بعير ظَهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غراراتين، ملأَها طعاماً، وحمل١ بينهما نفقة وثياباً، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: "اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أكثرت لها"، فقال عمر: "ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصناً زماناً فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سُهْمَانَهُمَا فيه"٢.
وفي الصحيح عن زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً ليس لهم شيء، ما فُتحت عليّ قريةٌ إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكني أتركها خِزَانَةً لهم يقتسمونها"٣.
وقوله: "بباناً"، ببائين موحدتين من أسفل، والثالثة نون موحدة من فوق، وهو: الفارغ الخاوي، كلمة حبشية٤.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال عمر: "لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر"٥.
وعن قتادة٦ قال: "آخر ما قدم عمر ﵁ ثمان مئة ألف درهم من البحرين، فما قام من مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن للنبي ﷺ بيت مال، ولا لأبي بكر الصديق ﵁، وأوّل من اتخذ بيت المال
стр. 457
عمر ﵁"١.
وعن مالك بن أوس قال: "كان ﵁ يحلف على أيمان ثلاث، يقول: "والله ما من أحد أحق بهذا المال من رجل، وما أنا بأحق من أحد، ووالله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال من نصيب إلا عبداً مملوكاً، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عزوجل وقسمنا من رسول الله ﷺ / [٦٧ / ب] فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمُه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه"٢.
وعن موسى بن عُليّ٣ عن أبيه٤: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية، فقال: "من أراد أن يسأل عن القرآن، فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً، وإني بادئ بأزواج النبي ﷺ ، ثم المهاجرين الأوّلين أنا وأصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا، وأموالنا، ثم الأنصار ﴿الَّذِينَ
стр. 458
تَبَوَّءْوا الدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] ، ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته"١.
وعن نافع عن ابن عمر، قال: "قدم على عمر ﵁ مال من العراق، قال: فأقبل يقسمه، قال: فأقبل إليه رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، لو أبقيت من هذا المال لعدو إن حضر، أو نائبة إن نزلت؟ "، فقال عمر: "ما لك، قاتلك الله، نطق بها على لسانك شيطان، كفاني٢ الله حجتها، والله لا أغصبن اليوم لغد، لا ولكن أعدّ لهم ما أعد رسول الله ﷺ "٣.
وعن أبي هريرة قال: "قدمت على عمر بن الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمان مئة ألف درهم، فقال لي: "بماذا قدمت؟ "، قلت: "بثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "إنما قدمت ثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "قدمت بثمان مئة ألف درهم"، قال: "ألم أقل إنك يمان أحمق، إنما قدمت بثمانين ألف درهم، فكم ثماني مئة ألف درهم؟ "، فعددت مئة ألف، ومئة ألف،
стр. 459
حتى عددت ثمان مئة ألف، فقال: "أطيب ويلك؟ "، قلت: "نعم". قال فبات عمر ليلة أرقاً١ حتى إذا نودي لصلاة الفجر، قالت له امرأته: "يا أمير المؤمنين، ما نمت الليلة؟ "، قال: "كيف ينام عمر بن الخطاب، وقد جاء الناس ما لم يكن جاءهم مثله منذ كان الإسلام، فما يؤمِّن عمر لو هلك، وذلك المال عنده، لم يضعه في حقه.
فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: "إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يأتهم منذ كان الإسلام، وقد رأيت رأياً، فأشيروا عليّ أن أكيل للناس بالمكيال". فقالوا: "لا تفعل، يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام، ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الإسلام وكثر المال أعطيتهم". قال: "فأشيروا عليّ بمن أبدأ منهم". قالوا: "بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك، ومنهم من قال: أمير المؤمنين أعلم". قال: "لا. ولكن أبدأ برسول الله / [٦٨ / أ] ﷺ ثم الأقرب فالأقرب إليه". فوضع الديوان على ذلك، قال عبيد الله٢: "بدأ بهاشم والمطلب فأعطاهم، ثم أعطى بني شمس، ثم بني نوفل بن عبد مناف"٣.
وعن الأحنف قال: "كنا جلوساً بباب عمر، فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين"، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من
стр. 460
مال الله". فقلنا: "فماذا يحل له من مال الله؟، فما هو إلا قدر أن بلغت، فجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: "ماذا قلتم؟، قلنا: لم نقل بأساً، مرت جارية فقلنا: هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله". فقلنا: ماذا يحل له؟ "، قال: "أنا أخبركم بما استحل منه؛ حلتان، حلة في الشتاء، وحلة في القيظ١ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم"٢.
وعن عروة: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلاً من صلب مالي"٣.
وعن محمّد بن إبراهيم٤، قال: "كان عمر يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنفق في حجته ثمانين ومئة درهم"٥.
وعن ابن سعد بإسناده عن عمر أنه قال: "إني أنزلت مال الله مني٦،
стр. 461
بمنزلة اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف"١.
وعن عمر٢ أنه إذا احتاج أتى صاحب بيت المال [فاستقرضه، فربما أعسر، فيأتيه صاحب بيت المال] ٣ يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما٤ خرج عطاؤه فقضاه٥.
وخرج يوماً حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى فنعت٦ له٧ العسل، وفي٨ بيت المال عكة٩، فقال: "إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلاّ فإنها عليّ حرام" فأذنوا له فيها.١٠
وقال عمر ﵁: "ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقوم سافروا
стр. 462
فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا: "أنفق علينا"، فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء؟ "، قالوا: "لا، يا أمير المؤمنين"، قال: "فكذلك مثلي ومثلهم"١.
وقال أبو أمامة٢ بن سهل٣: "مكث عمر ﵁ زماناً لا يأكل من المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم، فقال: "قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ "، فقال عثمان ﵁: "كل وأطعم"، وقال ذلك سعيد بن زيد، وقال لعلي: "ما تقول أنت؟ "، قال: "غذاءً وعشاءً"، فأخذ عمر بذلك"٤.
وعن ابن عمر، قال: "جمع عمر الناس بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسية، ودمشق، فقال: "إني كنت امرءاً تاجراً، وقد شغلتموني بأمركم٥ هذا، فماذا ترون أنه يحل لي من هذا المال؟ "، فأكثر القوم، وعليّ ﵁ ساكت، فقال: "يا عليّ ما تقول؟ "، قال: "ما يصلحك ويصلح عيالك بالمعروف، وليس لك من هذا الأمر غيره". فقال: "القول ما قال عليّ بن أبي طالب"٦.
وعن أسلم قال: "قام رجل إلى عمر ﵁ فقال: "مايحل لك
стр. 463
من هذا المال؟ "، فقال: "ما أصلحني وأصلح عيالي بالمعروف، وحلة للشتاء وحلة للصيف، / [٦٨/ب] وراحلة عمر للحج، والعمرة، ودابة لحوائجه وجهاده"١.
وعن الزهري قال: "انكسرت قلوص من إبل الصدقة، فنحرها عمر، ودعا الناس عليها، فقال العباس ﵁: "لو كنت تصنع بنا هكذا"، فقال عمر: "إنا والله ما وجدنا إلى هذا سبيلاً، إلا أن يؤخذ من حق، فيوضع في حق، ولا يمنع من حق"٢.
وعن حارثة بن مُضَرّب٣، قال: قال عمر ﵁: "إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت"٤.
وعن عليّ ﵁ قال: " [قال] ٥ عمر للناس: "قد فضل عندنا فضل من هذا المال"، فقال الناس: "يا أمير المؤمننين، قد شغلناك عن أهلك، وصنعتك وتجارتك، فهو لك"، فقال لي: "ما تقول أنت؟ "، فقلت: قد أشار عليك القوم"، قال: "فقل"، فقلت: "لِمَ تجعل يقينك ظنا؟ "، قال: "لتخرجن مما قلت"، فقلت: أجل والله لأخرجن منه أتذكر حين بعثك نبي الله ﷺ ساعياً فأتيت العباس بن عبد المطلب، فمنعك صدقته، فكان بينكما شيء،
стр. 464
فقلت: انطلق معي إلى نبي الله، فوجدناه خاثراً١، فرجعنا، ثم غدونا عليه فوجدناه طيب النفس، فأخبرته بالذي صنع، فقال لك: "أما علِمت أن [عم] ٢ الرجل صِنو أبيه؟ "، وذكرنا له الذي رأينا من خثوره في اليوم الأوّل، والذي رأينا من طيب نفسه في اليوم الثاني، فقال: "إنكما أتيتماني في اليوم الأوّل وقد بقي عندي من الصدقة ديناران، فكان الذي رأيتما من خثوري لهن وأتيتماني اليوم الثاني وقد وجهتها، فذاك الذي رأيتما من طيب نفسي، فقال عمر: "صدقت، والله لأشكرن [لك] ٣ الأولى والآخرة"٤.
وعن الربيع بن زياد الحارث: "أنه وفد على عمر ﵁ فأعجبه هيئته، فشكى عمر وجعاً به من الطعام يأكله، فقال: "يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيب، ومبلس لين ومركب وطئ [لأنت] ٥، وكان متكئاً، وبيده جريدة فاستوى جالساً، فضرب بها رأس الربيع بن زياد، وقال: "والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب فيك خيراً! ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟، إنما مثلنا كمثل قوم سافروا، فدفعوا نفقتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ "، قال: "لا"٦.
стр. 465
وعن الحسن١، قال: قال عمر بن الخطاب: "السنة ثلاث مئة وستون يوماً، وإن حقا على عمر يكسح٢ بيت المال في كل سنة يوماً عذراً إلى الله عزوجل، إني لم أدع فيه شيئاً"٣.
وعن الحسن٤ أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵄ كانا يرزقان الأئمة، والمؤذنين، والمعلّمين، والقضاة٥.
وعن الحسن٦ ﵁ قال: "بينما عمر ﵁ يمشي في سكة من سكك المدينة، إذا هو بصبية تطيش٧ على وجه الأرض، تقوم مرة، وتقع أخرى، فقال عمر: "يا حوبتها٨، يا بؤسها من يعرف هذه منكم؟ "، فقال عبد الله بن عمر: "أما تعرفها يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "لا، ومن هي؟ "، قال: "هذه إحدى بناتك"، قال: "وأيّ٩ بناتي هذه؟ "، قال: "هذه فلانة بنت عبد الله بن عمر"، قال: "ويحك، وما صيرها إلى ما أرى؟ "، قال: "منعك١٠ ما عندك"، قال: "ومنعي ما عندي "يمنعك" أن تطلب لبناتك ما يكسب القوم لبناتهم، إنك والله ما لك عندي غير
стр. 466
سهمك من فيء المسلمين، وسعك أو عجزك هذا كتاب الله بيني وبينكم"١.
وعن مالك بن أوس، قال: قال عمر: "ما أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم"٢.
وعن عاصم بن عمر ﵄ قال: بعث / [٦٩ / أ] إليّ عمر عند الهَجِير٣، أو عند صلاة الصبح فأتيته، فوجدته جالساً في المسجد فحمد الله عزوجل وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإني لم أكن أرى شيئاً من هذا المال يحل لي قبل أن أليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرم عليّ منه حين وليته، فعاد أمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال الله شهراً٤، فلست بزائدك عليه، وإني أعطيت ثمرك بالعالية٥ فبعه٦، فخذ ثمنه، ثم ائت رجلاً من تجار قومك فكن إلى جانبه، فإذا ابتاع شيئاً فاستشركه، وأنفق عليك وعلى أهلك". قال: "فذهبت ففعلت"٧.
стр. 467
وعن قتادة، قال: "كان معيقيب١ على بيت مال لعمر، فكسح بيت المال يوماً فوجد فيه درهماً، فدفعه إلى ابن عمر، قال معقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال: "ويحك يا معيقيب أوجدت عليّ في نفسك شيئاً؟ "، أو ما لي ولك؟ "، قلت: "وما ذلك؟ "، قال: "أردت أن تخاصمني أمة محمّد ﷺ في هذا الدرهم يوم القيامة؟ "٢.
وروى عمر بن شبه، أن عبد الله بن الأرقم قال لعمر: "إن عندنا حلية من حلية جلواء، وآنية وفضة، فانظر ما تأمر فيها"، فقال: "إذا رأيتني فارغاً فآذني"، فجاءه يوماً، فقال: "يا أمير المؤمنين، إني أراك اليوم فارغاً"، قال: "ابسط لي نطعاً"٣، فبسط، ثم أتي بذلك المال فصب عليه، فأتى فوقف٤، فقال: "اللهم إنك ذكرت هذا المال، فقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِيْنَ وَالقَنَاطِيْرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ﴾ [آل عمرن: ١٤] .
وقلت: ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَاءَاتَاكُم﴾ [الحديد: ٢٣] .
اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إني أسألك أن تضعه في حقه، وأعوذ بك من شرّه". قال: فأُتي بابن له يقال له عبد الرحمن
стр. 468
بن لُهيّة١، فقال: "يا أبتاه هب لي خاتماً"، قال: "اذهب إلى أمك تسقيك سويقاً٢فما أعطاه شيئاً"٣.
وعن عبد الرحمن بن غنم، قال: "شهدت عمر ﵁ ينظر في أمور المسلمين حتى تعالى النهار، وافترق الناس وقام إلى منزله، واستتبعني فلما صار فيه قال لجاريته: "آتينا غداءنا"، فقّربت زيتاً وخبزاً، فقال: "ويحك ألا جعلت مكان الزيت سمنا؟ "، قالت: "يا أمير المؤمنين، إنك جلعت مال الله في أمانتي، وإن فَرقَ٤ الزيت يقوم بكذا وكذا [وفرق السمن يقوم بكذا وكذا] ٥، فقال: "ويحك، أما علمت أن داود ﵇ كان يعمل فيأكل من عمل يده"٦.
وعن عاصم بن عمر [عن عمر] ٧ قال: "إني لأجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي، الخبز والزيت [و] ٨
стр. 469
الخبز والسمن". قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت وما يليه منها بسمن/ [٦٩/ب] ١ فيعتذر إلى القوم، ويقول: "إني رجل عربي ولست أستمرئ٢ الزيت"٣.
قال أسامة بن مرشد٤ الذي اختصر (سيرة عمر) ، لابن الجوزي - بعد هذا الحديث، قلت: "من غير رد على الشيخ المصنف - يعني ابن الجوزي - أمير المؤمنين منزه عن هذا وقد أجمع أصحاب السير أنه حرم على نفسه السمن، وأكل الزيت حتى اسودَّ لونه، فكيف يأكل من جفنة واحدة بين يديه سمن، وبين يدي مواكليه زيت؟!، هذا ينافي فعله وخلقه"٥.
قلت: وهذا الكلام ساقط من وجهين:
الأوّل: أن كلامه يدل على إنكار على ابن الجوزي، ولا مدخل له في ذلك، فإنه أثر ذكره كما ورد.
فإن قيل: قد قال: من غير رد على الشيخ، قيل: الظاهر أن قوله: من غير رد على الشيخ، كأنه احتقر نفسه عند المصنف، فإن قوة اللفظ تعطي ذلك مع أنه أنكر عليه، وليس عليه إنكار فإنه نقل الخبر كما مرّ.
الثاني: أن قوله: "أمير المؤمنين منزه عن ذلك"، لا أرى التنزه عن ذلك
стр. 470
وجهاً، فإنه١ كان يفعل ذلك في بعض الأوقات لعلة، فلهذا فيه٢: "كان ربما"، فدلك على أن ذلك كان يفعله بعض الأوقات وفيه ما يدل على أنه كان يفعله لعلة، ولو كان لغير علة فإنه يجوز له، فيجوز لصاحب الغداء أن يضع بين يديه ما هو أجود مما يضعه بين يدي ضيفه. وليس في هذا شيء يدل على أن ذلك كان من مال المسلمين. والله أعلم.
وقال القاسم: "خطب عمر الناس، فقال: "إن أمير المؤمنين يشتكي بطنه من الزيت، فإن رأيتم أن تحلوا له ثلاثة دراهم ثمن عكة سمن من بيت مالكم، فافعلوا"٣.
وهذا يدل على أنه إنما فعل ذلك لعلة، وأنه لم يأكل الزيت معهم لعلة فيه، ولا يقدر أن يطعم الجميع السمن وفيه ضرر.
وعن ناشرة بن سُمّي اليَزَني٤ قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول يوم الجابية وهو يخطب الناس: "إن الله عزوجل جعلني خازناً لهذا المال وقاسمه، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي ﷺ ثم أشرفهم"، فَفَرَض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف درهم إلا جويرية وصفية وميمونة، قالت عائشة: "إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا"، فعدل بينهن عمر، ثم قال: "إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأوّلين، فإنا أخرجنا من ديارنا
стр. 471
ظلماً وعدواناً ثم أشرافهم". ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف، ولمن كان شهد بدراً من الأنصار أربعة آلاف، قال: "ومن أسرع في الهجرة أسرع به في العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به في العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد إني أمرته / [٧٠/أ] ١ أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح"٢.
وعن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، أن عمر ﵁ كتب المهاجرين على خمسة آلاف، والأنصار على أربعة آلاف، فمن لم يشهد بدراً من أبناء المهاجرين على أربعة آلاف، فكان منهم عمر بن أبي سلمة ابن عبد الأسد المخزومي٣، وأسامة بن زيد٤، ومحمّد بن عبد الله بن جحش الأسدي٥، وعبد الله بن عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: "إن ابن عمر ليس من هؤلاء، إنه وإنه"، فقال ابن عمر: "إن كان لي حق فأعطني، وإلا فلا تعطني". فقال عمر لابن عوف: "اكتبه على خمسة آلاف واكتبني على أربعة آلاف"، فقال عبد الله: "لا أريد هذا"، فقال عمر: "والله لا أجتمع أنا وأنت على خمسة آلاف"٦.
فرض عمر ﵁ لأهل بدر عربيهم ومولاهم في خمسة آلاف،
стр. 472
وقال: "لأفضلنهم على من سواهم"١.
وعن الزهري قال: "فرض عمر للعباس عشرة آلاف"٢.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن٣، قال: "قال عمر ﵁: "إني متخذ٤ المسلمين على الأعطية ومُدَوِّنهم، ومتحرّ الحق، فقال عبد الرحمن وعثمان وعلي ﵃ "ابدأ بنفسك"، فقال: "لا، بل أبدأ بعم رسول الله ﷺ ثم الأقرب فالأقرب منهم من رسول الله ﷺ ففرض للعباس فبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد أهل بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر ﵁ عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ودخل في ذلك من شهد الفتح، ثم فرض لأهل القادسية، وأهل الشام أصحاب اليرموك، ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاء البارع منهم ألفين وخمس مئة ألفين وخمس ومئة، فقيل له: "لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام؟ "، قال: "لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، لاها الله إذاً"٥، وقيل له: "قد سويتهم على بعد دارهم ممن قربت داره؟ "، فقال: "هم حق بالزيادة لأنهم كانوا ردءاً لهتوف٦، وشجى لعدو، وايم الله ما سويتهم حتى استبطنتهم٧،
стр. 473
والرّوادف١ الذين ردفوا بعد فتح القادسية، واليرموك ألفاً ألفاً، ثم الروادف الثني خمس مئة خمس مئة، ثم الروادف الثلث٢ بعدهم ثلاث مئة ثلاث مئة. سوّى كل طبقة في العطاء ليس بينهم فيما بينهم تفاضل قويهم وضعيفهم، وعربيهم وأعجميهم في طبقاتهم سواء [حتى] ٣ إذا حوى أهل الأمصار ما حووا من سباياهم، وردفت الرّبع من الروادف فرض لهم على خمسين ومئتين، وفرض لمن ردف من الروادف الخمس على مئتين، وكان آخر من فرض له عمر ﵁ أهل هجر٤ على مئة. ومات عمر على ذلك. وأدخل عمر في أهل بدر أربعة من غير أهل بدر: الحسن والحسين، وأبا ذر وسلمان، ﵃ -٥.
وعن زهرة بن أبي سلمة٦، قال: "فرض للعباس على خمسة وعشرين ألفاً"٧.
وقال الزهري: "على اثني عشر ألفاً، وجعل نساء أهل بدر على خمس مئة، خمس مئة، ونساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربع مئة، أربع مئة، ونساء بعد ذلك إلى الأيام على ثلاث مئة، ثم نساء القادسية على مئتين مئتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان من أهل بدر وغيرهم على مئة، مئة، وفرض
стр. 474
لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف إلاّ من جرى عليها الملك، وفضل عائشة ﵂ ألفين، فأبت، فقالت: "بفضل ميزاتك عند رسول الله ﷺ فإذا أخذت فشأنك"١.
وعن أبي سلمة٢، ومحمّد٣، والمهلب٤ وطلحة٥، قالوا: "لما أعطى عمر ﵁ وذلك في سنة خمس عشرة، وكان صفوان بن أمية قد أفرض في أهل القادسية، وسهيل بن عمرو٦ فلما دعي صفوان وقد رأى ما أخذ أهل بدر ومن بعدهم إلى الفتح، فأعطاه في أهل الفتح، فقال: "لست آخذاً أقل من هو دوني"، فقال: "إنما أعطيتهم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب"، قال: "فنعم إذا". / [٧٠/ب] فأخذ وقال: "أهل ذلك هم"، ولما بلغ القسم سهيل بن عمرو والحارث بن هشام، قالا: "أنت تعرف قريشاً وتقصر بنا"، قال: "إنما القسم على السابقة وقد سبقتما"، قالا: "نعم، إذا ولئن كنا سبقنا إلى ذلك لا نسبق إلى الجهاد وأخذا"٧.
وعن عبد الملك بن عمير٨ قال: "أصاب المسلمين يوم المدائن، بساط بهار كسرى، ثقُل عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يعدونها للشتاء، إذا ذهبت
стр. 475
الرياحين، وكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا [عليه] ١ فكأنهم٢ في رياض بساط واحد ستين في ستين، أرضه بذهب٣، ووشِيَه٤ بفصوص، وثمره بجوهر، وورقه بحرير وماء ذهب، فلما قسم سعد فيهم فضل، ولم يتفق قسمه، فجمع سعد المسلمين فقال: "إن الله تعالى قد ملأ أيديكم، وقد عسر قسم هذا البساط، ولا يقدر على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به نفساً لأمير المؤمنين يضعه حيث يشاء"، ففعلوا. فلما قدم على عمر ﵁ بالمدينة رأى رؤياً فجمع الناس، وحمد الله وأثنى عليه، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره، فمن مشير بقبضه، وآخر مُفوّض إليه، وآخر مرقق فقام عليّ ﵁ حين رأى عمر يأبى حتى انتهى إليه، فقال: "لِمَ تجعل عملك جهلاً ويقينك شكاً؟ إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت"، قال: "صدقتني"، فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليّاً ﵁ قطعة منه فباعها بعشرين ألفاً، وما هي بأجود تلك القطع"٥.
وعن الزهري أن عمر كسا أصحاب النبي ﷺ فلم يكن فيها ما يصلح للحسن والحسين فبعث إلى اليمن فأتى لهما بكسوة فقال: "الآن طابت نفسي"٦.
стр. 476
وعن أبي وائل١، قال: "استعملني ابن زياد٢ على بيت المال، فأتى رجل بصك فقال فيه: "أعط صاحب المطبخ ثمان مئة درهم"، فقلت له: مكانك، ودخلت على ابن زياد فحدثته فقلت: إن عمر استعمل عبد الملك بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على ما سقي الفرات، وعمار بن ياسر على الصلاة والجند، ورزقهم كل يوم شاة، فجعل نصفها وسقطها وأكارعها٣ لعمار، لأنه كان في الصلاة والجند، وجعل لعبد الله بن مسعود ربعها، وجعل لعثمان بن حنيف ربعها، ثم قال: "إن مالاً يؤخذ منه كل يوم شاة، فإن ذلك فيه لسريع"، فقال ابن زياد: "ضع المفتاح واذهب حيث شئت"٤.
فما ورد عنه في بيت المال وقيامه فيه، ونظر في مصالحه، وحذره من أن يأخذ هو أو أحد من أهله منه شيئاً بغير حقه، لم يرد عن أحد من الأمة ﵁، وجزاه عن المسلمين خيراً. إنه على كل شيء قدير.
стр. 477
الباب السابع والأربعون: حذره من المظالم وخروجه منها
...
الباب السابع والأربعون: في حذره من المظالم وخروجه منها
ذكر ابن الجوزي عن الأحنف بن قيس قال: "وفدنا إلى عمر بفتحٍ عظيم، فقال: "أين نزلتم؟ "، فقلت: في مكان كذا، فقام معنا حتى انتهينا إلى مناخ رواحلنا، فجعل يتخللها ببصره ويقول: "ألا اتقيتم الله في ركابكم هذه؟، أما علمتم أن لها عليكم حقاً؟، ألا خليتم عنها فأكلت من نبت الأرض؟ ".
فقلنا: يا أمير المؤمنين، إنا قدمنا بفتح عظيم، فأحببنا التسرع إلى أمير المؤمنين، وإلى المسلمين بما يسرهم، ثم انصرف راجعاً ونحن معه، فلقيه رجل، فقال: "يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فإنه ظلمني". قال: فرفع الدرة فخفق١ بها رأسه، وقال: "تدعون عمر / [٧١ / أ] وهو مُعرِضٌ لكم حتى إذا اشتغل بأمرٍ من أمور المسلمين أتيتموه: أعدني، أعدني".
فانصرف الرجل وهو يتذمّر٢، فقال عمر: "عليّ بالرجل"، فألقى إليه المخِفقة٣، فقال: "أمسك"، قال: "لا ولكن أدعها لله ولك"، قال: "ليس كذلك، إما تدعها لله وإرادة ما عنده، أو تدعها لي فأعلم ذلك". قال: "أدعها لله"، قال: "انصرف". ثم جاء يمشي حتى دخل منزلة، ونحن معه، فافتتح الصلاة، فصلى ركعتين، ثم جلس، فقال: "يا ابن الخطاب، كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزّك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، لجاء رجل يستعديك فضربته، ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟ "، فجعل يعاتب نفسه
стр. 478
معاتبة ظننت أنه من خير أهل الأرض"١.
وعن إياس بن سلمة٢ عن أبيه، قال: "مرّ عمر ﵁ وأنا في السوق، وهو مار في حاجة، ومعه الدّرّة، فقال: "هكذا أمِطْ٣ عن الطريق يا سلمة". قال: ثم خفقني بها خفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق، فسكت عني حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق، فقال: "يا سلمة، أردت الحج العام؟ "، قلت: نعم. يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي، فما فارقت يدي يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيساً فيه ست مئة درهم، فقال: "يا سلمة، استعن بهذه، واعلم أنها من الخفقة التي خفقتك عام أوّل". قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما ذكرتها حتى ذكرتنيها، قال: "والله ما نسيتها بعد"٤.
وعن عاصم بن عبيد الله٥، قال: "قال٦ عمر بن الخطاب ﵁ تحت شجرة في طريق مكة، فلما اشتدت عليه الشمس أخذ عليه ثوبه، فقام فناداه رجل غير بعيد منه: يا أمير المؤمنين، هل لك في رجل قد ربْدت حاجته، وطال انتظاره؟، قال: "من ربدها؟ "، قال: "أنت"، فجاراه القول حتى ضربه
стр. 479
بالمخفقة، فقال: "عجلت عليّ قبل أن تنظرني، فإن كنت مظلوماً رددت إلي حقي، وإن كنت ظالماً رددتني"١، فأخذ عمر طرف ثوبه، وأعطاه المخفقة، وقال له: "اقتص"، قال: "ما أنا بفاعل"، فقال: "والله لتفعلن كما فعل المنصف من حقه"، قال: "فإني أغفرها"، فأقبل عمر على الرجل، فقال: "أنصف من نفسي أصلح من أن ينتصف مني، وأنا كاره"، فلو كنت في الأراك لسمعت حنين عمر - يعني: بكاءه"٢.
قوله: "ربدتها: يعني: حبستها٣، ٤.
وعن سالم بن عبد الله، قال: "نظر عمر ﵁ إلى رجل أذنب ذنباً فتناوله بالدّرّة، فقال الرجل: "يا عمر إن كنت أحسنت فقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني". قال: "صدقت، فاستغفر الله لي٥ فاقتد من عمر، فقال الرجل: "أهبها لله وغفر الله لي ولك"٦.
قال ابن الجوزي أو ابن مرشد الذي اختصر سيرته والظاهر أنّه من كلام ابن الجوزي: "فإن قال قائل: كيف جاز لعمر أن يقول لمن ضربه: اقتص منّي، والقصاص لا يكون في الضرب بالعصا إجماعاً"٧. / [٧١ / ب] .
قال: "وأبلغ من هذا ما روى محمّد بن سعد من حديث الفضل
стр. 480
بن العباس أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل كنت أصبت من عِرِضه شيئاً، فهذا عرضي فليقتص منّي، أو من بَشَره شيئاً فهذا بشري فليقتص، أو من ماله شيئاً فهذا مالي فليأخذ، واعلموا أن أولاكم بيَ رجل كان له من ذلك شيء١ فأخذه وحلّلَني، فلقيت ربّي وأنا محلَّل لي "٢.
قال: فالجواب أما النبي ﷺ فإنه منزه أن يكون ضرب أحداً بغير حق، إنما أبان بما قال الواجب على من ضرب أحداً بغير حق يعزر، والتعزير ضرب لكنه لايقع قوداً، لكن تعزيراً، وكذلك قول عمر بن الخطاب ﵁: "من كنت ضربته بغير حق، فليضربني على وجه التعزير، لا معنى القصاص، فإن عمر هو الإمام، وإذا وجب لبعض رعيته عليه حق جاز أن يأذن له في استيفائه، وإقامته، فأما القصاص في الضرب بالعصا فقد أجمع الفقهاء أنه لا قصاص في ذلك، ولا يعدل عن الإجماع بخبر محتمل، ثم لا يحوز للنبي ﷺ ولا لعمر أن يبيحا من أنفسهما ما لم يبحه الله تعالى من الضرب، كما لا يجوز لأحد أن يقول لآخر: اجرحني، أو اقتلني، لأن النفوس محترمة لحق الله تعالى، وإنما أبيح القصاص في الجراح والقتل"٣.
قلت: وهذا الكلام مردود من وجهين:
الأوّل: أنه لا يمتنع أن يظن النبي ﷺ الحق في ضرب رجل فيضربه ثم يظهر الحق في عدم ضربه، فقد قال ﵇: "إنما أنا بشر مثلكم، أنْسى كما تنسون" ٤، وقال: "إني بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ، وإن
стр. 481
بعضكم ألحن بحجته١ من بعض" ٢.
فإذا كان الخطأ في الاجتهاد جائزاً في حق النبي ﷺ ففي حق عمر من باب أولى.
الثاني: أن قوله: "لا قصاص في العصا بالإجماع"، ليس بمسلم، بل يكون فيه القصاص، حتى قال بعض أصحابنا: القصاص في الكلام أيضاً، وهو اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية، أنه إذا شُتم، أو لعن، يجوز أن يقتص منه بالكلام، وكذلك إذا ضرب يجوز أن يضرب من ضربه٣، وقال الله عزوجل: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وقوله عزوجل: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، لا يلزم منه أن لا يكون القصاص في غير الجروح، بل هنا أثبت القصاص في الجروح، وسكت عن غيرها، وأي دليل في ثبوت القصاص في ذلك أعظم من قول النبي ﷺ وقول عمر، ولو لم يكن قول النبي ﷺ فقول الصحابي حجة٤.
وقوله: "لا يجوز لهما أن يبيحا من نفسهما ما لم يبحه الله تعالى".
نقول: "هذا ليس مما لم يبحه الله تعالى، فإن هذا مباح، بل واجب، أي:
стр. 482
لأجل / [٧٢ / أ] الخروج من المظلمة، وقد قال النبي ﷺ : "من كان عنده حق لأخيه فليتحلله" ١، وهذا حق فإن ضربه بغير حق فإثم ذلك عليه".
وقوله: "كما لا يجوز أن يقول لرجل: اقتلني، أو اجرحني".
هذا ليس بمسلم، وهذا ليس كهذا، فإنه لا يجوز أن يقول له اقتلني أو اجرحني بغير حق عليه، وهناك عليه حق، بل نقول: لو جرح الإمام رجلاً ظلماً، وجب عليه أن يقول له: اجرحني، وإذا ضربه وجب أن يقول له: اضربني، وإذا أخذ من ماله شيئاً، وجب عليه دفعه إليه، والضرب بالعصا كذلك.
وقوله: "إن ذلك تعزير".
هذا مردود بل كونه قصاصاً أولى، فإن النبي ﷺ منَزَّهٌ أن يعزر وليس بمنزه عن دفع الحق إلى أهله، وهو محمود عليه، وكذلك عمر، ولأن التعزير لا يكون إلا من الإمام في حق غيره، ولا يكون من غير الإمام في حق الإمام، وما قاله هذا القائل لا معول عليه، ولو سكت عن هذه المقالة كان أولى، بل هي مقالة لا يلتفت إليها، وما أظن ابن الجوزي يقول ذلك.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن حماد بن يحيى المكي٢ عن أبيه٣، قال: "قدمت المدينة أنا، وأهلي، فانطلقت إلى قبر رسول الله ﷺ فسلمت عليه، ثم أقبلت فلقيتني المرأة في بعض الطريق، فقمت معها أسألها عن بعض الأمر، فبينا أنا أكلمها إذ ضربة على رأسي، فالتفت فإذا عمر ابن الخطاب ﵁، فقلت: "يا أمير المؤمنين، ظلمتني، هذا والله امرأتي، قال: "أفلا كلمتها
стр. 483
خلف باب أو ستر؟ ": قلت: "يا أمير المؤمنين، لقيتني فسألتها عن بعض الأمر"، فألقى إليّ الدّرّة، وقال: "اقتص"، قلت: "لا"، قال: "فاعف". قلت: "لا". فأخذ بيدي، فانطلق بيَ إلى منزل أبي بن كعب، فاستأذن فخرج إليه ابنه، فقال: "حاجتك يا أمير المؤمنين؟ "، فقال: "قل لأبيك يخرج"، قال: فخرج إلي١ أبيض الرأس واللحية، فجلس معه، ثم قال عمر: "اقرأ عليّ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] .
فقرأها عليه، فقال عمر: "في عمر نزلت؟ "، قال: "لا"، قال: "فإني أضرب المؤمنين، ولا يضربونني، وأشتمهم ولا يشتمونني، وأوذيهم ولا يؤذنوني"، قال: "لا ولكن٢ أحدّثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ من قبل الله: ألا لا يرفعن أحد كتابه حتى يرفع عمر بن الخطاب، فيجاء بك مبيض وجهك تزف إلى ربك كتابك بيمينك" ٣.
فرضي الله عنه ما كان أحذره من المظالم الكبير منها والصغير، وما كان أجهده في الخروج من مظالم الناس، وأن لا يترك لأحد عنده مظلمة. ﵁.
стр. 484
الباب الثامن والأربعون: ملاحظته لعماله ووصيته إياهم
...
الباب الثامن والأربعون: في ملاحظته لعماله ووصيته إياهم
في الصحيح عن زيد بن أسلم عن أبي / [٧٢ / ب] أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هُنَيّاً١ على الحِمى، فقال: "يا هُنَيّ اضْمُمْ جناحك على المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل ربَّ الصّرَيْمَة٢ وربَّ الغنيمة، وإياي، ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان، فإنهمها إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع، ونخل، وإن ربّ الصريمة، ورب الغنيمة، إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين٣، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟، فالماء، والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق، وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبراً"٤.
وفي الصحيح أيضاً عن عبد الله بن عامر٥، أن عمر استعمل قدامة ابن مظعون٦ على البحرين، وكان شهد بدراً، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصة٧.
стр. 485
وعن يحيى بن معين، قال: "كان شريح قاضي عمر بن الخطاب، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال"١.
قال نافع: "استعمل عمر زيداً على القضاء، وفرض له رزقاً"٢.
ذكر ابن الجوزي عن عمرو بن ميمون، قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان ابن حنيف، فقال: "كيف فعلتما أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ "، قالا: "لا"، فقال عمر: "لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً". فما أتت عليه رَابِعةٌ حتى أصيب"٣
وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت٤ ﵀، قال: "كان عمر بن الخطاب ﵀ إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتاباً، وأشهد عليه رهطاً من الأنصار: أن لا يركب برذوناً٥، ولا يأكل نقيّاً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون حاجات٦ المسلمين، ثم يقول: "اللهم اشهد".
стр. 486
وعن عمرو بن مرّة١ [قال] ٢: "كان عمر ﵁ يكتب إلى أمراء الأمصار بأن لكم معشر الولاة حقاً على الرعية، ولهم مثل ذلك، فإنه ليس من حكم٣ أحب إلى الله تعالى ولا أعم نفعاً من حكم٤ إمام ورفقه، وإنه ليس جهل أبغض إلى الله ولا أعم ضراً من جهل إمام وخرقه، وإنه من يطلب العافية فيمن هو بين ظهرانيه، ينزل الله عليه العافية من فوقه"٥.
وعن ابن سعد، قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ استعمل النعمان٦ على ميسان٧ وكان يقول الشعر، فقال:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يُسقي في زجاج وحَنْتَم٨
إذا شئت غنتني دهَاقين٩ قريةٍ ... ورقاصة تجثوا١٠ على كل مَنْسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر١١اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
стр. 487
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق١ المتهدم
فلما بلغ عمر قوله، قال: "نعم إنه والله ليسوءني: من لقيه فليخبره أني قد عزلته"، فقدم عليه رجل / [٧٣ / أ] من قومه فأخبره بعزله، فقال: "والله ما صنعت شيئاً مما قلت، ولكني كنت امرأً شاعراً، فوجدت فضلاً من قول، فقلت فيه الشعر"، فقال عمر: "والله لا تعمل لي على عمل ما بقيتُ، وقد قلتَ ما قلتَ"٢.
وعن عثمان الحِزامي٣ عن أبيه٤ قال: "لما بلغ عمر بن الخطاب هذا الشعر، كتب إلى النعمان بن نضلة٥: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم. تَنْزِيْلُ الكِتَابِ مِنَ الله العَزِيْزِ العَلِيم غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيْدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيْرُ﴾ ، [غافر: ١-٣] .
أما بعد: فقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وأيم الله إنه ليسوءني "وعزله، فلما قدم على عمر بكَّته٦ بهذا الشعر، فقال: "يا أمير المؤمنين، ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء فطح على اللسان"، فقال عمر: "أظن ذلك، ولكن لا تعمل
стр. 488
لي عملاً أبداً"١.
قال ابن الجوزي: "جاء في الشعر: تجثو٢، وتجذو، والصحيح: [تجذو] ٣ ومعناه: ينتصب٤. والمَنْسِم: استعارة، وهو من البعير بمنزلة الظفر من الإنسان٥. والجوسق: فارسي معرب، وهو تصغير قصر كوشك، أي: صغير٦٧.
وعن محمّد بن عبد الغفار٨ قال: "استعمل عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً من قريش فبلغه أنه قال:
اسقني شربة ألذ عليها
واسق بالله مثلها ابن هشام
فأشخص٩ إليه وذُكِرَ إنما أشخص١٠ إليه من أجل البيت، فضم إليه آخر، فلما قدم عليه، قال: "ألست القائل:
اسقني شربة ألذ عليها ... واسق بالله مثلها ابن هشام
стр. 489
قال:
عسلاً بارداً بماء سحاب ... إنني لا أحب شرب المدام
فقال: الله، الله، قال: ارجع إلى عملك"١.
وعن ابن المسيب٢، عن عمر ﵁ قال: "أيما عاملٍ لي ظلم أحداً، وبلغتني فلم أغيرها فأنا ظلمته"٣.
وعن عياض الأشعري٤، قال: "قدم على عمر فتح من الشام، فقال لأبي موسى: "ادع كاتبك يقرأه على الناس في المسجد"، قال أبو موسى: "إنه نصراني لا يدخل المسجد"، قال عمر: "ولِمَ استكتبت نصرانياً؟ "٥.
وعن أُسِّقَ٦، قال: "كنت عبداً نصرانياً لعمر، فقال: "أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين علىأمورهم بمن ليس منهم"، فأعتقني، وقال: "اذهب حيث شئت"٧.
стр. 490
وعن الأحنف بن قيس، قال: "قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ فاحتبسني عنده حولاً، فقال: "يا أحنف قد بلوتك وخبرتك، فرأيت أن علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك، وإن كنا لنُحَدّث بما يُهلك هذه الأمة كل منافق عليم"١.
وعن الأحنف بن قيس: أنّه قدم على عمر ﵁ فاحتبسه حولاً / [٧٣ / ب] ثم قال: "أتدري لِمَ احتبستك؟ "، إن رسول الله ﷺ خوفنا من كلّ منافق عليم اللسان، ولست منهم"٢.
وعن عبد الرحمن بن أبي عطية٣، قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ إن مَترَس بالفارسية، هو الأمان، فمن قلتم له ذلك ممن لا يفقهلسانكم فقد أمنتموه"٤.
وعن عبد الرحمن بن سابط٥، قال: "بلغ عمر ﵁ أن عمالاً من عماله اشتكوا، فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه، قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيتها الرعية، إن لنا عليكم حقّاً، النصيحة بالغيب، والمعاونة على
стр. 491
الخير، أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقّاً، اعلموا أنه لا حلم إلى الله، أحب، ولا أعم نفعاً من حلم إمام ورفقه١، وأنه ليس جهل أبغض إلى الله، ولا أعم من جهل إمام وخرقه، اعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهرانيه، يرزق العافية فيمن هو دونه"٢.
وعن قيس٣ قال: "بعث عمر جريراً٤ على الجيش، فسقطت رِجلُ رَجلٍ من المسلمين من البرد، فبلغ ذلك عمر، فأرسل جريراً مسمعاً، إنه من يُسمع، يُسمَعِ الله به يعني إنك خرجت في البرد لكي يقال: قد غزا في البرد"٥.
وعن مُحارب بن دثار٦، عن عمر ﵁ أنه قال لرجل قاضي: "من أنت؟ "، قال: "قاضي دمشق". قال: "كيف تقضي؟ "، قال: "أقضي بكتاب الله"، قال: "فإذا جاءك ما ليس [في كتاب الله؟ "، قال: "أقضي بسنة رسول الله"، قال: "فإذا جاءك ما ليس في] ٧ سنة رسول الله؟ "، قال: "أجتهد رأيي وأوامر جلسائي"، قال: "أحسنت". قال: وإذا جلست فقل: إني أسألك أن أفتي بعلم، وأن أقضي بحلم، وأسألك العدل في الغضب والرضى". قال: فسار الرجل ما شاء أن يسير، ثم رجع إلى عمر، فقال: "ما أرجعك؟ "، قال: "رأيت الشمس والقمر يقتتلان، مع كل واحد
стр. 492
منهما جنود من الكواكب"، فقال: "مع أيهما كنت؟ "، قال: "مع القمر"، قال: "يقول الله عزوجل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ، لاتل [لي] ١ عملاً"٢.
وعن الحسن٣، قال: "قال عمر: "أعياني أهل الكوفة، إن استعملت وجدت رجلاً قوياً، أميناً مسلماً، أستعمله عليهم"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أنا والله أدلك على الرجل القوي الأمين المسلم"، فأثنى عليه عمر، وقال: "من هو؟ "، قال: "عبد الله بن عمر"، قال عمر: "قاتلك الله، والله ما أردت٤ الله بها"٥.
وعن الحسن٦، قال: "قال عمر ﵁: "هانَ شيء أُصْلِح به قوماً، أُبدّلهم أميراً مكان أمير"٧.
وعن عبد الملك٨،: "أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁
стр. 493
أن شاور طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، في أمر حربك، ولا تولهما من الأمر شيئاً، فإن كل صانع هو أعلم بصنعته"١.
وعن عاصم بن بَهْدَلة٢، قال: "كان عمر ﵁ جالساً مع أصحابه، فمرّ به رجل فقال له: "ويل لك، يا عمر من النار"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، ألا ضربته؟ "، فقال رجل أظنه عليّاً: "ألا سألته؟ "، فقال عمر: "عليّ بالرجل عليه٣ فقال له: "لِمَ؟ "، قال: "تستعمل"، العامل وتشترط عليه شروطاً ولا تنظر في / [٧٤ / أ] شروطه".
قال: "وما ذاك؟ "، قال: "عاملك على مصر اشترطت عليه شروطاً فترك ما أمرته به وانتهك ما نهيته عنه"، وكان عمر ﵁ إذا استعمل عاملاً شرط عليه أن لا يركب دابة، ولا يلبس رقيقاً، ولا يأكل نقيّاً، ولا يغلق بابه دون الناس وحوائجهم، وما يصلحهم، قال: فأرسل إليه رجلين، فقال: "سلا عنه، فإن كان كذب عليه فأعلماني، وإن كان صدق فلا تملكاه من أمره شيئاً حتى تأتياني به".
فسألا عنه فوجداه قد صدق عليه، فاستأذنا ببابه، فقال: "إنه ليس عليه آذن"، فقالا: "ليخرجن إلينا أو لنحرقن بابه"، وجاء أحدهما بشعلة من نار، فلما رأى ذلك آذنه أخبره، فخرج إليهما، فقالا: "إنا رسولا عمر، لتأتينه"، قال: "إن لي حاجة تزود"، قالا: "ما أنت٤ بالذي٥ تأتي أهلك"، فاحتملاه فأتيا به عمر ﵁
стр. 494
فقال: "من أنت ويلك؟ "، قال: "عاملك على مصر"، وكان رجلاً بدوياً، فلما أصاب من ريف مصر ابيضّ وسمن، فقال: "استعملتك وشرطت عليك شروطاً، فتركت ما أمرتك به، وانتهكت ما نهيتك عنه، أما والله لأعاقبنك عقوبة أبلغ إليك فيها، إيتوا بدرّاعة١ من كساء، وعصا وثلاث مئة شاة من شياه الصدقة، فقال: "ألبس هذه الدّارعة، فقد رأيت أباك وهذه خير من دُرّاعته، وهذه خير من عصاه، اذهب بهذه الشاء فارعها٢ في مكان كذا وكذا - وذلك في يوم صائف - فلا تمنع السائل من ألبانها شيئاً وأعلم أنا آل عمر لم نصب من شاء الصدقة، ومن ألبانها ولحومها شيئاً، فلما أمعن رده، فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ "، ورد عليه الكلام ثلاثاً فلما كان في الثالثة ضرب بنفسه الأرض بين يديه، وقال: "ما أستطيع ذلك، فإن شئت فاضرب عنقي"، قال: "فإن رددتك فأي رجل تكون؟ "، قال: "لا ترى إلا ما تحب فرده فكان خير عامل"٣.
وعن المنصفق٤: أن عمر ﵁ كتب لرجل عهداً، وجاء بعض ولده فأقعده في حجره، فقال الرجل: "ما أخذت ولداً لي قط"، قال: "فما ذنبي إن كان الله عزوجل نزع الرحمة من قلبك؟، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". ثم انتزع العهد من يده"٥.
стр. 495
وعن أبي عثمان١ قال: "استعمل عمر ﵁ رجلاً من بني أسد على عمل فدخل ليسلم عليه، فأتى عمر بعض ولده فقبله، فقال الأسدي: "أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟، والله ما قبلت ولداً قط"، فقال عمر: "فأنت والله بالناس أقل رحمة لا تعمل لي عملاً أبداً، فرد عهده"٢.
وعن الشعبي، قال: "قال عمر: "لا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته أربعين"٣.
قال: "وكان عمر إذا بعث عاملاً كتب ماله"٤.
وعن ابن سيرين٥، قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁: "والله لأنزعن [عن] ٦ القضاء فلاناً، ولأستعملن على القضاء رجلاً / [٧٤ / ب] إذا رأه الفاجر فرقه"٧.