتج، وهو مقرٌّ بأن سبق القدر بالمصيبة ليس حجة له، وإلا لم ير نفسه مقصرا باغيًا.
الثاني: أن حقيقة هذا الاحتجاج ترجع إلى الاحتجاج بالقدر على المصيبة، لأن المعاصي هي من جملة المصائب، بل هي أعظم المصائب وشرها، وإنما لم يصح الاحتجاج بالقدر عليها في الحالة الأولى لأن في ذلك تعطيلًا لشرع الله، وإسقاطًا
стр. 674
للأمر والنهي، وطيًّا لبساط الشرع، واستقام الاستدلال هنا إذ لا تعطيل للشرع، وهذا هو الفرق الجوهري بين ما ينافي الشرع من ذلك وما لا ينافيه.
ولذلك كان قول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] صحيحًا في ذاته، ولم ينكره الله عليهم، وإنما أنكر الله عليهم جعله حجة وذريعة لكفرهم وشركهم، ومعارضتهم أمره ونهيه سبحانه بقضائه وقدره (١).
وقد لخص ابن القيم ﵀ ما يجوز من الاحتجاج بالقدر على الذنوب وما لا يجوز بعبارة مختصرة بديعة، فقال: "ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا؛ فالاحتجاج بالقدر باطل" (٢).
والناس في هذا المقام حيال الشرع والقدر على ثلاثة أقسام (٣):
الأول: من يحتج بالقدر على المعاصي لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه في المصائب، ولا يحتج به على الطاعة، فهو عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري كما سبق، وهذا ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم وإنما هو حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا لحدود الأمر والنهي حفظوا، ولا لحقيقة القضاء والقدر شهدوا، وهذا القسم شر الأقسام.
الثاني: خلافه، وهم من يحتج بالقدر على الطاعة، ولا يحتج به على المعصية، فيقيم شرع الله ويجتهد في ذلك، وينسب ما يوفق إليه من ذلك الخير
стр. 675
إلى القدر والمشيئة، ويمتنع عن المعاصي ويجتهد في ذلك، وينسب ما يقع فيه من ذلك الشر إلى نفسه وإلى الشيطان، وهذا القسم خير الأقسام.
الثالث: وهم قسم بين هذين القسمين، وهم الخائضون في القدر بالباطل، وهم صنفان:
- صنف ينكر القدر من أصله، ولا يجعله القدر حجة لا على طاعة ولا على معصية، ولا ينظر إليه في مصيبة، بل يرى أنه هو من يهدي نفسه ومن يضلها، ولا ثم إعانة من الله ولا توفيق ولا خذلان. هذا مع قيامهم بالشرع والأمر والنهي.
- وصنف يغلون في إثبات القدر ولا يرون لأنفسهم فعلًا ولا تركًا، بل يرون أنهم مجبورون على أفعالهم، ولا اختيار لهم فيها. ويحتجون بالقدر على ما يقع منهم من ذنوب أو عدوان على الخلق، وفي هؤلاء من انحلَّ عن الدين وأسقط الأمر والنهي بالكلية.
هذه هي مجمل أقسام الناس، وها هنا كلمة عظيمة لشيخ الإسلام - طيَّب الله ثراه -، جمعت ما يجب على العبد حيال القدر والشرع، قال ﵀: "العبد عليه:
- أن يصبر، وينبغي له أن يرضى بما قدر من المصائب.
- ويستغفر من الذنوب والمعائب، ولا يحتج لها بالقدر.
- ويشكر ما قدر الله له من النعم والمواهب.
فيجمع بين الشكر، والصبر، والاستغفار، والإيمان بالقدر والشرع" (١).
стр. 676
وللاحتجاج بالقدر صورتان أخرتان، وهما:
- الاحتجاج به على المصائب.
- الاحتجاج بالقدر على الطاعات.
وفيما يأتي بيان لكل واحدة منهما على حدة:
أولًا: الاحتجاج بالقدر على المصائب وحكمه.
خلق الله سبحانه الخلق وقدَّر عليهم النعم والمصائب وهو الحكيم العليم، فهم صائرون إلى ما قدر لهم، وقد أمر سبحانه بالصبر على المصائب وعدم التشكي منها، وجعل أعظم سبل ذلك: النظر إلى سابق القدر، وأن لله سبحانه في تقديرها أعظم الحِكَم.
فشرع سبحانه لعباده حيال المصيبة أن يلاحظوا سبق المقادير، بل أمرهم أن يحتجوا بذلك عليها.
قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (١)، فأرشد النبي- ﷺ من أصابه مكروه إلى اللجوء إلى القدر، وعدم التحسر واللوم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي، بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه" (٢).
стр. 677
وحديث أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين، وخدمته عشر سنين، فما لامني لائم من أهله إلا قال: (دعوه، فإنه لو قضي شيء كان) (١).
وحديث محاجة آدم وموسى وفيه قول النبي ﷺ لما احتج آدم على موسى بالقدر -: (فحج آدم موسى) (٢)، إقرارًا لصحة الاحتجاج بالقدر على المصيبة.
فالاحتجاج بالقدر على المصيبة مشروع لأمور:
الأول: أن هذا ما دلت عليه النصوص، كما تقدم.
الثاني: أنه لا ينافي ما شرعه الله سبحانه من امتثال للمأمور وترك للمحظور، بل يؤيده؛ لأن علم العبد بأن الله سبحانه قدر عليه المصيبة، ورده لها إلى القدر مأمورٌ به، وخلافه منهيٌّ عنه، فالرد إلى القدر عند المصيبة إعمالٌ للشرع، وإعمال الشرع بملاحظة القدر حال الكُمَّل من الخلق كما سيأتي، وهذا يظهر الترابط بين ما شرعه الله وما قدَّره.
الثالث: أنه يدل على رضا صاحبه بالقدر، ولا يمكن تحقيق هذا الرضا إلا بالرجوع إلى القدر.
стр. 678
وفيه إلزام كذلك للخصم بالحجة، لأن عليه أن يرضى بالقدر؛ إذ أن هذه النازلة هي من جملة المقدور الذي يجب التسليم له، وهذا في الحقيقة مكمن الحجة.
الرابع: أنه يتضمن الإرشاد إلى شهود ربوبية الله سبحانه وقدرته ومشيئته ونفوذ تصرفه في خلقه وسبق قدره؛ فلا حركة لهم ولا سكنة، ولا حياة ولا موت، ولا أي شيء إلا بمشيئته سبحانه.
الخامس: أنه لو لم يكن الاحتجاج بالقدر على المصيبة صحيحًا للزم أحد محذورين:
- أن الرضا بالقدر غير واجب.
- أن يكون شيء من الحوادث خارجًا عن القدر، وكل منهما باطل.
ولا فرق في ذلك بين المصائب التي تكون بفعل من العباد، أو التي تكون بغير فعل منهم، إذ كلٌّ مقدر، وأسبابٌ ومسبَّبات.
وللاحتجاج بالقدر على المصيبة فوائد جليلة، منها طمأنينة القلب وسكونه وترك التحسر والندم، وترك لوم الخلق والتظلم منهم.
وسيأتي - بحول الله تعالى - الكلام على يتعلق بما يشرع للعبد في القدر عند المصائب وما لا يشرع في مباحث الرضى بالقدر.
ثانيًا: الاحتجاج بالقدر على الطاعات وحكمه.
وكما أمر سبحانه بالصبر على المصائب؛ فقد أمر بشكر النعم، وحمده عليها، وجعل زيادتها مرهونةً بتحقيق ذلك، وجعل نقصها وزوالها بسبب ضده، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ
стр. 679
عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
ولشكر النعمة ثلاثة أركان (١):
- الاعتراف بها لله سبحانه في القلب، فيوقن بقلبه أن الله سبحانه هو الذي تفضل عليه بها، من غير استحقاق منه لها.
- الثناء بها على الله باللسان، ونسبتها إليه سبحانه وحده، لا إلى علمه هو ولا إلى قدرته ولا إلى غير ذلك من الأسباب.
- استخدامها فيما يرضي المنعم .
والطاعات من جملة نعم الله سبحانه على العبد بل هي أجل النعم، وكلما عظمت الطاعة كانت النعمة بها أعظم، والمعاصي على الضد من ذلك؛ كلما عظمت كانت المصيبة بها أعظم، ولذلك كان التوحيد أعظم الحسنات، والشرك أعظم المصائب.
لذلك كان الشكر على الطاعة أوجب من الشكر على غيرها من النعم.
فيجب على العبد أن يعتقد بقلبه أن الله سبحانه هو الذي امتن عليه بالطاعة، ووفقه إليها، ولولا ذلك لما كانت، ويجب عليه كذلك أن ينسبها إلى من تفضل بها لا إلى حرصه هو وجهده وأحقيته.
وهذان الأمران لا يتحققان إلا بملاحظة كون هذه النعمة مقدرة من الله.
فإذا تصدق العبد مثلًا، لحظ إلى القدر، وأيقن أن الله هو الذي تفضل ووفق لهذه الطاعة، فانطلق لسانه بالثناء عليه؛ انسلخ من شهود قدرته
стр. 680
وعمله، فلم يُدْل بها عليه سبحانه، ولم يتكبر ويعجب بها.
فمن هنا يتبين أن الاحتجاج بالقدر على الطاعة خصوصًا وعلى النعم عمومًا أمر مشروع محبوب لله سبحانه، وهو مقتضى شكر النعم.
فخلاصة القول أن سبق المقادير لا حجة فيه على ركوب الآثام والخطايا، والله أعلم.
стр. 681
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
منْع الاحتجاج بالقدر على الذنوب مما اتفق عليه أهل الإسلام - كما تقدم نقل إجماعهم - ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من الخلق، وهو ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على موقف الناس حيال الشرع والقدر.
وجملة المخالفين في الشرع والقدر من وجهة أخرى ثلاثة أصناف (١):
الأول: القدرية المجوسية: وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه؛ فيقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وقال أسلافهم: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرة الرب سبحانه ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ويزعمون أن هذا هو العدل، وهذا يقع كثيرًا إما اعتقادًا وإما حالًا في كثير من المتفقهة والمتكلمة، وقد يبتلى به - حالًا لا اعتقادًا - بعضُ من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر.
الثاني: القدرية المشركية: وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وقالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل
стр. 682
مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يُبتلى به كثيرًا - إما اعتقادًا وإما حالًا - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع العقوبات وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب.
الثالث: القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بشرع الله وقدره، ولكنهم جعلوا هذا تناقضًا، وهؤلاء كثير في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة كقول أبب العلاء المعَرِّي (١):
صرف الزمان مُفَرِّقُ الإلفَين … فاحكم إلهى بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدًا … وبعثت أنت لقتلها ملكين
وزعمت أن لها معادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالين
ومما يتعلق به أصحاب هذا القول من شُبه:
الشبهة الأولى: أنه ما ذنب المذنب إذا كان الله سبحانه قد كتب عليه الذنب وخلقه فيه؟ ولماذا يعاقب على ذنبه والحال هذه؟
الشبهة الثانية: أن العاصي إنما عصى لأن الله لم يرد منه الطاعة، إذ لو أرادها لوقعت، إذ لا راد لمشيئته سبحانه، فكيف يلام ويعاقب على عدم إرادة الله لطاعته؟
стр. 683
الشبهة الثالثة: حديث محاجة آدم وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد تقدم لفظه.
وهذه الشبه الثلاث مرتبطة بشكل مباشر بموضوع الاحتجاج، وثمة شبهتان غيرهما غير مرتبطتين بالاحتجاج أصالة، ويحتج بها هؤلاء وهما:
الشبهة الرابعة: لماذا هدى الله سبحانه الطائع ووفقه للخير، وخذل العاصي ولم يوفقه؟ فلو وفقه لما عصى.
الشبهة الخامسة: أن الذنوب بقضاء الله، فيجب الرضا بها، وعدم الرضا بها يعني عدم الرضا بقضاء الله، وهذا محرم.
هذه أهم شبههم، والجواب عنها من وجهين، مجمل ومفصل.
أما الجواب المجمل، فمن وجوه:
أولها: أن هذا القول مضاد لدين الرسول ﷺ ، بل لسائر الأديان، بل لكل فضيلة وخلة كريمة، إذ مضمونه تجويز فعل كل قبيح والانحلال عن كل فضيلة، ومواقعة كل رذيلة - وعلى رأسها الشرك والكفر - وهذا ما يضاد مقصود الرسالات، هذا وجه.
ووجه آخر: - وهو أعظم من الأول - وهو جعل الدين الداعي إلى الفضائل - الذي عموده ولبه ومقصوده تقوى الرب سبحانه وطاعته - جعله داعيًا إلى الرذائل مُحلًّا لها مسقطًا للَّوم عليها.
ووجه ثالث: أنه مضاد لما اتصف الله سبحانه به من عدل ورحمة، وكونه لا يفعل إلا الخير.
ثانيها: أن هذا القول لا تنتحله طائفة معروفة طوائف المسلمين، وإنما هو
стр. 684
قول زنادقة الشعراء وجهال البشر وحثالة المجتمعات، الذين رأوا في الدين وتعاليمه مانعًا لهم وحاجزًا ورقيبًا عليهم، فأرادوا سد نور الشمس بغربال، فقلبوا الأمر وعكسوا القضية، وجعلوا الدين دليلًا لهم على فجورهم.
ثالثها: أن في هذا القول إسفافًا للعقول وإزراءً عليها، ومناقضة للفطر السليمة، إذ كيف يجوز عقل أو فطرة أن يباشر كل أحد كل قبيح ويقارف كل شنيعة، بلا لوم ولا عقوبة؟!
رابعها: أن هذا المذهب ممتنع التطبيق على أرض الواقع، حتى من جهة هؤلاء أنفسهم، إذ مضمونه أن يمكَّن الناس مما يريدون بدون رقيب أو حسيب وهذا مما لا يمكن وقوعه، لذلك تجد الواحد من هؤلاء إذا اعتدى عليه معتد في أمر يسير واحتج عليه بالقدر لم يقبل منه وطلب القصاص والحكم عليه.
خامسها: أن الاحتجاج بالقدر كما هو ممنوع شرعًا؛ فهو ممتنع قدرًا كذلك، لأن سبق القدر بالمعصية ليس بأولى من سبقه بالطاعة، فالمرء قبل الفعل لا يدري ما سبق به القدر، أسبق بالطاعة أو بالمعصية، فكيف يجعل المجهول دليلًا؟ وكيف يجعل المحتمل حجة، والاحتمال يسقط الاستدلال.
سادسها: أن ثبوت القدر لا ينافي قدرة العبد على الفعل ومشيئته له، بل يؤيده ويؤازره - كما تقدم -.
سابعها: أن زعم التنافي بين الشرع والقدر غير صحيح، لأن الله سبحانه قدر المقادير بناء على ما سبق به علمه أنه سيكون، فالله سبحانه علم من أبي بكر ﵁ أنه سيسلم ويتبع النبي ﷺ ، وعلم من أبي جهل أنه سيعاند ويعادي النبي ﷺ ، وإيمان أبي بكر وكفر أبي جهل كان باختيارهما.
стр. 685
وقد تقدم الكلام على هذه المعاني في غضون المطلب الأول.
وفي حقيقة الأمر أنه ليس لهؤلاء حجة من نص ولا عقل ولا فطرة، لا صحيحة ولا ضعيفة، لا ظاهرة ولا خفية، إذ أن أصحاب هذا المذهب لم يبنوه على ما أخطؤوا في فهمه من كتاب أو سنة أو عقل أو لغة، بل حقيقة حالهم أنهم لما ركبوا الذنوب والآثام، ورأوا مضادة فعلهم للدين والعقل والفطر - وحالهم أنهم لا يستطيعون إنكار الشرع ولا إنكار القدر - أرادوا مخرجًا ينجيهم من ورطتهم، فعارضوا بين الشرع والقدر، وقالوا: إن القدر حجة على مخالفة الشرع.
وأما الجواب المفصل؛ فبتتبع كل شبهة على حدة.
أما الشبهة الأولى؛ فجوابها ما سبق في الرد المجمل، إذ هي أم الشبه وأعمها.
وأما الشبهة الثانية؛ فجوابها من وجهين:
الأول: أن الله سبحانه لا يُسأل عما يفعل، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله سبحانه بمقتضى ربوبيته يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، وليس للعبد المخلوق من عدم أن يعترض على ربه الجبار؛ لم فعل كذا ولم لم يفعل كذا، فالسؤال فاسد من أصله.
الثاني: أن الله سبحانه أراد الطاعة من العاصي، وأحبها ورضيها، لكنه سبحانه لم يشأ وقوعها منه، حكمة منه سبحانه وعدلًا، وعلمًا بأن هذا المحل لا يصلح للخير - كما سيأتي قريبًا -، فعدم إرادته سبحانه للطاعة من العاصي لا ينافي أن له اختيارًا وقدرة على الطاعة كما له اختيار وقدرة على المعصية.
وأما الشبهة الثالثة؛ فحديث المحاجة حديث صحيح، لكن لا دلالة لهم فيه من وجهين:
стр. 686
الوجه الأول: أن موسى ﵇ لم يلم آدم على المعصية، بل على المصيبة، وآدم ﵇ لم يحتج بالقدر على المعصية بل على المصيبة، فاللوم والاحتجاج كانا على المصيبة، يدل عليه أمور:
أولًا: أن سياق المحاجة يدل على أن المقصود هو المصيبة التي سببها الذنب، فموسى ﵇ قال: "خيبتنا وأخرجتنا من الجنة" ولم يقل: عصيت وأذنبت، وآدم ﵇ احتج عليه بسبق القدر بالمصيبة، ولهذا حجه.
ثانيًا: أن آدم كان أعلم بربه وأتقى له من أن يحتج بالقدر على ذنبه إسقاطًا للَّوم، بل آحاد بنيه لا يفعل ذلك، إذ هو باطل شرعًا وعقلًا وفطرةً.
ثالثًا: أنه كيف يظن بموسى كليم الله أن يلوم أباه على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه، ومعلوم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وموسى نفسه قد أذنب وتاب الله عليه؟ (١).
الوجه الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على الذنب يجوز إذا ارتفع اللوم، ولم يقصد به إسقاط الأمر والنهي - كما تقدم بيانه - (٢).
فمن احتج بالقدر على الذنب على هذا النحو فاحتجاجه مقبول صحيح، وأما من احتج به رفعًا للوم وإسقاطًا للأمر والنهي فهو باطل.
وقد تنوعت أجوبة الطوائف على هذا الحديث، فمن مكذب به، إلى زاعم أن آدم إنما حج موسى لأنه أبوه، إلى زاعم أنه إنما حجه لأن الذنب وقع في
стр. 687
شريعة واللوم في شريعة، إلى زاعم أنه إنما حجه لأن الاحتجاج وقع في الدار الآخرة، إلى آخر يزعم أنه إنما حجه لأنه شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته، وكلها أقوال ضعيفة (١)، والمعتمد ما ذُكر في الوجهين السابقين.
وأما الشبهة الرابعة؛ فهي قريبة من الشبهة الثانية، وهي مبنية على السؤال الفاسد لماذا فعل الله كذا ولم يفعل كذا، وهو سؤال باطل كما تقدم.
ثم إن هداية الله سبحانه لمن هدى وخذلانه لمن خذل لا ظلم فيه، بل هو عدل وحكمة، وقد سبق بيان ذلك (٢)، فالهداية فضله سبحانه، وليس من منع فضلَه ظالمًا، لا سيما إذا منعه من لا يليق به ولا يزكو به.
وأما الشبهة الخامسة؛ فجوابها: أنه ليس كل رضًا بالقضاء واجب، بل منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو حرام، والرضا بالمعاصي من قسم الحرام، فلا يجوز الرضا بها (٣).
ثم ليعلم بعد هذا مَن احتج بالقدر أنه مع كون الاحتجاج بالقدر على الذنوب لم يدل عليه دليل من شرع ولا عقل ولا لغة، - بل هو مناف لكل دليل -؛ ليعلم أنه لا ثمرة محمودة من الاحتجاج بالقدر على الذنب، لأن العبد حين يحتج بالقدر على الذنب يعارض بين ما شرعه الله وما قدَّره، ومعارضة الشرع والقدر كفر وزندقة، السلف الأول فيها إبليس أخزاه الله
стр. 688
والمشركون من بعده وزنادقة الشعراء والجهال، فلربما أخرجه هذا الاحتجاج عن دائرة أهل الإسلام، إذ المذنب بعد الذنب أحد رجلين:
- مسلم مفرط مضيع، ابتلاه الله بالذنوب والآثام، يرى ثقل ذلك على نفسه، ويخاف ذنبه.
- زنديق مفتون أراد الهروب من تبعات ذنبه وعقوبته فرمى بذنبه على القدر ولامه وحمله التبعة.
فالعاقل يربأ بنفسه أن يكون زنديقًا مرتدًا، ويختار لنفسه أن تكون عاصيًا مفرِّطا، فإن العاصي إذا وافى الله سبحانه بمعصيته الكبيرة إما أن يغفر له تفضُّلًا، وإما أن يعذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة، فإن المسلم الذي مات على التوحيد صائر إلى الجنة لا محالة، لكن إما أن يدخلها ابتداءً، وإما أن يدخلها بعد أن يدخل النار على مقدار ذنبه.
ثم ليذكر أن الله سبحانه الذي قدَّر عليه الذنب حكمة منه وعلمًا؛ قد فتح له بابًا يوصله إليه إذا أراد العودة إليه بصدق في وقت المهلة، إنه باب التوبة النصوح التي لا تبقي للذنب أثرًا، بل لربما كانت سببًا في رفعة الدرجة وعلو المنزلة.
قال ربُّنا : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال نبيُّنا ﷺ : (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،
стр. 689
ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) (١).
فالحري بالعاقل إذا وقع في الذنب أن يبادر ويتوب إلى ربه، بدلًا من أن يلقي بتبعته على ربه سبحانه ويلحق بزمرة أعدائه، والله الموفق والهادي.
стр. 690
المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 691
المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والرضا بالقضاء ثلاثة أنواع: أحدها الرضا بالطاعات، فهذا طاعة مأمور بها. والثاني: الرضا بالمصائب، فهذا مأمور به: إما مستحب وإما واجب. . . والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "والحكم والقضاء نوعان ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان.
هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته؛ فالرضا به من تمام
стр. 692
الرضا بالله ربًّا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا" (١).
وقال ﵀: "ها هنا أمران: قضاء وهو فعل قائم بذات الرب تعالى، ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء خير كله وعدل وحكمة فيرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به" (٢).
قال الحافظ ابن عَبْد الهَادي ﵀ (٣): "القضاء يراد به ثلاثة أشياء: أحدهما: الأمر والنهي، فهذا الرضا به واجب، والثاني: الكفر والمعاصي، فهذا الرضا به ليس بواجب، والثالث: المصائب التي تصيب العبد، فهذا الرضا بها واجب أو مستحب؟
قال: ثم يقال: القضاء الذي هو صفة الله الرضا به واجب، وأما المقضي وهو الكفر والمعاصي التي هي أفعال العباد، فالرضا بها ليس بواجب" (٤).
وقال العز بن عبد السلام ﵀: "فإن كان المقضي به طاعة؛ فليرض بالقضاء والمقضي به جميعًا، وإن كان معصية؛ فليرض بالقضاء ولا يرضى بالمقضي به بل يكرهه، وإن لم يكن طاعة ولا معصية؛ فليرض بالقضاء ولا
стр. 693
يتسخط بالمقضي به، وإن رضي به كان أفضل" (١).
وقال أيضًا: "ولا يشترط أن يرضى بالمقضي به إلا إذا كان المقضي به خيرًا، فإن كان المقضى به معصية فليرض بالقضاء وليكره المقضي به؛ لأن القضاء حكم الله والمقضي هو المحكوم به" (٢).
وقال السفاريني ﵀ (٣):
وليس واجبًا على العبد الرضا … بكل مقضي ولكن بالقضا
لأنه من فعله تعالى … وذاك من فعل الذي تقالى
стр. 694
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
لما كان لا بد من التفصيل في مسألة الرضا بالقدر، وأن القدر الذي هو فعل الله يجب الرضا به، وأن المقدور من المصائب يشرع الرضا به، وأن الذنوب يحرم الرضا بها؛ فسيكون سياق الأدلة مبنيًّا على هذا الأساس.
فأما وجوب الرضا بالقدر الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه؛ فيدل عليه:
حديث العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (١).
وحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا وجبت له الجنة) (٢).
ووجه الدلالة منهما أن الرضا بالقدر من الرضا بالله ربًّا، والرضا بالله ربًّا واجب، فيكون الرضا بالقدر واجب كذلك.
وأما مشروعية الرضا بالأقدار المؤلمة؛ فيدل عليها:
قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وآيتي المجادلة
стр. 695
والبينة (١).
وأما حرمة الرضا بالمعاصي والذنوب؛ فيدل عليها:
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨].
وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
والواجب رضا ما يرضاه الله سبحانه وبغض ما يبغضه، وقد أخبر سبحانه بأنه يبغض ولا يرضى عن الكفر والفسق والقول السيء، فالواجب بغضها كما أبغضها ربنا .
стр. 696
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
مسألة الرضا بالقدر من مسائل الدين العظام، وهي من تمام الإيمان بالقضاء والقدر (١).
عن العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (٢).
وقال أبو الدرداء ﵁: "ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب " (٣).
وهذه الأربعة مرجعها عند التأمل إلى الرضا والتسليم للقضاء.
والرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله الأعظم (٤)، وهو من أسباب سعادة العبد، وضده من أسباب شقاوته (٥)، وهو عمل جليل من أعمال القلوب، والثمرة اليانعة لاستشعار ربوبية الله سبحانه وإلهيته وحكمته، وهو من مقامات الصديقين (٦).
ولفظ "الرضا بالقضاء" لفظ محمود مأمور به (٧).
стр. 697
ولا بد قبل الشروع في بيانه من معرفة معنى الرضا بالقضاء.
فالرضا في اللغة مصدر رضي، يرضى رِضًا ورُضًا ورِضْوانًا ورُضْوانًا، ومادته: الراء والضاد والحرف المعتل أصل واحد يدل على خلاف السخط (١).
وأما الرضا بالقضاء فعُرف بتعريفات كثيرة:
فقال ابن مسعود ﵁: "الرضا: أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله" (٢).
وقيل: "نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه يختار له الأفضل فيرضى به" (٣).
وقيل: "معنى الرضا فيه ثلاثة أقوال: ترك الاختيار، وسرور القلب بمُرِّ القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها" (٤).
وقيل: "الرضا سكون القلب بما قسم الله له" (٥).
وقيل: "سرور القلب بمُر القضاء" (٦).
وقيل في تعريفه غير ذلك، وجماع القول: أن الرضا بالقضاء هو: "الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به
стр. 698
والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به" (١).
والرضا بالقضاء رضًا بالله ربًّا، كما أن إخلاص العبادة له رضاه بما يأمره به هو الرضا به سبحانه إلهًا ومعبودًا (٢).
والرضا بالقضاء يتناول معنيين:
الأول: الرضا بالقضاء الشرعي.
أي أوامره سبحانه وشرائعه التي خاطب بها عباده، ويتضمن ذلك تعظيمها وتلقيها بالقبول والتسليم والإذعان، والمسارعة في امتثالها، وعدم معارضتها بذوق أو وجد أو سياسة أو قياس أو أي شيء.
وهذا الرضا واجب، لم يتنازع العلماء في وجوبه (٣)، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فقد جعله سبحانه شرطًا في صحة الإيمان، فقال لنبيه ﷺ : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فأمرهم بعد تحكيمه بأن يرتفع الحرج من نفوسهم فيما يحكم به، وأن يسلموا لحكمه وهذا حقيقة الرضا بحكمه (٤).
الثاني: الرضا بالقضاء الكوني.
أي ما يقدره الله سبحانه على العباد، مما وقع أو يقع أو سيقع لاحقًا.
стр. 699
وفي هذا النوع من الرضا سيكون البحث دون الأول، فإنه لا تعلق للكوني بباب القدر.
وبين القضاء الشرعي والقضاء الكوني ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية من فروق، وقد تقدم ذكرها فلا داعي لإعادتها هنا (١).
وقد ذكر أهل العلم مسائل تتعلق بالرضا، أذكر هنا منها مسألة مهمة، وهي:
علاقة الرضا بالقضاء بالتوكل:
التوكل من منازل الدين العظيمة التي من قام بها فقد فاز وأنجح، ومن حققها فقد اجتمع له الخير كله، قال سعيد بن جبير ﵀: "التوكل على الله جماع الإيمان" (٢).
ويكفي في فضله قول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
والحسب الكافي، فبين أنه كاف من توكل عليه (٣)، وأي خير أعظم من هذا؟ ولذلك قال ابن مسعود أن هذه الآية هي "أكبر آية في القرآن تفويضًا" (٤).
والتوكل هو صدق الاعتماد على الله مع الثقة به وفعل الأسباب، وهو كالرضا عمل قلبي (٥).
стр. 700
والتوكل مبني على أصلين: الاعتماد والثقة، قال ابن القيم ﵀: "والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة والاعتماد، وهو حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين" (١).
وقد تنوعت أقوال أهل العلم في بيان العلاقة بين الرضا والتوكل، فقيل الرضا هو التوكل (٢).
سئل الحسن ﵀ عن التوكل فقال: "الرضا عن الله" (٣).
وقال بشر الحافي ﵀ (٤): "يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله؛ لو توكل على الله رضي بما يفعل الله" (٥).
وسئل يَحيى بن مُعاذ ﵀ (٦): متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: "إذا رضي بالله وكيلًا" (٧).
стр. 701
ومنهم من جعله من مراتب التوكل، قال أبو بكر الواسطي ﵀ وسئل عن ماهية التوكل -: "الصبر على طوارق المحن، ثم التفويض، ثم التسليم، ثم الرضا، ثم الثقة" (١).
والصواب أن الرضا هو ثمرة التوكل، فالتوكل يكون قبل الفعل، ثم بعد الفعل يكون الرضا (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والرضا والتوكل يكتنفان المقدور؛ فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه" (٣).
ومما يدل عليه قول النبي ﷺ : (أسألك اللهم الرضا بعد القضاء) (٤)، فجعل النبي ﷺ الرضا بعد وقوع المقضي.
ويدل عليه أيضًا حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني
стр. 702
واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، ويسمي حاجته (١).
فذكر طلب الرضا بعد وقوع المقدور، مع ما في الدعاء نفسه قبل وقوع المقدور من توكل على الله.
قال ابن القيم ﵁: "تأمل كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التوكل الذي هو مضمونُ الاستخارة قبله، والرِّضا بما يقضى الله له بعده، وهما عنوانُ السعادة" (٢).
وأما ما يكون من العبد قبل وقوع المقدور فهو عزم على الرضا لا الرضا نفسه، ولهذا يوجد في الناس من يعزم على الرضا فإذا وقع المقدر انفسخ عزمه ولم يرضَ (٣).
وهذه المسألة - مسألة الرضا بالقدر - مما اختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا، وتنوعت فيه مذاهبهم تنوعًا عظيمًا.
وتحقيق الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة أصلين:
الأصل الأول: التفريق بين الفعل والمفعول.
الأصل الثاني: التفريق بين أنواع القضاء الكوني.
أما الأصل الأول؛ فسبق بيانه، وأن مذهب أهل السنة جميعًا هو التفريق بين الفعل والمفعول (٤)، وتطبيق هذا الأصل الجليل هنا هو التفريق بين القضاء
стр. 703
الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه، وبين المقضي المفعول المخلوق.
فالأول: الرضا به واجب، وهو من الإيمان بالله ربًّا خالقًا إلهًا مدبِّرًا متَّصفًا بكل كمال ومنزَّهًا عن كل نقص.
والثاني: لا يطلق القول فيه بنفي ولا إثبات، بل يفصل الكلام في أقسامه، ويعطى كل قسم ما يليق به من حكم، وتفصيله في:
الأصل الثاني: وهو أن القضاء الكوني الذي هو المفعول المنفصل نوعان (١):
النوع الأول: ما يقضيه الله سبحانه مما يوافق إرادة العبد ومحبته ورضاه من صحة وعافية وغنى ولذة، ونحوها، فهذا الرضا به لازم للعبد بمقتضى الطبيعة التي جبله الله عليها من محبة ما ينفعه ويلتذ به، وإذ كان لازمًا له؛ فليس في الرضا به عبودية في ذات الأمر، بل العبودية فيه بالقيام بشكره، بالاعتراف به في القلب والثناء به على الله واستخدامه فيما يرضي الله سبحانه وعدم الاستعانة به على مساخطه.
النوع الثاني: ما يقضيه الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد ومحبته، وهذا على قسمين:
القسم الأول: ما ليس للعبد فيه اختيار، وهو المصائب والمحن التي يقدرها الله سبحانه على العبد، سواء كانت بلاءً مجردًا، أو عقوبة على ذنب سابق.
وهذا الرضا به مشروع، وهو مستحب على الصحيح وليس بواجب، إذ الواجب هو الصبر، فإذا انضاف إليه الرضا فنور على نور، وإلا فقد أدى العبد بالصبر ما وجب عليه.
стр. 704
وكلا القولين: وجوب الرضا وعدمه قولان لأهل السنة، وهما قولان لأصحاب أحمد وغيرهما (١).
ومما يدل على عدم وجوبه:
أولًا: أن الإيجاب حكم شرعي، والأحكام الشرعية مبناها على الأدلة لا على الرأي المحض، ولا دليل على الوجوب، إذ لم يأت في كتاب ولا سنة وجوب الرضا، وإنما ذلك في الصبر (٢).
ثانيًا: أن النصوص دلت على أن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات، وما كان كذلك فليس بواجب، ولذلك كان الرضا بالقدر على حسب معرفة العبد بالله وأسمائه وصفاته، فتمامه تمامها، ونقصه بحسبها.
ومن هذه النصوص قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم" (٣).
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن" (٤).
وقال سُليمان الخوَّاص ﵀ (٥): "الصبر دون الرضا؛ الرضا أن يكون
стр. 705
الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر" (١).
وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف (٢).
واحتج من رأى الوجوب بأمور:
أولهما: أن الرضا من لوازم الإيمان بالله ربًّا وإلهًا؛ فهو واجب.
وجوابه: أن الرضا بالله ربا وإلهًا واجب، وهذا هو الرضا الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما الرضا بكل ما يخلقه الله ويقدره؛ فلم يدل عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا قال به أحد من السلف، بل جاء في النصوص الإخبار عن عدم رضا الله بأشياء مع كونها مخلوقة له سبحانه، كقوله : ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] (٣).
ثانيهما: حديث أبي هند الداري أن النبي ﷺ قال: (قال الله تبارك