الباب الرابع والعشرون: مصارعته الشيطان وخوف الشياطين منه
...
No pages
стр. 247
الباب الخامس والعشرون: هيبته وخوف الناس منه
...
الباب الخامس والعشرون: في ذكر هيبته وخوف الناس منه
تقدم في حديث النسوة / [٢٦ / ب] اللاتي كن عند النبي ﷺ أنهن لما سمعن صوته قمن فابتدرن الحجاب، وقول النبي ﷺ : "ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجّك" ١.
وسبق: لما خرج عمر وارفض الناس والصبيان٢.
وتقدم حديث المرأة في الباب قبله، لما دخل عمر فأخذت الدفّ فوضتعه تحتها٣.
وفي الصحيحين عن عائشة: أن فاطمة٤ لما توفي استنكر عليّ وجوهَ الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر٥، فأرسل إلى أبي
стр. 248
بكر: أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية ليحضر١ - أو قال لمحضر - عمر بن الخطاب، فقال عمر: "لا والله، لا تدخل عليهم وحدك" فقال أبو بكر: "وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينّهم". وذكر باقي الحديث٢.
وعن عكرمة٣: أن حجاماً كان يقص عمر بن الخطاب ﵁ وكان رجلاً مهيباً فتنحنح٤ عمر فأحدث الحجام، فأمر له عمر بأربعين درهماً.
стр. 249
واسم هذا الحجام سعيد بن الهيلم١"٢.
وعن القاسم بن محمّد٣ قال: "بينما عمر يمشي وخلفه عدة من أصحاب رسول الله ﷺ إذ بدا له فالتفت فإن بقي منهم أحد إلا وجب٤ لركبتيه ساقطاً، قال: فأرسل عينيه فبكى ثم قال: "اللهم تعلم أني منك أشد فرقاً منهم مني"٥.
وعن الحسن٦ ﵀ قال: "بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن امرأة يتحدث عنها الرجال فأرسل إليها، قال: وكان عمر رجلاً مهيباً، فلما جاءها الرسول، قالت: "يا ويلها ما لها ولعمر"، فخرجت فضربها المخاض فمرت بنسوة فعرفن الذي بها، فقدمت بغلام فصاح صيحة ثم طفا٧ فبلغ ذلك عمر ﵁ فجمع المهاجرين والأنصار واستشارهم، وفي آخر القوم رجل، فقالوا: "يا أمير المؤمنين إنما كنت مؤدباً وإنما أنت راعي٨"، قال: "ما تقول يا فلان؟ "، قال: "أقول إن كان القوم تابعوك على هواك فوالله ما نصحو لك، وإن يك اجتهادُهم أراهم فوالله لقد أخطأ رأيهم، يا أمير المؤمنين، قال: "فعزمت عليك لما قمت فقسمتها على قومك"، قال: فقيل
стр. 250
للحسن: من الرجل؟ قال: عليّ بن أبي طالب"١.
وعن أسلم٢: أن نفراً من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف قالوا: "أعلم عمر بن الخطاب فإنه قد أخسانا٣، حتى والله ما نستطيع أن٤ نديم إليه أبصارنا". قال: وذكر ذلك عبد الرحمن لعمر، قال: "أو قد ذكروا ذلك؟! والله لقد لنت لهم حتى تخوفت من الله [في] ٥ ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خفت الله في ذلك. وأيم الله لا أنا أشد منهم فرَقاً [منهم] ٦ منّي"٧.
وعن عمر بن مرة٨ قال: "لقي رجل من قريش عمر فقال: "لِنْ لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة"، فقال: "أفي ذلك ظلم؟ "، قال: "لا"، قال: "فزادني الله في صدوركم مهابة"٩.
وعن عبيد بن حنين١٠١١: أنه سمع عبد الله بن عباس يُحدّث قال:
стр. 251
"مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر ﵁ عن آية، فلا أستطيع أن أسأله هيبة"١.
وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجعنا٢ وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراكِ لحاجة له، قال فوقفت له حتى فرغ، ثم سِرت معه، قلت له: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ من أزواجه، فقال: "تلك حفصة وعائشة"، قال: فقلت: والله إن كنتُ لأريد أن أسألك عن هذا من سنة، فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به"٣.
وفي رواية: "فمكثت سنة لا أجد له مَوضِعاً"٤. / [٢٧ / أ] .
стр. 252
الباب السادس والعشرون: انزعاجه لموت الرسول وإنكاره له
...
الباب السادس والعشرون: في ذكر انزعاجه لموت الرسول وإنكاره له
وعن ابن شهاب١ قال: "أخبرني أنس، قال: لما توفي رسول الله ﷺ بكى الناس فقام عمر بن الخطاب ﵁ خطيباً في المسجد فقال: "لا أسمعن أحداً يقول: إن محمّداً قد مات، ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن عمران فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه قد مات"٢.
وعن ابن شهاب قال "أخبرني أبو سلمة٣ أن عائشة ﵂ أخبرته أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من مسكنه بالسّنْح٤، حتى نزل فدخل [المسجد] ٥، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمّم رسول الله ﷺ وهو مُغَشىً٦ بثوب حَبِرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ ثم قال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبَتْ عليك فقد مُتَّها".
قال: وحدّثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر
стр. 253
يكلم الناس، فقال: "اجلس يا عمر"، فقال أبو بكر ﵁: أما بعد: فمن كان يعبد محمّداً، فإن محمّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلَبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، قال والله لكأن الناس ما علموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمع بشراً إلا يتلوها".
قال سعيد بن المسيب ﵀: "إن عمر قال: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقِرْت١ حتى ما تُقلُّني رجلاي، حتى هويت إلى الأرض"٢.
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمّم رسول الله ﷺ وهو مُغشىً بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وبكى، ثم قال: "بأبي وأمي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها".
وعن ابن عباس: أنّ أبا أبكر خرج وعمر بن الخطاب يكلّم الناس، فقال: "اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس عليه تركوا عمر، فقال أبو بكر: "أما بعد: فمن كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ
стр. 254
لا يموت، قال الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ ، / [٢٧/ب] ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ، إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، وقال والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها عنه الناس كلهم فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها.
قال الزهري١: "وأخبرني ابن المسيب: أن عمر قال: "ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعُقرت، حتى ما تُقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني في (سير السلف) عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل: مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله ﷺ مات".
قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل [على] ٣ باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله ﷺ في ناحية البيت مسجى٤ عليه ببردة حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله، ثم قال: "بأبي أنت وأمي،
стр. 255
أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن يصيبك بعد موتة أبداً"، قال: ثم ردّ الثوب على وجهه، ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: "على رسلك يا عمر"، فأبى إلا أن١ يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا أيها الناس، إنه من كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعَقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية.
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حتى تلاها يومئذ أبو بكر: وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم، قال أبو هريرة: قال عمر: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض وما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات"٢.
وقال في: (عيون التاريخ) ٣، وغيره قال سعد٤: "لما توفي رسول الله ﷺ بكى الناس فقام عمر بن الخطاب ﵁ / [٢٨ / أ] في
стр. 256
المسجد خطيباً فقال: "لا أسمعن أحداً يقول: "إن محمّداً قد مات، ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن عمران، فلبث في قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه قد مات"١.
قال عكرمة٢: "ما زال عمر يتكلم وهو يتوعد المنافقين حتى أزبد شدقاه٣، وأقبل أبو بكر على فرس له من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمّم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وبكى، ثم قال: "بأبي أنت وأمي، طبت حيّاً وميتاً، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي قد كُتبت عليك فقد متّها". وخرج وعمر يكلم الناس، فقال: "اجلس يا عمر"، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد: فإن من كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، قال الله عزوجل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ، إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . قال والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمع بشراً إلا يتلوها".
فأخبرني سعيد بن المسيب: أن عمر قال: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها"٤.
стр. 257
الباب السابع والعشرون: قيامه ببيعه أبي بكر ومجادلته عنه
...
الباب السابع والعشرون: في قيامه ببيعة أبي بكر ومجادلته عنه
ذكر ابن الجوزي عن زر١ عن عبد الله٢ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قالت الأنصار: "منا أمير ومنكم أمير"، فأتاهم عمر فقال: "يا مشعر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمَرَ أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ "، فقالت الأنصار: "نعوذ بالله أن تقدم أبا بكر"٣.
وعن ابن عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ أن عليّاً والزبير ومَن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتخلف عنا الأنصار بأجمعهم في سقيفة٤ بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁، فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا [فانطلقنا] ٥ نؤمّهم، حين لقينا رجلان صالحان٦، فذكروا لنا الذي صنع القوم، فقالا لنا: "أين تريدون يا معشر
стр. 258
المهاجرين؟ "، فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: "لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين"، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى إذا جئناهم فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمَّل١ فقلت: من هذا؟ فقالوا: "سعد بن عبادة"، فقلت: ما له؟ قالوا: "وجع" فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله عزوجل بما هو أهله ثم قال: "أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفّت دافّة٢ منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويحضنونا٣ من الأمر"، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت٤ مقالة أعجبتني، أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر، / [٢٨ / ب] وقد كنت أُداري منه بعض الحدّ، وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر: "على رسلك"، فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني وأوقر، فقال: والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت فقال: "أما بعد: فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم"، وأخذ بيدي ويد [أبي] ٥ عبيدة بن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يُقرّبُني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن
стр. 259
أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفسي عند الموت، فقال قائل من الأنصار: "أنا جُذَيْلها المُحَكَّك١، وعُذَيقها المُرَجَّب٢، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش".
قال: "فكثر اللغط٣ وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ﵃"٤.
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف٥ أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب فقال: "إن فلاناً يقول: لو قد مات عمر بايعت فلاناً"، فقال عمر: "إني قائم العشية في الناس فمُحذَّرهم٦ هؤلاء الرهط الذي يريدون أن يغصبوهم أمرهم، فقال عبد الرحمن فقلت: "يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع٧ الناس وغوغاهم٨، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس، فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعُوها ولا يضعوها على موضعها، ولكن تقدم المدينةَ، فإنها دار الهجرة والسنة وتخلّص بعلماء الناس وأشرافهم، فتقول ما قلت متمكناً،
стр. 260
فيعون مقالتك ويضعونها موضعها". قال عمر: "لئن قدمت المدينة سالماً لأكلّمن بها الناس في أوّل مقام أقومه"، فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة، وكان يوم الجمعة، عجلت الرّواح١ صكة الأعمى؟.
قلت٢: لمالك: "وما صكة الأعمى؟ "، قال: "إنه لا يبالي أي٣ ساعة خرج لا يعرف الحر والبرد ونحو هذا"٤، وليست هذه الزيادة في الصحيح - فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني، فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته، فلم أنشب أن طلع عمر فلما رأيته قلت: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله، قال فأنكر سعيد بن زيد ذلك فقال: "وما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد؟ "، فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله عزوجل بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: أيها الناس فإني قائل مقالة قدِّر لي أن أقولها، لا أدري٥ لعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب عليّ، إن الله ﵎ بعث محمّداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله، ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة / [٢٩ / أ] قد أنزلها الله عزوجل، فالرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والسناء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف،
стр. 261
ألا وإنا قد كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا وإن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطْري عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله"، وقد بلغني أن قائلاً منكم يقول: "لو قد مات عمر بايعت فلاناً"، فلا يغترّن أمرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة١ ألا وإنها كانت كذلك، ألا إن الله عزوجل وقى شرّها.
وليس فيكم اليوم من تُقْطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، ألا وإنه كان من خَبَرنا حين توفي رسول الله أنّ عليّاً والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله، وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر انطلق٢ بنا إلى إخواننا من الأنصار". فانطلقنا نؤمّهم حتى لقِيَنَا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم. فقالا: "أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ ". فقلت: "نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار". فقالا: "لا عليكم أن لا تقربوهم، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين"، فقلت: "والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مُزمَّل، فقلت: "من هذا؟ "، قالوا: "سعد بن عبادة"، فقلت: "ما له؟ "، قالوا: "وجع"، فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال:
"أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفّت دافّة منكم يريدون أن يختزلونا٣ من أصلنا ويحضنونا من الأمر".
فلمّا سكت أردت أن أتكلم
стр. 262
وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري١ منه بعض الحدّ٢، وهو كان أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري٣ إلا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت، فقال: "أما بعد: فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة ابن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر ﵁، إلا أن تغير نفسي عند الموت".
فقال قائل من الأنصار: "أنا جُذْيلها المُحَكّك وعُذْيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش".
فقلت٤ لمالك: ما معنى جذيلها المحكك وعذيقها المجرب؟، قال: كأنه يقول: أنا داهيتها"٥.
قال: فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشيت الاختلاف، فقلت: "أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: "قتلتم سعداً"، فقلت: قتل الله سعداً، قال عمر: أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمراً هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم يكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما٦ أن نُتَابِعَهُم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم
стр. 263
فيكون فيه فساد، فمن بايع أميراً من غير مشورة المسلمين فلا بيعة للذي بايعه، تغرة أن يقتلا"١، ٢.
стр. 264
الباب الثامن والعشرون: في ذكر عهد أبي بكر إليه ووصيّته إياه
عن إبراهيم النخعي١ قال: "أوّل من ولي أبو بكر شيئاً من أمور المسلمين عمر بن الخطاب، ولاّه القضاء، فكان أوّل قاضٍ في الإسلام"٢.
وعن الحسن بن٣ أبي الحسن - رضي الله عنه٤، قال: "لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: "إنه قد نزل بي ما ترون، وإني لأظنني إلا المأتيّ، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقْدي٥، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي"، فقاموا في ذلك وحلوا عليه، ولم يستقم لهم فقالوا: "أرأى لنا يا خليفة رسول الله"، قال: "فلعلكم تختلفون؟ "، قالوا: "لا"، قال: فعليكم عهد الله على الرضى، قالوا: "نعم"، قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده، فأسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ قال: "أشر علي برجل، والله إنك عندي٦ لها لأهل وموضع"، قال: "عمر"، فقال: "اكتب"، وكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه
стр. 265
ثم أفاق، فقال: "اكتب عمر"١.
وعن الشعبِي قال: "بينا طلحة والزبير وعثمان وسعد وعبد الرحمن ﵃ جلوس عند أبي بكر في مرضه عواداً، فقال أبو بكر: "ابعثوا إليّ عمر"، فأتاه فدخل عليه فلما دخل حست نفوسهم أنه خيّرته فتفرقوا عنه، وخرجوا وتركوهما / [٢٩ / ب] ، فجلسوا في المسجد، وأرسلوا إلى عليّ ﵁ ونفر معه، فوجدوا عليّا في حائط فتوافروا إليه واجتمعوا، وقالوا: "يا عليّ ويا فلان، إن خليفة رسول الله ﷺ مستخلف٢ عمر، وقد علم الناس أن إسلامنا كان قبل إسلام عمر، وفي عمر من التسلط على الناس ما فيه، ولا سلطان له، فادخلوا بنا عليه نسأله، فإن استعمل عمر كلمناه فيه وأخبرناه عنه"، ففعلوا. فقال أبو بكر ﵁: "اجمعوا٣ لي الناس أخبركم من اخترت لكم، فخرجوا فجمعوا الناس إلى المسجد فأمر من يحمله إليهم حتى وضعه على المنبر، فقام فيهم باختيار عمر لهم، ثم دخل فاستأذنوا عليه، فأذن لهم، فقالوا: "ماذا تقول [لربك] ٤ وقد استخلفت علينا عمر؟ "، فقال: "أقول: استخلفت عليهم خير أهلك"٥.
وعن عاصم بن عدي٦، قال: "جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من
стр. 266
يحمله إلى المنبر فكانت آخر خطبة خطب بها: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبّوها، فبحب كل واحدةٍ منهما تبغض الأخرى، وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوّله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه أشدّكم في حال الشدّة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور، لا يخور لشيء منها حده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والطاعة، وهو عمر بن الخطاب". ثم نزل فدخل، فحمل الساخط إمارته الراضي بها على الدخول معهم توصلا"١.
وعن عائشة ﵂ قالت: "كان عثمان يكتب وصية أبي بكر ﵄ فأُغمي٢ على أبي بكر، فجعل عثمان يكتب فكتب عمر، فلما أفاق قال له: "ما كتبت؟ "، قال: "كتبت عمر"، قال: "كتبت الذي أردت أن آمرك به، ولو كتبت نفسك كنت لها أهلاً"٣.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "كتب عثمان ﵁ عهد الخليفة بعد أبي بكر ﵁ فأمره أن لا يسمي أحداً وترك اسم الرجل، فأغمي على أبي بكر إغماء، فأخذ عثمان العهد فكتب اسم عمر، قال: "فأفاق أبو بكر فقال: "أرني العهد"، فإذا فيه اسم الرجل عمر، قال: "من كتب هذا؟ "،
стр. 267
قال عثمان: "أنا"، فقال: رحمك الله وجزاك خيراًً، فوالله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلاً"١.
وعن الواقدي عن أشياخه: أن أبا بكر ﵁ لما اشتد به المرض دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: "أخبرني عن عمر بن الخطاب"، فقال: "ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني"، فقال أبو بكر: "وإن"، فقال عبد الرحمن: "هو والله أفضل من رأيك٢ فيه"، ثم دعا عثمان فقال: / [٣٠ / أ] "أخبرني عن عمر"، فقال: "أنت أخبرنا به"، قال: "على ذلك يا أبا عبد الله"، فقال عثمان: "اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله". فقال أبو بكر: "يرحمك الله٣، والله لو تركته ما عدوتك".
وشاور معهما سعيد بن زيد، وأُسيد بن الحُضير٤ وغيرهما من المهاجرين والأنصار ﵃ وسمعه بعضهم أصحاب النبيّ ﷺ فدخلوا على أبي بكر، فقال له قائل منهم: "ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا وقد ترى غلظته؟ "، فقال أبو بكر: "أجلسوني، أبالله٥ تخوفوني! خاب من تزود من أمركم بظلم أقول: اللهمّ استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من ورائك"، ثم اضطجع.
ودعا عثمان فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر،
стр. 268
ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخيرَ أردتُ ولا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
ثم أمر بالكتاب فختمه١، وخرج به مختوماً، فقال عثمان للناس: "أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ "، قالوا: "نعم"، ثم رفع أبو بكر يديه وقال: "اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة، فاجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك"٢.
وعن قيس بن أبي حازم، قال: "خرج علينا عمر ومعه شديد٣ مولى أبي بكر، ومعه جريدة٤ يُجلس بها الناسَ، فقال: "أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله ﷺ ، قال: "إني قد رضيت لكم عمر فبايعوه"٥.
وعن [ابن] ٦ أبي خالد٧ عن قيس٨ قال: "رأيت عمر وبيده
стр. 269
عسيب١ نخل وهو يجلس الناس ويقول: "اسمعوا قول خليفة رسول الله ﷺ فجاء مولى أبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس، فقال: يقول أبو بكر: "اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة، فوالله ما آلوتكم". قال قيس: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر"٢.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "أفرس الناس ثلاثة أبو بكر في عمر، وصاحبة موسى ﵇، حين قالت: "استأجره"، وصاحب يوسف ﵁"٣.
وعن موسى الجهني٤ قال: "سمعت أبا بكر بن حفص٥، يقول: "قال أبو بكر حين احتضر لعائشة ﵂ "يا بنية وَلينا هذا، - أمر المسلمين - فلم نأخذ لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا أكلنا من جريش٦ طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبدَ الحبشي، وهذا / [٣٠ / ب] البعير
стр. 270
الناضح، وجرد١ هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، فجاء الرسول وعنده عبد الرحمن بن عوف فبكى عمر حتى سالت دموعه على الأرض، وقال: "يرحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، ارفعهن يا غلام"، فقال عبد الرحمن: "سبحان الله يا أمير المؤمنين! تسلب عيال أبي بكر عبداً حبشياً، وبعيراً ناضحاً، وجرد قطيفة وثمنها خمسة دراهم"، فقال: "ما تأمر؟ "، قال: "آمر بردهن على عياله٢". قال: "خرج أبو بكر عنهن عند الموت، وأردهن أنا على عياله، لا يكون والله ذلك أبداً، الموت أسرع من ذلك"٣.
وروى أبو القاسم الأصفهاني عن عبد الله٤ قال: "أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] ، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] ، وأبو بكر حين استخلف عمر"٥.
فصل
ينبغي للخليفة إذا احتضر أن ينظر في أمر المسلمين، فإن كان استخلافه أصلح لهم استخلف عليهم، وإن كان ترك الاستخلاف أصلح لهم لم
стр. 271
يستخلف. وإذا رأى الاستخلاف١ عليهم فينظر في الأصلح لهم في أمورهم، والقيام عليهم، والنصح لهم، وكونه من أهل الدين والورع والفضل، فإن رأي رجلاً من أهل الدين والورع والخير، لكنه ضعيف عن القيام بأمورهم، وآخر هو دونه في الورع والفضل، وهو أقوى منه على أمورهم، ومصالحهم، والذبّ عنهم، فهو مقدم؛ لأن هذا الأمر والنظر فيه إلى المصلحة لهم، والأوّل صلاحه لنفسه، ولا ينظر لهم فاسقاً.
والفاسق: من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة٢.
والكبيرة: هي ما فيه حدّ في الدنيا لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النّور: ٢] ، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] ، أو وعيد في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] ٣.
وقال أبو العباس بن تيمية٤ وغيره: "أو لعنة: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ﴿وَالخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ ، [النور: ٧] .
وقوله ﵇: " لعن الله السارق"٥، "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّل له"٦، "لعن الله
стр. 272
الواشمة١ والمستوشمة"٢، "لعن الله آكل الربا ومؤكله" ٣، ونحو ذلك.
أو غضب: ﴿وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهَ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩] .
أو نفي الإيمان: "لا يزني الزاني حين يزني هو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن" ٤، ٥. / [٣١ / أ] .
قال جماعة من أصحابنا منهم ابن عقيل٦ وغيره: "تثبت ولاية الإمام بأحد أشياء:
منها: عهد الخليفة قبله، ومعنى ذلك أن يعهد إليه الخليفة قبله أنه إذا مات كان خليفة بعده، فهذا يصير بهذا خليفة يحرم قتاله، والخروج عليه، ومن هذا كانت خلافة عمر فإن أبا بكر الصديق عهد إليه عند الموت٧.
ومنها أن ينزل له عن الخلافة في حال الحياة، ويعزل نفسه منها ويجعله هو
стр. 273
الخليفة، فتستفاد بها الولاية أيضاً، وليس لأحد قتاله، ولا الخروج عليه.
ومنها اتفاق الناس عليه ونصبه، فإذا اتفقوا على شخص ونصبوه خليفة فليس لأحد قتاله، ولا الخروج عليه، ولا مبايعة غيره١.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد وأصحابه، اختلفوا أيضاً هل يعتبر اتفاق جميع أهل الحل والعقد على مبايعته؟ ٢.
أم يكفي بعض أهل الحل والعقد أو أكثرهم؟ ٣.
أو يكفي واحد من أهل الحل والعقد في خلاف؟ ٤.
ومن هذا الباب كانت خلافة أبي بكر رضي الله عنه٥.
لكن اختلفوا في خلافة أبي بكر هل كانت من النبي ﷺ بالنص الظاهر، أم بالنص الخفي والإيماء على قولين٦.
فعلى قولنا: إنها ثبتت بالنص الخفي والإيماء؛ لكون خلافة أبي بكر من هذا
стр. 274
الليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازنيه يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً، وأن الله عزوجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغباً راهباً فلا يتمنى على الله غير الحق، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة، فإن حفظت قولي فلا يكونن غائباً أحبّ إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائباً أبغض إليك من الموت، ولن تعجزه"١.
وعن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن أبي بكر٢ بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب٣ ﵃، قال: "سمعت جدي أبا بكر بن سالم٤ يقول: "لما حضرت٥ أبا بكر الصديق، عند آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم من بعدي عمر بن الخطاب، فإن قصد وعدل فذاك ظني، وإن جار وبدل فالخير أردت، ولا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
стр. 275
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَّنْقَلِبُونَ﴾ ، [الشعراء: ٢٢٧] ، ثم بعث إلى عمر فدعاه فقال: "يا عمر أبغضك مبغض وأحبّك محب، وقل ما يُبْغض الخير ويحب الشّر".
قال: "فلا حاجة لي فيها"، قال: "ولكن لها بك حاجة، قد رأيت رسول الله ﷺ وصحبته، ورأيت إثرته أنفسنا على نفسه حتى إن كنا لنهدي لأهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإنما اتبعت أثر من كان قبلي، والله ما نمت فحكمت١ ولا شبهت فتوهمت، وإن لعلى طريقي ما زغت، تعلم يا عمر إن لله حقاً في الليل لا يقبله في النهار - الكلام الذي تقدم -.
ثم قال: "إن أوّل ما أحذرك نفسك، وأحذرك الناس، فإنهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أجوافهم، وإن لهم لحيرة عن زلة تكون، فإياك أن تكونه، وإنهم لم يزالوا خائفين لك فرقين٢ منك ما خفت الله وفرقته. هذه وصيتي وأقرأ عليك السلام"٣.
فائدة
يستحب للخليفة إذا استخلف شخصاً أن يوصيه بمصالح المسلمين وأمورهم، فإن لم يستخلف شخصاً استحب له أن يوصي من يستخلف بعده، فإن النبي ﷺ أوصى بما يفعله الخليفة بعده، من إجازة الوفد٤، ونحو ذلك وأبو بكر أوصى كما تقدم.
وعمر ﵁ قال: "أوصي الخليفة بعدي"، كما تأتي وصيته٥، وذلك لأنه لم يستخلف فأوصى بهذه الوصية لمن وقعت الخلافة. والله أعلم. / [٣٢ / أ] .
стр. 276
الباب الثامن والعشرون: عهد أبي بكر إليه ووصيته إياه
...
الباب. ومن قول عمر: "إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني النبي ﷺ ". ما يدل على ذلك١.
وعلى قولنا: ثبتت بالنص الظاهر لا يكون من هذا الباب، ويكون من باب عهد الإمام قبله. فلو بايع الناس لشخص ثم بايعوا٢ لآخر بعده فلا بيعة للثاني، وإن بايع بعض لشخص، ثم بايع بعضهم لآخر فلا بيعة للثاني أيضاً، وإن بايع بعض أفراد الناس لشخص من غير مشورة جميعهم، أو بايعوا لغير من اتفق عليه الجم الغفير فلا بيعة له.
قال أصحابنا: "ولو ظهر رجل بسيفه فقهر الناس وأخذ الخلافة بيده، فهو خليفة يحرم قتاله، والخروج عليه، وعزله منها٣.
فإن خرج على الخليفة وقهره فللناس مساعدة الخليفة عليه وليس هو الخليفة، ولا يقرّ على ذلك ولو بايعه بعض الناس. والله أعلم. / [٣١ / ب] .
فصل: في وصية أبي بكر لعمر ﵄
عن إسماعيل بن أبي خالد عن زُبيد٤ أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: "إني موصيك [بوصية] ٥ إن حفظتها: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق في
стр. 277
الباب التاسع والعشرون: خلافته وقول الرسول فيها
...
الباب التاسع والعشرون: في خلافته وقول الرسول فيها
قال الذهبي: "ولي الخلافة عشر سنين ونصف"١.
وذكر ابن الجوزي عن محمّد بن سعد قال: قال حمزة بن عمرو٢: "توفي أبو بكر ﵁ مساء ليلة الثّلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، فاستقبل عمر ﵁ يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر"٣.
وعن جامع بن شداد٤ عن أبيه٥ قال: "كان أوّل كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: "اللهم إني شديد فليّنّي، وإني ضعيف فقوّني، وإني بخيل فسخّني"٦.
وقال القاسم٧ بن محمّد٨: قال عمر: "لو علمت أن أحداً من الناس أقوى على هذا الأمر منّي، لكنت أقدِمَ فتضربَ٩ عُنْقي أحب إليّمن أن أَلِيَه"١٠.
стр. 278
وعن يحيى بن معين١ قال: "كان شريح٢ قاضي عمر بن الخطاب وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال"٣.
قال نافع٤: "استعمل عمر زيداً٥ على الفضاء وفرض له رزقاً"٦.
قال أبو عبد الله محمّد بن سلامة في كتاب: (عيون المعارف) : "بويع له يوم مات أبو بكر ﵁، وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال"٧.
وروى أبو داود والنسائي٨ والترمذي وابن ماجه عن سَفينة٩، قال: قال رسول الله ﷺ : "الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون الملك".
قال سفينة: "أمسك: سنتين لأبي بكر، وعشر لعمر، وثنتي عشرة لعثمان، وستاً لعلي ﵃"١٠.
стр. 279
قال محمّد بن مظفر١: "سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل منذ أربعين سنة فذكر حديث حماد بن سلمة٢ عن سعيد بن جُهْمان٣ في الخلافة، فقال أحمد: "عليّ من الخلفاء الراشدين المهديّين"٤.
وروى الشيخ موفق الدين عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "إن الله عزوجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائناً ملكاً عضوضاً٥ وكائناً عنوة وجبرية، وفساداً في الأمة يستحلون الفروج، والخمور،
стр. 280
والحرير، وينصرون١ على ذلك ويرزقون أبداً حتى يلقوا الله" ٢.
وقال أبو داود٣: ثنا داود الواسطي٤ وكان ثقة، ثنا حبيب بنسالم٥، قال: "سمعت النعمان بن بشير بن سعد٦ يكف حديثاً٧، فجاء
стр. 281
أبو ثعلبة١ فقال: "يا بشير بن سعد٢ أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ "، وكان حذيفة قاعداً مع بشير - فقال حذيفة -: "أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله ﷺ : "إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون الخلافة على منهاج البنوة، تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء، ثم تكون جبرية، ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".
قال فقدم عمر٣ ومعه يزيد بن النعمان٤ في صحابته، فكتبت إليه أذكره الحديث فكتبت٥ إليه: إني أرجو / [٣٢ / ب] أن يكون أمير المؤمنين بعد الجبرية، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر، فسر به وأعجبه"٦.
قال أبو داود٧: ثنا حمد بن سلمة، ثنا عليّ بن زيد٨ عن عبد الرحمن
стр. 282
بن أبي بكرة١ [قال: "وفدنا إلى معاوية٢ مع زياد٣ ومعنا أبو بكرة٤] ٥ فدخلنا عليه فقال له: "حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ عسى الله أن ينفعنا به"، قال: "نعم، كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها، فقال رجل: "يا رسول الله إني رأيت رؤيا، رأيت كأن ميزاناً دلي من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر بعمر، فوزن أبو بكر عمر، ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان، ثم رفع الميزان، فاستاء لها رسول الله ﷺ ثم قال: "خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء"، فغضب لها معاوية ثم زجّ في أقفائنا فأخرجنا. فقال زياد لأبي بكرة: "ما وجدت من حديث رسول الله ﷺ حديثاً تحدّثه غير هذا؟ "، قال: "والله لا أحدّثه إلا به حتى أفارقه". فلم يزل زياد يطلب الإذن حتى أذن لنا فأدخلنا، فقال معاوية: "يا أبا بكرة حدّثنا بحديث رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعنا به"، قال: فحدّثه أيضاً مثل حديثه الأوّل، فقال له معاوية: "لا أبا لك تخبرنا أنا ملوك فقد رضينا أن نكون ملوكاً"٦.
стр. 283
وروى الشيخ موفق الدين بسنده عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يبني مسجد المدينة، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، وهم ينقلون الحجارة، فقلت: يا رسول الله ما أرى معك من أصحابك غير هؤلاء الرهط؟ "، قال: "إنهم الخلفاء من بعدي" ١.
وروى عن أنس قال: "خرج رسول الله ﷺ ذات يوم وخرجت معه، فدخل حائطاً من حيطان الأنصار فدخلت معه، فقال: "يا أنس أغلق الباب"، فأغلقت الباب فإذا رجل يقرع الباب، فقال: "يا أنس افتح لصاحب الباب، وبشّره بالجنة، وأخبره أنه يلي الأمر من بعدي"، قال: فذهبت أفتح له، وما أدري من هو، فإذا هو أبو بكر فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله ودخل، ثم جاء آخر فقرع الباب، فقال: "يا أنس افتح لصاحب الباب، وبشّره بالجنة، وأخبره أنهيلي أمر أمتي من بعد أبي بكر"، فذهبت أفتح له وما أدري من هو، فإذا هو عمر بن الخطاب، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله ودخل، ثم جاء آخر فقرع الباب فقال: "يا أنس افتح لصاحب الباب، وبشّره بالجنة، وأخبره أنه
стр. 284
يلي أمر أمتي بعد أبي بكر وعمر، وأنه سيلقى منهم بلاء فيه دمه". فذهبت أفتح له، وما أدري من هو، فإذا هو عثمان بن عفان، ففتحت له الباب، وأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله واسترجع ودخل"١.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً، فجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: "ائذن له وبشّره بالجنة وبالخلافة بعدي"، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: "ائذن له وبشّره بالجنة وبالخلافة بعد أبي بكر"، ثم جاء عثمان يستأذن، فقال: "ائذن له وبشّره بالجنة وبالخلافة بعد عمر".
قال أبو نعيم٢: "هذا حديث غريب من حديث يونس٣ عن أنس بهذا
стр. 285
/ [٣٣ / أ] اللفظ تفرد به أبو كامل١ عن عمرو٢، ٣.
وعن ابن عمرو٤ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر الصديق لا يلبث٥ بعدي إلا قليلاً، وصاحب رحَى٦ دارة العرب٧، يعيش حميداً ويموت شهيداً". قال: فقال رجل: "من هذا؟ "، قال: "عمر بن الخطاب"، ثم التفت إلى عثمان بن عفان فقال: "وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصاً٨ كساك الله تعالى، فوالذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنةَ حتى يلج الجمل في سم الخياط" ٩.فقال رجل من قومه: "ما لنا ولهذا إنما جلسنا لتذكرنا"، فقال: "أما لو تركتموني لأخبرتكم بما قال فيهم واحداً واحد" ١٠.