وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين١ من بعدي يعني: أبا بكر وعمر، واهتدوا٢ بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" ٣.
وعن حذيفة رضي / [١٩ / ب] [الله عنه] ٤ قال: "كنا جلوساً عند النبي ﷺ فقال: "إني لست أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين٥ من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - واهتدوا٦ بهدي عمار، وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه" ٧.
وعن عمار بن ياسر قال: "قال رسول الله ﷺ : "سألت جبريل ﵇ فقلت: أخبرني عن فضائل عمر، فقال: لو لبثت معك
стр. 212
ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ما نَفَدَتْ فضائل عمر، وإنما عمر حسنة من حسنات أبي بكر" ١.
وعن عبد الله بن حنطب قال: "كنت جالساً عند رسول الله ﷺ إذ طلع أبو بكر وعمر فقال: "هذان السمع والبصر" ٢.
وذكر ابن الجوزي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لي وزيران من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ووزيران من أهل الأرض: أبو بكر وعمر" ٣.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لي وزيرين من أهل السماء، ووزيرين من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر - ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه إلى السماء - فقال: "إن أهل عليين ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون النجم والكواكب في السماء، فإن منهم أبا بكر وعمر وأنعما"، قال فلان قلت: يا أبا سعيد وما أنعما٤؟ قال: أهل ذلك هما"٥.
стр. 213
وعن عبد العزيز بن المطلب١ عن أبيه٢ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى أيدني من أهل السماء بجبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر، قال - ورآهما مقبلين - فقال: "هذان السمع والبصر" ٣.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا قد ذُرَّ عليه من تراب حفرته" ٤.
قال أبو عاصم٥: "ما نجد لأبي بكر وعمر - رضي لله عنهما - فضيلة مثل هذه؛ لأن طينتهما طينة رسول الله ﷺ "٦.
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: "ألا أخبركما بمثلكما في الملائكة، ومثلكما في الأنبياء؟ فمثلك يا أبا بكر في الملائكة؛ مثل ميكائيل ﵇، ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ﵇ ينزل بالشدة والبأس
стр. 214
والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء مثل نوح ﵇ قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] ١.
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحب أبا بكر وعمر منافق، / [٢٠ / أ] ، ولا يبغضهما٢ مؤمن" ٣.
وعن دَحْيَة بن خليفة٤، قال: "وجهني رسول الله ﷺ إلى ملك الروم بكتابه، فناولته كتاب النبي ﷺ فقبَّل خاتمه، ووضعه تحت شيء كان عليه قاعداً، ثم دعا فاجتمع البطارقة وقومه، فقام على وسائد بنيت له، - وكذلك كانت فارس والروم - لم يكن لها [منابر] ٥ ثم خطب أصحابه، فقال: "هذا كتاب الذي٦ بشرنا به المسيح من ولد إسماعيل بن إبراهيم". قال: فنخروا نخرة٧، فأومأ بيده أن اسكتوا، ثم قال: "جربتكم كيف نُصرتكم للنصرانية".
стр. 215
قال: فبعث إليَّ من الغد سراً، فأدخلني بيتاً عظيماً فيه ثلاث مئة وثلاث عشرة صورة١، فإذا هي صورة الأنبياء والمرسلين ﵈ قال: "انظر أين صاحبك من هؤلاء؟ "، قال: فرأيت صورة النبي ﷺ كأنه ينظر، قلت: هذا. قال: "صدقت". فقال: "من صورة هذا الذي ... ٢ عن يميمنه؟ قلت: رجل من قومه يقال له: أبو بكر الصديق. قال: "فمن هذا الذي عن يساره؟ "، قلت: رجل من قومه يقال له: عمر ابن الخطاب، قال: "أما أنا نجد في الكتاب أن صاحبيه هذين يتم الله بهما الدين". فلما قدمت على النبي ﷺ أخبرته، فقال: "صدق، بأبي بكر وعمر، يتم الله هذا الدين ويفتح" ٣.
وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، وعن يمينه أبو بكر، وعن يساره عمر ﵄، فقال: "هكذا نبعث يوم القيامة" ٤.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أحشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر، حتى أقف بين الحرمين فيأتيني أهل المدينة وأهل مكة" ٥.
وروى أبو القاسم الأصفهاني عن أبي أروى الدوسي٦، قال: "كنت مع
стр. 216
رسول الله ﷺ جالساً، فطلع أبو بكر وعمر، فقال: "الحمد لله الذي أيدني بكما" ١.
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أراد أن يبعث رجلاً في حاجة وأبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره، فقيل له: "ألا تبعث أحد هذين؟ "، قال: "كيف أبعثهما وهما من هذا الدين بمنزلة السمع والرأس؟! " ٢.
وروى عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي - يشير إلى أبي بكر وعمر -، واهتدوا هدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" ٣.
وروى الشيخ موفق الدين عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من
стр. 217
أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي، وفي كل أصحابي خير، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ" ١.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر وعمر خير أهل السماوات، وخير أهل الأرض، وخير من بقي إلى يوم القيامة، إلا النبيّين والمرسلين" ٢.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أدري قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين٣ من بعدي"، وأشار إلى أبي بكر وعمر. ٤. / [٢٠/ب] .
стр. 218
الباب العشرون: معرفة فضلهما من السنة
...
الباب العشرون: في بيان معرفة فضلهما من السنة
ذكر ابن الجوزي عن شقيق١ عن٢ عبد الله٣ قال: "حُبُّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة"٤.
وعن عبد العزيز بن جعفر اللؤلؤي٥ قال: قلت للحسن٦ ﵁: "حبّ أبي بكر وعمر سنة"، قال: "لا فريضة"٧.
وعن طاووس٨ قال: "حبّ أبي بكر ومعرفة فضلهما من السنة"٩.
وعن مالك١٠ بن أنس ﵁: قال: "كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر ﵄ كما يعلمون السورة من القرآن"١١.
وعن أبي جعفر محمّد بن عليّ١٢ ﵄ قال: "من لا
стр. 219
يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة"١.
وعن سالم بن حفصة٢ قال: قال جعفر بن محمّد٣ ﵄: "أبو بكر جدي أفيسب الرجل جده؟ لا نالتني شفاعة محمّد إن لم أتولاهما وأبرأ من عدوهما"٤.
وعن زيد بن عليّ٥ ﵁ قال: "البراءة من بغض أبي بكر وعمر، البراءة من بغض عليّ ﵁"٦.
وعن شعيب بن حرب٧، قال: قلت: لمالك بن مِغْوَل٨ ﵀: أوصني، قال: "أوصيك بحب الشيخين - أبي بكر وعمر -"، قلت: "إن الله أعطى من ذلك خيراً كثيراً"، قال: "أي لُكَعُ٩ إني والله لأرجو لك على حبهما، ما أرجو لك على التوحيد"١٠.
стр. 220
وعن ابن أبي حازم١ عن أبيه٢ قال: "قيل لعليّ بن الحسين٣ ﵄: كيف كانت منْزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ "، قال: "كمنْزلتهما اليوم وهما ضجيعاه"٤.
وعن العتكي٥ قال: "قال هارون الرشيد٦ لمالك:٧ "كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ "، قال: "كقرب قبريهما من قبره بعد وفاته"، قال: "شفيتني يا مالك"٨.
وعن سفيان بن عيينة، قال: "قال مالك بن مغول ﵁: "إن شئتم لأحلفن لكم أن مكانهما في الآخرة مثل مكانهما في الدنيا"، يعني: أبا بكر وعمر، ﵄"٩.
وروى أبو عبد الله ابن بطة١٠ عن ابن أبي حازم قال: "قال رجل لعليّ بن الحسين:
стр. 221
"ما كان منزلة أبي بكر وعمر من النبي؟ "، قال: "كمنزلتهما الساعة"١.
وروى ابن أبي مليكة٢ قال: "سئل ابن عمر عن منزلة أبي بكر وعمر"، فقال: "منزلتهما من رسول الله ﷺ في حياته كمنزلته من بعد موته"٣.
قال الشيخ: / [٢١ / أ] موفق الدين: "من خصائصهما الدالة على فضلهما اختصاصهما بالدفن في تربة النبي ﷺ دون سائر الناس".
قال أبو عاصم النبيل: "لم نجد لأبي بكر وعمر فضيلة مثل الدفن مع النبي ﷺ ، لأن ذلك يدل على أن طينتهما من طينة رسول الله ﷺ ، لأن في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا وقد ذُرَّ عليه من تراب حفرته" ٤.
قال أبو نعيم٥: "هذا حديث غريب من حديث ابن عون٦ لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل عنه، وهو أحد الأئمة الأعلام من أهل البصرة"٧.
стр. 222
الباب الحادي والعشرون: ذكر فضله على من بعده
...
الباب الحادي والعشرون: في ذكر فضله على مَن بعده
ذكر ابن الجوزي عن أبي جحيفة، قال: "سمعت عليّاً ﵁ يقول: "ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ أبو بكر، ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة [بعد أبي بكر] ؟ ١، عمر"٢.
وعن أبي جحيفة قال: "قال عليّ ﵁: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، ولو شئت أخبرتكم بالثالث"٣.
وعن محمّد بن عليّ بن الحنفية٤، ﵃ قال: قلت لأبي: "يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ "، قال: "أبو بكر ثم عمر"٥.
وعن عون بن أبي جحيفة٦ قال: "كان أبي على شرطة عليّ ﵁، وكان تحت منبره، قال: سمعت عليّاً يقول: "خير هذه الأمة بعد نبيّها
стр. 223
أبو بكر وعمر"١.
وعن عبد خير٢، قال: "سمعت عليّاً يقول على منبر الكوفة: "خيركم بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وخيركم بعد أبي بكر عمر، ولو شئت أن أسمي بالثالث لسميت"، قال: فكأنه ينحو نفسه"٣.
وعن عبد خير، قال: "لما فرغ عليّ ﵁ من أهل النهر٤ صعد المنبر فقال: "ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ثم أحدثنا٥ أموراً يقضي الله فيها ما يشاء"٦.
وعن خير قال: "سمعت عليّاً ﵁ يقول: "خير هذه الأمة نبيها، وخيرها بعد نبيها أبو بكر، وخيرها بعد أبي بكر عمر، ثم أحدثنا أحداثاً ٧يقضي الله فيها ما يشاء"٨.
стр. 224
وعن قيس الخارفي١، قال: "سمعت عليّاً- ﵁ يقول: "سبق رسول الله وصلّى٢ أبو بكر، وثلّث عمر، ثمّ خبطتنا فتنة فما شاء الله".
قال قوله: "خبطتنا فتنة فما شاء الله، أراد أن يتواضع بذلك"٣.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر وعمر خير أهل السموات، وخير أهل الأرض، / [٢١/ ب] وخير الأوّلين، وخير الآخرين إلاّ النبيين والمرسلين" ٤.
وعن شعبة٥ قال: "ما أدركت أحداً ممن كنا نأخذ عنه، كان يفضل على أبي بكر وعمر أحداً بعد النبي ﷺ "٦.
وعن عبد خير قال٧ قلت لعلي بن أبي طالب: "يا أمير المؤمنين من أول الناس دخولاً الجنة بعد رسول الله ﷺ قال: "أبو بكر وعمر" قلت: يا أمير المؤمنين يدخلانها قبلك؟ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة٨، إنهما ليأكلان من ثمارها ويتكئان على فرشها"٩.
стр. 225
وعن ابن عمر قال: "كنا نخيّر بين الناس على زمن رسول الله ﷺ فنخيّر أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان ﵃"١.
وعن قبيصة بن عقبة٢، قال: "سمعت سفيان٣ يقول: "من فضل عليّاً على أبكر فقد أزرى٤ على المهاجرين والأنصار، وأخاف أن لا ينفعهمع ذلك عمل"٥.
وروى الشيخ موفّق الدين عن عليّ ﵁ أنه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ﵄".
وقال: "إن إسناده صحيح عالٍ. وإن رجاله كلهم ثقات"٦.
وقال الشّيخ موفق الدين: "قد اشتهر عنه - يعي: عليّ بن أبي طالب ﵁ أخبار تبلغ رتبة التواتر أنه قال: "خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر"٧.
стр. 226
وقال أبو بكر أحمد بن محمّد بن هارون بن يزيد الخلال١٢: "روى تسعون نفساً أو نحوهم، عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وثمانون من التابعين أن عليّاً بن أبي طالب ﵁ قال على المنبر: "خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر. وقال: عمرو بن حُريث٣ منهم: "وعثمان"٤. وروى أبو الحسن السكري٥ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر وعمر خير أهل السماوات، وخير أهل الأرض، وخير الأوّلين إلا النبيّين والمرسلين" ٦.
وروى عن شعبة٧ قال: "ما أدركت أحداً ممن كنا نأخذ منه كان يفضل على أبي بكر وعمر أحداً بعد النبي ﷺ "٨.
стр. 227
وفي (عوالي أبي الشيخ) عن عبد خير قال: "سمعت عليّاً يقول: "ألا أنبئكم بأفضل هذه الأمة بعد نبيّها ﷺ ؟ أبو بكر وعمر، وإن شئت أن أسمي الثالث لفعلت"١.
وخرج البخاري في صحيحه عن محمّد بن الحنفية / [٢٢ / أ] قال: قلت لأبي: "يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: "يا بني ولا تعلم؟ "، قلت: لا، قال: "أبو بكر"، قلت: ثم من؟، قال: "يا بني ولا تعلم؟ "، قلت: لا، قال: "ثم عمر"، قال: ثم بدرته، قلت يا أبت ثم أنت؟ فقال: "يا بني أبوك رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم". ورواه الشيخ موفق الدين في المنهاج بلفظه. والله أعلم٢.
стр. 228
الباب الثاني والعشرون: صلابته في دين الله وشدته
...
الباب الثاني والعشرون: في ذكر صلابته في دين الله وشدّته
في الصحيح عن عا ئشة: أن عمر دخل والحبشة يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : "دعهم أمْناً بني أَرْفِدَة"، يعني: من الأمن١.
وفيه عن جابر أن عمر قال - لما قال عبد الله بن أبي: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ، [المنافقون: ٨] : "ألا تقتل يا نبي الله هذا الخبيث؟ "، لعبد الله، فقال النبي ﷺ : "لا يتحدّث الناس أنّه كان يقتل أصحابه" ٢.
وفيه عن أبي وائل٣ قال: "كنا بصفِّين٤، فقام سهل بن حني ف٥ فقال: "يا أيها الناس! اتّهموا أنفسكم، فإنا كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: "يا رسول الله ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ "، فقال: "بلى"، فقال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ "، قال: "بلى"، قال: "فعَلامَ نُعطي الدنيَّة في ديننا؟، أنرجع ولم يحكمِ الله بيننا وبينهم؟ "، فقال: "يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن
стр. 229
يضيِّعني الله أبداً"، فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ : "إنه رسول الله ولن يضيّعه الله أبداً"، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها، قال عمر: "يا رسول الله أوفتح هو؟ "، قال: "نعم" ١.
وفي رواية، قال عمر: "فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلمَ نُعطي الدَنيَّة في ديننا إذاً؟ قال: "إني رسول الله ولستُ أعصِيهِ وهو ناصري"، قلت: أوَليس كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ "، قال: قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومُطّوِّف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلِمَ نعطي الدنيّة في ديننا إذاً؟ قال: "أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربّه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه٢، فوالله إنه على الحق. "قلت: أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ "، قال: "بلى، فأخبرك أنك تأتيه العام؟ "، قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوّف به". قال الزهري٣: قال عمر: "فعملت لذلك أعمالاً"٤.
وفي الصحيحين في حديث حاطب٥ لما أرسل النبي ﷺ عليّاً والزبير
стр. 230
والمقداد فجاءوا بالكتاب من الضعينة١، قال عمر: "يا رسول الله دعني أضرب عُنقَ هذا المنافق"، فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطّلع على أهل بدر، فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فدمعت عينا عمر، وقال: "الله ورسوله أعلم"٢.
وفي الصحيح عن ابن عمر: أن عمر انطلق في رهط من أصحاب النبي ﷺ مع النبي ﷺ قِِبلَ ابن صياد٣ حتى وجده يلعب مع الغلمان عند أُطُم٤ بني مَغَالَة٥، وقد قارب ابن صياد يومئذ يحتلم، فلم يشعر بشيء حتى ضرب النبي ظهره بيده، ثم قال النبي ﷺ : "أتشهد أنّي رسول الله؟ "، فنظر ابن صياد فقال: "أشهد أنك رسول الأميين"، قال ابن صياد للنبي ﷺ : "أتشهد أني رسول الله؟ "، قال له النبي ﷺ : "آمنت بالله ورسله"، فقال النبي ﷺ : "ماذا ترى؟ "، قال ابن صياد: "يأتيني صادق وكاذب"، قال النبي ﷺ : "خلط عليك الأمر"، قال النبي ﷺ : "قد خبأتُ لك خِبئاً"، / [٢٢/ب] ، قال ابن صياد: "هو الدُّخُّ"٦. قال النبي
стр. 231
صلى الله عليه وسلم: "اخسأ١، فلن تعدو قدرك". قال عمر: "يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه"، قال النبي ﷺ : "إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله" ٢.
وفي الصحيحين٣ عن البراء٤ أن أبا سفيان٥ أشرف يوم أحد٦ فقال: "أفي القوم محمّد؟ "، فقال: "لا تجيبوه"، قال: "أفي القوم ابن أبي قحافة؟ "، قال: "لا تجيبوه"، قال: "أفي القوم ابن الخطاب؟ "، قال: "إن هؤلاء قتلوا"٧.
وفي رواية٨: "قتلوا٩ كلهم فلو كانوا أحياء لأجابوا"، فلم يملك عمر نفسه، فقال: "كذبت يا عدوّ الله، أبقى الله لك ما يخزيك"١٠، ١١.
وتقدم حديث الأسود١٢ في الباب السابع عشرة١٣.
стр. 232
وقول النبي ﷺ : "أشد أمتي في الله عمر" ١.
وروى ابن الجوزي عن ابن عباس ﵄ قال: "حدّثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أسر يوم بدر من المشركين سبعون رجلاً، واستشار النبي ﷺ أبا بكر وعليّاً فقال أبو بكر: "يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن نأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذنا منهم قوّة على الكفار، وعسى أن يهديهم الله تعالى فيكونوا لنا عضُداً". فقال النبي ﷺ : "ما ترى ابن الخطاب؟ "، فقلت: "والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكني من فلان - قريب عمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليّاً من عقيل٢ فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هَوَادةٌ للمشركين، هؤلاء صَنَاديدهم٣، وأئمتهم وقادتهم.
فهَوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت، فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ وإذا هو قاعد وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيتُ، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما، فقال النبي ﷺ : "أبكي للذي عرَض لأصحابك٤ من الفداء، لقد عُرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله عزوجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ، إلى قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ ، من
стр. 233
الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [الأنفال: ٦٧، ٦٨] ١.
وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ لما أسر الأسارى يوم بدر استشار أبا بكر فقال: "قومك وعشيرتك فخل سبيلهم"، واستشار عمر فقال: "اقتلهم"، ففاداهم رسول الله فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ، [الأنفال: ٦٧] ، فلقي النبي ﷺ عمر فقال: "كاد يصيبنا في خلافك شرّ" ٢.
وفي الصحيح عن ابن عباس عن عمر قال: "والله إن كنّا في الجاهلية ما نعدّ للنساء أمراً حتى أنزل الله عزوجل فيهنّ ما أنزل وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا٣ أنا في أمر أتأمّره إذ قالت امرأتي: "لو صنعت كذا وكذا"، قال: فقلت لها: ما لك ههنا فيما تَكَلُّفُكِ٤ في أمر أريده، فقالت لي: "عجباً لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجعَ، وإن ابنتك لتراجعُ رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان"، فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل حفصة، فقال لها: يا بنيّة إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان؟! فقالت حفصة: "والله إنا لنراجعه"، فقلت: تعلمين [أني] ٥ أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله، يا بنيّة لا يغرنك هذه التي أعجبها حُسنها حبّ رسول الله ﷺ إيّاها، - يريد عائشة - قال: ثم خرجت حتى دخلت
стр. 234
على أم سلمة١ لقرابتي منها فكلّمتها، فقالت أم سلمة: "عجباً لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين أزواجه"، فأخذتني والله أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد، قال: فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنتُ أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، قد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب فقال: "افتح افتح"، فقلت: أجاء الغسّاني؟ فقال: "بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه"، فقلت: أرغم الله أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت فإذا رسول الله ﷺ في مشربة٢ له يرقى عليها بعَجَلَة٣، [وغلام] ٤ لرسول الله ﷺ على رأس الدرجة، فقلت: قل هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ الحديث فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، [وتحت رأسه] ٥ / [٢٣/أ] وسادةٌ من أدم حشوها ليف، وإن عند رجلي قَرَظاً٦ مصبوراً٧ أو قال:
стр. 235
مصبوباً، وعند رأسه أهُبٌ١ مُعَلَّقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: "ما يبكيك؟ "، فقلت: يا رسول الله ﷺ إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" ٢.
стр. 236
الباب الثالث والعشرون: إقدامه على أشياء من أوامر الرسول ﵇
...
الباب الثالث والعشرون: في ذكر إقدامه على أشياء من أوامر الرسول ﷺ يؤخذ بذلك لصحة مقصده
في الصحيح عن سلمة١ قال: "خفّت أزواد الناس وأملقوا٢، فأتوا النبي ﷺ في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر فأخبروه فقال: "ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ "، فدخل عمر على النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله بما بقاؤهم بعد إبلهم؟ "، فقال رسول الله ﷺ : "ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم"، فدعا وبرّك عليه ثم دعاهم وبأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" ٣.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "وجد عمر حُلة إستبرق٤ تباع في السوق، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ابتع هذه الحلة تجمل بها للعيد وللوفود، فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له"، فلبث ما شاء الله. ثم أرسل إليه النبي ﷺ بجبّة ديباج، فأقبل بها عمر حتى أتى بها رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله، قلت: "إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له، ثم أرسلت إليّ بهذه؟ "، فقال: "تبيعها، أو تصيب بها بعض حاجتك"٥.
стр. 237
وفيه أن النبي ﷺ لما قام على قتلى بدر وقال: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ " قال عمر: "يا رسول الله ما تُكلمُ من أجساد لا أرواح١ فيها". فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمّد بيده ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم" ٢.
وعن ابن عمر ﵄ قال: "لما أراد النبي ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبي، جذبه عمر، وقال: "أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ "، فقال: "أنا بين خيرتين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ، فنزلت: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: ٨٠، ٨٤] ٣.
وفي رواية: "فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولتُ حتى قمت في صدره، فقلت: "يا رسول الله أعلى عدوّ الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا وكذا وكذا، أعدد أيامه،؟ "، قال ورسول الله ﷺ يبتسم، حتى إذا أكثرتُ عليه قال: "أخِّرْ٤ عنّي يا عمر إني خيّرت فاخترت قد قيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، ولو علمت أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت".
ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، فعجباً لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم، فو الله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى
стр. 238
قَبْرِهِ﴾ ، إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ، [التوبة: ٨٤] ، فما صلى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره، حتى قبضه الله عزوجل"١.
وعن البراء قال: "لما كان أحد جاء أبو سفيان بن حرب فقال: "أفيكم محمّد؟ "، فقال رسول الله ﷺ : "لا تجيبوه"، ثم قال: "أفيكم محمّد؟ "، فلم يجيبوه، ثم قال الثالثة، فلم يجيبوه، ثم ذكر أبا بكر وعمر. فقال: "أما هؤلاء فقد كفيتموهم"، فلم يملك عمر نفسه، قال: "كذبت يا عدو الله، ها هو ذا رسول الله ﷺ وأبو بكر، وأنا، أحياءٌ، ولك منا / [٢٣/ب] يوم سوء"، فقال: "يوم بيوم بدر والحرب سِجال٢، فقال: "أعل هبل"، فقال رسول الله ﷺ : "أجيبوه"، قالوا: "يا رسول الله ما نقول؟ "، قال: "قولوا: الله أعلى وأجل"، قال٣: "لنا العزى ولا عزى لكم"، فقال رسول الله ﷺ : "أجيبوه"، قالوا: "يا رسول الله ما نقول؟ "، قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" ٤.
وعن عكرمة٥، أن أبا سفيان لما قال: أعل هبل، قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: "قل: الله أعلى وأجل"، فقال أبو سفيان: "لنا العزى ولا عزى
стр. 239
لكم"، فقال رسول الله ﷺ : " [قل] ١: الله مولانا ولا مولى لكم" ٢.
وعن أبي وائل،٣ قال: "قال سهل بن حنيف في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، قال: "جاء عمر فقال: "يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ "، قال: "بلى". قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ "، قال: "بلى ". قال: "فعلام نعطي الدَّنيّة في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟ "، قال: "يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً"، فانطلق عمر إلى أبي بكر ﵄ ولم يصبر متغيّظاً حتى أتا أبا بكر، فقال: "يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ "، قال: "بلى"، قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ "، قال: بلى. قال: "يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله". فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه، فقال: "يا رسول الله أوفتح هو؟ "، قال: "نعم"، فطابت نفسه ورجع"٤.
وعن أبي هريرة ﵁، قال: "كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر، في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا، وقمنا، فكنت أوّل من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً٥ للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له
стр. 240
باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط [من] ١ بئر خارجة (والربيع: الجدول) ٢، فاحتفزت فدخلت عل رسول الله ﷺ فقال: "أبو هريرة؟ "، فقلت: نعم يا رسول الله، قال: "ما شأنك؟ "، قلت: كنت بين ظهرينا٣، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقطع دوننا، ففزعنا، وكنت أوّل من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي. فقال: "يا أبا هريرة - وأعطاني نعليه - اذهب بنعلي هاتين فمن لقيته من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله / [٢٤ / أ] مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة"، وكان أوّل من لقيت عمر، فقال: "ما هذان النعلان يا أبا هريرة؟ "، فقلت: هذان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما من لقيتُ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بين ثدييّ بيده، فخررت لأستى، فقال: "ارجع يا أبا هريرة"، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء وركبني٤ عمر. وإذا هو على أثري فقال رسول الله: "ما لك يا أبا هريرة؟ "، قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني٥ به، فضرب بين ثدييّ ضربة فخررت لأستى، فقال: "ارجع"، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ "، فقال: "يا رسول الله أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشّره
стр. 241
بالجنة؟ "، قال: "نعم"، قال: "فلا تفعل؟ فإني أخاف أن يتكل الناس عليها فخلّهم يعملون"، فقال رسول الله ﷺ : "فخلّهم" ١.
وعن الأعمش٢ عن أبي صالح٣ عن أبي سعيد٤ أو عن أبي هريرة ﵄ شك الأعمش. قال: "لما كان في غزوة تبوك٥، أصاب الناس مجاعة، فقالوا يا رسول الله لو أذنت فذبحنا نواضحنا٦ فأكلنا وادّهنّا، فقال لهم رسول الله: "افعلوا"، فجاء عمر فقال: "يا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم فيأتوا بفضل أوزادهم، ثم ادع لهم عليه بالبركة، فلعل الله عزوجل أن يجعل في ذلك"٧، فدعا رسول الله ﷺ بنطع٨ فبسطه ثم دعاهم بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف الذرة، والآخر بكف التمر، والآخر بالكسرة، حتى اجتمع من ذلك على النطع شيء يسير٩. ثم دعا النبي ﷺ بالبركة ثم قال: "خذوا
стр. 242
في أوعيتكم"، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العكسر وعاء، إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة" ١.
وعن ابن عباس ﵄ أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب٢ ﵁ ف قال: "امرأة جاءت تبايعه٣ فأدخلها الدولج٤ فأصبت منها ما دون الجماع؟ "، فقال: "ويحك لعلها مُغيبة٥ في سبيل الله؟ "، ونزل القرآن: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، / [٢٤ / ب] ، إلى آخر الآية، فقال: "يا رسول الله إليّ خاصة أم للناس عامة؟ "، فضرب صدره - يعني عمر - بيده، وقال: "لا، ولا نَعْمة عين، بل للناس عامة"، فقال رسول الله ﷺ : "صدق عُمر" ٦.
وعن عبيدة٧، قال: "جاء عيينة بن حصن٨ والأقرع
стр. 243
ابن حابس١ إلى أبي بكر ﵁، فقالا: "يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة٢ ليس فيها كلاً ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا٣ نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: "ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضاً سبخة لا ينتفع بها؟ "، قالوا: "نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم"، فأقطعهما إياه، وكتب لهما بذلك كتاباً، وأشهد عمر، وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يُشهدانه فوجداه قائماً يهنأ٤ بعيراً له، فقالا: "إن أبا بكر أشهدك على ما في هذا الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ "، فقال: "أنا على الحال الذي٥ تريان، فإن شئتما فاقرءوا وإن شئتما فانظرا حتى أفرغ، فأقرأ عليكما"، قالا: "بل نقرأ فقرأ فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيّئة، فقال: "إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما، لا رعى [الله] ٦ عليكما إن رعيتما"، قال: فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمّران فقالا: "والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! "، فقال: "لا، بل هو لو كان شاء"، قال فجاء عمر - وهو مغضب - فوقف على أبي بكر فقال: "أخبرني عن هذه
стр. 244
الأرض التي أقطعتها هذين، أرضٌ هي لك خاصة، أم للمسلمين عامة؟ "، قال: "بل للمسلمين عامة"، قال: "فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ "، قال: "استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا عليّ بذلك"، قال: "فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة وَرَضىً) ، فقال أبو بكر ﵁: "قد كنت قلت لك إنك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني"١.
وفي الصحيح عن عبد الله بن الزبير٢: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: "أمِّر القعقاع بن معبد بن زرارة٣"، قال عمر: "بل أمّر الأقرع بن حابس"، قال أبو بكر: "ما أردت إلا خلافي"، قال عمر: "ما أردت خلافك" فتماريا٤ حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ، حتى انقضت"٥. (٢٥/أ) .
стр. 245
وقد راجع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة ففي الصحيحين والمسند أن أبا هريرة قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر بعده، وكَفَر من كفر من العرب، قال عمر: "يا أبا بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله"، قال أبو بكر: "والله لأقاتلن - وقال أبو اليمان١: "لأقتلنّ٢ - من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً٣ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها". قال عمر: "فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله عزوجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق"٤.
стр. 246
الباب الرابع والعشرون: مصارعته الشيطان وخوف الشياطين منه
...
No pages
стр. 247
الباب الخامس والعشرون: هيبته وخوف الناس منه
...
الباب الخامس والعشرون: في ذكر هيبته وخوف الناس منه
تقدم في حديث النسوة / [٢٦ / ب] اللاتي كن عند النبي ﷺ أنهن لما سمعن صوته قمن فابتدرن الحجاب، وقول النبي ﷺ : "ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجّك" ١.
وسبق: لما خرج عمر وارفض الناس والصبيان٢.
وتقدم حديث المرأة في الباب قبله، لما دخل عمر فأخذت الدفّ فوضتعه تحتها٣.
وفي الصحيحين عن عائشة: أن فاطمة٤ لما توفي استنكر عليّ وجوهَ الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر٥، فأرسل إلى أبي
стр. 248
بكر: أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية ليحضر١ - أو قال لمحضر - عمر بن الخطاب، فقال عمر: "لا والله، لا تدخل عليهم وحدك" فقال أبو بكر: "وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينّهم". وذكر باقي الحديث٢.
وعن عكرمة٣: أن حجاماً كان يقص عمر بن الخطاب ﵁ وكان رجلاً مهيباً فتنحنح٤ عمر فأحدث الحجام، فأمر له عمر بأربعين درهماً.
стр. 249
واسم هذا الحجام سعيد بن الهيلم١"٢.
وعن القاسم بن محمّد٣ قال: "بينما عمر يمشي وخلفه عدة من أصحاب رسول الله ﷺ إذ بدا له فالتفت فإن بقي منهم أحد إلا وجب٤ لركبتيه ساقطاً، قال: فأرسل عينيه فبكى ثم قال: "اللهم تعلم أني منك أشد فرقاً منهم مني"٥.
وعن الحسن٦ ﵀ قال: "بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن امرأة يتحدث عنها الرجال فأرسل إليها، قال: وكان عمر رجلاً مهيباً، فلما جاءها الرسول، قالت: "يا ويلها ما لها ولعمر"، فخرجت فضربها المخاض فمرت بنسوة فعرفن الذي بها، فقدمت بغلام فصاح صيحة ثم طفا٧ فبلغ ذلك عمر ﵁ فجمع المهاجرين والأنصار واستشارهم، وفي آخر القوم رجل، فقالوا: "يا أمير المؤمنين إنما كنت مؤدباً وإنما أنت راعي٨"، قال: "ما تقول يا فلان؟ "، قال: "أقول إن كان القوم تابعوك على هواك فوالله ما نصحو لك، وإن يك اجتهادُهم أراهم فوالله لقد أخطأ رأيهم، يا أمير المؤمنين، قال: "فعزمت عليك لما قمت فقسمتها على قومك"، قال: فقيل
стр. 250
للحسن: من الرجل؟ قال: عليّ بن أبي طالب"١.
وعن أسلم٢: أن نفراً من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف قالوا: "أعلم عمر بن الخطاب فإنه قد أخسانا٣، حتى والله ما نستطيع أن٤ نديم إليه أبصارنا". قال: وذكر ذلك عبد الرحمن لعمر، قال: "أو قد ذكروا ذلك؟! والله لقد لنت لهم حتى تخوفت من الله [في] ٥ ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خفت الله في ذلك. وأيم الله لا أنا أشد منهم فرَقاً [منهم] ٦ منّي"٧.
وعن عمر بن مرة٨ قال: "لقي رجل من قريش عمر فقال: "لِنْ لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة"، فقال: "أفي ذلك ظلم؟ "، قال: "لا"، قال: "فزادني الله في صدوركم مهابة"٩.
وعن عبيد بن حنين١٠١١: أنه سمع عبد الله بن عباس يُحدّث قال: