← Тараджим

Тараджим · id 12062

محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

ابن المبرد

Полный текст (1 019 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الكوفة أن يقدح زناده، ويجمع حطباً، ويحرق باب قصره، ثم يرجع من فوره فانتهى ففعل ما أمر به، وأمر سعد أن لا يغلق بابه ولا يجعل بابه على أحد١. وفي هذه السنة حصر الروم أبا عبيدة وأصحابه بحمص فسار إليهم عمر من المدينة، وكتب إلى سعد أن يرسل جيشاً إليهم، وإلى أهل الجزيرة جيشاً, لأنهم قدموا معهم لنصرهم، فلما سمع بذلك أهل الجزيرة ساروا إلى بلدهم، فافتتحها عياض بن غَنْم٢ أمير السرية إليهم، وخرج أبو عبيدة ومن معه من حمص فبارزهم فهربوا، وكان عمر قد وصل إلى سَرْغ فرجع لأجل الوباء٣. وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت عليّ٤. وفيها كانت قضية المغيرة ورميه بالزنا، وعزله عنها، وولاّها أبا موسى الأشعري٥. وفيها فتحت الأهواز ومنَاذر٦ / [٦٠ / ب] ونهرتِيري٧٨، وقدم العلاء بن الخضرمي على بلاد فارس من جهة البحر في المراكب، وكان عمر يكره ذلك، وكان عن غير أمر عمر بل هو بادر ذلك، فحصل لمن معه من الجيش مشقة، وحبس الكفار لهم، فعزله عن الجيش وأمر سعداً أن يرسل إليهم جيشاً

стр. 422

ففعل، فسار الجيش فوجدوهم في حصر شديد، وقد اجتمع عليهم من الجيوش ما لا يحصى فهزموا الكفار١، ثم كان فتح السوس، ورامهَرُمُز، وأسر الهرمزان بعد أن صولح ونقض العهد مرتين، وقدم به على عمر، فلما دنوا به من المدينة ألبسوه ثيابه ودخلوا به، فسألوا عن عمر، فقيل: نائم في المسجد، فجاءوا إليه وهو نائم متوسد بُرْنُساً٢ ودرته معلقة في يده، فقال الهرمزان: "أين عمر؟ "، قالوا: "هوذا"، وجعلوا٣ يحفظون أصواتهم هيبة له، لئلا ينبهوه خوفاً منه، وجعل الهرمزان يقول: "فأين حُجّابه؟، أين حرسه؟! " قالوا: "ليس له حُجّاب ولا حرس". فقال: "ينبغي أن يكون نبيّاً"، فقالوا له: "إنه ليس بنبيّ، ولكن يعمل عمل النبيّ، فاستيقظ عمر، فقال: "الهرمزان؟ "، قالوا: "نعم". ثم وقع له أمور يطول ذكرها، ثم أسلم إلى أن قتله عبيد الله بن عمر٤. ثم دخلت سنة ثمان عشرة: فكان فيها القحط المعروف بعام الرمادة، وطاعون عَمَواس٥. وفيها حجّ بالناس عمر، وفتحت الرّقّة، والرّها، وحرّان على يد عياض بن غَنْم، ورأس عين الوردة٦ على يد عمير بن سعد٧٨، وفتحت

стр. 423

شمشاط١، وسار عياض٢ إلى الموصل فافتتحها٣. ومن أعيان من توفي في طاعون عَمَواس: الحارث بن هشام٤، وشرحبيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح أمير المسلمين ببلاد الشام، والفضل بن عباس٥، ويزيد بن أبي سفيان٦، وأبو جندل٧، وأبو مالك الأشعري٨، وغيرهم٩. ثم دخلت سنة [تسع] ١٠ عشرة: وفيها قتل صفوان بن المعطّل١١. وفيها كانت وقعة / [٦١ / أ] بأرض العراق١٢. وفيها توفي أبي بن كعب سيد القرّاء١٣.

стр. 424

ثم دخلت سنة عشرين: فيها كان فتح بلاد مصر، والإسكندرية على يد عمرو بن العاص، وكان نيل مصر لا يزيد كل سنة حتى تشترى له جارية بكر أبويها، وتزين وتلقى فيه، فمنعهم عمرو من ذلك، فلم يزد حتى هم أهل مصر بالجلاء عنها، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر قد أصبت وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتاب فألقها في النيل، فأخذ عمرو١ البطاقة فإذا فيها مكتوب: "من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قِبَل نفسك، وبأمرك فلا تجري ولا حاجة لنا بك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله القادر على كل شيء، فنسأل الله القادر على كل شيء أن يجريك. قال: فألقى البطاقة فيه، والنيل قد تقلص ونقص جداً، فأصبح في اليوم الثاني، وقد أجرى الله النيل وزاد ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة٢. فيها دخل عبد الله بن قيس٣ أرض الروم فسلم وغَنِم٤. وفيها عزل عمر قدامة٥ عن البحرين وحده في الشراب٦. وفيها شكى أهل الكوفة سعداً إلى عمر فعزله عنها٧.

стр. 425

وفيها أجلى عمر يهود خيبر، ونصارى نجران، ودوّن الدواوين، وفيها بعث عمر علقمة١ إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشاً في البحر٢. وفيها مات بلال، وأُسيد بن حُضَير٣، وأنيس بن مرثد٤، وسعيد ابن عامر٥، وعياض بن غَنم، وأبو سفيان بن الحارث٦، وأبو الهيثم بن التيهان٧، وزينب بنت جحش أم المؤمنين، وصفية بنت المطلب٨ أم الزبير وعمة النبي ﷺ وعويم بن ساعدة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين: فيها كان فتح (نهاوند) ، ويقال لها: فتح الفتوح، فإنه لم يقع على المسلمين بأرض العراق أشد منها، لم يرعبهم أكثر منها، ولا هاب عمر غيرها، وعزم أن يسير إلى العراق فمنعه الصحابة من ذلك، ثم كان الظفر فيها للمسلمين بعد حرب كثير جداً، وقتل فيها جماعة من المسلمين، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وغنموا نحو ما غنموا من المدائن٩ ١٠.

стр. 426

وبعدها فتحت مدينة جَي وأصبهان١ بعد قتال كثير / [٦١/ب] وفتح أبو موسى قم٢ وقاشان٣، وفتح سهيل بن عدي٤ كرمان، وفتحعمرو بن العاص طرابلس، وبعث عقبة بن نافع٥ إلى زويلة٦ فافتتحها. وفيها ولى عمر عمارَ بن ياسر على الكوفة، وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاشتكى أهل الكوفة عماراً، واستعفى هو أيضاً فعزله، وولى جبير بن معطم٧، ثم عزله قبل المسير، وولى المغيرة بن شعبة فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر٨. وفيها توفي خالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله، وطليحة بن خويلد الأسدي سيد الفرسان المعدود بألف، وعمرو بن معدي كرب٩ كبير الشجعان، والعلاء بن الحضرمي المجاب الدعوة، والنعمان بن مقرن١٠.

стр. 427

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين: كان فيها فتح هَمَدان ثانية والرّيَ، وأذربيجان، وقُومِس١ فتحها سويد بن مقرن٢، وجُرجان٣، وطبرستان٤، وباب الأبواب٥ وغيرها٦، وكان في هذه السنة فتوحات كثيرة٧. وفيها كان فتح أرمينية، وجبال ألان٨، وتَفِلِيس٩، ومُقان١٠. ولما استقر أمر تلك البلاد كتب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة١١ يأمره

стр. 428

بغزو بلاد الترك، وكان، وصدق الله حديث رسوله١٢. وفيها حجّ بالناس عمر٣. وفيها غزا الأحنف خراسان، فافتتحها بعد أمور شديدة، وفتح حذيفة الدينور عنوة٤. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين٥: وكانت وقعة سارية بن زُنَيم، وفتح كرمان، وسجستان، ومكران٦. وفيها كانت وقعة الأكراد٧. وفي هذه السنة قتل عمر ﵁. وقال جماعة: فتح الفتوح٨، ومصر الأمصار، وجند الأجناد، ووضع الخراج٩، ودون الدواوين، وفرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكور الكور، مثل السواد، والأهواز، والجبال١٠، وفارس وغيرها.

стр. 429

وفتح الشام كلّه، والجزيرة، والموصل، وميا فارقين١، وآمد وأرمينية، ومصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرْقة٢، ومدن الشام كلّها، وحلب، وأنطاكية، والرّها، والرّقّة، وديار بكر٣٤، وديار ربيعة٥، وبلاد الموصل كلّها / [٦٢ / أ] ، وسائر مدن كسرى كالقادسية والحيرة، وبهرسير٦، وساباط٧، وكور الفرات٨، ودجلة، والأُبلة٩، والبصرة، والأهواز، وفارس، ونهاوند، وهمذان، والرّيّ، وقومس، وخراسان، واصطخر، وأصبهان، والسوس، ومرو، ونيسابور، وجرجان، وأذربيجان، وغير ذلك١٠.

стр. 430

الباب الثالث والأربعون: حجاته ... الباب الثالث والأربعون: في ذكر حجاته تقدم حديث محمّد بن بكار١: "أن أوّل سنة حجّ عبد الرحمن بن عوف على رأس خمسة أشهر من خلافته، وهي سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وفي سنة أربع عشرة حجّ عمر، وحجّ سنة خمس عشرة، وحجّ سنة ست عشرة، وحجّ سنة سبع عشرة، وحجّ سنة ثمان عشرة، وحجّ سنة تسع عشرة، وحجّ سنة إحدى وعشرين، وحجّ سنة اثنتين وعشرين، وحجّ سنة ثلاث وعشرين"٢. وعن ابن عمر ﵄ ولي عمر فاستعمل عبد الرحمن يعني على الحجّ، ثم كان هو يحجّ سنينه حتى مات٣. وقال أبو عبد الله محمّد بن سلامة٤، في كتاب: (عيون المعارف) : "حجّ بالناس عشر سنين متوالية آخرها سنة ثلاث وعشرين"٥. وفي الصحيح عن إبراهيم٦ عن أبيه٧ عن جده٨: أذن عمر لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجّها فبعث معهن عثمان وعبد الرحمن٩.

стр. 431

الباب الرابع والأربعون: تركه السواد غير مقسوم ووضعه الخراج ... الباب الرابع والأربعون: في ذكر تركه السّواد غير مقسوم ووضعه الخراج ذكر ابن الجوزي عن إبراهيم التيمي١، قال: "لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر بن الخطاب ﵁: "اقسمه بيننا"، فأبى، فقالوا: "إنا فتحناه عنوة"، قال: "فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، وضرب على رؤوسهم الضراب - يعني الجزية - وعلى أرضهم الطسْق٢ - يعني الخراج - ولم يقسمها بينهم"٣. وعن أسلم عن عمر ﵁ قال: "لولا أني أترك الناس ببّاناً٤ لا شيء لهم ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر"٥. وعن يزيد بن أبي حبيب٦، قال: "كتب عمر إلى سعد ﵁ حين افتتح العراق: أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم عليهم مغانمهم، وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي

стр. 432

هذا فانظر ما أجلب الناس عليك من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها فيمن حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء"١. وعن ابن أبي ليلى٢ عن الحكم٣ أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث عثمان بن حنيف٤ يمسح السواد فوضع على كل جريب٥ عامر أوغامر٦ حيث يناله الماء قفيزاً٧ودرهماً، قال وكيع٨: يعني: الحنطة والشعير. ووضع على كلّ جريب الكرم عشرة دراهم، ووضع على كلّ جريب الرطاب خمسة دراهم٩. وعن الشعبي: أن عمر بعث عثمان بن حنيف يمسح السواد فوجده ستة

стр. 433

وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً"١. قال أبو عبيد٢: "أرى حديث مُجالد٣ عن الشعبي هو المحفوظ"٤ / [٦٢ / ب] ، قال ابن الجوزي: "ويقال إن حدّ السواد الذي وضعت عليه المساحة، من لدن تُخوم٥ الموصل ماداً مع الماء إلى ساحل البحر، ببلاد عَبَّادان٦ من شرق دِجْلة هذا طوله، فأما عرضه؛ فحده منقطع الجبل من أرض خلوان إلى منتهى طرف القادسية بالعُذَيب٧ من أرض العرب، فهذه حدود السواد وعليها وقع الخراج"٨.

стр. 434

وعن هشام بن محمّد بن السائب١ قال: "سمعت أبي يقول: إنما سمي السواد؛ لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى مثل الليل من النخل، والشجر، والماء فسموه سواداً "٢. وهنا أربعة فصول الفصل الأوّل: السواد الذي فتح عنوة، ولم يقسم كأرض الشام، والعراق، ومصر، إلا أن أرضاً بالعراق فتحت صلحاً وهي، الحيرة، والليس٣، وبانِقيا٤، وأرض بني صلوبا، وهذه الأراضي وقفها عمر ﵁ على المسلمين وأقرّها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كلّ عام، ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها٥. الفصل الثاني إن عمر ﵁ هو أوّل من ترك السواد غير مقسوم وضع عليه الخراج، ثم الأرض ثلاثة أضرب: - ما فتحت عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يوجده من هي معه

стр. 435

يكون أجرة لها لكل عام١. وعن أحمد في رواية أخرى: أنها تصير وقفاً بنفس الاستيلاء عليها٢. وعنه رواية أخرى: تقسم بين الغانمين٣. - الضرب الثاني: ما أجلي عنها أهلها خوفاً، فتصير وقفاً بنفس الظهور عليها٤. وعن أحمد رواية أخرى: حكمها حكم العنوة٥. - الضرب الثالث: ما صولحوا عليه وهو ضربان: تارة نصالحهم على أنّ الأرض لنا، ونُقرّها معهم بالخراج، فهذه تصير وقفاً أيضاً٦. وتارة نصالحهم على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فهذه ملك لهم وخراجها كالجزية إن أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم فلا خراج، ويقرون فيها بغير جزية؛ لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها٧.

стр. 436

ما يناله الماء مما لا يمكن زرعه فلا خراج فيه، فإن أمكن زرعه عاماً بعد عام، ويؤخذ١ نصف خراجه في كلّ عام٢. والخراج على المالك دون المستأجر، وهو كالدين يحبس به الموسر ويُنظر به المعسر، ومن عجز عن عمارة أرضة أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها٣. ويجوز أن يرشو العامل ويهدى له ليدفع عنه الظلم في خراجه، ولا يجوز / [٦٣ / أ] له ذلك ليدع٤ له منها شيئاً، وإذا رأى الإمام المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان جاز٥، ولا يجوز من غير مصلحة. الفصل الثالث المرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة في إحدى الروايتين عن أحمد٦. والرواية الأخرى: ترجع إلى ما ضربه عمر ﵁ لا يزاد ولا ينقص٧. وعنه رواية ثالثة: تجوز الزيادة دون النقص٨.

стр. 437

قال أحمد وأبو عبيد: "أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمروبن ميمون١"٢. قال الشيخ موفق الدين وغيره: "يعني أن عمر وضع على كلّ جريب درهماً وقفيزاً". وقال: "القفيز: ثمانية أرطال - يعني بالمكي - فتكون ستة عشر رطلاً بالعراقي"٣. والجريب: عشر قصبات في عشر قصبات، والقصبة: ستة أذرع، وهو ذراع وسط، وقبضة، وإبهام قائمة"٤٥. الفصل الرابع ما فتح عنوة ولم يقسم، لا يصح بيعه، فلا يصح بيع أرض الشام ومصر والعراق، إلا المساكن والأراضي التي بالعراق فتحت صلحاً، وذلك لأن عمر وقفها، والوقف لا يجوز بيعه٦. وعن أحمد - رحمه الله تعالى - رواية أخرى: "أنه كره بيعها، وأجاز شراءها"٧.

стр. 438

وعلى قولنا لا يجوز بيعها ويجوز إجارتها؛ لأن الوقف تجوز إجارته١، وإذا باعها، وقلنا بصحة البيع انتقل الخراج إلى المشتري، وإن قلنا بعد الصحة فالخراج على البائع٢. وإذا أجّرها فالخراج على المؤجر دون المستأجر٣. وقد أطال ابن رجب الكلام على ذلك في كتاب: (الاستخراج لأحكام الخراج"٤. فصل في: (الموطّأ) عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط من الحنطة والزبيب٥، نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحَمْل إلى المدينة، ويأخذمن القِطْنِيّة٦ العشر"٧. وعن السائب بن يزيد٨ أنه قال: "كنت غلاماً مع عبد الله بن عتبة بن مسعود٩ على سوق المدينة، في زمان عمر، فكُنَّا نأخذ من النَّبْط العشر"١٠.

стр. 439

وعن مالك: أنه سأل ابن شهاب على أيّ وجه أخذ عمر بن الخطاب من النّبط العشر؟، قال: "كان يؤخذ منهم في الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب"١. وعن مالك أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين. وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر٢٣. وعن جعفر بن محمّد٤ عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: "ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ "، فقال عبد الرحمن بن عوف: "أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٥. وعن أسلم مولى عمر: أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام٦. وعن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية٧. / [٦٣ / ب] .

стр. 440

الباب الخامس والأربعون: عدله ورئاسته ... الباب الخامس والأربعون: في ذكر عدله ورئاسته ذكر ابن الجوزي عن عامر الشعبي قال: "قال عمر ﵁: "والله لقد لان قلبي حتى لهو ألين من الزبد، ولقد اشتد قلبي حتى لهو أشد من الحجر"١. وعن عروة٢ قال: "كان عمر ﵁ إذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه وقال: "اللهم أَعِنِّي عليهما فإن كل واحد منهما يريدني عن ديني"٣. وعن أبي فراس٤ قال: "خطب عمر ﵁ فقال: "أيها الناس إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرينا النبي ﷺ وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا وإن النبي ﷺ قد انطلق وانقطع الوحي، ألا وإنما نعرفكم بما نقول لكم: من أظهر منكم خيراً ظننا به خيراً، وأجبناه عليه، ومن أظهر لنا شرّاً ظننا به شرّاً وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أتى عليّ حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فقد خيّل إليّ بآخره٥ أن رجالاً قد قرأوه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، ألا وإني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم

стр. 441

وسنتكم، فمن عمل به سوى ذلك فليرفعه إليّ، فوالذي نفسي بيده لأُقِصّنه منه". فوثب عمرو بن العاص فقال: "يا أمير المؤمنين، أفرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعيه، فأدب بعض رعيته، إنك لتقصنه منه؟!، قال: "إي، والذي نفس عمر بيده، إذاً لأقصّنه منه، أنّى١ لا أقصّ منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم"٢٣. وعن جرير بن عبد الله البجلي أن رجلاً كان مع أبي موسىالأشعري، وكان ذا صوت٤، ونكاية في العدو، فغنموا مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه، فأبى أن يقبله إلا جميعاً، فجلده أبو موسى عشرين سوطاً، وحلقه، فجمع الرجل شعره ثم ترحل إلى عمر بن الخطاب حتى قدم عليه، فدخل على عمر بن الخطاب قال جرير: "وأنا أقرب الناس من عمر"، فأدخل يده فاستخرج شعره ثم ضرب به صدر عمر، ثم قال: "أما والله لولا النار"، فقال عمر: "صدق والله، لولا النار"، فقال: "يا أمير المؤمنين إني كنت ذا صوت ونكاية"، فأخبره بأمره، وقال: "ضربني أبو موسى عشرين سوطاً، وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه". فقال / [٦٤ / أ] عمر ﵁: "لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا، أحب

стр. 442

إليّ من جميع ما أفاء الله علينا". فكتب عمر إلى أبي موسى: "السلام عليك، أما بعد: فإن فلاناً أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك في ملاء من الناس، فعزمت عليك لما قعدت له في ملاء من الناس، حتى يقتص منك، وإن كنت فعلت ذلك خلاء من الناس، فاقعد له في خلاء الناس، حتى يقتص منك". فقدم الرجل فقال له الناس: "أعف عنه"، فقال: "لا والله، لا أدعه لأحد من الناس"، فلما قعد له أبو موسى ليقتص منه، رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قال: "اللهم إني قد عفوت عنه"١. وعن عمر بن شبّه٢، قال: عمرو بن العاص لرجل من تُجِيب٣: "يا منافق". فقال التجيبِي: "ما نافقت منذ أسلمت، ولا أغسل رأسي ولا أدهنه حتى آتي عمر"، فأتى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين إن عمراً نفّقني، فلا والله ما نافقت منذ أسلمت"، فكبّر عمر ﵁ وكان إذا غضب كبّر وكتب: "إلى عمرو بن العاص، أما بعد: فإن فلاناً التجيبِي ذكر أنك نفّقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين، أو قال سبعين"، فقال: "أشهد الله رجلاً سمع عمراً نفّقني إلا قام فشهد، فقام عليه من في المسجد، فقال له: "أتريد أن تضرب الأمير؟ "، وعرض عليه الأرش، فقال: "لو ملئت لي هذه الكنيسة ما قبلت"، فقال له حشمه: "أتريد أن تضربه؟ "،

стр. 443

فقال: "ما أرى لعمر ههنا طاعة"، فلما ولى قال عمرو: "ردّوه"، فأمكنه من السوط وجلس بين يديه، فقال: "أتقدر أن تمتنع مني لسلطانك؟ "، قال: "لا، فامض إلى ما أمرت به"، قال: "فإني قد عفوت عنك"١. وعن سلاّم٢ قال: "سمعت الحسن٣ ﵀ يقول: "جيء إلى عمر ﵁ بمال فبلغ حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂ فقالت: "يا أمير المؤمنين، حقّ أقربائك من هذا المال، قد أوصى الله عزوجل بالأقربين"، فقال لها: "يا بنية حقّ أقربائي في مالي، وأما هذا، ففئ المسلمين، غششت أباك، ونصحت أقرباءك، قومي"، فقامت والله تجرّذيلها٤. وعن ابن عباس ﵄ قال: "قدم علينا عمر بن الخطاب ﵁ حاجاً، فصنع له صفوان بن أمية طعاماً، قال: فجاءوا بجفنة يحملها أربعة، فوضعت بين القوم، فأخذ القوم يأكلون وقام الخدم، فقال عمر: "ما لي أرى خدامكم لا يأكلون معكم، أترغبون عنهم؟ "، فقال سفيان بن عبد الله٥: " [لا] ٦ والله يا أمير المؤمنين، ولكننا نستأثر عليهم"، فغضب غضباً شديداً، ثم قال: "ما لقوم يستأثرون على خدامهم،

стр. 444

فعل الله بهم وفعل"، / [٦٤ / ب] ثم قال: للخدم: [اجلسوا فكلوا، فقعد الخدم] ١ يأكلون، ولم يأكل أمير المؤمنين"٢. وعن سالم بن عبد الله، "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يدخل يده في دبر البعير، ويقول: "إني خائف أن أسأل عمّا بك"٣. وعن المسيب بن دارم٤، قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب جمّالاً يقول: "حملت جملك ما لا يطيق"، قال: "ورأيته مرّ به سائل على ظهر جراب٥ مملوء طعاماً، فأخذه فنثره للنواضح٦، ثم قال: "الآن سل ما بدا لك"٧. وعن السائب بن الأقرع٨: أنه كان جالساً في إيوان٩ كسرى، قال: فنظرت إلى تمثال يشير بإصبعه إلى موضع، قال: فوقع في رُوعي١٠ أنه يشير إلى كنز فاحتفرت ذلك الموضع، فأخرجت١١ منه كنزاً عظيماً، فكتبت إلى عمر خبره،

стр. 445

وكتبت إن هذا شيء أفاءه الله عليّ من دون المسلمين، فكتب عمر: إنك أمير من أمراءالمسلمين فاقسمه بين المسلمين١. وعن ثابت٢: أن أبا سفيان٣ ابتنى داراً بمكة فأتى أهل مكة عمر فقالوا: "إنه ضيق علينا الوادي، وسيل علينا الماء"، قال: فأتاه عمر، فقال: "خذ هذا الحجر فضعه ثمة، وخذ هذا الحجر فضعه ثمة، ثم قال عمر: الحمد لله الذي أذل أبا سفيان بأبطح٤ مكة"٥. وعن يحيى بن عبد الرحمن٦ بن حاطب٧ عن أبيه قال: "قدمنا مكة مع عمر، فأقبل أهل مكة يسعون: يا أمير المؤمنين أبو سفيان حبس مسيل الماء ليهدم منازلنا، فأقبل عمر ومعه الدِرّة، فإذا أبو سفيان قد نصب أحجاراً، فقال: "ارفع هذا"، فرفعه، ثم قال: "وهذا"، حتى رفع أحجاراً كثيرة، خمسة أو ستة، ثم استقبل عمر الكعبة، فقال: "الحمد لله الذي جعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه"٨. وعن الحسن٩ ﵁ قال: "حضر باب عمر ﵁

стр. 446

سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبو سفيان بن حرب في نفر من قريش من تلك الرؤوس، وصُهيب، وبلال، وتلك الموالي الذين شهدوا بدراً، فخرج آذن عمر فأذن لهم، وترك أولئك، فقال أبو سفيان: "لم أرَ كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد، ويتركنا على بابه لا يلتفت إلينا"، فقال سهيل بن عمر - وكان رجلاً عاقلاً -: "أيها القوم، إني - والله - أرى الذي في وجوهكم إن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم دُعي القوم ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، وكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟ "١. وعن نوفل بن عمار٢ قال: "جاء الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده، وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأوّلون يأتون عمر، فيقول: ههنا يا سهيل، ههنا يا حار٣، فينحيهما عنه، فجعل الأنصار يأتون، فينحيهما، حتى صار في آخر [الناس] ٤ فلما خرجا من عند عمر قال الحارث بن هشام لسهيل بن عمرو: "ألم تر ما صنع بنا؟ "، فقال له سهيل: "أيها الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع إلى أنفسنا / [٦٥ / أ] دُعي القوم فأسرعوا، ودُعي بنا فأبطأنا فلما قاما من عند عمر أتياه فقالا له: "يا أمير المؤمنين، قد رأينا ما فعلت اليوم، وعلمنا أنا أتينا من أنفسنا، فهل من شيء نستدرك [به] ٥؟، فقال لهما: "لا أعلمه إلا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر

стр. 447

الروم، فخرجا إلى الشام فماتا بها - رحمهما الله -"١. وعن الحسن٢ ﵀: "أن رجلاً أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشاً، فأغرمهم عمر بن الخطاب ديته"٣. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ إذ جاءه رجل من أهل مصر، فقال: "يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بك"، قال: "وما لك؟ "، قال: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت، فلما ترآها الناس، قام محمّد بن عمرو فقال: "فرسي ورب الكعبة، فلما دنا منه عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة، فقام إليّ يضربني بالسوط، ويقول: "خذها وأنا ابن الأكرمين". قال: فوالله ما زاده عمر أن قال له: "اجلس، ثم كتب إلى عمرو إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل معك بابنك محمّد، قال: فدعا عمرو ابنه فقال: "أحدثت حدثاً؟ أجنيت جناية؟ "، قال: "لا"، قال: "فما بال عمر يكتب فيك؟ "، قال: فقدم على عمر، قال أنس: فوالله إنا عند عمر حتى إذا نحن بعمرو، وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه؟، فإذا هو خلف أبيه، قال: "أين المصري؟ "، قال: "ها أنا ذا"، قال: "دونك الدّرة فاضرب ابن الأكرمين، اضرب ابن الأكرمين"٤. قال فضربه حتى أثخنه، ثم قال: أحلِها٥ على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه، فقال: "يا أمير

стр. 448

المؤمنين، قد ضربت من ضربني"، قال: "أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه، يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم١ أحراراً؟ "، ثم التفت إلى المصري فقال: "انصرف راشداً فإن رابك ريب فاكتب إليّ"٢. وفي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنت قائماً في المسجد فحَصَبني٣ رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: "اذهب فأتني بهذين"، فجئته بهما، قال: "ممن أنتما٤، أو من أنتما، أو من أين أنتما؟ "، قالا: "من أهل الطائف"، قال: "لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ "٥. وفي الأوّل من القراءة على الوزير أبي القاسم بن عليّ بن عيسى بن الجراح الكاتب٦، عن عبد الله الباهلي٧، عن ضبة بن محصن٨، قال: "دخل ضبة بن محصن من الليل فتحدث عندي، حتى خشيت عليه الحرس، قال: فكان فيما حدثني، قال: "شاكيت أبا موسى في بعض ما يشاكي الرجل

стр. 449

أميره؟، قال: فانطلقت أثووا عليه - يعني أشي به١ عند / [٦٥ /ب] عمر -، قال: وذلك عند حضور وفادة أبي موسى، فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁ والبرد٢ إذ ذاك على الإبل، قال: فكتب: "السلام عليك، أما بعد: فإني كتبت إليك وأنا خارج إليك في كذا وكذا، قال: وكتب إليه: وضبة بن محصن قد خرج من عندي بغير إذن، وهو بيني وبينك، فأحببت أن تعلم ذاك يا أمير المؤمنين، قال: فسبقني كتابه، فقدمت المدينة فجئت إلى باب عمر، فقلت: السلام عليك أيدخل ضبة بن محصن، فقال عمر: "لا مرحباً ولا أهلاً". قال: قلت: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال، قال فأعدت ذلك ثلاث مرات، فأعاد هو ثلاثاً، ثم قال: "ادخل، أو قال لي فدخلت، قال: قلت: يا أمير المؤمنين الرجل يظلمه سلطانه فإذا انتهى إلى أمير المؤمنين لم يجده عنده غيراً، فوالله يا أمير المؤمنين، إن الأرض لواسعة، وإن العدو لكثير، قال: فكأنه كشف عن وجهه غطاء، فقال: "ادن دونك، فقال: إيهِ٣، ثم قال: إيه، قال: قلت: أبو موسى اصطفى لنفسه أربعين من الأساورة، قال: فقال: "اكتب"، فكتب، قال: ثم قال: "إيه"، قلت: أبو موسى له مكيالان يكيل الناس بغير الذي يكتال به، قال: "اكتب"، فكتب، ثم قال: "إيه"، قلت: عَقِيلة سُرِّيته لها قصعة٤ غادية رائحة يأكل منها أشارف الجند، قال: "اكتب"، فكتب فما لبث إلا يسيراً

стр. 450

حتى قدم أبو موسى، قال: فمشيت إلى جنبه أعطفه، وأذكره أمير المؤمنين، قال: حتى انتهى إلى أمير المؤمنين، فقال له: "ما بال أربعين اصطفيتهم لك من أبناء الأساورة؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين، اصطفيتهم وخشيت أن يخدع الجند عنهم، ففديتهم واجتهدت في فدائهم، وكنت أعلم بفدائهم، ثم خمست وقسمت. قال ضبة: وصادق والله، ما كذبه أمير المؤمنين وما كذبته، قال: "فما بال مكيال تكتال به، وتكيل الناس بغيره؟ "، قال: مكيال أكيل به قوت أهلي وأرزاق دوابي، وما كلت به لأحد، وما كلته به من أحد". قال ضبة: وصادق١ والله، فوالله ما كذبه أمير المؤمنين وما كذبته، قال: "فما بال قصعة عَقِيلة الغادية الرائحة؟ "، قال: فسكت ولم يعتذر منها شيء، قال: فقال لوفده: "أنشد الله رجلاً أكل منها"، قال: فسكت القوم، ثم دعا ثلاث مرات، قال: فقال / [٦٦ / أ] وكيع بن قشر التميمي٢: "قبح الله تلك القصعة٣، فإنا أخالنا قد أصبنا منها"، قال: فقال عمر: "لا جَرَمَ٤ والذي نفسي بيده، لا ترى عَقِيلة العراق ما دمت أملك شيئاً"، فاحتبسها عنده. قال: فذكرت هذا لأبي بردة فقال: "ألا أحدثك بنحو من هذا؟، خرج أبو موسى على خمسة أبعرة بعضها بختي٥، خرج وافداً إلى عمر، قال:

стр. 451

ومعه فتاه فلان المولد١، كان يسافر به، قال: وأوقر البختي دقيقاً وسويقاً حتى دَبَر، قال: وكان عمر ممن إذا قدم وافداً إليه أبو موسى ففرغ مما يسأله يقول له: "أعرض عليَّ ظهرك الذي جئت عليه"، قال: فربما قال: أغزّ به في سبيل الله، فيفعل، قال: فلما دَبَر٢ البختي، قال فتى أبي موسى له: "يا أبا موسى لا تعرض هذا البختي على عمر فيما تعرض، فوالله لئن رأى ما به لا تنالن عنده نالة أبداً"، قال أبو بردة: "فما أدري أنسي وصية فتاه، أو تأثم أن يكتمه عمر حين يسأله أمير المؤمنين". قال: فعرضه فيما يعرض، فشخصت أو قال: فسمت عينا عمر إليه، فدعا به فإذا به دَبِرَة، قال: فدعا بإناء فيه ماء، فجعل يغسل عنه بيده حتى أنقاها، ثم دعا بذرور٣ فجعل ينثر بها دبرة البعير، قال: "من وَلِيَ بختيك هذا يا أبا موسى؟ "، قال: فتاي فلان؛ قال: "لا جرم والذي نفسي بيده، لا ترى العراق ما دمت أملك شيئاً"، قال أبو بردة: "فما رأت عَقِيلة ولا فتاة العراق حتى قبض عمر ﵁"٤.

стр. 452

الباب السادس والأربعون: قوله وفعله في بيت المال ... الباب السادس والأربعون: في قوله وفعله في بيت المال في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، أن حكيم ابن حزام١ قال: "سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا أرزأ٢ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيم اً ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: "يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي ﷺ "٣. في الصحيح عن عائشة قالت: "فأما صدقته يعني: النبي ﷺ بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر وفدك٤ فأمسكها عمر، وقال: "هما / [٦٦ / ب] صدقة رسول الله ﷺ كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من

стр. 453

ولي الأمر، فهما على ذلك إلى اليوم"١. وفي الصحيح عن مالك بن أوس٢ قال: "بينما أنا جالس في أهلي حين مَتَع٣ النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر، فإذا هو جالس على رمال٤ سرير وليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلّمت عليه ثم جلست، فقال: "يا مالك إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ٥ فاقبضه، فاقسمه بينهم. قلت: "يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري، قال: "فاقبضه أيها المرء" فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، وقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، يستأذنون؟ قال: "نعم" فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا ثم جلس يرفأ يسيراً، ثم قال: "هل لك في علي، وعباس"؟ قال: "نعم" فأذن لهما، فدخلا فسلما وجلسا، فقال عباس: "يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا" وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير، فقال الرهط عثمان وأصحابه: "يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر". فقال عمر: "تيدكم٦، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض،

стр. 454

هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط: "قد قال ذلك" فأقبل عمر على عليّ، وعباس، فقال: "أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك"؟ قالا: "قد قال ذلك" قال عمر: "فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم فَمَا أَوْجَفْتُم عَلَيْهِ مِنْ خِيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ إلى قوله - ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] . فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، فقد أعطاكموها، وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مال الله، فعمل رسول الله ﷺ بذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: "نعم" ثم قال لعلي، وعباس: أنشدكم بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: "نعم" قال عمر: "ثم توفى الله نبيه ﷺ فقال أبو بكر: "أنا ولي رسول الله ﷺ فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ وما عمل فيها أبو بكر، [والله] ١ يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا "يريد عليا" - يريد نصيب امرأته من [أبيها] ٢

стр. 455

فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة". فلما بدا لي أأدفعه إليكما؟، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه: لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ وما عمل أبو بكر، وما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل / [٦٧ / أ] دفعتها إليكما بذلك؟ " قال الرهط: "نعم". ثم أقبل على عليّ وعباس فقال: "أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ "، قالا: "نعم". قال: "فتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فإني أكفياكهما"١. وفي الصحيح عن ثعلبة بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب قسم مروطاً بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرطٌ جيدٌ، فقال له بعض من عنده: "يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت عليّ"، فقال عمر: "أم سليط أحق به"، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ قال عمر: "فإنها كانت تُزْفِرُ القِرَب يوم أحد"٢. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأةٌ شابةٌ، فقالت: "يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغاراً، والله ما يُنضِجون كراعاً، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضّبع٣، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: "مرحباً بنسب قريب"، ثم انصرف إلى

стр. 456

بعير ظَهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غراراتين، ملأَها طعاماً، وحمل١ بينهما نفقة وثياباً، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: "اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أكثرت لها"، فقال عمر: "ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصناً زماناً فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سُهْمَانَهُمَا فيه"٢. وفي الصحيح عن زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً ليس لهم شيء، ما فُتحت عليّ قريةٌ إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكني أتركها خِزَانَةً لهم يقتسمونها"٣. وقوله: "بباناً"، ببائين موحدتين من أسفل، والثالثة نون موحدة من فوق، وهو: الفارغ الخاوي، كلمة حبشية٤. وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال عمر: "لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر"٥. وعن قتادة٦ قال: "آخر ما قدم عمر ﵁ ثمان مئة ألف درهم من البحرين، فما قام من مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن للنبي ﷺ بيت مال، ولا لأبي بكر الصديق ﵁، وأوّل من اتخذ بيت المال

стр. 457

عمر ﵁"١. وعن مالك بن أوس قال: "كان ﵁ يحلف على أيمان ثلاث، يقول: "والله ما من أحد أحق بهذا المال من رجل، وما أنا بأحق من أحد، ووالله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال من نصيب إلا عبداً مملوكاً، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عزوجل وقسمنا من رسول الله ﷺ / [٦٧ / ب] فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمُه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه"٢. وعن موسى بن عُليّ٣ عن أبيه٤: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية، فقال: "من أراد أن يسأل عن القرآن، فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً، وإني بادئ بأزواج النبي ﷺ ، ثم المهاجرين الأوّلين أنا وأصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا، وأموالنا، ثم الأنصار ﴿الَّذِينَ

стр. 458

تَبَوَّءْوا الدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] ، ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته"١. وعن نافع عن ابن عمر، قال: "قدم على عمر ﵁ مال من العراق، قال: فأقبل يقسمه، قال: فأقبل إليه رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، لو أبقيت من هذا المال لعدو إن حضر، أو نائبة إن نزلت؟ "، فقال عمر: "ما لك، قاتلك الله، نطق بها على لسانك شيطان، كفاني٢ الله حجتها، والله لا أغصبن اليوم لغد، لا ولكن أعدّ لهم ما أعد رسول الله ﷺ "٣. وعن أبي هريرة قال: "قدمت على عمر بن الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمان مئة ألف درهم، فقال لي: "بماذا قدمت؟ "، قلت: "بثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "إنما قدمت ثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "قدمت بثمان مئة ألف درهم"، قال: "ألم أقل إنك يمان أحمق، إنما قدمت بثمانين ألف درهم، فكم ثماني مئة ألف درهم؟ "، فعددت مئة ألف، ومئة ألف،

стр. 459

حتى عددت ثمان مئة ألف، فقال: "أطيب ويلك؟ "، قلت: "نعم". قال فبات عمر ليلة أرقاً١ حتى إذا نودي لصلاة الفجر، قالت له امرأته: "يا أمير المؤمنين، ما نمت الليلة؟ "، قال: "كيف ينام عمر بن الخطاب، وقد جاء الناس ما لم يكن جاءهم مثله منذ كان الإسلام، فما يؤمِّن عمر لو هلك، وذلك المال عنده، لم يضعه في حقه. فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: "إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يأتهم منذ كان الإسلام، وقد رأيت رأياً، فأشيروا عليّ أن أكيل للناس بالمكيال". فقالوا: "لا تفعل، يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام، ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الإسلام وكثر المال أعطيتهم". قال: "فأشيروا عليّ بمن أبدأ منهم". قالوا: "بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك، ومنهم من قال: أمير المؤمنين أعلم". قال: "لا. ولكن أبدأ برسول الله / [٦٨ / أ] ﷺ ثم الأقرب فالأقرب إليه". فوضع الديوان على ذلك، قال عبيد الله٢: "بدأ بهاشم والمطلب فأعطاهم، ثم أعطى بني شمس، ثم بني نوفل بن عبد مناف"٣. وعن الأحنف قال: "كنا جلوساً بباب عمر، فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين"، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من

стр. 460

مال الله". فقلنا: "فماذا يحل له من مال الله؟، فما هو إلا قدر أن بلغت، فجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: "ماذا قلتم؟، قلنا: لم نقل بأساً، مرت جارية فقلنا: هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله". فقلنا: ماذا يحل له؟ "، قال: "أنا أخبركم بما استحل منه؛ حلتان، حلة في الشتاء، وحلة في القيظ١ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم"٢. وعن عروة: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلاً من صلب مالي"٣. وعن محمّد بن إبراهيم٤، قال: "كان عمر يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنفق في حجته ثمانين ومئة درهم"٥. وعن ابن سعد بإسناده عن عمر أنه قال: "إني أنزلت مال الله مني٦،
следующие страницы →