← Тараджим

Тараджим · id 12062

محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

ابن المبرد

Полный текст (1 019 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رسول الله ﷺ بحضرة أهل خيبر أعطى رسول الله ﷺ اللواءَ١ عمر بن الخطاب، فنهض معه من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ يجبنه أصحابه وجبنهم. قال رسول الله ﷺ : "لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فلما كان غداً تصدّر٢ لها أبو بكر، وعمر، فدعا عليّاً، وهو أرمد٣ فتفل في عينيه وأعطاه اللواء، ونهض معه من الناس من نهض، قال: فتلقى أهل خيبر فإذا مرحب يرجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب أطعن أحياناً وحيناً أضرب ... إذ الليوث أقبلت تلهب فاختلف هو وعليّ ﵁ فضربه عليّ على هامته حتى عض السيف منه بيض٤ رأسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما تتام آخر الناس مع عليّ حتى فتح الله لهم، وله"٥. / [٥١/ ب] ٦.

стр. 387

الباب الثاني والأربعون: غزواته بعد الرسول ﷺ وفتوحه ... الباب الثاني والأربعون: في غزواته بعد الرسول وفتوحه في الصحيحين عن جُبير بن حية١، قال: "بعث عمر [الناس] ٢ في أفناء٣ الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان٤، فقال: "إنّي مستشيرك في مغازيّ هذه "قال: "نعم، مثلها ومثل من فيها من الناس من عدوّ المسلمين مثل طائر له رأس، وله جناحان، وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرّجلان بجناحٍ والرّأس، فإن كسر جناح الآخر نهضت الرّجلان والرّأس، فإن شُدخَ٥ الرّأس، ذهبت الرّجلان، والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى "قال: "فندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان ابن مقرن٦، حتى إذا كنا بأرض العدوّ خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً، فقام الترجمان فقال: "ليكلمني رجل منكم" فقال المغيرة٧: "سل عما شئت" فقال: "ما أنتم"؟

стр. 388

قال: "نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد [وبلاءٍ شديدٍ] ١ نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر، والحجر، فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمّه، فأمرنا رسول ربّنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبيّنا ﷺ عن رسالة ربّنا: أنّه من قتل منا صار إلى الجنّة في نعيم ولم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم". فقال النعمان: "ربما أشهدك الله مثلها مع النبي ﷺ فلم يندمك ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات"٢. وعن محمد بن عبد الله بن سواد٣، وطلحة بن الأعلم٤، وزياد بن سرجس الأحمري٥، بإسنادهم قالوا: "أول ما عمل به عمر ﵁ أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني٦ إلى فارس قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق ﵁ ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس إلى فارس فندبهم ثلاثاً كلّ يوم، فلا ينتدب أحد، وكان وجه فارس من أكره الوجوه وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم

стр. 389

وشوكتهم، / [٥٢ / ب] فلما كان اليوم١ الرابع، عاد فندب الناس، فكان أوّل من انتدب أبو عُبيد بن مسعود٢٣، أجابه في اليوم الرابع أوّل الناس فانتخب عمر من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل، وأمّر عليهم أبا عبيد، فقيل له: "استعمل عليهم رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ "، فقال: "لاها الله٤، آذن لكم يا أصحاب النبي أندبكم فتنكلون، وينتدب غيركم بل أؤمر عليكم أولكم، إنما فضلتموهم بتسرعكم إلى أمثال". ثم بعث إلى أهل نجران، ثم ندب٥ أهل الرّدّة، فأقبلوا سراعاً، فر [مى] ٦ بهم العراق، والشام، وكتب إلى أهل اليرموك٧: بأن عليكم أبا عبيدة بن الجراح، وكتب إليه ﵁ إنك على الناس، فإن أظفركم الله بهم فاصرف أهل العراق إلى العراق، فكان أوّل فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفى أبي بكر ﵁"٨. وعن عمر بن عبد العزيز٩ ﵁: قال: "لما انتهى قتل

стр. 390

أبي عبيد ﵀ إلى عمر، واجتماع١ أهل فارس على رجل من آل كسرى، نادى في المهاجرين والأنصار، وخرج حتى أتي٢ صِرار، وقدّم طلحة بن عبيد الله، وسمى لميمنته عبد الرحمن بن عوف، ولميسرته الزبير بن العوام، واستخلف عليّاً ﵁ على المدينة، واستشار الناس فكلهم أشاروا عليه بالمسير إلى فارس، فنهاه عبد الرحمن وقال: "إن يُهزم جيشك فليس كهزيمتك"، وأشار عليه بسعد٣ فذهب إلى القادسية٤، وعاد إلى المدائن ففتحها"٥. وعن قيس العجلي٦، قال: "لما قُدم بسيف كسرى ومنطقته٧ إلى عمر ﵁ قال: "إن قوماً أدوا هذا لذوو٨ أمانة"، قال عليّ ﵁: "إنك عتفت فعفت الرعية"٩.

стр. 391

قال ابن الجوزي: "وفي أيام عمر ﵁ مصرت الأمصار: البصرة، وفتحت الأهواز، ورامَهُرْمُزَ١، وتستر، والسوس٢، وجُنْديْسابُور٣، وخراسان، وخُوْز٤، واصطخر، وفَسَا٥، ودار ابْجرد٦، وهي التي تولاها سارية بن زنيم٧، وقال على المنبر: "يا سارية الجبل"، وكرِمَان وسجستان، ومُكرَان، وحمص، وقِنَّسرين"٨. وعن محمّد بن بكار٩ قال: "قرئ على أبي معشر١٠ قال: "بويع لعمر ﵁ وكانت وقعة فحل١١١٢، ويقال بكسر الحاء، في ذي القعدة على رأس خمسة أشهر من خلافته، وحج بالناس عبد الرحمن

стр. 392

ابن عوف ﵁ في سنة ثلاث عشرة، وكان فتح دمشق في رجب سنة أربع عشرة١، وحج عمر سنة أربع عشرة، ثم نزع خالد بن الوليد ﵁ وأمر أبا عبيدة بن الجراح ﵁ وكانت عَمَواس٢ الجابية٣ في سنة ست عشرة، وحجّ فيها عمر ﵁ / [٥٣ / أ] ثم كانت سرغ في سنة٤ سبع عشرة’ وحجّ [فيها] ٥ عمر، وكان الرمادة في سنة ثمان عشرة، وفيها طاعون عَمَواس، وفيها حجّ عمر ﵁ ثم كان فتوح جَلولاء٦ في سنة تسع عشرة٧ وأميرها سعد بن أبي وقاص ﵁ ثم كانت

стр. 393

قيسارية في ذلك العام، وأميرها معاوية١، ٢، وحجّ عمر سنة تسع عشرة، ثم فتح مصر في سنة عشرين، وأميرها عمرو٣ بن العاص٤، وحجّ فيها عمر ﵁ [ثم وقعة نهاوند٥ سنة إحدى وعشرين] ٦ وأميرها النعمان بن مقرن ﵁، ثم كانت أذربيجان سنة اثنتين وعشرين٧ وأميرها المغيرة بن شعبة، وحجّ عمر، وكانت اصطخر الأولى وهمذان في سنة ثلاث وعشرين٨ وحجّ فيها عمر"٩. وعن الحسن١٠ ﵀ قال: "ومصر الأمصار عمر: المدينة،

стр. 394

والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام"١. وقال أبو عبد الله محمّد بن سلامة٢ في كتابه: (عيون المعارف) : "كانت في أيامه فتوح الأمصار؛ منها: دمشق فتحت صلحاً، على يد أبي عبيدة وخالد بن الوليد، وبيسان٣، وطبرية٤، وقيسارية، وفلسطين، وعسقلان، وسار بنفسه ففتح بيت المقدس صلحاً، وفتحت أيضاً بَعْلبك، وحمص، وحلب، وقنسرين، وأنطاكية، والرّقّة٥، وحران، والموصل، والجزيرة، ونصيبين، وآمد٦، والرّها، وفتحت القادسية، والمدائن على يد سعد بن أبي وقاص، وزال ملك الفرس، وانهزم يزدجرد ملك الفرس، ولجأ إلى فرغانة، والترك، وفتحت أيضاً كور دجلة، والأبلّة٧ على يد عتبة بن غزوان، وفتحت كور الأهواز على يد أبي موسى الأشعري، وفتحت أيضاً نهاوند، واصطخر، وتُستر، والسوس، وأذريبجان، وبعض أعمال خراسان، وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص غرة محرم سنة عشرين، وفتح عمرو٨ أيضاً الإسكندرية، وأنطابُلس٩ - وهي برقة وطرابلس المغرب -، وفي

стр. 395

أيامه. . . ١ فتوح الشام ومسالحها. . . ٢، وهو الذي سمي الغزوات الشواتي٣ والصوائف٤، وفي أيامه غزا معاوية٥ الروم حتى بلغ غوربه٦، وفي أيامه مصرت البصرة سنة سبع عشرة باختلاف٧، ومصرت الكوفة. . . ٨، سعد بن أبي وقاص، وفيها كان عام الرمادة سنة ثمان عشرة، فاستسقى بالعباس ﵁ فسقي، وفيها كان طاعون عَمَواس مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، منهم أبو عبيدة، ومعاذ، وذلك في سنة ثمان عشرة"٩. ونحن نذكر ما وقع على مقتضى ما ذكره ابن كثير١٠ وغيره من أهل التاريخ: لما توفي الصديق في سنة ثلاث عشرة استخلف عمر، فكان١١ مما وقع في هذه السنة: وقعة المثنى بن حارثة في العراق، بعد مسير خالد إلى

стр. 396

الشام بأمر الصديق على الصحيح١، ووهم من قال: "إن عمر هو الذي بعثه بعد موت الصديق"٢. وذلك أن خالداً لما سار إلى الشام، استغنم الفرس غيبت٣ خالد، واجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه وبعثوا / [٥٣ / ب] إلى المثنى جيشاً نحواً من عشرة آلاف، وكتب شهرياز٤ إليه: "إني قد بعثت إليك جنداً من أوخش٥ أهل فرس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم". فكتب المثنى "إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شرّ لك، وخير لنا، وإما كاذب٦ فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملك الكاذب، وأما الذي ذكرت أنك تقاتلنا بهم من الرعاة فإنا نرى أنكم قد اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير، وأحوجكم إليهم". فلامه فارس٧ على كتابه ذلك، ثم واقعوه فظفر المثنى بهم، ثم استخلف على العراق، وسار إلى المدينة؛ لأنه كان قد استبطأ خبر الصديق، لأنه مشتغل بأهل الشام عنه، فوجد الصديق في السياق وعهد إلى عمر بن الخطاب فقال لعمر: "إذا أنا مِت فاندب الناس إلى الجهاد بأرض العراق مع المثنى، وصلة لمن بقي من المقاتلة بعد ذهاب خالد عنها"٨.

стр. 397

ومن ذلك وقعة اليرموك، واختلفوا فيها: فقيل: كانت في خلافة عمر سنة خمس عشرة١. وقيل: بل كانت في خلافة الصديق، وبعضها وقع في خلافة عمر، وأن البريد أتاهم في نفس حربها بموت الصديق، وتوليه عمر، وعزله خالداً عن الإمرة، وتولية أبي عبيدة بن الجراح٢. وقد ذكرنا صفة ذلك في: (فضائل أبي بكر الصديق) ، وأن عمر أرسل إلى أبي عبيدة إن كذّب خالد نفسه فقرّه على الإمرة، وإلا فاخلعه وقاسمه٣ ماله نصفين، فقال لخالد، فقال: "استشير أختي"، فاستشارها، فقالت له: "إن عمر لا يحبك، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك"، فخرج وخلع نفسه فقاسمه ماله كله، وهو يقول: "سمعاً وطاعةً لأمير المؤمنين"، حتى أخذ نعله الواحدة٤. حتى نزل مرج الصُّفرّ٥، وعزم على / [٥٤ / أ] قتال أهل دمشق ثم سار أبو عبيدة فاجتمع من الروم بفحل من أرض الغور، فكتب إلى الفاروق بأيهما يبدأ، فكتب إليه: [أن] ٦ يبدأ بدمشق، ويرسل جيشاً إلى أولئك

стр. 398

ليشغلهم عنه. فبعث إليهم أحد عشر أميراً فقتلوهم وغنموهم، وكان سار هو إلى دمشق فنزل على باب الجابية، ونزل خالد على باب شرقي، فاتفق أنه ولد لبطريقهم ولد فجمعهم وسقاهم الخمر، فاشتغلوا عن الرصد١، ففطن لها خالد فجاء إلى الخندق هو وجماعة من أصحابه فقطعه سباحة بالقرب، وطلع على السور ونصب سلاليم٢ حبال من شرفات٣ السور إلى ظاهر الخندق، وكان قال لأصحابه: "إذا سمعتم تكبيرنا على السور فتعالوا حتى تصعدوا إلينا"، فلما علاه كبّر، فجاء أصحابه، وصعدوا في السلاليم٤، ثم هبطوا بالتكبير إلى البوابين فقتلوهم وقطعوا أغاليق٥ الباب بالسيوف، ودخل الجيش، وجعلوا يقتلون من أتاهم، حتى انتهوا إلى نصف البلد، فسألوا عن أمير الجيش فدلوا على أبي عبيدة فذهبوا إليه فصالحوه، وأدخلوه٦ من باب الجابية، وكانوا قبل ذلك يأبون عليه الصلح، فدخل معهم بمن معه حتى انتهى إلى النصف، فوجد خالداً وأصحابه يقتلون من وجدوا، فقال لهم: "إنا أمناهم فَلِمَ تقتلوهم؟ "، فقال خالد: "بل أنا فتحتها عنوة معهم الآن". ثم أقر على الصلح، وكفّ خالد ومن معه عن القتل٧.

стр. 399

وقيل: إن أبا عبيدة لم يعلم خالداً بعزله حتى فتحت دمشق١. ثم بعث أبو عبيدة خالداً إلى البِقاع٢ ففتحها٣ بالسيف٤، وبعث دحية بن خليفة إلى تدمر، وأبا الزهراء٥ إلى البثينّة٦ وحوران، فصالح أهلها، ثم صالح أهل حمص٧، وفتح شرحبيل٨ الأردن كلها عنوة خلا طبرية فصلحاً، وصالح أهل بعلبك٩. وقيل: إن فتح هذه البلاد كان فيما بعد هذه السنة١٠. فالله أعلم. ولما مات الصديق ندب عمر الناس لغزو العراق ثلاثة أيام، ولم يقم أحد، فلما كان اليوم الرابع كان أوّل من انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، ثم تتابع / [٥٤ / ب] الناس، فأمر عمر طائفة من أهل المدينة، وأمر على الجميع أبا عبيدة، ولم يكن صحابياً، فقيل لعمر: هلا أمرت رجلاً من الصحابة، فقال: إنما أُمر أوّل من استجاب إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين،

стр. 400

ثم وصاه بنفسه وبمن معه من المسلمين، وأمره أن يستشير الصحابة فصار إلى أرض العراق في سبعة آلاف١وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن يوجه أصحاب خالد الذين قدموا إلى العراق. فجهز أبو عبيدة إلى العراق عشرة آلاف، وأمّر عليهم هاشم بن عتبة٢، ٣. وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي٤ في أربعة آلاف، فقدمالكوفة، ثم خرج منها فواقع هرمزان٥ على المدار٦ فقتله. وانهزم جيشه وغرق أكثرهم، فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس ولوا رستماً، فكانت وقعة النمارق، بعث رستم أميراً بعسكر فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له: النمارق٧ بين الحيرة٨، والقادسية، فهزموهم وقتلوهم، وغنموهم٩. ثم كانت وقعة جِسر١٠ أبي عبيد، اجتمع من الفرس خلق كثير، وساروا

стр. 401

إلى المسلمين عند الجسر١، ومعهم فيلة فيها جُلاجل٢ فأرسلوا٣ إلى المسلمين: إما تعبروا إلينا، وإما نعبر إليكم، فقال أبو عبيدة: "ما هم بأجرأ منا على الموت"، ثم اقتحم عليهم، فاجتمعوا في مكان ضيق فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وأرسل الفرس الفيلة بالجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، وما تسمع من الجُلاجل، ولا يثبت منها إلا القليل، وإذا حمل المسلمون لا تقدم خيولهم، ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقاً، وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف. وأََمَر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فاحتاشوها٤ فقتلوها / [٥٥/أ] عن آخرها، فقدمت الفرس بين أيديهم فيلاً أبيض هو أعظمها، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلقومه٥ فصاح صيحة عظيمة، وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجليه فقتله، ووقف فوقه، فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي أوصى أن يكون أميراً بعده فقتله، ثم آخر فقتله، حتى قتل سبعة من ثقيف كان نص أبو عبيد عليهم، حتى صارت إلى المثنى٦ بمقتضى الوصية أيضاً، وكانت امرأة أبي عبيد رأت مناماً يدل على ما وقع، فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساق الفرس خلفهم فقتلوا بشراً

стр. 402

كثيراً، وركب الناس أمراً بليغاً، وجاءوا إلى الجسر، فمرّ بعض الناس، وانكسر الجسر، فتحكم الفرس فيمن وراءه فقتلوا من المسلمين، وغرق في الفرات١ نحواً من أربعة آلاف، فإنا٢ لله وإنا إليه راجعون. وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي نفسه في الفرات٣ فيغرق، فقال المثنى: "على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوز حتى لا يبقى منكم أحد". فلما تعدّ الناس إلى الناحية الأخرى، سار المثنى فنزل بهم أوّل منزل، وقام يحميهم هو، وشجعان المسلمين، وقد خرج أكثرهم مذعوراً، وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم٤، فوجد عمر على المنبر، فقال له عمر: "ما وراءك يا عبد الله بن زيد؟ "، فقال: "أتاك الخبر اليقين"، ثم صعد إليه المنبر فأخبره سراً ولم يؤنب عمر أحداً ممن رجع إلى المدينة، بل قال: "أنا أكفيهم أمرهم"٥، ٦. وتوفي في هذه السنة المثنى بن حارثة، وكان قد جرح يوم الجسر، فانقضَّ عليه ومات منه٧.

стр. 403

وقيل: خالد بن سعيد١، وسعد بن عبادة٢، وجماعة قتلوا قبل ذلك باليرموك، وأجنادين٣٤، ذكرناهم في: (خلافة الصديق) . السنة الرابعة عشرة٥؛ وهي الثانية من خلافته / [٥٥ / ب] فيها أرسل عمر سعداً إلى العراق، بعد أن كان هو عزم على٦ المسير إليها، فثناه الصحابة عن ذلك، وأمروه بإرسال غيره، فسار حتى قرب من العراق ومن لقاء من هناك من المسلمين، توفي أمير المسلمين هناك المثنى، فلما وصل سعد هناك تزوج امرأته٧. ثم كانت غزوة القادسية، فإن سعداً سار فنزل القادسية، وبثّ سراياه وأقام بها شهراً لم ير أحداً من الفرس، وجعلت السرايا تأتي بالميرة من كل مكان، فعجت٨ رعايا الفرس إلى يزدجر من النهب والسبي، وقالوا: "إن لم تنجدونا وتقاتلوا عنا وإلا سلمنا بأيدينا وسلمنا الحصون". فاجتمع رأي الفرس إلى إرسال رستم، فأمّره يزدجر على الجيش، فلما قرب من جيش المسلمين بعث يطلب رجلاً عاقلاً يسأله، فبعث إليه سعد المغيرة بن شعبة،

стр. 404

فلما قدم عليه، قال له: "أنتم جيراننا، ونحن نحسن إليكم، ونكفّ الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ونحن لا نمنع تجاركم من دخول بلادنا". فقال له المغيرة: "إنا لسنا نطلب الدنيا، وإنما نطلب الآخرة". في كلام طويل. ثم بعث إليه رسولاً آخر وهو ربعي بن عامر١ فأجاد وحسن الكلام. ثم طلبوا في اليوم الثاني [رجلاً] ٢ فبعث سعد حذيفة بن محصن٣، ثم طلبوا٤ في اليوم الثالث فأرسل المغيرة أيضاً٥. ثم كانت وقعة القادسية، فلما تواجه الصفان كان سعد قد أصابه عرق النّسا٦، ودَمَامِيل٧ في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة، وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، فتقاتلوا حتى كان الليل، وقد قتل من الفريقين بشر كثير، ثم اليوم الثاني حتى أمسوا، ثم اليوم الثالث وسموا هذه / [٥٦ / أ] الليلة: ليلة الهرير٨، ولما كان اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، وقد قاسوا من الفيلة بسبب نفرة الخيول أمراً عظيماً، قد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها وقلعوا عيونها بالرماح، فلما كان

стр. 405

وقت الزوال من هذا اليوم هبت١ ريح شديدة فرفعت خيام الفرس، وألقت سرير رستم، فبادر فركب بغلته، وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وهرب الفرس، وتبعهم المسلمون يقتلون، ويأسرون، وغنموا شيئاً كثيراً لا يحد ولا يوصف، وبعثوا بالخمس والبشارة إلى عمر، وكان عمر يخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الأخبار، فبينما هو ذات يوم إذا راكب يلوح من بعد فاستقبله عمر، فقال الراكب: فتح الله على المسلمين بالقادسية، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقترب من المدينة، جعل الناس يحيّون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمرَ، فقال: "يرحمك الله يا أمير المؤمنين، هلا أعلمتني"، فقال: "لا حرج عليك يا أخي"٢. وكان سعد حال شدة الحرب في القصر، ولا يغلق عليه الباب لشجاعته، ولو فرّ الناس لأخذته الفرس قبضاً باليد، وعنده امرأته سلمى بنت حفص٣، ٤، و. . . ٥ قبله امرأته المثنى، فلما فرّ بعض الخيل فزعت المرأة من ذلك، وقالت: "وامثناه، ولا مثنى لي اليوم"، فغضب سعد من ذلك، فلطم وجهها، فقالت: "أغيرة وجبناً"، تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب، وهذا عناد منها، فإنها أعلم الناس بعذره، وكان أبو محجن٦ عند سعد في القصر

стр. 406

مقيد لما كان يتعاطاه من السكر، وقد حدّ فيه سبع مرات، فلما رأى الخيول تجول والفرسان قال - وكان من الشجعان الأبطال ﵁ / [٥٦ / ب] : كفى حَزَناً أن تدحمَ١ الخيل بالقنا٢ ... وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ ... فقد تركوني مفرداً لا أخا ليا ثم سأل من أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد وحلف أن يرجع آخر النّهار فيضع رجله في القيد فأطلقته وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالاً شديداً وجعل سعد ينظر إليه فيشبهه بأبي محجن، ويشبه الفرس بفرسه، ويشك لأنه مسجون مقيد، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في القيد، ونزل سعد فرأى فرسه يعرق وهو مكدود٣، فقال: "ما هذا؟ "، فذكر له، فرضي عنه وأطلقه، وقال: "لا أحِدك أبداً"، فقال: "وأنا لا أشرب مسكراً أبداً"٤. وكتب سعد٥ إلى عمر يخبره بالفتح والنصر، ومن قتل من المسلمين وعدة٦ من قتل من الكفار وصورة الكتاب:

стр. 407

"أما بعد: فإن الله نصرنا على فارس، بعد قتال طويل، وزلازل١ شداد، لم يرَ الراؤون مثلهما، فإنهم أتونا في عسكر، وعدد لم ير مثلها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهم ذلك كله، ونفله المسلمون، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وفجاج الطرق، يقتلونهم حيث كانوا، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ٢، وفلان وفلان، ورجال لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم، كانوا يدوون٣ بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم أسود في النهار بل لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم". فيقال: "إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس، ثم قال عمر للناس: "إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست ملكتكم إلا بالعمل، إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض عليّ الأمانة فإن أنا أديتها ورددتها عليكم / [٥٧ / أ] واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا٤ سعدت بكم، وإن حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، فبقيتُ لا أقال ولا أرد فأستعتب"٥.

стр. 408

وفي هذه السنة جمع عمر الناس في التراويح على أبي بن كعب، قاله ابن جرير١ والواقدي٢، وكتب إلى سائر الأمصار بذلك٣. وفيها بعث عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل بها بمن معه من المسلمين، فمصرت البصرة٤ في هذه السنة. فركب إليهم صاحب الفرات٥ أربعة آلاف أسوار٦، فالتقاه عتبة فقتلوهم عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات٧، فقام عتبة في الناس خطيباً فقال في خطبته: "إن الدنيا قد آذنت بصُرْم٨، وولّت حذّاء٩، ولم يبق منها إلا صُبَابة١٠ كصبابة الإناء". هذا في صحيح مسلم١١. وبعث عمر إليه كتاباً جليلاً عظيماً يوصيه فيه، وأرسل إلى العلاء١٢ يمده

стр. 409

بجيش١. وفي هذه السنة ضرب عمر ابنه عبيد الله في الشراب سبع مرات٢، وضرب معه٣ ابن أمية بن خلف٤. وفيها توفي عتبة بن غزوان، وابن أم مكتوم، والمثنى بن حارثة، وأبو زيد الأنصاري٥، وأبو قحافة والد الصديق٦، وهند بنت عتبة٧، وخلق من الصحابة٨. ثم دخلت سنة خمس عشرة: قال ابن جرير وغيره: "فيها مصّر سعد الكوفة"٩. وفيها كانت وقعة حمص الأولى، حصرهم المسلمون ثم كان بعد ذلك

стр. 410

الصلح١. وفيها كانت وقعة قِنّسرين، بعث أبو عبيدة خالدَ بن الوليد ففتحها عنوة، وقتل خلقًاً كثيراً، فلما بلغ عمر ما فعل خالد قال: "يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبةٍ٢، ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه"٣. [و] ٤ فيها هرب هِرَقْل من الشام إلى بلاد الروم ثم سار حتى نزل القسطنطينية، واستقر بها ملكه٥. وفيها كانت وقعة قَيْساريّة / [٥٧ / ب] أمرّ عمر معاوية على قَيساريّة وكتب إليه: "أما بعد: فقد وليتك في قَيْساريّة فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير". فسار إليها، وفتحها بعد قتال شديد٦. وفيها كتب عمر إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيلياء٧ ومناجزة صاحبها فمر على طائفة منهم عند الرملة٨، فكانت وقعة أجنادين وكان على ذلك

стр. 411

الجيش الأرطبون - وكان أدهى الروم - فكتب عمرو إلى عمر فلما جاءه الكتاب قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عمّ تنفرج"؟ - وكان عمرو١ من الدهاة - ثم أرسل عمرو الرسل إلى أرطبون فلم يشتف بهم، فذهب إليه بنفسه كأنه رسول، فبلّغه وسمع كلامه، وتأمل حصونه، وعرف ما أراد، فلما أراد الانصراف، قال أرطبون: "إن هذا لعمرو، أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت أصيب القوم بأمرٍ هو أعظم من قتلي هذا". فدعا حرسيّا فساره، وأمره بقتله في مكان عينه له، ففطن عمرو فقال للأرطبون٢: "أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي نشهد أموره، وإني قد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك". قال: "نعم. فاذهب فأتني بهم". ثمّ دعى رجلاً فساره فقال: "اذهب إلى فلان فرده" ثم جاء عمرو ودخل عسكره، ثم تحقق أرطبون أنّه عمرو فقال: "خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب" وبلغ عمر فقال: "لله در [عمرو] ٣". ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين٤ قتالاً عظيماً كقتال اليرموك، فكتب أرطبون إلى عمرو يترقق / [٥٨ / أ] له، فكتب عمرو إليه: "إني صاحب فتح هذه البلاد" فكتب إليه: "إنك لست بصاحب فتحها، إنما صاحب فتحها رجل

стр. 412

اسمه على ثلاثة أحرف" فكتب إلى عمر بخبره، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لذلك ثم سار إليها فكان فتح بيت المقدس على يد عمر بن الخطاب. واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته فلما قدم تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء فترجل أبو عبيدة وترجل عمر، فأراد أبو عبيدة أن يقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجله، فكف أبو عبيدة وكف عمر، ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، ثم دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله ﷺ ليلة الإسراء، ويقال: إنه لبى حين دخله، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة فقرأ في الأولى (بص) وفي الثانية (ببني إسرائيل) ١، ثم جاء إلى الصّخرة فاستدل على مكانها من كعب٢، وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائها، فقال: "ضاهيت اليهودية" ثم جعل المسجد قبلي بيت المقدس، وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه، ونقل المسلمون معه، وسخّر٣ أهل الأردن في نقل بقيته، وكانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة، لأنها قبلة اليهود، حتى إن المرأة كانت ترسل بخرق حيضها من داخل البحور٤ ليلقى على الصخرة مكافأة لما كانت اليهود عملت

стр. 413

بالقمامة وخطب عمر هناك خطبة بليغة١. وفي هذه السنة سار سعد٢ في جنود عظيمة وخلف الحريم بالعتيق٣ مع جيش كثيف، فجاءبا. . . ٤ فوجد عسكراً من الفرس فهزمهم، ففرقة ذهبت إلى المدائن، وفرقة إلى نهاوند، فسار سعد نحو المدائن فلقوا جمعاً آخر فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبارز أمير الفرس فبرز إليه نائل الأعرجي٥ من شجعان بني تميم، فتجاولا / [٥٨ / ب] بالرّماح ثم ألقياها، وتقاتلا بالسيوف ثم تعانقا، وسقطا عن فرسيهما، فوقع أمير الفرس على صدر نائل وأخرج خنجراً ليذبحه بها فوقعت أصبعه في فم نائل فقضمها حتى شغله عن نفسه، وألقى الخنجر فأخذه فذبحه بها٦. ثم كانت وقعة بهرسير٧ وقد قاتل سعد في دربها طوائف كثيرة، وكانوا

стр. 414

قد وضعوا في درب المسلمين أسداً عظيماً لكسرى فتقدم [هاشم ابن] ١ عتبة بن أخي سعد فقتله، والناس ينظرون، فسمي سيفه يومئذ المتين٢ فقبّل سعد رأسه فقبل هاشم قدمه، وحمل هاشم على الفرس فهزمهم٣. وفيها حج بالناس عمر، وفيها توفي سهيل بن عمرو٤، وعامر بن مالك بن أهيب٥، وعبد الله بن سفيان بن عبد الأسد٦، و [قيس بن أبي صعصعة] وعمرو بن زيد بن عوف٧، ونضير٨ بن الحارث٩١٠. ثم دخلت سنة ست عشرة: استهلت وسعد مُنَازِل مدينة بهر سير١١ إحدى١٢ مدينتي كسرى، وينصب المجانيق١٣ وغيرها، ثم

стр. 415

فتحها سعد بعد قتال شديد، وأشرف منها قبل الفتح رجل على المسلمين، فقال: "يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم إلى جبلكم، أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم" فبدر إليه بالجواب رجل يقال له: أبو مفزّر١٢ فانطقه الله بكلام لم يدر ما قال، فرجع الرجل إلى الملك وإلى أهل البلد فأخبرهم بما سمع، قال: فرأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقال له الناس: "ماذا قلت له"؟ قال: "والذي بعث محمداً بالحق ما أدري"؟ ثم بعد ذلك نادى رجل من البلد بالأمان فأمنوه، فقال:"والله ما بالبلد أحداً" فتسوَّر الناس السور، فلم يجدوا أحداً، بل هربوا إلى المدائن، فسألوا ذلك: لأي شيء هربوا؟ قال: "إن / [٥٩ / أ] الملك بعث رجلاً يعرض عليكم الصلح فأجابه رجل منكم: بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتى نأكل عسل أفرندين٣ بأترج كوثى٤" فقال الملك: "ياويلاه، إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا، وتجيبنا عن العرب"٥. ثم أمر بالرحيل إلى المدائن، فلما دخلوا نهرسير ثم أمر بالرحيل إلى المدائن فلما لاح لهم القصر الأبيض في المدائن الذي ذكره رسول الله ﷺ ، وأنه

стр. 416

سيفتح على أمته١، وكان أول من رآه ضرار بن الخطاب٢ فقال: "الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعدنا الله ورسوله، ثم ساروا نحو المدائن فوعظهم سعد واقتحم بهم البحر، فلما اقتحموه والفرس على حافته جعلوا يقولون: "ديونا ديونا" - يعني: مجانين - فلما رأوهم لا يغرقون قالوا: "إنما نقاتل جناً" ثم لما خرجوا دخلوا المدائن فوجدوا كسرى قد هرب فأخذوا أمواله وكنوزه، وصدق الله قول رسوله: في تمزيق ملكه٣ [و] ٤ في أنهم يملكون كنوزه وأنها تنفق في سبيل الله. ثم سال سعد من الجيش أن يهبوا له ثياب كسرى وبساط إيوانه ففعلوا، وأرسل ذلك إلى عمر، وكان ذلك لا يحد ولا يوصف فلما وصل ذلك إليه قال٥: "إن قوماً أدوا هذا لأمناء"، فقال له علي: "عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا" ثم ألبس ثياب كسرى خشبة، وذم الدنيا وزينتها٦. ثم ألبسها سراقة بن مالك بن جُعْشُم٧ وألبسه سواريه٨، وقال: "الحمد

стр. 417

لله سواري كسرى في يدي أعرابي من بني مدلج"١، ٢ وجعل ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" وقال له لما ألبسه: "قل: الله أكبر" فقال. فقال: "قل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج"٣. وروي عنه: أنه لما أمره بلبس ذلك طمع أيهبهن له، فقال له: "أدبر" فأدبر، فقال له "أقبل" فأقبل، ثم قال: "بخّ بخّ٤ أعرابي من بني مدلج عليه قباء٥ كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقه، وتاجه، وخفاه / [٥٩ / ب] رب يوم يا سراقة بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفاً لك ولقومك، انزع" فنزعت، فقال: "اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب أهل الأرض إليك، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي"، ثم بكى حتى رحمه من كان حاضراً، ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي"٦.

стр. 418

وكان في ذلك سيف كسرى، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره، ولا ينفعه، ثم قال: إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي من الدنيا عن آخرته، فجمع لزوج امرأته أو لزوج ابنته ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع١ الفضول في مواضعها لحصل له"٢. وقد حصل لعلي بن أبي طالب قطعة من بساط كسرى، فباعها بعشرين ألفاً، وكان قيد شبر في شبر٣. ثم إن كسرى هرب من المدائن إلى حلوان، ووضع وراءه جيشاً كثيفاً، وأقسموا أن لا يفروا حتى يقتلوا العرب، فأرسل إليه سعد ابن أخيه هاشم في جيش بأمر عمر له ذلك، فسار إليهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكانت وقعة جلولاء، وإنما سميت بذلك؛ لأن القتلى جللت الأرض. وغنموا قدر ما غنموا من المدائن، ثم بعث سعد بالخمس إلى عمر، وكان مع ذلك في جملة من قدم عليه زياد بن أبي سفيان٤، فسأله عن كيفية الواقعة فذكرها فأعجب عمر إيراده، وأحب أن يسمع المسلمون ذلك، فقال: "أتستطيع أن تخطب الناس"؟ قال: "نعم، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، وقد سمعت كلامي فكيف لا أقوى٥ على أعظم من هذا مع غيرك"؟ فخطب الناس، فقال عمر: "إن هذا لهو الخطيب المصقع" يعني الفصيح٦، ثم حلف

стр. 419

عمر أن لا يجن هذا المال سقف حتى يقسمه. فبات عبد الله١ بن أرقم٢، وعبد الرحمن / [٦٠ / أ] ابن عوف يرحسانه إلى الغد٣. ولما فتح هاشم٤ جلولاء٥ أمره عمر أن يقيم بها، ويرسل القعقاع٦ إلى حلوان، فهرب كسرى منها إلى الرّيّ، وجاء القعقاع ففتحها٧. ثم كان فتح الموصل، وتكريت٨، وما سبذان٩، وقرقيسياء١٠، وهيت١١١٢. وفيها بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص إلى قنسرين فصالح أهل حلب،

стр. 420

ومنبج، وأنطاكية على الجزية١، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة٢. وفيها غرب عمر أبا محجن٣. وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية٤ بنت أبي عبيد أمير يوم الجسر٥. وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت٦٧. وفيها توفيت مارية أم إبراهيم بن النبي ﷺ وسريته وكانت من الصالحات الكبار٨. ثم دخلت سنة سبع عشرة: فيها انتقل سعد من المدائن إلى الكوفة بأمر عمر، لأنهم استوخموا٩ المدائن، وبنوا الكوفة بالقصب فاحترقت في أثناء السنة، فأمرهم عمر أن يبنوها باللبن ولا يسرفوا، فعمل سعد المسجد وبنى عند محرابه قصر الإمارة، وبنى له قصراً عند السوق وكان يغلق باب قصره من غوغاء١٠ الناس، فأرسل عمر محمد بن مسلمة١١ وأمره إذا انتهى إلى

стр. 421

الكوفة أن يقدح زناده، ويجمع حطباً، ويحرق باب قصره، ثم يرجع من فوره فانتهى ففعل ما أمر به، وأمر سعد أن لا يغلق بابه ولا يجعل بابه على أحد١. وفي هذه السنة حصر الروم أبا عبيدة وأصحابه بحمص فسار إليهم عمر من المدينة، وكتب إلى سعد أن يرسل جيشاً إليهم، وإلى أهل الجزيرة جيشاً, لأنهم قدموا معهم لنصرهم، فلما سمع بذلك أهل الجزيرة ساروا إلى بلدهم، فافتتحها عياض بن غَنْم٢ أمير السرية إليهم، وخرج أبو عبيدة ومن معه من حمص فبارزهم فهربوا، وكان عمر قد وصل إلى سَرْغ فرجع لأجل الوباء٣. وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت عليّ٤. وفيها كانت قضية المغيرة ورميه بالزنا، وعزله عنها، وولاّها أبا موسى الأشعري٥. وفيها فتحت الأهواز ومنَاذر٦ / [٦٠ / ب] ونهرتِيري٧٨، وقدم العلاء بن الخضرمي على بلاد فارس من جهة البحر في المراكب، وكان عمر يكره ذلك، وكان عن غير أمر عمر بل هو بادر ذلك، فحصل لمن معه من الجيش مشقة، وحبس الكفار لهم، فعزله عن الجيش وأمر سعداً أن يرسل إليهم جيشاً

стр. 422

ففعل، فسار الجيش فوجدوهم في حصر شديد، وقد اجتمع عليهم من الجيوش ما لا يحصى فهزموا الكفار١، ثم كان فتح السوس، ورامهَرُمُز، وأسر الهرمزان بعد أن صولح ونقض العهد مرتين، وقدم به على عمر، فلما دنوا به من المدينة ألبسوه ثيابه ودخلوا به، فسألوا عن عمر، فقيل: نائم في المسجد، فجاءوا إليه وهو نائم متوسد بُرْنُساً٢ ودرته معلقة في يده، فقال الهرمزان: "أين عمر؟ "، قالوا: "هوذا"، وجعلوا٣ يحفظون أصواتهم هيبة له، لئلا ينبهوه خوفاً منه، وجعل الهرمزان يقول: "فأين حُجّابه؟، أين حرسه؟! " قالوا: "ليس له حُجّاب ولا حرس". فقال: "ينبغي أن يكون نبيّاً"، فقالوا له: "إنه ليس بنبيّ، ولكن يعمل عمل النبيّ، فاستيقظ عمر، فقال: "الهرمزان؟ "، قالوا: "نعم". ثم وقع له أمور يطول ذكرها، ثم أسلم إلى أن قتله عبيد الله بن عمر٤. ثم دخلت سنة ثمان عشرة: فكان فيها القحط المعروف بعام الرمادة، وطاعون عَمَواس٥. وفيها حجّ بالناس عمر، وفتحت الرّقّة، والرّها، وحرّان على يد عياض بن غَنْم، ورأس عين الوردة٦ على يد عمير بن سعد٧٨، وفتحت

стр. 423

شمشاط١، وسار عياض٢ إلى الموصل فافتتحها٣. ومن أعيان من توفي في طاعون عَمَواس: الحارث بن هشام٤، وشرحبيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح أمير المسلمين ببلاد الشام، والفضل بن عباس٥، ويزيد بن أبي سفيان٦، وأبو جندل٧، وأبو مالك الأشعري٨، وغيرهم٩. ثم دخلت سنة [تسع] ١٠ عشرة: وفيها قتل صفوان بن المعطّل١١. وفيها كانت وقعة / [٦١ / أ] بأرض العراق١٢. وفيها توفي أبي بن كعب سيد القرّاء١٣.

стр. 424

ثم دخلت سنة عشرين: فيها كان فتح بلاد مصر، والإسكندرية على يد عمرو بن العاص، وكان نيل مصر لا يزيد كل سنة حتى تشترى له جارية بكر أبويها، وتزين وتلقى فيه، فمنعهم عمرو من ذلك، فلم يزد حتى هم أهل مصر بالجلاء عنها، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر قد أصبت وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتاب فألقها في النيل، فأخذ عمرو١ البطاقة فإذا فيها مكتوب: "من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قِبَل نفسك، وبأمرك فلا تجري ولا حاجة لنا بك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله القادر على كل شيء، فنسأل الله القادر على كل شيء أن يجريك. قال: فألقى البطاقة فيه، والنيل قد تقلص ونقص جداً، فأصبح في اليوم الثاني، وقد أجرى الله النيل وزاد ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة٢. فيها دخل عبد الله بن قيس٣ أرض الروم فسلم وغَنِم٤. وفيها عزل عمر قدامة٥ عن البحرين وحده في الشراب٦. وفيها شكى أهل الكوفة سعداً إلى عمر فعزله عنها٧.

стр. 425

وفيها أجلى عمر يهود خيبر، ونصارى نجران، ودوّن الدواوين، وفيها بعث عمر علقمة١ إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشاً في البحر٢. وفيها مات بلال، وأُسيد بن حُضَير٣، وأنيس بن مرثد٤، وسعيد ابن عامر٥، وعياض بن غَنم، وأبو سفيان بن الحارث٦، وأبو الهيثم بن التيهان٧، وزينب بنت جحش أم المؤمنين، وصفية بنت المطلب٨ أم الزبير وعمة النبي ﷺ وعويم بن ساعدة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين: فيها كان فتح (نهاوند) ، ويقال لها: فتح الفتوح، فإنه لم يقع على المسلمين بأرض العراق أشد منها، لم يرعبهم أكثر منها، ولا هاب عمر غيرها، وعزم أن يسير إلى العراق فمنعه الصحابة من ذلك، ثم كان الظفر فيها للمسلمين بعد حرب كثير جداً، وقتل فيها جماعة من المسلمين، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وغنموا نحو ما غنموا من المدائن٩ ١٠.
следующие страницы →