الباب الثاني عشر: في سبب تسميته بالفاروق.
الباب الثالث عشر: في ذكر هجرته إلى المدينة.
الباب الرابع عشر: في منزله في المدينة.
الباب الخامس عشر: في ذكر من آخى النبي ﷺ بينه وبينه.
الباب السادس عشر: في نزول القرآن لموافقته.
الباب السابع عشر: في قوله ﵇ في فضله.
الباب الثامن عشر: فيما رآه ﵇ [مما] ١ يدل على فضله.
الباب التاسع عشر: في أحاديث اجتمع فيها فضله وفضل أبي بكر.
الباب العشرون: في بيان معرفة فضلهما من السنة.
الباب الحادي والعشرون: في ذكر فضله على من بعده.
الباب الثاني والعشرون: في ذكر صلابته في دين الله وشدّته.
الباب الثالث والعشرون: في ذكر إقامته على أشياء من أوامر الرسول.
الباب الرابع والعشرون: في ذكر مصارعته الشيطان وخوف الشيطان [منه] ٢.
الباب الخامس والعشرون: في ذكر هيبته وخوف الناس منه.
الباب السادس والعشرون: في ذكر انزعاجه لموت الرسول وإنكاره له.
الباب السابع والعشرون: في ذكر قيامه ببيعة أبي بكر ومجادلته عنه.
الباب الثامن والعشرون: في عهد أبي بكر إليه ووصيته.
الباب التاسع والعشرون: في ذكر خلافته وقول الرسول فيها.
стр. 107
الباب الثلاثون: في ذكر اجتماعهم على تسميته بأمير المؤمنين.
الباب الحادي والثلاثون: في ذكر ما خص به في ولايته مما لم يسبق إليه.
الباب الثاني والثلاثون: في اسمه وكنيته ولقبه.
الباب الثالث والثلاثون: في خضابه ﵁.
الباب الرابع والثلاثون: في خاتمه ﵁.
الباب الخامس والثلاثون: دعاء الرسول له أن يخرج من صدره الغل.
الباب السادس والثلاثون: في ما ذكر أن الرسول بشره بالجنة.
الباب السابع والثلاثون: في ذكر جمعه الناس في التراويح على إمام.
الباب الثامن والثلاثون: في ذكر فطنته وذكائه وفراسته.
الباب التاسع والثلاثون: في ذكر اهتمامه برعيته وملاحظته لهم.
الباب الأربعون: ذكر عسسه، وما وقع له من ذلك.
الباب الحادي والأربعون: في ذكر غزواته مع الرسول، وإنفاذه إياه في غزوه.
الباب الثاني والأربعون: في غزواته بعد الرسول وفتوحه.
الباب الثالث والأربعون: في ذكر حجاته.
الباب الرابع والأربعون: في تركه السواد١ غير مقسوم ووضعه الخراج.
الباب الخامس والأربعون: في ذكر عدله ورئاسته.
الباب السادس والأربعون: في قوله وفعله في بيت المال.
الباب السابع والأربعون: في حذره من المظالم وخروجه منها.
الباب الثامن والأربعون: في ملاحظته لعماله ووصيته إياهم.
стр. 108
الباب التاسع والأربعون: في حذره من الابتداع وتحذيره منه.
الباب الخمسون: في جمعه القرآن في المصحف.
الباب الحادي والخمسون: في ذكر مكاتباته.
الباب الثاني والخمسون: في ذكر زهده ﵁. [٢ / ب] .
الباب الثالث والخمسون: في ذكر تواضعه.
الباب الرابع والخمسون: في ذكر حلمه.
الباب الخامس والخمسون: في ذكر ورعه.
الباب السادس والخمسون: في ذكر بكائه.
الباب السابع والخمسون: في ذكر خوفه من الله عزوجل.
الباب الثامن والخمسون: في ذكر تعبده واجتهاده.
الباب التاسع والخمسون: في ذكر كتمانه لتعبده١ وستره إياه.
الباب الستون: في ذكر دعائه ومناجاته.
الباب الحادي والستون: في ذكر كراماته.
الباب الثاني والستون: في ذكر تزويج النبي ﷺ بحفصة٢ وفضلها.
الباب الثالث والستون: في ذكر نبذة من مسانيده.
الباب الرابع والستون: في ذكر كلامه في الزهد والرقائق٣.
الباب الخامس والستون: في ذكر ما تمثل به من الشعر.
الباب السادس والستون: في ذكر فنون أخباره.
стр. 109
الباب السابع والستون: في ذكر كلامه في الفنون.
الباب الثامن والستون: في ذكر صدقاته ووقفه وعتقه.
الباب التاسع والستون: في ذكر نبذة من مسائل اختارها.
الباب السبعون: في ذكر كلامه في أصول الدين.
الباب الحادي والسبعون: في ذكر من روى عنه.
الباب الثاني والسبعون: في ذكر مقالة من فَضَّلَه على أبي بكر وردّها.
الباب الثالث والسبعون: في قوله ﵇: "كان فيمن قبلكم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر".
الباب الرابع والسبعون: قوله ﵇: "ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر".
الباب الخامس والسبعون: في قوله ﵇: "لو كان بعدي نبي لكان عمر".
الباب السادس والسبعون: في طلبه الشهادة وحبه لها.
الباب السابع والسبعون: في طلبه الموت خوفاً من عجزه عن الرعية.
الباب الثامن السبعون: في ذكر نعي الجن له.
الباب التاسع والسبعون: في ذكر مقتله.
الباب الثمانون: في ذكر وصاياه ونهيه عن الندب.
الباب الحادي والثمانون: في إظهار الذل عند موته.
الباب الثاني والثمانون: في تاريخ موته ومبلغ سنه.
الباب الثالث والثمانون: في ذكر غسله والصلاة عليه ودفنه.
الباب الرابع والثمانون: في ذكر بكاء الإسلام١ على موته.
стр. 110
الباب الخامس والثمانون: في ذكر عظم فقده عند الناس.
الباب السادس والثمانون: في ذكر نَوحِ الجن عليه.
الباب السابع والثمانون: في تعظيم عائشة له بعد دفنه.
الباب الثامن والثمانون: في ذكر كلام عليّ فيه.
الباب التاسع والثمانون: في ذكر المنامات التي رآها.
الباب التسعون: في ذكر المنامات التي رُئيت له.
الباب الحادي والتسعون: في ذكر أولاده وأزواجه.
الباب الثاني والتسعون: في ذكر ضربه لولده على شرب الخمر.
الباب الثالث والتسعون: في ذكر ثناء الناس عليه.
الباب الرابع والتسعون: في ذكر محبته وثوابها.
الباب الخامس والتسعون: في ذكر عداوته وعقابها.
الباب السادس والتسعون: في ذكر أنه من أعلى أهل الجنة منزلة.
الباب السابع والتسعون: في ذكر أنه أول من تنشق عنه الأرض.
الباب الثامن والتسعون: في ذكر أنه لم يبل في قبره.
الباب التاسع والتسعون: في رؤيته في النوم.
الباب المئة: في نبذة متفرقة فيه. [٣ / أ] .
وسمّيته: (كتاب محض الصّواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب) ، والله أرجو في أموري كلها، وأسأله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به وجميع المسلمين، إنه قريب مجيب.
стр. 111
الباب الأول: مولده
...
الباب الأول: في ذكر مولده ﵁
قال الذهبي١ في التذهيب: "ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة"٢.
وكذلك ذكر بعض من شرح٣ عمدة الحديث٤.
قال: وروي عنه أنه قال: "ولدت قبل الفِجار٥ الأعظم بأربع سنين"٦.
وذكر ابن الجوزي عن زيد بن أسلم٧ عن أبيه٨ عن عمر ﵁
стр. 112
قال: "ولدت قبل الفجار الأعظم الأخير بأربع سنين"١.
وذكر عن عبد الله بن وهب٢، قال حدثني مالك٣ أن عمرو٤ ابن العاص٥، قال: "رأيت مصباحاً في منزل عمر بن الخطاب، فسألت عنه فقيل: ولد للخطاب ولد، وكان عمر ﵁"٦.
стр. 113
الباب الثاني: نسبه
...
الباب الثاني: في ذكر نسبه
قال الذهبي: "عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن قُرط بن رَزَاح بن عَدي بن كَعب بن لُؤي"١.
وكذلك قال بعض من شرح عمدة الحديث وزاد: ابن غالب القرشي العدوي٢.
وقال: "يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي بن غالب"٣.
قال: "وأمه حَنْتَمة بنت هاشم٤ بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم".
وقيل: حَنْتَمة بنت هشام، قال:"وهو خطأ"، قاله ابن عبد البر٥،٦، وابن ماكولا ٧.٨.
стр. 114
ويعرف هاشم جد عمر لأمه، بذي الرمحين.
وقال أيضاً: "رياح بكسر الراء، وبالياء تحتها نقطتان، وبالحاء المهملة. وقرط، بضم الفاق، وسكون الراء، وبالطاء المهملة، ورزاح، بفتح الراء المهملة بعدها زايٌ معجمة، وبالحاء المهملة، وحَنْتَمَة بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح التاء فوقها نقطتان، وبالميم قبل الهاء"١.
وذكر ابن الجوزي عن محمّد بن سعد٢، قال: "هو عمر بن الخطَّاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح بن عدي بن كَعب، ويكنى أبا حفص، وأمه حَنْتَمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم٣.
وقد روي عن [ابن] ٤ إسحاق٥: أن حَنْتَمَة بنت هشام، وأبو جهل خاله٦.
قال ابن الجوزي: "هذا وهم والزبير بن بكار٧ أعرف بالنسب، وقد قال: "ولد المغيرة بن عبد الله؛ هاشماً وبه كان يكنى، وهشاماً، وأبا حذيفة واسمه مهشم، وأبا ربيعة، وهو ذو الرمحين واسمه عمرو، وأبا
стр. 115
أمية وهو زاد الراكب١.
فقد بان بهذا أن هاشماً وهشاماً أخوان، فهاشم والد حَنْتَمة أم عمر٢، وهشاماً والد الحارث وأبي جهل. والله أعلم.
стр. 116
الباب الثالث: صفته وهيبته
...
الباب الثالث: في ذكر صفته وهيبته ﵁ / [٣ / ب]
قال ابن عبد البر: "كان شديد الأُدْمة١، طوالاً٢، كث اللحية، أصْلَعٌ٣، أعسر"٤،٥.
ووصفه زِرّن بن حُبيش٦، وغيره: "بأنه كان شديد الأُدْمة٧ وهو الأكثر"٨.
ووصفه أبو رجاء العطاردي٩، - وكان مغفلاً - فقال: "كان طويلاً جسيماً أصْلَعَ شديد الصلع، أبيض شديد حمرة العينين، في عارضه خفة، سَبَلَتُه١٠ كثيرة
стр. 117
الشعر في أطرافها صهوبة"١،٢.
وذكر الواقدي٣ من حديث عاصم بن عبيد الله٤ عن سالم٥ عن أبيه٦، قال: "إنما جاءتنا الأُدْمة٧ من قبل أخوالي بني مظعون، وكان عمر أبيض لا يتزوج لشهوة إلا لطب الولد"٨.
قال الذهبي: "لا يصح"٩.
وزعم الواقدي أن سُمْرَة عمر وأُدمته إنما جاءت من أكل الزيت١٠.
стр. 118
وقال الذهبي: "وهذا منكر القول"١.
قال ابن عبد البر: "أصحّ ما في هذا الباب حديث عاصم بن بهدلة٢، عن زِر قال: "رأيت عمر آدم ضخماً، كأنه من رجال سدوس، في رجليه روح"٣،٤.
وقال بعض من شرح العمد: "كان أبيض تعلوه حمرة"٥.
وقيل: "آدم طوالاً٦ أصلع شديد حمرة العينين كث اللحية".
وقيل: "في عارضته خفة أعْسَرَ أيسر٧؛ وهو الذي يعمل بيديه جميعاً"٨.
وذكر ابن الجوزي عن محمّد بن سعد يرفعه إلى ابن عمر ﵁ أنه وصف أباه فقال: "كان رجلاً أبيض، تعلوه حمرة، طوال، أصلع، أشيب"٩،١٠.
стр. 119
وقال سلمة بن الأكوع١: "كان٢ عمر رجلاً أيسر"٣.
وقال عبيد بن عمير٤: "كان عمر يفوق النّاس طولاً"٥.
وعن أبي رجاء العطاردي: قال: "كان عمر بن الخطاب رجلاً طوالاً جسيماً أبيض، شديد حمرة العينين في عارضه خفة سبلته كثيرة الشعر في أطرافها صهبة، وكان قليل الضحك، لا يمازح أحداً مقبلاً على شأنه"٦.
وعن زر قال: "كنت في المدينة يوم عيد فإذا عمر بن الخطاب ضخم، أصلع، أدلم٧، كأنه [على] ٨ دابة، مشرف على الناس، أعسر أيسر"٩.
стр. 120
وقال الشعبي١: "كان عمر رجلاً ضخماً"٢.
وعن أبي بكر٣ [عن عاصم ٤] ٥ بن كليب الجرمي، قال: "لقي أبي٦ عبد الرحمن بن الأسود٧ وهو يمشي، وكان إذا مشى، مشى إلى جانب الحائط متخشعاً هكذا، وأمال أبو بكر عنقه شيئاً، فقال أبي: ما لك إذا مشيت، مشيت إلى جانب الحائط؟ أما والله إن كان عمر إذا مشى لشديد الوطء على الأرض، جهوري الصوت"٨.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "رأيت عمر يمسك أذن فرسه بإحدى يديه ويمسك أذنه بيده الأخرى، ثم يثب حتى يقعد عليه"٩. / [٤ / أ] .
стр. 121
الباب الرابع: ذكره في التوراة والإنجيل
...
الباب الرابع: في ذكره في التوراة وقبل البعثة
قال الشيخ موفق الدين١ في منهاج القاصدين: "ووصفهما - يعني أبا بكر وعمر - في كتاب الله المنزل أن أبا بكر يعمل بعمل صاحبه اليسير ثم يموت. ثم يأتيكم قرن الحديد فيملأ مشارق الأرض ومغاربها قسطاً وعدلاً، لا تأخذه في الله لومة لائم"٢.
وذكر ابن الجوزي عن الأقرع٣ مؤذن عمر ﵁ أن عمر مرّ على الأسقف، فقال: "هل تجدونا في شيء من كتبكم؟ " فقالوا٤: [نجد] ٥ صفتكم وأعمالكم، ولا نجد أسماءكم". قال: "كيف تجدوني؟ " قال: "قرن من حديد"، قال: "قرن من حديد ماذا؟ " قال: "أمير شديد"، قال عمر: "الله أكبر الحمد لله"٦.
стр. 122
وعن عبد الله١ قال: "ركب عمر ﵁ فرساً فركضه فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران٢ على فخذه شامةً٣ سوداء، فقالوا: "هذا الذي نجد في كتابنا [أنه] ٤ يخرجنا من أرضنا"٥.
وعن محمّد٦ قال: كعب٧ لعمر: "يا أمير المؤمنين! هل ترى في منامك شيئاً؟ "، قال: "فانتهر"، فقال: "إنا نجد رجلاً يرى أمر الأمة في منامه"٨.
وقد ذكرنا قصة الشيخ الأزدي في: (فضائل أبي بكر) رضي الله عنه٩.
стр. 123
وذكر أبو القاسم الأصفهاني١ عن وهب بن منبه٢ صفة عمر بن الخطاب في التوارة٣: قرن من حديد أمير شديد٤.
стр. 124
الباب الخامس: ماتميز به في الجاهلية
...
الباب الخامس: في ذكر ما تميز به في الجاهلية ﵁
قال الذهبي: "كان من أشرف قريش، وإليه السفارة كانت في الجاهلية، وذلك أن قريشاً كانت إذا وقع بينهم حرب، أو بينهم وبين غيرهم، بعثوه سفيراً"١.
وكذلك ذكر بعض من شرح (العمدة) وزاد: وإن نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافراً، ومفاخراً ورضوا به٢.
وذكر ابن الجوزي عن نصر بن مزاحم٣ عن معروف بن خرَّبُوذ٤ قال: "كانت السّفارة إلى عمر بن الخطاب إن وقعت [حرب] ٥ بين قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، أو نافرهم٦ منافر، أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافراً ومفاخراً، ورضوا به. رضي الله عنه٧.
стр. 125
الباب السادس: دعاء الرسول أن يعز الإسلام به
...
الباب السادس: في ذكر دعاء الرسول ﵇ أن يعزّ الإسلام به
روى التّرمذي١ عن نافع٢ عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك؛ بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"، قال: "وكان أحبهما إليه عمر".
وقال: "حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر"٣.
وذكره ابن الجوزي في كتابه من هذا الوجه٤.
وروى الترمذي من حديث ابن عباس٥ أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز
стр. 126
الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر". قال: "فأصبح فغدا عمر على رسول الله ﷺ فأسلم".
قال: "وهذا حديث غريب من هذا الوجه".
وفي طريقه النضر أبي عمر١ قال الترمذي "هو يروي مناكير من قبل حفظه"٢.
стр. 127
الباب السابع: وقوع الإسلام في قلبه
...
الباب السابع: في وقوع الإسلام في قلبه ﵁
ذكر ابن الجوزي عن شريح بن عبيد١ [٤ / ب] قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "خرجت أتعرّض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فافتتح٢ سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: "والله هذا شاعر كما قالت قريش"، قال: فقرأ: ﴿وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] . قال: قلت: "كاهن"، قال: ﴿وَلاَ بِقَولِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِيْنَ وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعَضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِيْن فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحْدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٢-٤٧] ، إلى آخر السورة٣.
стр. 128
الباب الثامن: إسلامه وما وقع منه قبل إسلامه
...
الباب الثامن: في ذكر إسلامه، وما وقع منه قبل إسلامه ﵁
روى البخاري١ في (صحيحه) عن عبد الله بن عمر قال: "ما سمعت عمر لشيء قط يقول: "إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مرّ به رجل٢ جميل، فقال: "لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه، في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ الرجلَ، فدعي له، وقال له ذلك، فقال: "ما رأيت كاليوم استقبل به رجلاً مسلماً"٣، قال: "فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني"، قال: "كنت كاهنهم في الجاهلية"، قال: "فما أعجب ما جاءتك به جنِّيَّتُك؟ "، قال: "بينما أنا يوماً في السوق جاءتني فيها الفزع"،قالت:"ألم ترَ الجنَّ وإبْلاسها٤،ويأسها من بعد إنكاسها٥،ولحوقها القلاص٦ وأحلاسها"٧.
стр. 129
قال عمر: ["صدق] ١ بينما أنا عند آلِهَتِهم إذ جاء رجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخاً قط أشدَ صوتاً منه"، يقول: "يا جليح أمر نجيح، يقول فصيح، يقول: لا إله إلا الله"٢، فوثب القوم، قلت: "لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح٣، أمر نجيح، رجل فصيح أو قال: يصيح"٤ يقول: "لا إله إلا الله"، فقمت فما نشبنا أن قيل: هذا نبي"٥.
وفيه عن سعيد بن زيد٦ أنه قال لقوم: " [لو] ٧ رأيتني موثِقي عمرُ على الإسلام، أنا وأخته وما أسْلَمْ"٨.
وفيه عن عبد الله بن عمر قال: "لما أسلم عمر، اجتمع الناس إليه عند داره، وقالوا: "صَبَأَ٩ عمر" وأنا غلام فوق ظهر بيتي، فجاء رجل عليه قباء ديباج١٠، فقال: "قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جار"، قال: فرأيت الناس تصعدوا عنه، فقلت: من هذا؟ قالوا: "العاص بن وائل"١١.
стр. 130
وفيه عن عمر قال: "بينما هو في الدار خائفاً، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي، عليه حلة حَبَرَة١ وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: "ما بالك؟ "، قال: "زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت"، قال: "لا سبيل إليك" بعد أن قالها أمنت. فخرج العاص / [٥ / أ] فلقي الناس قد سال به الوادي فقال: "أين تريدون؟ " قالوا: "نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ". قال: "لا سبيل إليه". فكر الناس"٢.
قال ابن الجوزي: "اختلفوا في سبب ذلك وصفته على أربعة أقوال:
القول الأوّل
عن ابن عباس ﵄ قال: "سالت عمر ﵁ لأي شيء سميت الفاروق؟ " قال: "أسلم حمزة٣ قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح الله صدري للإسلام، فقلت: "الله لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة٤ أحب إليّ من نسمة رسول الله ﷺ ، فقلت: أين رسول الله؟ قالت أختي: "هو في دار الأرقم بن أبي الأرقم٥ عند الصفا٦"، فأتيت الدار
стр. 131
وحمزة في أصحابه جلوس في الدار، ورسول الله ﷺ في البيت، فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: "مالكم؟ " قالوا: "عمر بن الخطاب". فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع ثيابه، ثم نَترَه نترة١، فما تمالك أن وقع على ركبتيه، فقال: "ما أنت بمنته يا عمر؟ ". قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله. قال: فكبّر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قال: فقلت: "يا رسول الله ألسنا على الحق إن مِتْنا وإن حيينا؟ " قال: "بلى والذي نفسي بيده، إنكم على الحق إن متم وإن حييتم"، قال: قلت: "ففيم الاختفاء؟!، والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد٢٣ الطحين حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إليّ قريش، وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله ﷺ الفاروق"٤.
القول الثاني
عن أسامة٥ بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: قال عمر بن الخطاب
стр. 132
رضي الله عنه لنا: "أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ "، قلنا: "نعم". قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت النبي ﷺ في دار عند الصفا فجلست بين يديه"١، فأخذ بمجمع قميصي، ثم قال: "أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده"، قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: "فكبر المسلمون تكبيرة سمعت من طرق مكة، قال: وقد كانوا مستخفين، وكان الرجل إذا أسلم تعلق به الرجال فيضربونه ويضربهم. فجئت إلى خالي فأعلمته، فدخل البيت وأجاف٢ الباب قال: وذهبت إلى رجل آخر من كبار قريش فأعلمته، [فدخل البيت] ٣..
فقلت في نفسي: ما هذا بشيء، فقال رجل: "أتحب أن يُعْلم بإسلامك؟ "، قلت: "نعم"، قال: "فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلاناً فقل قد صبأت"، فإنه قلما يكتم سراً فجئته فقلت له: تعلم أني قد صبأت، فنادى بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ، فما زالوا يضربونني وأضربهم، فقال: خالي: "يا قوم إني قد أجرت ابن أختي فلا يمسه أحد"، فانكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى أحداً من المسلمين يضرب إلا رأيته.
فقلت: "الناس يضربون ولا أضرب، فلما جلس في الحجر جئت خالي قال: قلت: "تسمع؟ "، قال: "أسمع"، قلت: "جوارك رد عليك"، قال: "لا تفعل". / [٥ / ب] ، فأبيت، قال: "فما شئت"، قال: فما زلت أضرب وأضرب حتى أظهر الله الإسلام"، وخاله العاص بن هشام قتل يوم بدر، قيل: "قتله عمر بن الخطاب ﵁"٤.
стр. 133
عن ابن شهاب١، قال: "بينا عمر بن الخطاب ﵁ جالساً في المسجد يوماً إذ مرّ به سعيد بن العاص٢ سلم عليه"، فقال: "إني والله يا ابن أختي ما قتلت أباك يوم بدر٣، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام، وما بي أن أكون أعتذر من قتل مشرك"، قال: فقال سعيد بن العاص: "لو كنت قتلته على حق وكان على باطل"٤.
عن ابن عمر قال: "إني لعلى سطح فرأيت الناس مجتمعين على٥ رجل وهم يقولون صبأ عمر صبأ عمر، فجاء العاص بن وائل عليه قباء ديباج، فقال: "إن كان عمر قد صبأ فأنا له جار"، قال: "فتفرق الناس عنه"، قال: "فتعجبت من عِزِّه"٦.
стр. 134
القول الثالث
عن جابر١ ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان أول إسلامي أن ضرب أختي المخاض، فأخرجت من البيت فدخلت أستار الكعبة في ليلة قارّة٢، فجاء النبي ﷺ فدخل الحِجْر٣ وعليه نعلاه، فصلى فخرجت فاتبعته"، قال: "من هذا؟ "، قلت: "عمر". قال: "يا عمر ما تتركني ليلاً ولا نهاراً"، قال: "فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله"، قال: "يا عمر استره"، قال: فقلت: "والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك"٤.
القول الرابع
عن أنس بن مالك٥ ﵁ قال: "خرج عمر متقلداً السيف فلقيه رجل من بني زهرة"، فقال: "أين تَعْمِدُ يا عمر؟ "، قال: "أريد أن أقتل
стр. 135
محمّداً"، "وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة إن قتلت محمّداً؟ فقال له عمر: "ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه"، قال: "أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن أختك وزوجها صبآ، وتركا دينك الذي أنت عليه"، فمشى عمر ذامراً١ حتى أتاهما، وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب٢، فسمع خباب حس عمر فتوارى في البيت فدخل عليهما، فقال: "ما هذه الهَيْنَمة٣ التي سمعتها عندكم؟ "
قال: وكانوا يقرؤون طَه، فقالا: "ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا". قال: فلعلكما قد صبأتما، فقال له: ختنه: "أرأيت٤ يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديداً، فجاءته أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها نفحة٥ فدمى وجهها، فقالت وهي غضبى: "يا عمر إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّداً رسول الله".
فلما يئس عمر قال: "أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه"، وكان عمر يقرأ الكتب فقالت أخته: "إنك رجس، و٦ ﴿لا يَمَسُّه إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضّأ ثم أخذ الكتاب٧ فقرأ ﴿طَه﴾ حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا
стр. 136
فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ [طَه: ١-١٤] .
فقال عمر: "دلوني على محمّد"، فلما سمع خباب قول عمر، خرج من البيت، فقال: "أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام"، قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا.
فانطلق عمر حتى أتى الدار، وعلى الباب حمزة وطلحة في ناس [٦ / أ] من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى حمزة ﵁ وجل القوم من عمر قال: "نعم فهذا عمر إن يرد الله بعمر خيراً يسلم١ ويتبع النبي ﷺ ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيناً".
قال: والنبي ﷺ داخل يوحى إليه، فخرج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: "ما أراك منتهياً يا عمر حتى يُنْزِلَ الله بك - يعني: من الخزي والنكال - ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة، اللهم اهد عمر بن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب". فقال عمر ﵁: "أشهد أنك رسول الله، وقال: اخرج يا رسول الله"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني في (سيرة السلف) بسند إلى أسامة ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "تحبون أن أخبركم ببدو إسلامي؟ "، قلنا: "نعم". قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم حار شديد الحرّ بالهاجرة في بعض طرق مكة،
стр. 137
إذ لقيني رجل من قريش، فقال: "أين تريد يا ابن الخطاب؟ "، فقلت: أريد ذاك الرجل الذي غيّر الدين، فقال: "عجباً لك يا ابن الخطاب، تزعم هكذا وقد دخل من هذا الأمر في بيتك!، قلت: وما ذاك؟ قال: "أختك قد أسلمت".
قال: فرجعت مغضباً حتى قرعت الباب قال: وقد كان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل أو الرجلان ممن لا شيء عندهما ضمهما إلى رجل بيده قوة، فيكونان معه ويصيبان من فضل طعامه، وكان قد ضم إلى زوج أختي رجلين، فلما قرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، فبادر القوم فتواروا مني، وقد كانوا يقرؤون صحيفة بين أيديهم، فنسوها وتركوها وسط البيت، فقامت أختي ففتحت الباب، فقلت: "يا عدوةَ نفسها صبوتِ؟، وضربتها بشيء في يدي على رأسها، فسال الدم، فلما رأت الدم بكت، وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل فقد أسلمت، فدخلت مغضباً حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة في وسط البيت، فقلت: ما هذه الصحيفة؟ أعطنيها، فقالت: لست من أهلها، أنت لا تغتسل من جنابة ولا تتوضأ، وهذا ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ، فلم أزل بها حتى أعطتنيها، فنظر فيها فإذا فيها: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فلما قرأت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ذعرت من ذلك، وألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها فإذا فيها: ﴿سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحديد:١] ، فكلما مرّ بي اسم من أسماء الله ذعرت منه، ثم ترجع إليّ نفسي حتى بلغت: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] ، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّداً رسول الله".
فلما سمع القوم خرجوا / [٦ / ب] إليّ مبادرين،
стр. 138
فكبروا، ثم قالوا: "أبشر يا ابن الخطاب، إن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين، فقال: "اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك: إما أبو جهل بن هشام، وإما عمر ابن الخطاب"، وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ [لك] ١.
قلت: أخبروني بمكان رسول الله ﷺ ، فلما أن أعرفوا مني الصدق أخبروني بمكان رسول الله ﷺ ، فإذا هو في بيت في أسفل الصفا، فرحت حتى قرعت الباب، فقيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، وقد علموا شدتي على رسول الله ﷺ ولم يعلموا بإسلامي.
فما اجترأ رجل منهم بفتح الباب، فقال رسول الله ﷺ : "افتحوا له الباب فإن يرد الله به خيراً يهده". ففتحوا لي الباب، وأخذ رجلان بعضديّ حتى جاءا بي إلى رسول الله ﷺ ، قال: "خلوه"، فخلوا عني فجلست بين يدي رسول الله ﷺ فأخذ بمجمع قميصي، ثم جبذني إليه، ثم قال: "أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده". فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة.
وقد كانوا مستخفين ثم خرجت فكنت لا أشاء أن أرى رجلاً من المسلمين إذا أسلم يُجتمع عليه فيضرب، ولا يصيبني من ذلك شيء، فقلت: ما هذا بشيء، فجئت إلى خالي - وكان شريفاً - فقرعت عليه الباب، فقلت: أعلمت أني صبوت؟ قال: "وفعلت؟ "، قلت: نعم. قال: "لا تفعل". قلت: فعلت. قال: "لا تفعل". فدخل فأجاف الباب دوني، فذهبت إلى رجل من عظماء قريش أيضاً، فقرعت عليه بابه، فقيل: "من هذا؟ "، فقلت: ابن الخطاب، فخرج إليّ، فقلت: مثل مقالتي لخالي: أما علمت أني صبوت؟ فقال: "أفعلت؟ " قلت: نعم. قال: "لا تفعل". قلت: فعلت، فدخل وأجاف
стр. 139
الباب دوني. فقلت: ما هذا بشيء.
فقال لي رجل: أتُحِبُّ أن تظهر إسلامك؟ قلت: نعم. قال: فإذا اجتمع الناس في الحِجْر فأتِ فلاناً - لرجل لم يكن يكتم السر - فقل له فيما بينك وبينه فإنه سيظهره عليك، فلما اجتمع الناس في الحجر، جئت إلى ذلك الرجل فأصغيت عليه فيما بيني وبينه، فقلت: أعلمت أني صبوت؟ قال: صبوت؟ قلت: نعم. فرفع بأعلى صوته ألا إن ابن الخطاب قد صبأ.
فثار إليّ الناس فضربوني وضربتهم، فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل: ابن الخطاب قد صبأ، فقام على الحجر ثم أشار بكُمّه ألا إني قد أجرت ابن / [/ ٧ / أ] أختي، فانكشف الناس عني، وكنت لا أزال أرى إنساناً يضرب وأنا لا يصيبني من ذلك شيء، فقلت: ليس هذا بشيء حتى يصيبني ما يصيب الناس، وأضرب كما يضربون فأتيت خالي والناس مجتمعون في الحجر، فقلت: يا خال فقال: "ما تشاء يا ابن أختي؟ " قلت١: أشاء أن جوارك عليك ردّ، فقال: "لا تفعل يا ابن أختي". قلت: جوارك عليك ردّ، قال: "لا تفعل"، قلت: بلى، قال: "فما شئت"، فما زلت أضرب الناس ويضربونني، حتى أعز الله الإسلام ونبيه ﷺ "٢.
وروي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: "لما أسلم عمر بن الخطاب - ولم تعلم قريش بإسلامه - قال: "أيّ أهل مكة أنشر للحديث؟ قالوا: "جميل بن معمر"٣، قال: فخرج عمر وأنا أتبع أثره غلاماً أعقل ما أرى، وأروي ما أسمع، فأتاه فقال: "يا جميل هل علمت أني أسلمت؟ "، فوالله ما رد
стр. 140
عليه كلمة حتى قام عامداً إلى المسجد فنادى أندية قريش: إن ابن الخطاب قد صبأ، فقال عمر: "كذب، ولكني أسلمت، وآمنت بالله وصدّقت رسله، فثاروا، فقاتلهم وقاتلوه، حتى ركدت الشمس على رؤوسهم، وفتر عمر، وقاموا على رأسه، وهو يقول: "افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاث مئة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم".
قال: فبيناهم قيام عليه إذ أقبل رجل عليه حلة حبرة وقميص قومسي١، فقال: "مالكم؟ "، قالوا: "صبأ عمر"، فقال: "فمه، امرؤ اختار لنفسه ديناً؟ فتظنون أن بني عدي تُسلم لكم صاحبكم؟ "٢، فوالله لكأنما كانوا ثوباً انكشف عنه. فقلت له بعد المدينة يا أبت من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: "يا بني، ذاك العاص بن وائل"٣.
وقال في (عيون التاريخ) ٤: "وهو طريق ابن هشام٥ في السيرة وغيره، ثم أسلم عمر بن الخطاب وكان رجلاً جلداً منيعاً، أسلم بعد هجرة المسلمين
стр. 141
إلى الحشبة، وكان أصحاب النبي ﷺ لا يقدرون يصلون عند الكعبة حتى أسلم عمر، وكان قد أسلم حمزة فقوي المسلمون بهما، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ "١.
قالت أم عبد الله بنت٢ أبي حَثْمة - وكانت زوج عامر بن ربيعة٣، قالت: "إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر، وهو على شركه حتى وقف عليّ - وكنا نلقى منه البلاء أذى وشدة - فقال: / [٧ /] : "أتنطلقون يا أم عبد الله؟ قالت: قلت: نعم والله؛ لنخرجن في أرض الله تعالى، فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا فرجاً.
قالت: فقال: "صحبكم الله"، ورأيت له رقة وحزناً، قالت: فلما عاد عامر أخبرته، وقلت: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا! فقال: "أطمعت في إسلامه؟ " قلت: نعم. قال: "لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب؛ لما كان يرى من غلظه٤ وشدته على المسلمين"٥، فهداه الله تعالى فأسلم؛ فصار على الكفار أشد منه على المسلمين.
وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب٦ كانت تحت سعيد
стр. 142
بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام العدوي١ قد أسلم أيضاً، وهو يخفي سلامه فزعاً من قومه، كان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يُقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً ومعه سيفه يريد رسول الله ﷺ والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلاً، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: "إلى أين عمر؟ "، قال: "أريد محمّداً الذي فرّق أمر قريش، وعاب دينها؛ فأقتله".
فقال نعيم: "والله غرّتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمّداً! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟ ".
قال: "وأي أهلي؟ " قال: "خَتَنُك وابن عمّك، وأختك فاطمة، فقد والله أسلما"، فرجع عمر إليها وعندها خباب بن الأرت يقرئهما القرآن، فلما سمعوا حسّ عمر تغيب خبّاب، وأخذت فاطمة الصحيفة فاتقتها تحت فخذها - وفي رواية: جعلتها بين فخذيها - وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: "ما هذه الهينمة التي أسمعها؟ " قالا: ما سمعت شيئاً، فقال: "بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمّداً"، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت أخته لتكفه، فضربها، فشجها، فلما فعل ذلك، قالت أخته: نعم والله قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما شئت، / [٨/أ] ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم، وقال: "أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم وأنتم تقرؤونها حتى أنظر إلى ما جاء به محمّد"، قالت: "إنّا نخشاك عليها، فحلف أنه يعيدها؛ قالت:
стр. 143
وقد طمعت في إسلامه إنك نجس، على شركك فلا تمسها".
قال عمر: "فما عرفت ذل الشرك إلا ذلك اليوم"، فقام واغتسل، فأعطته الصحيفة فقرأها وفيها: ﴿طَه﴾ ، وكان كاتباً فلما قرأ بعضها قال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"!.
فلما سمع خباب خرج إليه، وقال: "يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول: "اللهم أيّد الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي الحكم بن هشام"، فالله الله يا عمر.
فقال عمر عند ذلك: "فدلني يا خباب على محمّد حتى آتيه فأسلم"، فدله خباب، فأخذ سيفه، وجاء إلى النبي ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فقام رجل منهم فنظر من الباب فرآه متوشِّحاً١ بسيفه فأخبر رسول الله ﷺ بذلك؛ فقال حمزة: "ائذن له فإن كان جاء يريد خيراً بذلنا له، وإن أراد شرّاً قتلناه بسيفه"، فنهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه وأخذ بمجمع ردائه ثم جذبه إليه جذبة شديدة، وقال: "ما جاء بك؟ ما أراك تنتهي حتى ينزل بك قارعة"، فقال: "يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله"، وكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف من في البيت أن عمر أسلم"٢.
فلما أسلم قال: "أيّ قريش أنْقل للحديث؟ قيل: جميل بن معمر الجمحي، فجاءه فأخبره بإسلامه فمشى إلى الحرم وعمر وراءه، وصرخ: "يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فيقول عمر من خلفه: "كذب، ولكني أسلمت"، فقاموا فلم يزل يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس وأعيا، فقعد
стр. 144
وهم على رأسه، فقال: "افعلوا ما بدا لكم"، فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ عليه حلة فقال: "ما شأنكم؟، قالوا: صبأ عمر، قال: رجل اختار لنسفه أمراً فما تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا! خلّوا عن الرجل". وكان الشيخ العاص بن وائل السهمي١.
قال عمر: "لما أسلمت أتيت أبا جهل بن هشام، فضربت عليه بابه، فخرج إليّ فقال: "مرحباً يا ابن أختي ما جاء بك؟ "، قلت: جئت لأخبرك أني قد أسلمت وآمنت بمحمّد، وصدّقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: "قبّحك الله، وقبّح ما جئت به"٢.
قال: وقيل: في إسلامه غير هذا. والله أعلم./ [٨ / ب] .
стр. 145
الباب التاسع: السنة التي أسلم فيها وبعد كم أسلم
...
الباب التاسع: في ذكر السنة التي أسلم فيها عمر وبعد كم أسلم١
عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: "أسلم عمر وهو ابن ست وعشرين سنة"٢.
وقال عبد الله بن عمر: "أسلم عمر وأنا ابن ست سنين"٣.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ أنه أسلم في ذي الحجة [في] ٤ السنة السادسة من النبوة، وهو ابن ست وعشرين سنة"٥.
وعن داود بن حصين٦ والزهري٧ قالا: "أسلم عمر بعد الأربعين، أو نيف وأربعين بين رجال ونساء قد أسلموا قبله"٨.
وعن سعيد بن المسيِّب٩ قال: "أسلم عمر بعد أربعين رجلاً