← Тараджим

Тараджим · id 12062

محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

ابن المبرد

Полный текст (1 019 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الخير، أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقّاً، اعلموا أنه لا حلم إلى الله، أحب، ولا أعم نفعاً من حلم إمام ورفقه١، وأنه ليس جهل أبغض إلى الله، ولا أعم من جهل إمام وخرقه، اعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهرانيه، يرزق العافية فيمن هو دونه"٢. وعن قيس٣ قال: "بعث عمر جريراً٤ على الجيش، فسقطت رِجلُ رَجلٍ من المسلمين من البرد، فبلغ ذلك عمر، فأرسل جريراً مسمعاً، إنه من يُسمع، يُسمَعِ الله به يعني إنك خرجت في البرد لكي يقال: قد غزا في البرد"٥. وعن مُحارب بن دثار٦، عن عمر ﵁ أنه قال لرجل قاضي: "من أنت؟ "، قال: "قاضي دمشق". قال: "كيف تقضي؟ "، قال: "أقضي بكتاب الله"، قال: "فإذا جاءك ما ليس [في كتاب الله؟ "، قال: "أقضي بسنة رسول الله"، قال: "فإذا جاءك ما ليس في] ٧ سنة رسول الله؟ "، قال: "أجتهد رأيي وأوامر جلسائي"، قال: "أحسنت". قال: وإذا جلست فقل: إني أسألك أن أفتي بعلم، وأن أقضي بحلم، وأسألك العدل في الغضب والرضى". قال: فسار الرجل ما شاء أن يسير، ثم رجع إلى عمر، فقال: "ما أرجعك؟ "، قال: "رأيت الشمس والقمر يقتتلان، مع كل واحد

стр. 492

منهما جنود من الكواكب"، فقال: "مع أيهما كنت؟ "، قال: "مع القمر"، قال: "يقول الله عزوجل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ، لاتل [لي] ١ عملاً"٢. وعن الحسن٣، قال: "قال عمر: "أعياني أهل الكوفة، إن استعملت وجدت رجلاً قوياً، أميناً مسلماً، أستعمله عليهم"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أنا والله أدلك على الرجل القوي الأمين المسلم"، فأثنى عليه عمر، وقال: "من هو؟ "، قال: "عبد الله بن عمر"، قال عمر: "قاتلك الله، والله ما أردت٤ الله بها"٥. وعن الحسن٦، قال: "قال عمر ﵁: "هانَ شيء أُصْلِح به قوماً، أُبدّلهم أميراً مكان أمير"٧. وعن عبد الملك٨،: "أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁

стр. 493

أن شاور طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، في أمر حربك، ولا تولهما من الأمر شيئاً، فإن كل صانع هو أعلم بصنعته"١. وعن عاصم بن بَهْدَلة٢، قال: "كان عمر ﵁ جالساً مع أصحابه، فمرّ به رجل فقال له: "ويل لك، يا عمر من النار"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، ألا ضربته؟ "، فقال رجل أظنه عليّاً: "ألا سألته؟ "، فقال عمر: "عليّ بالرجل عليه٣ فقال له: "لِمَ؟ "، قال: "تستعمل"، العامل وتشترط عليه شروطاً ولا تنظر في / [٧٤ / أ] شروطه". قال: "وما ذاك؟ "، قال: "عاملك على مصر اشترطت عليه شروطاً فترك ما أمرته به وانتهك ما نهيته عنه"، وكان عمر ﵁ إذا استعمل عاملاً شرط عليه أن لا يركب دابة، ولا يلبس رقيقاً، ولا يأكل نقيّاً، ولا يغلق بابه دون الناس وحوائجهم، وما يصلحهم، قال: فأرسل إليه رجلين، فقال: "سلا عنه، فإن كان كذب عليه فأعلماني، وإن كان صدق فلا تملكاه من أمره شيئاً حتى تأتياني به". فسألا عنه فوجداه قد صدق عليه، فاستأذنا ببابه، فقال: "إنه ليس عليه آذن"، فقالا: "ليخرجن إلينا أو لنحرقن بابه"، وجاء أحدهما بشعلة من نار، فلما رأى ذلك آذنه أخبره، فخرج إليهما، فقالا: "إنا رسولا عمر، لتأتينه"، قال: "إن لي حاجة تزود"، قالا: "ما أنت٤ بالذي٥ تأتي أهلك"، فاحتملاه فأتيا به عمر ﵁

стр. 494

فقال: "من أنت ويلك؟ "، قال: "عاملك على مصر"، وكان رجلاً بدوياً، فلما أصاب من ريف مصر ابيضّ وسمن، فقال: "استعملتك وشرطت عليك شروطاً، فتركت ما أمرتك به، وانتهكت ما نهيتك عنه، أما والله لأعاقبنك عقوبة أبلغ إليك فيها، إيتوا بدرّاعة١ من كساء، وعصا وثلاث مئة شاة من شياه الصدقة، فقال: "ألبس هذه الدّارعة، فقد رأيت أباك وهذه خير من دُرّاعته، وهذه خير من عصاه، اذهب بهذه الشاء فارعها٢ في مكان كذا وكذا - وذلك في يوم صائف - فلا تمنع السائل من ألبانها شيئاً وأعلم أنا آل عمر لم نصب من شاء الصدقة، ومن ألبانها ولحومها شيئاً، فلما أمعن رده، فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ "، ورد عليه الكلام ثلاثاً فلما كان في الثالثة ضرب بنفسه الأرض بين يديه، وقال: "ما أستطيع ذلك، فإن شئت فاضرب عنقي"، قال: "فإن رددتك فأي رجل تكون؟ "، قال: "لا ترى إلا ما تحب فرده فكان خير عامل"٣. وعن المنصفق٤: أن عمر ﵁ كتب لرجل عهداً، وجاء بعض ولده فأقعده في حجره، فقال الرجل: "ما أخذت ولداً لي قط"، قال: "فما ذنبي إن كان الله عزوجل نزع الرحمة من قلبك؟، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". ثم انتزع العهد من يده"٥.

стр. 495

وعن أبي عثمان١ قال: "استعمل عمر ﵁ رجلاً من بني أسد على عمل فدخل ليسلم عليه، فأتى عمر بعض ولده فقبله، فقال الأسدي: "أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟، والله ما قبلت ولداً قط"، فقال عمر: "فأنت والله بالناس أقل رحمة لا تعمل لي عملاً أبداً، فرد عهده"٢. وعن الشعبي، قال: "قال عمر: "لا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته أربعين"٣. قال: "وكان عمر إذا بعث عاملاً كتب ماله"٤. وعن ابن سيرين٥، قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁: "والله لأنزعن [عن] ٦ القضاء فلاناً، ولأستعملن على القضاء رجلاً / [٧٤ / ب] إذا رأه الفاجر فرقه"٧.

стр. 496

وعن زيد بن وهب١، قال: "خرج جيش في زمن عمر ﵁ نحو الجبل، فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر، فقال أمير ذلك [الجيش] ٢ لرجل من أصحابه: "انزل وانظر في مخاضة نجوز فيها"، في يوم شديد البرد، فقال ذلك الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت"، فأكرهه فدخل فقال: "يا عمراه يا عمراه"، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: "يا لبيكاه"، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال: "لولا أن يكون سنة بعدي لأقدت منك، لا تعمل لي عملاً أبداً"٣. وعن الحسن٤، قال: "قال عمر ﵁: "لئن عشت إن شاء الله تعالى لأسيرن في الرعية حولاً، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع عني، أما هم فلا يصلون إليّ، وأما عمّالهم فلا يرفعونها إليّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين"٥. وروى ابن شبه: أن عمر ﵁ عتب على بعض عماله، فكلم

стр. 497

امرأة عمر، فقالت له: "يا أمير المؤمنين فيم وجدت عليه؟ "، فقال: "يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا؟ "، إنما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين"١. وكان عمر يقول: "أشكوا إلى الله جلد الخائن وعجز الثقة"٢. وروى أبو القاسم الأصفهاني بسنده إلى عمير بن سلمة الديلي٣، أنه خرج مع عمر بن الخطاب ﵁ أو أخبره من كان مع عمر، قال: "أتينا عمر نصف النهار، وهو قائل في ظل شجرة، إذ جاءت أعرابية فتوسمت الناس فجاءته، فقالت: "إني امرأة مسكينة ولي بنون، وإن أمير المؤمنين كان بعث محمّد بن مسلمة ساعياً فلم يعطنا٤، فلعلك - يرحمك الله - أن تشفع لنا إليه، قال: فصاح يا يرفأ ادع لي محمّد بن مسلمة، فقالت: "إنّه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، قال: "إنه سيفعل إن شاء الله"، فجاءه يرفأ فقال: "أجب"، فجاء فقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين"، فاستحيت المرأة، فقال عمر ﵁: "والله ما آلو أن أختار٥ خياركم، فكيف أنت قائل إذا سألك الله عن هذه؟ "، فدمعت عينا محمّد / [٧٥/أ] ثم قال عمر: "إن الله بعث إلينا نبيه محمّداً ﷺ فصدقناه، واتبعناه، فعمل بما أمره الله، فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك، ثم

стр. 498

استخلف الله أبا بكر، فعمل بسنته حتى قبضه الله، ثم استخلفني فلم آل أن أختار خياركم، فأدّ إليها صدقة العام، وعام الأوّل، وما أدري لعلي لا أبعثك"، ثم دعا لها بجمل وأعطاها دقيقاً، وزيتاً، وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر، فإنا نريدها". فأتت بخيبر فدعا بجملين آخرين، فقال: "خذي هذا فإن فيه بلاغاً حتى يأتيكم محمّد، فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام، وعام أوّل"١. وفي الصحيح عن جابر بن سمرة٢، قال: "شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر فعزله، واستعمل عليهم عماراً فشكوا حتى ذكروا أنه لا تحسن تصلي"، فأرسل إليه فقال: "يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي"، فقال: "أما أنا - والله - فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أَخْرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد٣ في الأوّليين وأحذف٤ - أو قال: - وأخفّ في الأخريين". قال: "ذاك ظني بك٥ يا أبا إسحاق أو ذلك الظن بك يا أبا إسحاق"، فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس٦ فقام

стр. 499

رجل منهم يقال له: أسامة ابن قتادة١، يُكنى أبا سعدة، قال: "أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية"، فقال سعد: "أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن"، وكان بعدُ إذا سئل يقول: "شيخ كبير مفتون، أصابتني، أو قال: أصابته دعوة سعد"، قال عبد الملك٢: "فأنا رأيته بعدُ، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن٣، ٤. ورواه الإمام أحمد عن جابر بن سمرة، قال: "شكا أهل الكوفة سعداً، إلى عمر، فقالوا: "لا يحسن يصلي"، فذكر عمر له فقال: أما صلاة رسول الله ﷺ فقد كنت أصلي بهم، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين"، قال: "ذاك الظن بك يا أبا إسحاق"٥. وفيه عن عَباية بن رفاعة٦، قال: "بلغ عمر أن سعداً لما بنى القصر قال: "انقطع الصُوَيت"، فبعث إليه محمّد بن مسلمة، فلما قدم أخرج زَنْده، وأورى٧ ناره،

стр. 500

وابتاع حطباً بدرهم، وقيل لسعد: "إن رجلاً فعل كذا وكذا"، فقال: "ذاك محمّد بن مسلمة"، فخرج إليه، فحلف بالله ما قاله، فقال: "نؤدّي عنك الذي تقول، ونفعل لما أمرنا به"، فأحرق الباب، ثم أقبل يعرض عليه / [٧٥ / ب] أن يزوّده، فأبى، فخرج فقدم على عمر فهَجَّر١ إليه فسار ذهابه ورجوعه تسع عشرة فقال: "لولا حسن الظن بك لرأينا أنك لم تؤد عنا"، قال: "بلى، وأرسل يقرأ السلام ويعتذر، ويحلف بالله ما قاله"، قال: "فهل زوّدك شيئا؟ "، قال: "لا"، قال: "فما منعك أن تزودني أنت؟ "، قال: "إني كرهت أن أمر لك فيكون لك البارد، ولي الحار، وحولي أهل المدينة قد قتلهم الجوع، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يشبع الرجل دون جاره" ٢. وفيه عن ابن الساعدي٣، أنه قال: "استعملني عمر بن الخطاب على الصدقة فلما فرغت منها، وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت له: إني عملت لله عزوجل وأجري على الله، فقال: "خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعَمِّلني٤، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق" ٥.

стр. 501

وعن هشام بن عروة١ عن أبيه: أن هشام بن حكيم بن حزام٢ أتى على عامل لعمر بن الخطاب بالشام، وقد أمر برجال فحبسوا في الشمس من أجل الجزية، فدخل عليه فقال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله عزوجل يعذب يوم القيامة من يعذب الناس في الدنيا، فأرسلهم "٣. قال: فكان عمر إذا رفع إليه الأمر يكرهه، قال: أما ما كنت أنا وهشام على وجه الأرض، فإن هذا شيء لا يكون٤. قال: وكان إذا رأى شيئاً يكرهه لم يقره، فمات هشام، قال: وولدت أنا فسماني أبي باسمه".

стр. 502

الباب التاسع والأربعون: حذره من الإبتداع وتحذيره منه ... الباب التاسع والأربعون: في حذره من الابتداع وتحذيره منه في الصحيح عن المسور بن مخرمة١، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: "سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره٢ في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، فلببته٣، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ "، قال: "أقرأنيها رسول الله ﷺ "، فقلت له: "كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك"، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ أقوده، فقلت: "يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وإنك أقرأتني سورة الفرقان"، قال: "يا هشام اقرأها"، فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" ٤ وذكره ابن الجوزي من طريق المسور أن عمر ﵁ / [٧٦ / أ] قال:

стр. 503

"سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حروفاً لم يكن النبي ﷺ أقرأنيها، فأردت أن أساوره وأنا في الصلاة، فلما فرغت قلت: من أقرأك هذه القراءة؟، فقال: "رسول الله ﷺ "، فقلت: كذبت، والله ما أقرأك هكذا رسول الله ﷺ فأخذت بيده أقوده، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان، إني سمعت هذا يقرأ فيها حروفاً لم تكن أقرأتنيها، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ يا هشام"، فقرأ كما كان قرأ، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت، فقال: "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" ١. وعن عابس بن ربيعة٢، قال: "رأيت عمر نظر إلى الحجر، وقال: "أما والله لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبّلتك، ثم قبّله"٣. وعن عبد الله بن سَرْجس٤، قال: "كان الأصلع - يعني عمر - إذا استلم الحجر قال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك"٥.

стр. 504

وعن أبي سعيد الخدري، قال: "حججنا مع عمر ﵁ أوّل حجة حجها من إمارته، فلما دخل المسجد الحرام، دنا من الحجر الأسود فقبّله، واستلمه، وقال: "أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبّلك واستلمك، ما قبّلتك ولا استلمتك"، فقال له عليّ ﵁ بلى يا أمير المؤمنين، إنه ليضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله، لعلمت أن الذي أقول لك، [كما] ١ أقول، قال الله عزوجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فلما أقروا أنه الربّ عزوجل وأنهم العبيد، كتب ميثاقهم في رقّ ثم ألقمه الحجر، وله عينان، ولسان، وشفتان، يشهد [لمن] ٢ وافاه بالموافاة، فهو أمين الله في هذا المكان". فقال عمر ﵁: "لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن"٣. قال أسامة بن مرشد: "إنما قال عمر ﵁ في الحجر ما قال، لأنهم كانوا قد أنسوا بلمس الحجارة في الجاهلية، وعبادتها، فأخبر عمر أنه إنما يمس هذا الحجر ويقبّله؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يمسه، ويقبّله، ولولا ذلك لم يفعل ذلك"٤. وقال نافع٥: "كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ

стр. 505

تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت"١. وعن [سعيد بن] ٢ المسيب ﵀ قال: "قضى عمر ﵁ بقضاء في الأصابع ثم أخبر بكتاب كتبه النبي ﷺ لابن حزم٣، فأخذ به، وترك أمره الأول"٤. وعن المعرور بن سويد٥، قال خرجنا مع عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها، قال: فقرأ بنا في الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأَصْحَابِ الفِيْلِ﴾ ، [الفيل: ١] ، / [٧٦ / ب] و ﴿لإِيلاَفِ قُريشٍ﴾ [قريش: ١] ، فلما انصرف، رأى٦ الناس مسجداً فبادروه، فقال: "ما هذا؟ "، فقالوا: "هذا مسجد صلى فيه النبي ﷺ "، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض"٧.

стр. 506

وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة١٢، عن أبيه٣ عن جده٤، قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: "ألا إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فأفتوا برأيهم، فضلوا وأضلوا، ألا وإنا نقتدي، ولا نبتدي، ونتبع، ولا نبتدع، ما نضل ما تمسكنا بالأثر"٥. وعن عمرو٦ بن ميمون٧ عن أبيه٨ قال: "أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا لما فتحنا المدائن أصبنا كتاباً فيه كلام معجب، قال: "أمن كتاب الله؟ "، قال: "لا". فدعا بالدّرّة فجعل يضربه بها وجعل يقرأ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِيْنِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرْبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِيْنَ﴾ [يوسف: ١-٣] ، ثم قال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم، وأساقفتهم، وتركوا التوراة والإنجيل، حتى درسا٩ وذهب ما فيهما من العلم"١٠.

стр. 507

وعن ابن عون١ عن إبراهيم٢: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن رجلاً كتب كتاب دانيال، وقال فكتب إليه يرتفع إليّ، فلما قدم عليه جعل عمر ﵁ يضرب بطن كفه بيده، ويقول: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِيْنِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرْبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف ١-٣] ، فقال عمر: أقصص أحسن من كتاب الله؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، اعفني، فوالله لأمحونه"٣. وعن أسلم قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "فيمَ٤ الرّمَلان٥ الآن والكشف عن المناكب، وقد أطّأ٦ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ؟ "٧. وعن السائب بن يزيد أنه قال: "أتى رجل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن"، فقال: "اللهم أمكني

стр. 508

منه"، فبينا عمر ذات يوم جالساً، يغدي الناس، إذ جاءه، وعليه ثياب وعمامه، حتى إذ فرغ، قال: "يا أمير الممؤنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً فَالحَامِلاَتِ وِقْراً﴾ [الذاريات: ١-٢] ، فقال عمر ﵁: "أنت هو؟ "، فقام إليه وحسر١ عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: "والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قِتْب٢، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيباً ثم ليقل: "إن صبيغاً٣ ابتغى العلم فأخطأه". فلم يزل وضيعاً٤ في قومه حتى هلك٥. وعن أبي عثمان النهدي، عن صبيغ، أنه سأل عمر عن المرسلات، والذاريات، والنازعات، فقال له عمر: " [ضع] ٦ ما على رأسك فإذا / [٧٧ / أ] له ظفران٧، قال: "لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك"، ثم كتب إلى أهل البصرة: أن لا تجالسوه، قال أبو عثمان:

стр. 509

"فكان لو أتانا، ونحن مئة لتفرقنا عنه"١. وعن إبراهيم التيمي٢، قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يقال له: "صبيغ"، فسأل عن: النازعات، والمرسلات، وأشباههما، وعليه برنس، فقال عمر بقضيبه فرفع البرنس فإذا شعر، فقال لو كنت محلوقاً لضربت عنقك ثم كتب إلى أهل البصرة: لا تجالسوه ولا تبايعوه، قال: فمكث حولاً حتى أصابه الجهد، فقام إلى أسطوانة٣ من أساطين المسجد فاستغاث، وروجع عمر ﵁ فكتب: أن لا تخالطوه، وكونوا منه على حذر"٤. وعن قيس بن أبي حازم، قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يسأله، قال: "جئت أطلب العلم"، قال: "بل جئت تبتغي الضلالة"، ثم كشف عن رأسه فوجده ذا شعر، فقال: "لو كنت محلوقاً لضربت عنقك"٥. وعن سعيد بن المسيب، قال: "جاء صَبيغ التميمي إلى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات: ١] ، قال: هي الريح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: أخبرني عن ﴿فَالحَامِلاَتِ وِقْراً﴾ [الذاريات: ٢] ، قال: "السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته"، قال: "فأخبرني عن ﴿فَالمُقَسِّمَاتِ أمْراً﴾ [الذاريات: ٥] ، قال: "وهي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته"، قال: "فأمر به

стр. 510

عمر فضرب مئة، وجعل في بيت فإذا برأ دُعي فضرب مئة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري حرم على الناس١ مجالسته٢، فلم يزل كذلك، حتى أتى أبا موسى، فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه، مما كان شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه: ما أخاله إلا قد صدق، فخلّ بينه وبين مجالس الناس". عن الزهري، أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد صبيغاً التميمي عن مساءلته عن حروف القرآن، حتى اضطربت الدماء في ظهره"٣.

стр. 511

وعن الحسن١ أن عمران بن حصين أحرم من البصرة فقدم على عمر فأغلظ له ونهاه عن ذلك، فقال: "يتحدث الناس أن رجلاً من أصحاب محمّد ﷺ أحرم من مصرٍ من الأمصار"٢. وعن نافع٣ أن عمر ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله٤ ثوبين ممشقين٥، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: "إنما هو طين"، فقال: "إنكم أصحاب محمّد ﷺ يقتدى بكم وينظر إليكم"٦. وذكر أبو القاسم الأصفهاني، عن أبي وائل٧، قال: كنت جالساً على كرسي شيبة بن عثمان٨ في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: "لقد هممت أن لا أدع فيه صفراء ولا بيضاء [إلا قسمتها"، فقلت: "ما كنت لتفعل"، قال:

стр. 512

"ولِمَ؟ "، قلت: "إن صاحبيك لم يفعلا"، قال: "هما المرآن أقتدي بهما"] ١٢.

стр. 513

الباب الخمسون: جمعه القرآن في المصحف ... الباب الخمسون: في جمعه القرآن في المصحف وفي الصحيح عن الزهري، أخبرني ابن السباق١، أن زيد بن ثابت الأنصاري، وكان ممن يكتب الوحي، قال: "أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة٢، وعنده عمر، فقال أبو بكر: "إن عمر أتاني فقال: "إن القتل قد استحرّ٣ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى٤ أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى٥ أن تجمع القرآن"، قال أبو بكر: "فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ "، قال عمر: "هو والله خير"، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي [رأى] ٦ عمر". فقال٧ زيد بن ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: "إنك رجل شاب عاقل [و] ٨ لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتّبع القرآن فاجمعه".

стр. 514

فوالله لو كلفوني نقل١ جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟، فقال أبو بكر: "هو والله خير". فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صَدْرِي للذي شرح الله له صَدْرِي أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من٢ الرّقاع والأكتاف، والعُسُب٣، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة / [٧٧ / ب] آيتين مع خزيمة الأنصاري٤، لم أجدهما مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩] ، إلى آخرهما. فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عمر حتى توفاه الله [ثم] ٥ عند حفصة بنت عمر"٦. وذكر ابن الجوزي عن الحسن٧، أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل عن آية في كتاب الله عزوجل فقيل: "كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: "إنا لله"، وأمر بالقرآن فجمع، فكان أول من جمعه في المصحف٨. وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: "أراد عمر بن الخطاب

стр. 515

رضي الله عنه أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئاً من القرآن فليأتنا به"، وكانوا قد كتبوا ذلك في الصحف، والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان"١. وعن عبد الله بن فضالة٢، قال: "لما أراد عمر بن الخطاب أن يكتب القرآن أقعد له نفراً من أصحابه، فقال: "إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة أهل مضر٣، فإن القرآن نزل على رجل من مضر"٤. وعن جابر بن سمرة، قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش، وغلمان ثقيف"٥. قال أسامة بن مرشد: "قد كان عمر عزم على جمع القرآن والسنة أيضاً، ثم بدأ له"٦. وروي عن عروة٧، قال: "أراد عمر أن يكتب للناس السنن، فاستخار الله

стр. 516

شهراً، ثم أصبح وقد عزم لهن فقال: "ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله عزوجل"١. وفي الصحيح عن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نَنْسَخُها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام٢، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم". ففعلوا حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفقٍ٣ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة، أو مصحف أن يحرق٤. أو قال: "يخرق"٥. وفي مسند الإمام أحمد عن عباد بن عبد الله بن الزبير٦، قال:

стр. 517

"أتى الحارث بن خَزْمة١ بهاتين الآتين من آخر براءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩] إلى عمر بن الخطاب، فقال: "من معك على هذا؟ " قال: "لا أدري، والله إني أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها"، فقال عمر: "وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ "، ثم قال: "لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها". فوضعتها في آخر براءة"٢. / [٧٨ / أ] .

стр. 518

الباب الحادي والخمسون: مكاتباته ... الباب الحادي والخمسون: في ذكر مكاتباته في الصحيح عن عمرو١، قال: "كنت جالسا مع جابر بن زيد٢ وعمرو بن أوس٣، فحدّثهما بجالة٤ سنة سبعين، عام حج مصعب بن الزبير٥ بأهل البصرة عند درج زمزم، قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية٦ عمّ الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر"٧. وفي صحيح مسلم عن أسير بن جابر٨، قال: "كان عمر إذا أتى عليه

стр. 519

أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أُويس بن عامر؟ "١، حتى أتى على أويس، فقال: "أنت أويس بن عامر؟ "، قال: "نعم". قال: "من مرادٍ ثم من قرن؟ "٢، قال: "نعم"، قال: "بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ "، قال: "نعم"، قال: (لك والدة؟ "، قال: "نعم"، قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مرُادٍ، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل"، فاستغفر لي فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟، قال: "الكوفة"، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟، قال: "أكون في غَبْرَاء٣ الناس أحب إليّ". قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر فسأله عن أويس بن عامر، قال: "تركته رثّ٤ البيت، قليل المتاع". قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ ثم من قرنٍ، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فأتى أويساً فقال: "استغفر لي"، قال: "أنت أحدث عهداً بسفرٍ صالح فاستغفر لي". [قال: "استغفر لي"، قال: "أنت أحدث عهداً بسفر صالح فاستغفر لي] ٥، قال:

стр. 520

"لقيت عمر؟ " قال: "نعم"، فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، قال أُسَيْر: وكسوته بردة، فكان كلما رآه إنسان، قال: "من أين لأويس هذه البردة؟ "١. وذكر ابن الجوزي عن أبي عثمان٢، قال: "جاءنا كتاب عمر ﵁ ونحن بأذربيجان، يا عتبة بن فرقد٣، إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ نهانا عن لبس الحرير، قال: إلا هكذا" ورفع رسول الله ﷺ إصبعيه"٤. وعن أبي عثمان النهدي: أن عمر ﵁ قال: "اتّزروا وارتدوا وانتعِلوا وألقوا الخفاف السراويلات وألقوا الرّكب، وانزوا نزواً، وعليكم بالمعدّيّة، وارموا الأغراض وذروا التنعم وزيّ العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عنه، و [قال] ٥: "لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا"، وأشا ر رسول الله ﷺ بإصبعيه"٦.

стр. 521

قوله: "اتزروا١: أي: شدّوا الأزر، وارتدوا٢: صغوا عليكم الأردية. وانتعلوا٣: ألبسوا النعال، وألقوا الخفاف٤: يعني: من الثياب. وألقوا الرّكب٥: حتى يعتادوا ركوب الخيل بغير رُكُب"٦. وقال أصحابنا: "يستحب للإنسان أن يعتاد الوثوب٧ من الأرض إلى ظهر الدابة؛ لأنه ربما حضر في الحرب وليس ما يركب به، فيفعل ذلك"٨. / [٧٨ / ب] . وقوله: "وانزوا نزواً، قال بعضهم: "ثبوا وثباً"٩، والمراد أسرعوا في المشي. وقال أصحابنا: "يستحب الإسراع في المشي بحيث لا يتعب نفسه"١٠.

стр. 522

وروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب.١ ٢ وقوله: "عليكم بالمعدية: هي لبسة خشنة نسبة إلى معد بن عدنان".٣ وعن أبي أمامة بن سهل٤ قال: "كتب عمر إلى أبي عبيدة: علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي". ٥ وعن عياض الأشعري قال: "شهدت اليرموك، قال عمر: "إذا كان قتال فعليكم بأبي عبيدة بن الجراح". قال فكتب: إليه إنه قد جاش٦ إلينا الموت، واستمددناه، فكتب: إنه قد جاءني كتابكم تستمدّونني وأنا أدلكم على من هو أعزّ نصراً وأحضر جنداً، الله عزوجل فاستنصروه، فإن محمّداً ﷺ قد نصر يوم بدر في أقل من عدّتكم، فإذا أتاكم كتابي هذا، فقاتلوهم، ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم، وقتلناهم أربعة فراسخ، وأصبنا أموالاً كثيرة"٧. وعن المثنى بن موسى بن سلمة٨ بن المُحَبَّق٩ الهذلي، عن

стр. 523

أبيه١ عن جده٢ قال: "شهدت فتح الأبلة٣، وأميرنا قطبة بن قتادة السدوسي٤، فاقتسمت الغنائم، فدفعت إليّ قِدْر من نحاس فلما صارت في يدي تبين لي أنها من ذهب، وعرف ذلك المسلمون فشكوني إلى أميرنا، فكتب إلى عمر ﵁ يخبره٥ بذلك فكتب إليه عمر ﵁: أصبر٦ يمينه إن لم يعلم أنها ذهب، إلا بعدما صارت إليه، فإن حلف فادفعها إليه، وإن أبى فاقسمها بين المسلمين، فحلف فدفعها إليه، وكان فيها أربعون ألف مثقال٧. قال جدي: "منها أموالنا التي نتوارثها إلى اليوم"٨. وعن سعيد بن أبي بردة٩، قال: "كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁: "أما بعد: فإن أسعد الرعاة١٠ من سعدت به رعيته، وإن أشقى

стр. 524

الرعاة عند الله من شقيت به رعيته، إياك أن ترتع، فيرتع عُمّالك، فيكون مثلك عند ذلك مثل البهيمة، نظرت إلى خضرةٍ من الأرض، فرعت فيها تبغي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها، والسلام"١. وعن عامر الشعبي، قال: "كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى: "من خلصت نيته كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلمه الله من قلبه شأنه الله، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام"٢. وعن أبي البختري٣: أن عمر كتب إلى أبي موسى: "لا تؤخر عمل اليوم إلى غد، فتدال عليك الأعمال فتضيع، فإن للناس نفرة عن سلطانهم، أعوذ بالله أن تدركني وإياكم ضغائن محمولة، ودنيا مؤثرة، وأهواء متّبعة"٤. وعن أبي عمران الجوني٥، "أن عمر، كتب إلى أبي موسى: "أن كاتبك الذي كتب إليّ لحن، فاضربه سوطاً"٦.

стр. 525

وعن يزيد بن أبي حبيب / [٧٩ / أ] : أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر ﵁ فكتب بسم ولم يكتب فيها سيناً، فكتب عمر إلى عمرو: أن اضربه سوطاً، فضربه، فقيل له: "فيم ضربك؟ "، قال: "في سين"١. وعن الحسن٢، قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى وهو بالبصرة: "بلغني أنك تأذن للناس جماً غفيراً، فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن، والتقوى، والدين، إذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة"٣. وعن جعفر بن بُرْقَان٤، أن عمر ﵁ كتب إلى بعض عماله وكان في آخر كتابه: "أن حاسب نفسك في الرخاء، قبل حساب الشدة، [فإنه من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة] ٥ عاد مرجعه إلى الرضا والغبطة ومن ألهته حياته، وشغلته أهواؤه، عاد أمره إلى الندامة والحسرة، فتذكر ما توعظ به، لكيما تنتهي عما تُنهى عنه، وتكون عند التذكرة والموعظة من أولي النهى"٦. وعن عروة بن رُوَيم اللخمي٧، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁

стр. 526

إلى أبي عبيدة بن الجراح كتاباً فقرأه على الناس بالجابية: "أما بعد: فإنه لم يُقِم أمرَ الله في الناس إلا حصيف العُقدة١، بعيد الغِرّة٢، لايطّلع الناس منه على عورة، ولا يحنق في الحق على جرّته٣، ولا يخاف في الله لومة لائم، والسلام عليكم"٤. وكتب عمر ﵁: "أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك٥ ونفسي فيه خيراً، ألزم خمس خصالٍ يسلم لك دينك، وتحظ بأفضل حظّك، إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيّنات العُدُول، والأيمان القاطعة، ثم أدنُ الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه، وتعاهد الغريب فإنه إذا طال حَبْسه ترك حاجته، وانصرف إلى أهله وإذا الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح، ما لم يبن لك القضاء. والسلام"٦. وعن أبي حريز الأزدي٧، قال: "كان رجل لا يزال يهدي لعمر فخذ جزور، إلى أن جاء ذات يوم بخصم، فقال: "يا أمير المؤمنين٨، اقض بيننا قضاء

стр. 527

فصلاً، كما يفصل الفخذ عن سائر الجزور". قال عمر: "فما زال يرددها عليّ حتى خفت على نفسي". فقضى عليه عمر، وكتب إلى عماله: "أما بعد، فإياكم والهدايا، فإنها من الرشا"١٢. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كنا مع عمر في مسير فأبصر رجلاً يسرع في سيره، فقال: "إن هذا الرجل يريدنا"، فأناخ ثم ذهب لحاجته، فجاء الرجل فبكى، وبكى عمر ﵁ وقال: "ما شأنك؟ "، فقال: يا أمير المؤمنين، إني شربت الخمر فضربني أبو موسى وسود وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب به أبا موسى، أو آتيك فتحولني إلى بلد لا أُعرف فيه، أو ألحق بأرض الشرك". فبكى عمر ﵁، وقال: "ما يسرني أنك لحقت بأرض الشرك، وأن لي كذا وكذا، وقال: "إن كنت مِمَّن شرب [الخمر، فلقد شرب] ٣ الناس الخمر في الجاهلية"، ثم كتب إلى أبي موسى: "إن فلاناً أتاني فذكر كذا وكذا، فإذا أتاك كتابي هذا فَمُرِ الناس أن يجالسوه، وأن يخالطوه وإن تاب فاقبل شهادته، وكساه وأمر له بمائتي درهم"٤.

стр. 528

وعن بجالة١ قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنةٍ: أن اقُتلوا كل ساحر، وربما قال: وساحرة، وفرّقوا بين كل مَحْرَمٍ من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة"٢. فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نُفَرّق / [٧٦ / ب] بين الرجل وحريمته في كتاب الله، وصنع جزء طعاماً كثيراً، وعرض السيف على فخذه ودعا٣ المجوس، فألقوا وقرَ٤ بغلٍ أو بغلتين من وَرقٍ وأكلوا بغير زمزمة، ولم يكن عمر ﵁ أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر"٥. وعن يزيد بن الأصم٦: "أن رجلاً كان ذا بأس، وكان يوفد إلى عمر لبأسه، وكان من أهل الشام، وإن عمر فقده فسأل عنه، فقيل: "يتابع في هذا الشراب"، فدعا كاتبه٧، فقال: اكتب: "من عمر إلى فلان بن فلان، سلام عليكم، فإني

стр. 529

أحمد الله إليك الذي ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيْرُ﴾ [غافر: ٣] ، ثم دعا وأمن من عنده، ودعوا له أن يُقبل لله عزوجل بقلبه١، أن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ ، [غافر: ٣] ، قد وعدني الله عزوجل أن يغفر لي، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيْدِ العِقَابِ﴾ [غافر: ٣] ، قد حذرني٢ الله من عقابه: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] ، والطول: الخير الكثير ﴿إليه المصير﴾ [غافر: ٣] ، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع، فأحسن النزع، فلما بلغ عمر ﵁ خبره، قال: "هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلّ زلّة فسددوه، ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان٣ عليه"٤. وعن عبد الرحمن بن عبد القاري٥، عن أبيه عن جده: أن عمر ابن الخطاب ﵁ كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: "أما بعد، فالزم الحقّ يبين لك الحقّ منازل الحقّ يوم لا يقضى إلا بالحق. والسلام"٦. وعن رفيع بن حزام بن معاوية٧ قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ أن أدبوا الخيل، ولا ترفعوا٨ بين ظهرانيكم الصلب،

стр. 530

ولا تجاورنكم الخنازير"١. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كتب عمر بن الخطاب ﵁: "اكتبوا عن الزاهدين في الدنيا، فإن الله عزوجل وكل بهم ملائكة واضعة أيديهم على أفواههم لا يتكلمون إلا بما هيأ الله لهم"٢. وعن أبي عبد الله بن إدريس٣، قال: "أتيت سعيد٤ بن أبي بردة، فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة٥، قال: فأخرج إليّ كُتباً فرأيت في كتاب منها: "أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ٦ بين الاثنين في مجلسك ووجهك، حتى٧ لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس وضيع، وربما قال: ضعيفٌ من عدلك، الفهمَ الفهْمَ مما يتلجْلجُ٨ في صدرك، وربما قال: في نفسك، فيشكل عليك وما لم ينزل في الكتاب، ولم تجربه السنة، فاعرف الأشباه والأمثال، ثم قِسِ الأمور بعضها ببعض، وانظر أقربها إلى الله عزوجل وأشبهها بالحقّ فاتّبعه واعمد إليه، ولا يَمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت
следующие страницы →