إلى الحشبة، وكان أصحاب النبي ﷺ لا يقدرون يصلون عند الكعبة حتى أسلم عمر، وكان قد أسلم حمزة فقوي المسلمون بهما، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ "١.
قالت أم عبد الله بنت٢ أبي حَثْمة - وكانت زوج عامر بن ربيعة٣، قالت: "إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر، وهو على شركه حتى وقف عليّ - وكنا نلقى منه البلاء أذى وشدة - فقال: / [٧ /] : "أتنطلقون يا أم عبد الله؟ قالت: قلت: نعم والله؛ لنخرجن في أرض الله تعالى، فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا فرجاً.
قالت: فقال: "صحبكم الله"، ورأيت له رقة وحزناً، قالت: فلما عاد عامر أخبرته، وقلت: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا! فقال: "أطمعت في إسلامه؟ " قلت: نعم. قال: "لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب؛ لما كان يرى من غلظه٤ وشدته على المسلمين"٥، فهداه الله تعالى فأسلم؛ فصار على الكفار أشد منه على المسلمين.
وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب٦ كانت تحت سعيد
стр. 142
بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام العدوي١ قد أسلم أيضاً، وهو يخفي سلامه فزعاً من قومه، كان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يُقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً ومعه سيفه يريد رسول الله ﷺ والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلاً، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: "إلى أين عمر؟ "، قال: "أريد محمّداً الذي فرّق أمر قريش، وعاب دينها؛ فأقتله".
فقال نعيم: "والله غرّتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمّداً! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟ ".
قال: "وأي أهلي؟ " قال: "خَتَنُك وابن عمّك، وأختك فاطمة، فقد والله أسلما"، فرجع عمر إليها وعندها خباب بن الأرت يقرئهما القرآن، فلما سمعوا حسّ عمر تغيب خبّاب، وأخذت فاطمة الصحيفة فاتقتها تحت فخذها - وفي رواية: جعلتها بين فخذيها - وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: "ما هذه الهينمة التي أسمعها؟ " قالا: ما سمعت شيئاً، فقال: "بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمّداً"، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت أخته لتكفه، فضربها، فشجها، فلما فعل ذلك، قالت أخته: نعم والله قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما شئت، / [٨/أ] ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم، وقال: "أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم وأنتم تقرؤونها حتى أنظر إلى ما جاء به محمّد"، قالت: "إنّا نخشاك عليها، فحلف أنه يعيدها؛ قالت:
стр. 143
وقد طمعت في إسلامه إنك نجس، على شركك فلا تمسها".
قال عمر: "فما عرفت ذل الشرك إلا ذلك اليوم"، فقام واغتسل، فأعطته الصحيفة فقرأها وفيها: ﴿طَه﴾ ، وكان كاتباً فلما قرأ بعضها قال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"!.
فلما سمع خباب خرج إليه، وقال: "يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول: "اللهم أيّد الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي الحكم بن هشام"، فالله الله يا عمر.
فقال عمر عند ذلك: "فدلني يا خباب على محمّد حتى آتيه فأسلم"، فدله خباب، فأخذ سيفه، وجاء إلى النبي ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فقام رجل منهم فنظر من الباب فرآه متوشِّحاً١ بسيفه فأخبر رسول الله ﷺ بذلك؛ فقال حمزة: "ائذن له فإن كان جاء يريد خيراً بذلنا له، وإن أراد شرّاً قتلناه بسيفه"، فنهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه وأخذ بمجمع ردائه ثم جذبه إليه جذبة شديدة، وقال: "ما جاء بك؟ ما أراك تنتهي حتى ينزل بك قارعة"، فقال: "يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله"، وكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف من في البيت أن عمر أسلم"٢.
فلما أسلم قال: "أيّ قريش أنْقل للحديث؟ قيل: جميل بن معمر الجمحي، فجاءه فأخبره بإسلامه فمشى إلى الحرم وعمر وراءه، وصرخ: "يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فيقول عمر من خلفه: "كذب، ولكني أسلمت"، فقاموا فلم يزل يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس وأعيا، فقعد
стр. 144
وهم على رأسه، فقال: "افعلوا ما بدا لكم"، فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ عليه حلة فقال: "ما شأنكم؟، قالوا: صبأ عمر، قال: رجل اختار لنسفه أمراً فما تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا! خلّوا عن الرجل". وكان الشيخ العاص بن وائل السهمي١.
قال عمر: "لما أسلمت أتيت أبا جهل بن هشام، فضربت عليه بابه، فخرج إليّ فقال: "مرحباً يا ابن أختي ما جاء بك؟ "، قلت: جئت لأخبرك أني قد أسلمت وآمنت بمحمّد، وصدّقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: "قبّحك الله، وقبّح ما جئت به"٢.
قال: وقيل: في إسلامه غير هذا. والله أعلم./ [٨ / ب] .
стр. 145
الباب التاسع: السنة التي أسلم فيها وبعد كم أسلم
...
الباب التاسع: في ذكر السنة التي أسلم فيها عمر وبعد كم أسلم١
عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: "أسلم عمر وهو ابن ست وعشرين سنة"٢.
وقال عبد الله بن عمر: "أسلم عمر وأنا ابن ست سنين"٣.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ أنه أسلم في ذي الحجة [في] ٤ السنة السادسة من النبوة، وهو ابن ست وعشرين سنة"٥.
وعن داود بن حصين٦ والزهري٧ قالا: "أسلم عمر بعد الأربعين، أو نيف وأربعين بين رجال ونساء قد أسلموا قبله"٨.
وعن سعيد بن المسيِّب٩ قال: "أسلم عمر بعد أربعين رجلاً
стр. 146
وعشر١ نسوة"٢.
وعن عبد الله بن ثعلبة٣ قال: "أسلم بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى عشرة٤ امرأة"٥.
وقال بعض العلماء: "إنه أتم الأربعين. وذكر أسماء القوم الذين تموا بعمر أربعين، وهم: أبو بكر، عثمان٦، عليّ٧، الزبير٨، طلحة٩، سعد١٠، عبد الرحمن١١، سعيد١٢، أبو عبيدة١٣، حمزة بن عبد المطلب، عبيدة بن الحارث١٤، جعفر بن أبي طالب١٥، مصعب بن عمير١٦، عبد الله ابن
стр. 147
مسعود١، عياش بن أبي ربيعة٢، أبو ذر٣، أبو سلمة بن عبد الأسد٤٥، عثمان بن مظعون٦، زيد بن حارثة٧، بلال بن رباح٨، خباب بن الأرتّ٩، المقداد بن عمرو١٠١١، صهيب١٢، عمار بن ياسر١٣ ١٤، عامر بن فهيرة١٥، عمرو بن عبسة١٦، نعيم بن عبد الله النحام١٧، حاطب بن الحارث الجمحي١٨، خالد ابن سعيد بن العاص١٩، خالد بن البكير٢٠،
стр. 148
عبد الله بن جحش١، أبو أحمد بن جحش٢، عامر بن بكير٣، عتبة بن غزوان٤، الأرقم بن أبي الأرقم٥، أنيس أخو أبي ذر٦، واقد بن عبد الله٧، عامر بن ربيعة٨، السائب بن عثمان بن مظعون٩، فتموا بعمر بن الخطاب أربعين ﵃.
وقال في (عيون التاريخ) : "أسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة"١٠.
وقال أبو عبد الله محمّد بن سلامة١١ في كتابه: (عيون المعارف) : "والمسلمون يوم أسلم تسعة وثلاثين رجلاً، وامرأة بمكة، فكلهم أربعون"١٢.
وذكر ابن إسحاق وابن هشام وأصحاب السير والتواريخ: أن عمر ﵁ أسلم بعد هجرة الحبشة وهي الهجرة الأولى لما هاجر أصحاب النبي ﷺ إلى
стр. 149
أرض الحبشة، أي: عند النجاشي. رضي الله عنهم١.
وقد قالت أم عبد الله بنت أبي حثْمة٢ وكانت زوج عامر بن ربيعة: "إنا لنترحل٣ إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر لبعض حاجته إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى٤ وقف عليّ وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: "أتنطلقون يا أمّ عبد الله؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجنّ في أرض الله، فقد أذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قال: فقال: "صحبكم الله" ورأيت له رقة وحزناً"٥.
وقال بعض من شرح (العمدة) : "أسلم بعد رجال سبقوه، أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة٦ امرأة، وكان إسلامه سنة ست من النبوة، وقيل: سنة خمس"٧. / [٩ / أ] .
стр. 150
الباب العاشر: استبشار أهل السماء بإسلامه
...
الباب العاشر: في ذكر استبشار أهل السماء بإسلامه
عن داود بن الحصين والزهري١ قالا: لما أسلم عمر ﵁ نزل جبريل ﵇ فقال: "يا محمّد استبشر أهل السماء بإسلام عمر"، ذكره ابن الجوزي٢.
وعن الحسن٣ ﵀ قال: "لقد فرح أهل السماء بإسلام عمر ﵁"٤.
... ٥عن ابن عباس قال: "لما أسلم عمر نزل جبريل فقال: "يا محمّد قد استبشر أهل السماء بإسلام عمر" ٦.
قد تقدم قول النبي ﷺ : "اللهم أعِزَّ الإسلامَ بأحب الرجلين إليكَ"،
стр. 151
فكان عمر أحَبَّهُما إليه١، فإسلامه كان أحب إليه أيضاً، والله عزوجل إذا أحب الأمر أحبه أهل السماوات، كما في الحديث: "إذا أحب الله عبداً نادَى جبريلَ: إني أحبُّ فلاناً فأحبه، فيحبه، ثم ينادي جبريلُ في أهل السماءِ: إن الله يحبّ فلاناً فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء" ٢.
стр. 152
الباب الحاي عشر: عز الإسلام بإسلامه وظهوره
...
الباب الحادي عشر: في عزّ الإسلام بإسلامه وظهوره
قال ابن عبد البر: "كان إسلامه عِزّاً ظهر به الإسلام بدعوة النبي ﷺ "١.
وقال ابن مسعود٢: "ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر". ذكره الذهبي٣.
وقد تقدم قول النبي ﷺ : "اللهم أعزّ الإسلام بأبي جهم أو بعمر" ٤.
وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم٥ عن ابن مسعود، قال: "ما زلنا أعزّة منذُ أسلم عمر"٦.
وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس ﵄ أنه لما أسلم عمر كبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد. وقال: "يا رسول الله ألسنا على الحق؟ "، قال: "بلى". قال: "ففيم الاختفاء؟ ". فخرج رسول الله ﷺ "٧.
وعن صهيب بن سنان قال: "لما أسلم عمر ﵁ ظهر الإسلام، ورددنا إليه عَلاَنية، وجلسنا حول البيت حِلَقاً، وطُفنا بالبيت، وانتصفنا ممّن غلظ علينا، [ورددنا] ٨ عليه بعض ما يأتي به"٩.
стр. 153
وعن الحسن١ ﵀ قال: "يجئ الإسلام يوم القيامة فيتصفح الخلق حتى يجئ إلى عمر، فيأخذ بيده فيصعد به إلى بطنان العرش فيقول: أي ربّ إني كنت خفيّاً وأهان، وهذا أظهرني وأعزني هذا فكافئه، فيجئ ملائكة من عند الله تعالى فتأخذ بيده فتدخله الجنان، والناس في الحساب"٢.
وقال بعض من شرح (العمدة) : "كان إسلامه عِزّاً للمسلمين ظهر به الإسلام بدعوة النبي ﷺ "٣.
وذكر ابن الجوزي في (التبصرة) عن ابن عباس ﵂ قال: "لما أسلم عمر ﵁ كبّر أهلُ الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، وقال: "يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حَيِينا؟ "، قال: "بلى، والذي نفسي بيده"، قال: "ففيمَ٤ الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن"، قال عمر: "فأخرجناه في صَفَّين، حمزة في أحدهما وأنا في الآخر له كَدِيد ككديد الطَّحين، حتى دخل المسجدَ، فنظرت قريش / [٩ / ب] إلى حمزة وعمر فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، قال: فسمّاني رسول الله ﷺ يومئذٍ الفاروق٥، وفرّق الله بي الحقّ والباطل٦.
стр. 154
ومن حقق النظر وأمعنه في أمر عمر بن الخطاب علم أن مثل هذا قد أقامه الله عزوجل نصرة لدينه، وعزّاً له، وذلة لأعدائه، بلاء عليهم، فإنه ﵁ كان يقوم على أعداء الله، لا تأخذه في الله لومة لائم ﵁.
стр. 155
الباب الثاني عشر: سبب تسميته بالفاروق
...
الباب الثاني عشر: في سبب تسميته بالفاروق
ذكر ابن الجوزي عن ابن عباس قال: "سألت عمر: لأيّ شيء سميت الفاروق؟ فذكر حديث إسلامه إلى أن قال: "فأخرجنا رسول الله ﷺ في صفّين، له كديدٌ ككديد الرَّحَى١، حتى دخلنا المسجد، فسماني رسول الله ﷺ الفاروق"٢.
وعن أيوب بن موسى٣ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فرّق الله به بين الحق والباطل" ٤.
وعن أبي عمر وذكْوان٥٦ قال: قلت لعائشة٧: "من سَمَّى عمر الفاروق؟، قالت: النبي ﷺ "٨.
стр. 156
وعن محمّد بن سعد يرفعه إلى الزهري١، قال: "بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر: الفاروق؛ وكان المسلمون٢ يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر في ذلك شيئاً"٣.
وعن النزَّال بن سَبْرة الهلالي٤، قال: "وافقنا من علي بن أبي طالب طيب نفس، فقلنا: "يا أمير المؤمنين، حدّثنا عن عمر بن الخطاب، قال: قال امرؤ سماه الله الفاروق فرّق بين الحق والباطل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أعزّ الإسلام بعمر" ٥.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن ابن عمرو٦٧ قال: "عمر سميتموه الفاروق أصبتم اسمه"٨.
وعن عبد الله بن عمرو قال: "عمر الفاروق أصبتم اسمه، يفرّق بين الحق والباطل"٩.
وقال أبو عبد الله بن سلامة في كتابه: (عيون المعارف) : "لقب
стр. 157
الفاروق لأنه أعلن بالإسلام، والناس يومئذٍ يخفونه، ففرّق بين الحقّ والباطل"١.
قال: "اختلف فيمن سمّاه الفاروق: فروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "سمّاه٢ رسول الله ﷺ "٣.
وقال ابن شهاب٤: "سمّاه به أهل الكتاب"، ذكر ذلك الطبري٥، ٦.
وذكر ابن الجوزي في (التبصرة) وغيرها، وبعض من شرح (العمدة) وغيرهما أنه سمّي بالفاروق لإظهاره الإسلام، ولكونه فرّق بين الحق والباطل٧.
وسبق قول عمر ﵁ في الباب قبله: "فسمّاني رسول الله ﷺ يومئذٍ الفاروق، وفرّق بين الحق والباطل"٨. / [١٠ / أ] .
وذكر البغوي٩ عن الكلبي١٠ عن أبي صالح١١ وابن عباس في قوله عزوجل:
стр. 158
﴿أَلمَ تَر إِلَى الَّذِينَ يَزْعَمُونَ أَنَّهُم آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِل مِن قَبْلَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] ، الآية نزلت في رجل من المنافقين - يقال له: بشر - كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: "تنطلق إلى محمّد"، وقال المنافق: "بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سمّاه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأى المنافق ذلك تابعه إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: "انطلق بنا إلى عمر"، فأتيا عمر، فقال اليهودي: "اختصمت أنا وهذا إلى محمّد فقضى لي عليه، فلم يرضَ بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك"، فقال عمر للمنافق: "كذلك؟ "، قال: "نعم"، قال لهما: "رويدكما حتى أخرج إليكما"، فدخل عمر البيت، وأخذ السيف، واشتمل عليه، ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد، وقال: "هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، فنزلت هذه الآية".
وقال جبريل: "إن عمر فرّق بين الحق والباطل"١.
стр. 159
الباب الثالث عشر: ذكر هجرته إلى اللمدينة
...
الباب الثالث عشر: في ذكر هجرته إلى المدينة
في الصحيح عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال: "كان فرضَ للمهاجرين الأوّلين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاث آلاف وخمس مئة.
فقيل له: "هو من المهاجرين، فَلِمَ١ نقّصته من الأربعة آلاف؟ " فقال: "إنما هاجرَ به أبوه"٢، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه"٣.
وفيه عن أبي عثمان٤ سمعت: ابن عمر إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب"، قال: "وقدمت٥ أنا وعمر على رسول الله ﷺ فوجدناه قائلاً: فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر. فقال: "اذهب فانظر هل استيقظ"، فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر فأخبرته أنه استيقظ، فانطلقنا إليه نهرول هرولة، حتى دخل عليه فبايعه ثم بايعته"٦.
وفيه عن البراء بن عازب٧، قال: "أوّل من قدمَ علينا مصعب بن عمير وابنُ أمّ
стр. 160
مكتوم١، وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعدٌ٢ وعمار ابن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثُمَّ قدم النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعلت الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأتُ: ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سور من المُفَصَّل٣.
وذكر ابن الجوزي: "أن عمر لما أذنَ رسول الله ﷺ في الخروج إلى المدينة، جعل المسلمون يخرجون أرسالاً، يصطحبون الرجال فيخرجون، قال: عمر ﵁: "فخرجت أنا وعياش بن أبي ربيعة"٤.
وذكر عن البراء٥ قال: "كان أوّلُ من قدِمَ المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وابنُ أم مكتوم، ثم قدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ "٦.
وذكر عن عقبة بن حُريث٧٨، قال: "سمعت ابن عمر قال له رجل: "أنت هاجرت قبل عمر؟ " / [١٠ / ب] . قال: فغضب، قال: "لا بل هو هاجر
стр. 161
قبلي، وهو خير مني في الدنيا والآخرة"١.
في الصحيح عن أبي موسى٢ قال: "بلغنا مخرج النبي ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأَخَوانِ لي أنا أصغرهم، أحدُهما أبو بردة٣، والآخر أبو رُهْمٍ٤، إمّا قال: بضعاً وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومه، فركبنا سفينة، فألقتنا سَفينتُنا إلى النجاشيّ بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافقنا النبي ﷺ حينَ افتتح خيبر٥، وكان أُناسٌ من الناسِ يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة.
ودخلت أسماء بنت عميس٦، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماءُ عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: "من هذه؟ " قالت: "أسماء بنت عميس"، قال عمر: "آلحبشيّةُ هذهِ؟ آلبحرية هذه؟ " قالت أسماء: "نعم"، قال: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله منكم". فغضبت، وقالت: (كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا
стр. 162
في دار - أو في أرض - البُعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ ، وأيْمُ الله لا أطعمُ طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت للنبي ﷺ ، ونحن كُنّا نؤذى ونخاف، وسأذكرُ ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذبُ ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: "يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟، قال: "فما قلت له؟ "، قالت: قلت له: "كذا وكذا"، قال: "ليسَ بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرةٌ واحدةٌ، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان"، قالت: "فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً، يسألونني عن هذا الحديث، ما مِنَ الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ "١.
قال العلماء ﵏: "تجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب، وإن لم يعجز عن إظهار دينه لم تجب عليه، لكن الأفضل له الهجرة إلى بلد الخير والعبادة، وكذلك من يعجز عن إظهار السنة ببلد البدعة تجب عليه الهجرة"٢.
فإن قيل: "لا هجرة اليوم لقوله ﵇: "لا هجرة بعد الفتح" ٣، وقول عائشة لما سئلت عن الهجرة فقالت: "مضت الهجرة لأهلها، واليوم يعبد الإنسان ربّه حيث كان"٤.
قيل: "المراد: لا هجرة من مكة إلى المدينة، لأن مكة كان كثر الإسلام
стр. 163
فيها، وارتفع الكفر منها، وكذلك قول عائشة يعني: مضت الهجرة من مكة إلى المدينة، وأما من حصل به عجز عن إظهار دينه في بلد غير مكة فإن الهجرة لم تنقطع في١ والله أعلم٢/ [١١ / أ] .
стр. 164
الباب الرابع عشر: منزله في المدينة
...
الباب الرابع عشر: في ذكر منزله في المدينة
ذكر ابن الجوزي عن عبيد الله بن عبد الله١، قال: "منزل عمر بالمدينة خطِّة٢ من رسول الله ﷺ "٣
وفي حديث ابن عباس عن عمر قال: "كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد٤، وهم من عوالي المدينة٥، وكنا نتناوب النُّزول على النبي ﷺ فينْزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أوغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك"،متفق عليه٦.
стр. 165
الباب الخامس عشر: من أخي النبي بينه وبينه
...
الباب الخامس عشر: في ذكر من آخى النبي بينه وبينه
ذكر ابن الجوزي عن محمّد بن إبراهيم١، قال: "آخى النبي ﷺ بين أبي بكر وعمر ﵄"٢.
وقال سعد بن إبراهيم٣: "آخى بين عمر وبين عويم بن ساعدة"٤، ٥.
وقال عبد الواحد بن أبي عون٦: "آخى بين عمر وعتبان بن مالك٧، ٨.
قال الواقدي: "ويقال: بين عمر ومعاذ بن عفراء"٩، ١٠.
عن عبد الله بن عمر عن عمر عن النبي ﷺ أنه استأذنه في العمرة فأذن له وقال له: "يا أخي لا تنسنا من دعائك". وقال بعدُ في المدينة: "يا أخي
стр. 166
أشركنا في دعائك"، قال عمر ﵁: "ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس". لقوله: "يا أخي" ١.
وعن سالم٢ عن ابن عمر قال: "استأذن عمر النبي ﷺ فقال: "يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا" ٣.
وفي حديث علي الآتي في آخر الكتاب٤ الثامن والثمانون: "ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه، وسيدي قريش، وأبوي الإسلام". يعني: أبا بكر وعمر ﵄ -٥.
فصل
لا تناقض بين الأحاديث ويكون ﷺ قد آخى بينه وبين كل أولئك في أوقات متعددة، فإنه ليس بممتنع أن يؤاخي بينه وبين كل أولئك في أوقات متعددة.
стр. 167
الباب السادس عشر: نزول القرآن بموافقته
...
الباب السادس عشر: في نزول القرآن بموافقته
روى الترمذي عن نافع بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله عزوجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
وقال ابن عمر: "ما نزل للناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر أو قال ابن الخطاب - شك خارجة - إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر".
وقال: "حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه"١.
وقال ابن عبد البر: "ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم ﵇"٢.
وفي الصحيحين عن أنس٣ قال: "قال عمر: وافقت الله تعالى في ثلاث، أو وافقني ربّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ذلك، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض أزواجه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتنّ أو ليبدلنّ الله
стр. 168
رسوله خيراً منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه، حتى تعظهن أنت؟، فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ ، [التحريم: ٥] ، الآية"١. / [١١ / ب] .
وعن أنس قال: "قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ، فنزلت هذه الآية"٢.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "لما توفي عبد الله بن أبيّ، جاء ابنه عبد الله٣ إلى رسول الله ﷺ فسأله عن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله أتصلي عليه، وقد نهاك ربّك أن تصلي عليه؟ "، فقال رسول الله ﷺ : "إنّما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] ، وسأزيده على السبعين".
قال: "إنه منافق، قال: وصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله عزوجل: ﴿وَلاَ تُصُلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ٤.
стр. 169
وفي رواية: "أتصلي عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ "، قال: "إنما خيّرني الله - أو خبرني١ الله - فقال: ﴿اسْتِغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، فقال رسول الله ﷺ : "وسأزيده على سبعين"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلّينا معه، ثم أنزل الله عليه: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ٢.
وفي رواية عن ابن عباس وعن عمر أنه قال: "لما مات عبد الله بن أبي سلول، دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، وثبت إليه، فقلت: رسول الله، أتصلي على ابن أبي؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، قال: أُعَدِّدُ عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أخِّر عني يا عمر"، فلما أكثرت عليه، قال: "إني خُيّرت فاخترت، فلو أعلم أني إن زدتُ على السبعين يغفر له لزدت عليها"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً، حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، [التوبة: ٨٠] ، والله ورسوله أعلم"٣.
وعن عروة بن الزبير٤ عن عائشة ﵂ قال: "كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : "أحجب نساءك"، قالت: فلم يفعل، قالت: وكان أزواج رسول الله ﷺ يخرجن ليلاً إلى ليل قبل المناصع٥، فخرجت
стр. 170
سودة١ - وكانت امرأة طويلة -، فرآها عمر - وهو في المسجد - فقال: "قد عرفناك يا سودة". حرصاً على أن ينزل الحجاب فأنزل الله عزوجل الحجاب"٢.
وذكر ابن الجوزي عن عمر قال: "وافقت ربّي عزوجل في ثلاث: في الحجاب، والأسارى، وفي مقام إبراهيم ﵇"٣.
وعن أبي وائل٤ قال: قال عبد الله٥: "فضل الناسَ عمر بن الخطاب بأربع: بذكر الأسارى يوم بدر، أمرَ بقتلهم، فأنزل الله عزوجل: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ، وبذكر الحجاب أمر نساء النبي ﷺ أن يحتجبن فقالت له زينب٦: "وإنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل في بيوتنا!! ". فأنزل الله عزوجل: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ، وبدعوة النبي ﷺ : "الله أيّد الإسلام بعمر". وبرأيه في أبي بكر، كان أوّل الناس بايعه"٧.
стр. 171
وعن عائشة ﵂ قال: "كنت آكل مع رسول الله ﷺ حيساً١، فمر عمر فدعاه فأكل، فأصاب يده إصبعي، فقال: "لو أطاع ما أرى فيكن٢ ما رأتكن عين"، فنزلت آية الحجاب"٣. / [١٢/أ] .
وذكر أبو القاسم الأصفهاني في (سيرة السلف) عن عمر ﵁: "وافقت ربّي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي أسارى بدر"٤.
قال عمر ﵁: "لما كان يوم بدر وهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً، فقال لي: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ "، فقلت: أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليّاً من عقيل٥ فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم، وقادتهم، فلم يهوَ رسول الله ﷺ ما قلت،
стр. 172
فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ فإذا هو قاعد وأبو بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله! ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال النبي ﷺ : "للذي عَرَضَ عليّ أصحابك: من الفداء، لقد عُرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" - لشجرة قريبة - فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ ، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] ، فلما كان من العام المقبل قتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ وكُسِرَت رباعيته١، وهشمت البيضة٢ على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أََصَبْتُم مِّثْلَيهَا قُلْتُم أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفِسِكُم﴾ ، بأخذكم الفداء ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شِيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ٣.
стр. 173
الباب السابع عشر: قول النبي ﷺ في فضله في الصحيحين
...
الباب السابع عشر: في قول النبي ﷺ في فضله في الصّحيحين
عن أبي هريرة١ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما راعٍ في غنمه، عدا عليه الذّئب فأخذ منها شاةً، فطلبها حتى استنقَذَها، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السَّبْع٢، ليس لها راعٍ غيري؟ "، فقال الناس: "سبحان الله"، فقال النبي ﷺ : "فإني أومن به وأبو بكر وعمر وما ثم أبو بكر وعمر"، هذا لفظ البخاري٣.
هو لمسلم٤ من طرق٥، ومن هذا الطريق لم يسق الحديث٦،إلا أنه لما ذكر الحديث الآتي بطوله، ثم ذكر طريق عقيل٧ عن ابن شهاب٨ قال: لم يذكر قصة البقرة٩.
стр. 174
وهو في الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يرعى غنماً له إذ جاء الذئب فأخذ شاة فجاء صاحبها فانتزعها منه، فقال الذئب: "كيف تصنع بها يوم السَّبْع يوم لا راعٍ لها غيري؟ "، قال رسول الله ﷺ : "فآمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر"، قال أبو سلمة: "وما هما في القوم يومئذ"١.
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: "من لها يوم السّبْع، يوم ليس لها راعٍ غيري؟ "، وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفت إليه فكلّمته، فقالت: "إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث"، فقال الناس: "سبحان الله"، فقال النبي ﷺ : "فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر"، هذا لفظ البخاري٢
ولفظ مسلم: "بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفت إليه البقرة فقالت: "إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث". فقال الناس: "سبحان الله! تعجباً وفزعاً أبقرة٣ تكلَّم؟، فقال رسول الله ﷺ : "فإني أومن به وأبو بكر وعمر".
قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: "من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟ "، فقال الناس: "سبحان الله،
стр. 175
فقال رسول الله ﷺ : "فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر" ١. وفي رواية: "وما هما ثَمَّ" ٢.
وله في الصّحيحين عدّة طرق٣.
وفي صحيح البخاري عند عبد الله بن هشام٤ قال: "كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب"٥.
ويأتي قول النبي ﷺ : "قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر" ٦.
وقول النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجّك "٧.
وقوله ﷺ : "إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس فرّوا من عمر" ٨.
وقول النبي ﷺ : "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة" ٩.
عن أنس بن مالك قال: "قال رسول الله ﷺ لأصحابه ذات يوم: "من شهد
стр. 176
منكم١ جنازة؟ "، قال عمر: "أنا"، قال: "من عاد مريضاً؟ "، قال عمر: "أنا"، قال: "من أصبح صائماً؟ "، قال: "أنا"، قال: "وَجَبت وجبت" ٢.
ويأتي حديث أبي موسى وقول النبي ﷺ : "ائذن له وبشره بالجنة" - يعني: عمر ﵁"٣.
وقول النبي ﷺ : "يطلع من تحت هذا الصّور٤ رجل من أهل الجنّة فطلع عمر" ٥.
وسبق قول النبي ﷺ لعمر: "يا أخي أشركنا في صالح دعائك" ٦.
ويأتي قوله: "عمر سراج أهل الجنة" ٧، ٨. / [١٣ / ب] .
وذكر ابن الجوزي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه يقول به" ٩.
стр. 177
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ١.
وعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٢.
وعن ابن عباس عن أخيه الفضل٣ ﵃ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عمر بن الخطاب معي حيث أحب وأنا معه حيث يحب، الحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان" ٤.
وعن الأسود بن سَريع٥ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: قد حَمِدْتُ ربّي بمحامد ومَدْح، وإياك، فقال: إن ربك يحب الحمد"، فجعلت أنشده،
стр. 178
فاستأذن رجل طوال أصلع، فقال لي رسول الله ﷺ : "اسكت"، فدخل فتكلم ساعة ثم خرج، فأنشدته ثم جاء؛ فسكتني النبي ﷺ ثم خرج، ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فقلت: "يا رسول الله من هذا الذي أسكتني له؟ "، فقال: "هذا عمر، هذا رجل لا يحب الباطل" ١.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة٢٣ ﵄ عن الأسود التميم ي، قال: "قدمت على رسول الله ﷺ فجعلت أنشده، فدخل رجل طوال أقنى"٤، فقال لي رسول الله ﷺ : "أمسك" فلما خرج قال: "هات"، قلت: من هذا يا نبي الله الذي إذا جاء قلت: أمسك، وإذا خرج قلت: هات؟ قال: "هذا عمر بن الخطاب" ٥.
стр. 179
وعن الحسن عن الأسود قال: "كنت أنشده - يعني النبي ﷺ ولا أعرف أصحابه، حتى جاء رجل بعيد ما بين المنكبين أصلع، فقيل: "اسكت"، فقلت: واثكلاه من هذا الذي أسكت له عند النبي ﷺ ؟ فقيل: عمر بن الخطاب، فعرفت والله بعد أنه كان يهون عليه لو سمعني أن لا يكلمني حتى يأخذ برجلي فيجرني إلى البقيع"١٢.
فإن٣ قال قائل: "كيف / [١٤ / أ] تسمى ما يسمعه رسول الله ﷺ باطلاً وهو محاشى عن٤ الباطل؟
قال ابن الجوزي: "الجواب أنه لما كان الشعراء - كما قال الله عزوجل - ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ، [الشعراء: ٢٢٥] . ويجئ منهم ما يصلح وما لا يصلح، وقال هذا الشاعر للنبي ﷺ : "إني قد حمدت ربي بمحامد سمع منه، فلو قد ذكر في قصي دته ما لا يصلح لأنكره عليه برفق، كما أنكر على نساء قلن:
стр. 180
"وفينا نبيّ يعلم ما في غدِ"، فقال النبي ﷺ : "لا تقلن هذا" ١، فخاف أن يسمع من ذلك عمر ليقابله بأفحش الإنكار، وكان رسول الله ﷺ أرفق منه في باب الإنكار باللطف".
وأجيب عن ذلك بأنه في حال إنشاده لم يقع منه ذلك لكن تخوف النبي ﷺ أن يقع منه في حال حضرة عمر.
وعن أبي قلابة٢ عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أشد أمتي في الله عمر" ٣.
وعن سعيد بن جبير٤ عن ابن عباس ﵄، قال: "جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: "أقرئ عمر السلام، وأخبره: أن رضاه عز وغضبه حكم" ٥.