← Тараджим

Тараджим · id 12062

محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

ابن المبرد

Полный текст (1 019 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إلى أبي عبيدة بن الجراح كتاباً فقرأه على الناس بالجابية: "أما بعد: فإنه لم يُقِم أمرَ الله في الناس إلا حصيف العُقدة١، بعيد الغِرّة٢، لايطّلع الناس منه على عورة، ولا يحنق في الحق على جرّته٣، ولا يخاف في الله لومة لائم، والسلام عليكم"٤. وكتب عمر ﵁: "أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك٥ ونفسي فيه خيراً، ألزم خمس خصالٍ يسلم لك دينك، وتحظ بأفضل حظّك، إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيّنات العُدُول، والأيمان القاطعة، ثم أدنُ الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه، وتعاهد الغريب فإنه إذا طال حَبْسه ترك حاجته، وانصرف إلى أهله وإذا الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح، ما لم يبن لك القضاء. والسلام"٦. وعن أبي حريز الأزدي٧، قال: "كان رجل لا يزال يهدي لعمر فخذ جزور، إلى أن جاء ذات يوم بخصم، فقال: "يا أمير المؤمنين٨، اقض بيننا قضاء

стр. 527

فصلاً، كما يفصل الفخذ عن سائر الجزور". قال عمر: "فما زال يرددها عليّ حتى خفت على نفسي". فقضى عليه عمر، وكتب إلى عماله: "أما بعد، فإياكم والهدايا، فإنها من الرشا"١٢. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كنا مع عمر في مسير فأبصر رجلاً يسرع في سيره، فقال: "إن هذا الرجل يريدنا"، فأناخ ثم ذهب لحاجته، فجاء الرجل فبكى، وبكى عمر ﵁ وقال: "ما شأنك؟ "، فقال: يا أمير المؤمنين، إني شربت الخمر فضربني أبو موسى وسود وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب به أبا موسى، أو آتيك فتحولني إلى بلد لا أُعرف فيه، أو ألحق بأرض الشرك". فبكى عمر ﵁، وقال: "ما يسرني أنك لحقت بأرض الشرك، وأن لي كذا وكذا، وقال: "إن كنت مِمَّن شرب [الخمر، فلقد شرب] ٣ الناس الخمر في الجاهلية"، ثم كتب إلى أبي موسى: "إن فلاناً أتاني فذكر كذا وكذا، فإذا أتاك كتابي هذا فَمُرِ الناس أن يجالسوه، وأن يخالطوه وإن تاب فاقبل شهادته، وكساه وأمر له بمائتي درهم"٤.

стр. 528

وعن بجالة١ قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنةٍ: أن اقُتلوا كل ساحر، وربما قال: وساحرة، وفرّقوا بين كل مَحْرَمٍ من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة"٢. فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نُفَرّق / [٧٦ / ب] بين الرجل وحريمته في كتاب الله، وصنع جزء طعاماً كثيراً، وعرض السيف على فخذه ودعا٣ المجوس، فألقوا وقرَ٤ بغلٍ أو بغلتين من وَرقٍ وأكلوا بغير زمزمة، ولم يكن عمر ﵁ أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر"٥. وعن يزيد بن الأصم٦: "أن رجلاً كان ذا بأس، وكان يوفد إلى عمر لبأسه، وكان من أهل الشام، وإن عمر فقده فسأل عنه، فقيل: "يتابع في هذا الشراب"، فدعا كاتبه٧، فقال: اكتب: "من عمر إلى فلان بن فلان، سلام عليكم، فإني

стр. 529

أحمد الله إليك الذي ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيْرُ﴾ [غافر: ٣] ، ثم دعا وأمن من عنده، ودعوا له أن يُقبل لله عزوجل بقلبه١، أن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ ، [غافر: ٣] ، قد وعدني الله عزوجل أن يغفر لي، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيْدِ العِقَابِ﴾ [غافر: ٣] ، قد حذرني٢ الله من عقابه: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] ، والطول: الخير الكثير ﴿إليه المصير﴾ [غافر: ٣] ، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع، فأحسن النزع، فلما بلغ عمر ﵁ خبره، قال: "هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلّ زلّة فسددوه، ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان٣ عليه"٤. وعن عبد الرحمن بن عبد القاري٥، عن أبيه عن جده: أن عمر ابن الخطاب ﵁ كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: "أما بعد، فالزم الحقّ يبين لك الحقّ منازل الحقّ يوم لا يقضى إلا بالحق. والسلام"٦. وعن رفيع بن حزام بن معاوية٧ قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ أن أدبوا الخيل، ولا ترفعوا٨ بين ظهرانيكم الصلب،

стр. 530

ولا تجاورنكم الخنازير"١. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كتب عمر بن الخطاب ﵁: "اكتبوا عن الزاهدين في الدنيا، فإن الله عزوجل وكل بهم ملائكة واضعة أيديهم على أفواههم لا يتكلمون إلا بما هيأ الله لهم"٢. وعن أبي عبد الله بن إدريس٣، قال: "أتيت سعيد٤ بن أبي بردة، فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة٥، قال: فأخرج إليّ كُتباً فرأيت في كتاب منها: "أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ٦ بين الاثنين في مجلسك ووجهك، حتى٧ لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس وضيع، وربما قال: ضعيفٌ من عدلك، الفهمَ الفهْمَ مما يتلجْلجُ٨ في صدرك، وربما قال: في نفسك، فيشكل عليك وما لم ينزل في الكتاب، ولم تجربه السنة، فاعرف الأشباه والأمثال، ثم قِسِ الأمور بعضها ببعض، وانظر أقربها إلى الله عزوجل وأشبهها بالحقّ فاتّبعه واعمد إليه، ولا يَمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت

стр. 531

فيه نفسك، وهُديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد، أو مُجرّباً عليه شهادة زور أو ظنيناً١ في ولاء أو قرابة، اجعل لمن ادعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه / [٨٠ / أ] أو بيّنة عادلة، فإنه أثبت في الحجّة، وأبلغ في العذر، فإن أحضر بيّنة إلى ذلك الأجل أخذ بحقّه، وإلا وجهت عليه القضاء. البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر. إن الله تولى منكم السّرائر، ودرأ عنكم الشُّبهات، وإياك والقلق٢ والضجر، والتأذي بالناس، والتنكّر٣ للخصم في مجالس القضاء التي يوجب الله تعالى بها الأجر، ويحسن فيها الذّخر، من خلصت نيته فيما بينه وبين الله عزوجل كفاه ما بينه وبين الناس، والصلح جائز بين الناس إلا صلحاً أحلّ حراماً٤، أو حرّم حلالاً، ومن تزين للناس بما يعلم الله عزوجل غير ذلك شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله٥ في عاجل وآجل آخره"٦.

стр. 532

وعن أبي عِمران الجوني قال: "كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: أنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم للناس، فأكرم وجوه الناس، فيستحيي المسلم الضعيف من العدل والقسمة"١. وفي فوائد أبي القاسم تمام الرازي٢: "وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى معاوية: "ألا لا إمرة لك على عبادة٣، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمير يعني عبادة"٤. وفي صحيح البخاري عن أبي عثمان٥ قال: كنا مع عتبة٦ فكتب إليه عمر ﵁: "إن النبي ﷺ قال: "لا يلبس أحد٧ الحرير في الدنيا إلا لم يلبس٨ في الآخرة منه" ٩.

стр. 533

وفي رواية: أتانا كتاب١ عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان: أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وأشار بإصبعيه اللتين تليانالإبهام، قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام٢٣. وفي رواية: أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وصفّ لنا النبي ﷺ إصبعيه، ورفع زهير٤ الوُسطى والسّبّابة٥. وفي "مسند" الإمام أحمد عن أبي أمامة بن سهل، قال: "كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح، أن علموا غلمانكم العومَ، ومُقاتلتكم الرومي، فكانوا يختلفون إلى الأغراض٦، فجاء بينهم سَهْمٌ غربٌ٧ إلى غلام فقتله، فلم يوجد له أصل، وكان في حجر خاله، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر: [إلى من أدفع عقله٨؟] "٩، فكتب إليه عمر: إن رسول الله ﷺ كان يقول: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له" ١٠.

стр. 534

فصل قال أصحابنا: "لا بأس بالمراسلة ويستحب التحري في كتابتها لطريق / [٨٠ / ب] ١ السلف، وأن يبدأ فيها ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وبحمد الله، ويصلي على النبي ﷺ ثم يسلم على من كتب إليه، ويخبره بقصده، ويكره أن يكتب يُقبل الأرض، ذكره جماعة"٢. قال شيخنا الشيخ زين الدين الحبال٣ ﵀: "لأنه إن قبل الأرض فقد فعل منهياً عنه، وإن لم يقبله فقد كذب"٤. وينبغي أن يوصي من كتب إليه بتقوى الله، والخير، ويرغبه في الطاعة، ويكتب بعد الحمد والصلاة على النبي ﷺ أما بعد٥، ويشرع ختم الكتاب٦، ولا ينبغي لمن أرسل معه أن يقرأه، ولا يفضه، لأنه ربما يكون فيه سرّ، وينبغي أن يبيّن ممن هو، نحو قوله: من فلان٧، أو يكتب اسمه فيه، فإن النبي ﷺ كان يكتب: من محمّد رسول الله

стр. 535

إلى فلان، ويكره أن يكتب يقبل الأيادي، لأنه كذب، وقد ذكر عن الحافظ إبراهيم المقدسي (المعروف بالعِماد) ١ أن رجلاً قال له: "ولدي يقبل يدك"، فقال له: "لا تكذب"٢. ويجوز الكتاب إلى الكفار٣، ويكتب من القرآن الآية نحو: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، و ﴿الحَمْدُ لله﴾ ، ونحو: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلْمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٦٤] ، ونحو ذلك، لأن النبي ﷺ فعل ذلك٤. وفي (الموطّأ) عن عبد الله بن دينار٥، أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، لعبد الله بن عبد الملك٦ أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله لا إله إلا هو، وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سنة الله ورسوله فيما استطعت"٧. / [٨١ / أ] .

стр. 536

الباب الثاني والخمسون: زهده ... الباب الثاني والخمسون: في ذكر زهده عن مجاهد١ قال: قال عمر ﵁: "وجدنا خير عيشنا الصبر"٢، ٣. وعن الأحوص بن حكيم٤ عن أبيه٥ قال: "أُتي عمر بن الخطاب ﵁ بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: "كل واحد منهما أدم"٦. قال ابن سعد: "قال ابن عمر: "كان أبي لا يتزوج النساء لشهوة إلا طلب الولد"٧. وعن الحسن٨ قال: "ما ادَّهنَ عمر ﵁ حتى قتل إلا بسمن أو إهالة٩ وزيت"١٠، يريد أنه لم يَدَّهِن بطيب١١.

стр. 537

وعن حبيب١ بن أبي ثابت عن عمر ﵁ قال: "قدم علينا ناس من أهل العراق منهم جرير بن عبد الله٢، قال: فأتاهم بجفنة٣ قد صنعت بخبز وزيت، "فأخذوا أخذاً ضعيفاً، فقال لهم: "قد أرى ما تقرمون٤، فأي شيء تريدون؟، أحلواً أو حامضاً أو بارداً٥، ثم قذفاً في البطون"٦. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى٧ قال: "قدم على عمر ﵁ ناس من قراء العراق، فرأى كأنهم يأكلون تعذيراً، فقال: "ما هذا يا أهل العراق؟ ولو شئت أن نُدُهْمَقَ٨ لكم لفعلت، ولكنا نستقبِي من دنيانا ما نجده لآخرتنا أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ

стр. 538

الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . الآية١. وعن سالم بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب كان يقول: "والله ما نعبأ بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى أن تسمط٢ لنا، ونأمر بلبابه٣ الخبر فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الأسعان٤٥ حتى إذا صار مثل عين اليعقوب٦ أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيّباتنا؛ لأنا سمعنا الله يقول: ﴿أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ، [الأحقاف: ٢٠] . الآية٧. وعن الحسن٨ ﵀ أن عمر - رضوان الله عليه - قال: "والله إني لو شئت كنت ألينكم طعاماً وأرقّكم عيشاً، إني والله ما أجهل عن كُرَاكِرَ وأَسْنِمة٩، وعن صلاء١٠، وصناب١١، وصلائق١٢، ولكني

стр. 539

سمعت الله١ عيّر قوماً بأمر فعلوه [فقال] ٢: ﴿أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] ٣. وعن خلف بن حوشب٤، أن عمر ﵁ قال: "نظرت في هذا الأمر، فجعلت إن أردت٥ الدنيا، أضرّ بالآخرة، وإن أردت الآخرة، أضرّ بالدنيا، فإن كان الأمر هكذا، فأضرّ بالفانية"٦. وعن الحسن٧ قال: "خطب عمر الناس، وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة"٨. وعن أنس٩ ﵁ قال: "نظرت في قميص عمر ﵁

стр. 540

فإذا بين كتفيه أربع رقاع لا يشبه بعضها بعضاً"١. وعن أنس٢ قال: "كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وعليه قميص فيه أربع رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس: ٣١] ، ثم قال: ما الأبّ؟ ٣، ثم قال: إن هذا لهو التكلف، وما عليك أن لا تدري ما الأبّ"٤. وعن أبي عثمان النهدي، قال: "رأيت عمر قد رقع / [٨١ / ب] إزاره بقطعة من أدمٍ"٥. وعنه قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يطوف بالبيت، وعليه إزار، عليه٦ اثنتا عشرة رقعة، إحداهن بأدم أحمر"٧. قال عبد العزيز بن أبي جميلة٨: "أبطأ عمر ﵁ جمعة بالصلاة، فخرج فلما صعد المنبر، اعتذر إلى الناس، قال: "إنما حبسني قميصي هذا، لم يكن لي قميص غيره". كان يخاط [له] ٩ أبيض سُنْبلاني١٠ لا يجاوزكمه

стр. 541

رسغ١ كفيه"٢. وعن قتادة٣، أن عمر بن الخطاب ﵁ أبطأ على الناس يوم الجمعة، قال: ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: "إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يغسل، ولم يكن لي ثوب غيره"٤. وعن زيد بن وهب قال: "رأيت عمر بن الخطاب خرج إلى السوق، وبيده الدّرّة، وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها من أدم"٥. وعن عبد الله بن عمر أنه رأى عمر ﵄ يرمي الجمرة، وعليه إزار، فيه اثنتا عشرة رقعة، بعضها من أدم، وإن منها ما قد خيط بعضه على بعض، إذا قعد ثم قام، انتخل منه التراب"٦. وعن أبي محصن الطائي٧، قال: "صلى بنا عمر ﵁ وعليه

стр. 542

إزار فيه رقاع بعضاً من أدم وهو أمير المؤمنين"١. وعن نافع قال: "سمعت ابن عمر يقول: "والله ما شمل النبي ﷺ في بيته، ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبو بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني كنت أرى كساهم إذا أحرموا كان لكل واحد منهم ميرز مشتمل، لعلها كلها بثمن درع أحدكم، والله لقد رأيت النبي ﷺ يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباء، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم، وهو أمير المؤمنين، وإني أعرف في وقتي من يجيز بالمئة ولو شئت قلت: ألفاً". وعن أسلم قال: "أصاب الناس سنة غلا فيها السمن، فكان عمر ﵁ يأكل الزيت، فتقَرْقِر٢ بطنه، فيقول: "قرقر٣ ما شئت، فوالله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس، ثم قال: اكسر عني حره بالنار"، فكنت أطبخه له فيأكله"٤. وعن أنس٥ قال: "تقرقر بطن عمر عام الرّمادة، فكان يأكل الزيت، وكان قد حرّم على نفسه السمن، قال: "فنقر بطنه بإصبعه، وقال: تقرقر إنه ليس عندنا غيره حتى يحيى الناس"٦.

стр. 543

وعن الحسن١ قال: قال عمر ﵁: "والله لا تنخل الدقيق"٢. وعن يسار بن نمير٣ قال: "والله ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاص"٤. وعن أبي أمامة٥ قال: "بينا عمر ﵁ في أصحابه إذ أتى بقيمص له / [٨٢ / أ] كرابيس٦ فلبسه فما جاوز تراقيه٧ حتى قال: "الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي". ثم أقبل على القوم، فقال: "هل تدرون لم قلت: هؤلاء الكلمات؟ "، قالوا: "لا، إلا أن تخبرنا"، قال: "فإني شهدت رسول الله ﷺ ذات يوم وقد أتي بثياب له جدد فلبسها، ثم قال: "الحمد لله الذي كساني ما أواري عورتي، وأتجمل به في حياتي"، ثم قال: "والذي بعثني بالحق ما من عبد مسلم كساه الله ثياباً جدداً فعمد إلى شيء من أخلاق ثيابه٨، وكساه عبداً مسلماً مسكيناً،

стр. 544

لا يكسوه إلا لله عزوجل إلا كان في جوار الله، وفي ضمان الله، ما كان عليه منها سلك حيّاً وميّتاً حيّاً وميّتاً". قال: ثم مدّ عمر كمّ قميصه فوجد فيه فضلاً عن أصابعه، فقال لعبد الله بن عمر: "أي بني هات الشَّفْرَة أو المدية"١، فقام فجاء بها فمدّ عمر كم قميصه، فنظر ما فضل عن أصابعه، فقدّه، قال أبو أمامة قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا نأتي بخياط فيكفّ هدبه؟، قال: "لا". قال أبو أمامة: فلقد رأيت عمر بعد ذلك وإن هدب ذلك القميص لمنتشر على أصابعه، ما يكفه"٢. وعن [عبد الله بن] ٣ عامر بن ربيعة٤، قال: "خرجت مع عمر ابن الخطاب ﵁ حاجاً من المدينة إلى مكّة، إلى أن رجعنا، فما ضرب له فسطاطاً٥، ولا خباء، كان يلقي الكساء٦ والنطع٧ على الشجرة فيستظل تحته"٨.

стр. 545

وعن عبد الله بن عمر قال: "لبس عمر قميصاً جديداً ثم دعاني بشفرة فقال: "مدّ يا بني كم قميصي، وألصق يديك بأطراف أصابعي، ثم اقطع ما فضل عنها". قال: فقطعت الكمين من جانبيه جميعاً، فصار فم الكم بعضه فوق بعض، فقلت١: يا أبت لو سويته بالمقص، قال: "دعه، هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل". فما زال عليه حتى تقطع، وكان ربما رأيت الخيوط تساقط على قدميه"٢. وعن العلاء بن أبي عائشة٣، أن عمر ﵁ دعا حلاقاً فحلقه بموس - يعني جسده - فاستشر له الناس، فقال: "إن هذا ليس من السنة، ولكن النورة٤ من النعيم، فكرهتها"٥. وعن الحسن٦: أن عمر ﵁ أتي بشربة عسل، فذاقها، فإذا ماء وعسل، فقال: "اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مؤنتها"٧.

стр. 546

وعن حميد بن هلال١ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "والذي نفسي بيده لولا تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم"٢. وعن يحيى بن وَثَّاب٣ قال: "أمر عمر ﵁ غلاماً٤ له أن يعمل عَصِيدَة٥ بزيت، وقال: "أنضج كيْ تذهب حرارة الزيت، فإن ناساً تعجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا"٦. وعن الحسن٧ قال: "ما أكل عمر ﵁ إلا معلوثاً٨ بشعير حتى لحق الله عزوجل وكان بطنه ربما قرقر فيضربه بيده ويقول: "اصبر فوالله ما عندي إلا ما ترى حتى تلحق بالله"٩. وعن أبي عمران الجوني ﵀ قال: "قال عمر بن الخطاب: لنحن أعلم بلين الطعام / [٨٢ / ب] من كثير من آكيله، ولكنا ندعه ليوم ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كلُّ مُرْضِعَةٍ عمَّا أَرْضَعَتْ وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحجّ: ٢] ، قال أبو

стр. 547

عمران: والله ما كان يصيب من الطعام هو وأهله إلا تقوتاً"١. وعن عاصم بن محمّد العُمري٢ عن أبيه٣ قال: "دخل عمر بن الخطاب ﵁ وقد أصابه الغُرَثُ، فقال: "عندكم شيء؟ "، فقالت امرأته: "تحت السّرير"، فتناول قناعاً فيه تمر، فأكل ثم شرب الماء، ثم مسح بطنه، ثم قال: "ويح لمن أدخله بطنه النار". الغَرَثُ: الجوعُ٤. قال حسان٥: حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَانُ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبحُ غَرْثى من لُحوم الغَوافِل٦ أي: جائعه٧. وعن عمرو٨ بن البختري٩، قال: قال عمر ﵁ لأصحابه: "لولا مخافة الحساب غداً؛ لأمرت بحمل١٠ يشوي لنا في التّنور"١١. وعن نافع١٢ عن ابن عباس - وكان يحضر طعام عمر - قال: "كانت له

стр. 548

كلّ يوم إحدى عشرة لقمة، إلى مثلها من الغد"١. وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: قالت حفصة بنت عمر لعمر: "يا أمير المؤمنين [لو لبست] ٢ ثوباً هو ألين من ثوبك هذا٣، وأكلت طعاماً هو ألين وأطيب من طعامك، فقد وسع الله من الرزق، وأكثر من الخير"، فقال: "إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله ﷺ يلقى من العيش؟ "، فما زال يذكرها حتى أبكاها، فقال لها: "أما والله إن قلت ذاك لمكاني، والله إن استطعت لأشاركنهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معها عيشهما الرخي"٤. وعن الحسن٥ أنّ ناساً كلموا حفصة فقالوا لها: "لو كلمت أباك في أن يلين

стр. 549

من عيشه"، فجاءته فقالت: "يا أبتاه١، [أ] ٢ ويا أمير المؤمنين، إن ناساً من قومك، كلّموني في أن أكلمك في أن تلين من عيشك"، فقال لها: "يا بنية غششت أباك ونصحت لقومك"٣. وعن سالم بن عبد الله٤ قال: "لما ولّي عمر ﵁ قعد على رزق أبي بكر ﵁ الذي كانوا فرضوا له، كان بذلك فاشتدت حاجته، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين فيهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير ﵃ فقالوا: "لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه". فقال عليّ: "وددْنا أنه فعل ذلك، فانطلقوا بنا"، فقال عثمان: "إنه عمر فهلموا فنسبر٥ ما عنده من وراء وراء، نأتي حفصة فنكلمها ونستكتمها أسماءنا". فدخلوا عليها وسألوها أن تخبر بالخبر عن نفرٍ، ولا تسمى أحداً إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها، فلقيت عمر ﵁ في ذلك، فعرفت٦ الغضب في وجهه، فقال: "من هؤلاء؟ "، / [٨٣ / أ] قالت: "لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم ما رأيك؟ "، فقال: لو علمت من هم لسودت وجوههم، أنت بيني وبينهم، أناشدكِ بالله ما أفضل ما اقتنى رسول الله ﷺ في بيتكِ من الملبس؟ "، قالت: "ثوبين مُمَشَّقَين كان يلبسُهما للوفد ويخطب فيهما للجُمَعِ".

стр. 550

قال: "فأي طعام ناله عندكِ أرفع؟ "، قالت: "خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا، فجعلناها هشة١ دسماءَ حلوةً، فأكل منها، وتطعِم منها٢ استطابة لها. قال: "فأي مبسط عندك كان أوطأ؟ "، قالت: "كساءٌُ لنا ثخينٌ كنا نربعه في الصيف فنجعله ثخيناً، فإذا كان الشتاء ابتسطنا نصفه، وتدثرنا نصفه". قال: "يا حفصة، فأبلغيهم عني أن رسول الله ﷺ قدّر فوضع الفضول مواضِعها، وتبلغ بالتزجية٣، وإنما مثلي، ومثل صاحبي كثلاثة نفر سلكوا طريقاً فمضى الأوّل، وقد تزود زاداً فبلغ، ثم تبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم تبعهما الثالث فإن لزِم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما أبداً"٤. وعن الربيع بن زياد قال: "قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ في وفد من العراق، فأمر لكل رجل منا بعباء عباء، فأرسلت إليه حفصة ﵂ فقالت: "يا أمير المؤمنين، أتاك ألباب٥ العراق، ووجوه الناس، فأحسن كرامتهم"، فقال: "ما أزيدهم على العباء، يا حفصة أخبريني بألين فراشٍ فرشت لرسول الله ﷺ وأطيب طعام أكل عندكِ"، فقالت: "كان لنا كساء، من هذه الملبدة، أصبناه يوم خيبر، فكنت أفرشه لرسول الله ﷺ [كلّ] ٦ ليلة

стр. 551

وينام عليه، وإني ربعته ذات ليلة، فلما أصبح قال: "ياحفصة أعيديه لمرته الأولى، فإنه منعتني وطأته البارحة من الصلاة"، قال: "وكان لي صاع من سلت - يعني: من حنطة رديئة١ - وإني نخلته ذات يوم، وطحنته لرسول الله ﷺ فكان لنا قعب٢ من سمن فصببت عليه، فبينا رسول الله ﷺ يأكل إذ دخل أبو الدّرداء٣، فقال: إني أرى سمنكم قليلاً، وعندنا قعب من سمن". فأرسل إليه أبو الدرداء، فصبّ عليه، فأكلا، فقالت حفصة: "فهذا ألين فراش فرشته لرسول الله ﷺ وهذا أطيب طعام أكله". فأرسل عمر عينيه بالبكاء، وقال: "والله لا أزيدهم على العباء شيئاً، وهذا طعام رسول الله ﷺ وهذا فراشه"٤. وعن حذيفة٥ ﵁ قال: "أقبلت فإذا الناس بين أيديهم القصاع٦، فدعاني عمر ﵁ فأتيته فدعا بخبز غليظ، وزيت، فقلت له: "أمنعتني أن آكل الخبز واللحم، ودعوتني على هذا؟ "، قال: "إنما دعوتك على طعامي، فأما هذا فطعام المسلمين"٧.

стр. 552

وعن أبي أمامة١ ﵁ قال: بينا نحن عند عمر بن الخطاب ﵁ وهو يجول في سكك المدينة، ومعنا الأشعث بن قيس٢، فأدرك عمر الأعياء، فقعد، وقعد إلى جنبه الأشعث بن قيس، وقد أتي عمر بِمِرْجَلٍ٣ فيه / [/ ٨٣ / ب] لحم، فجعل يأخذ منه فينهشه فينضح على الأشعث بن قيس، فقال الأشعث: "يا أمير المؤمنين، لو أمرت بشيء من سمن فصُب على هذا اللحم، ثم طبخ حتى يبلغ أناته، كان ألين له"، فرفع عمر يده فضرب بها صدر الأشعث بن قيس، ثم قال: "أدمان في أدم؟ كلا! إني لقيت صحابي، وصحبته، فأخاف إن خالفتهما يخالف بي عنهما، فلا أُنْزل معهما حيث يُنْزلان"٤. وعن ثابت٥ قال: "اشتهى عمر ﵁ الشّراب فأتي بشربة من عسل، فجعل يدير الأناء في كفّه فيقول: "أشربها وتذهب حلاوتها، وتبقى مراراتها"، ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها"٦. وعن الأحنف بن قيس، قال: "خرجنا مع أبي موسى الأشعري وفوداً إلى عمر بن الخطاب ﵁ وكان لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يوماً بلبن وسمن، ويوماً بلحم، ويوماً بزيت، فجعل القوم يعذرون، فقال عمر: "والله

стр. 553

إني لأرى تعذيركم وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كرَاكرَ، وأَسْنِمة وصَلاء، وصنابٍ، وصَلائِق، ولكني أستبقي حسناتي، إن الله عزوجل ذكر قوماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا واسْتَمْتَعْتُم بهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية١. وعن محمّد بن قيس٢ قال: "دخل ناس على حفصة بنت عمر ﵄ فقالوا: "إن أمير المؤمنين قد بدا عِلباءُ٣ رقبته من الهزال، فلو كَلَّمتِهِ أن يأكل طعاماً هو ألين من طعامه، ويلبس ثياباً ألين من ثيابه، فقد رأينا إزاره مرقعاً برقع غير ثوبه، ويتخذ فراشاً ألين من فراشه، فقد أوسع الله على المسلمين فيكون ذلك أقوى على أمرهم"، فبعثوا إليه حفصة فذكرت ذلك له، فقال: "أخبريني بألين فراش فرشته لرسول الله قط"، قالت: "عباه كنا نثنيها٤ له باثنين، فلما غلظت عليه جعلتها له بأربعة"، قال: "فأخبريني بأجود ثوب لبسه؟ "، قالت: "نَمِرَةٌ٥ صبغناها له، فرآها إنسان، فقال: أكسنيها يا رسول الله فأعطاه إياه"، فقال: "ايتوني بمِقناع٦ من تمر"، فأمرهم فنَزعوا نواه، ثم قال: "انزعوا تفاريقه"، ففعلوا ثم أكله كله، فقال: "تروني لا أشتهي الطعام إني لآكل السمن، وعندي

стр. 554

اللحم، وآكل الزيت وعندي السمن، وآكل الملح وعندي الزيت، وآكل البحث١ وعندي الملح، ولكن صاحباي سلكا طريقاً فأخاف أن أخالفهما فيخالف بيَ"٢. قال سفيان٣: "كان عمر ﵁ يشتهي الشيء لعلّه يكون ثمن درهم فيؤخره سنة"٤. وعن العُتْبيّ٥: "بُعث إلى عمر ﵁ بحلل فقسمها٦ فأصاب كل رجل منا٧ ثوب ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان فقال: "أيها الناس ألا تستمعون؟ "، فقال سلمان٨ ﵁: "لا نسمع". فقال عمر: "ولِمَ يا أبا عبد الله؟ "، قال: "إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة"، فقال: "لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى عبد الله فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر"، فقال: "لبيك يا أمير المؤمنين"، قال: الثوب الذي اتزرت٩ به هو ثوبك؟ " قال: "اللهم نعم". فقال سلمان: "الآن فقل نسمع"١٠.

стр. 555

وعن أبي عثمان١، قال: "لما قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أتي بالخبِيصِ٢، فلما أكله وجد شيئاً حلواً طيباً فقال "والله لو صنعت لأمير المؤمنين من هذا" فجعل له سفطين عظيمين٣، ثم حملهما على بعير مع رجلين، فسرح / [٨٤ / أ] بهما إلى عمر ﵁ فلما قدما عليه فتحهما، قال: "أي شيء هذا"؟ قالوا: "خبيص" فذاقه فإذا شيء حلو، فقال للرسول: "أَكُلُّ المسلمين٤ شبع من هذا في رحالهم"؟ قال: "لا" قال: "أما لا، فارددهما" ثم كتب إليه أما بعد: فإنه ليس من كدّك ولا كدّ أمك أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك"٥. قال عتبة بن فرقد: "قدمت على عمر ﵁ بسلال خبيص عظام، ما آلو٦ أن أحسن وأجيد، فقال: "ما هذه"؟ قلت: طعام أتيتك به، لأنك تقضى حاجات الناس أول النهار، فأحببت إذا رجعت أن ترجع إلى طعام فتصيب منه، فيقويك، قال: فكشف عن سلة منها، فقال: "عزمت عليك يا عتبة إذا رجعت إلا رزقت كل رجل من المسلمين منه" فقلت٧: والذي يصلحك يا أمير

стр. 556

المؤمنين لو أنفقت مال قيس١ كلها ما وسع ذلك، قال: "فلا حاجة لي منه" ثم دعا بقصعة من خبر جريش، ولحم غليظ، وهو يأكل معي أكلاً شهياً٢، فجعلت أهوى إلى البضعة٣ البيضاء أحسبها سناما فإذا هي عصبة، والبضعة من اللحم أمضغها فلا أسيغها فإذا غفل عني جعلتها بين الخوان٤ والقصعة، ثم دعا بعس من نبيذ قد كاد يكون خلا، فقال: "اشرب" فأخذته وما أكاد أسيغه ثم أخذه فشرب، ثم قال: "اسمع يا عتبة إننا ننحر كل يوم جزورا فأما ودكها، وأطايبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين، وأما عنقها فلآل عمر نأكل هذا اللحم الغليظ، ونشرب هذا النبيذ الشديد، يقطعه٥ في بطوننا أن يؤذينا"٦. وعن عتبة بن فرقد السلمي قال: "قدمت على عمر ﵁ وكان ينحر جزورا كل يوم، أطيبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، ويأمر بالعنق والعلباء فيأكله هو، وأهله، فدعا بطعام فأتى به فإذا خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: "كل" فجعلت آخذ البضعة فألوكها فلا أسيغها، فنظرت فإذا بضعة بيضاء ظننتها من السنام، فأخذتها فإذا هي من علباء العنق،

стр. 557

وإني إن سلكت غير طريقهما سلك بيَ غير طريقهما، وإني / [٨٤ / ب] ، والله لأشركنهما في مثل عيشهما الشديد، لعلّي أدرك معهما عيشهما الرخي. يعني بصاحبيه١: النبي ﷺ وأبا بكر ﵁"٢. وعن أشياخ من الأنصار، قالوا: "أتانا عمر بن الخطاب بقباء، فأُتي بشربة من عسل، فقال: "إيتني بشربة هي أهون عليّ في المسألة من هذه يوم القيامة"٣. وعن أنس٤ قال: "صليت إلى جنب عمر بن الخطاب ﵁ عام الرّمادة؛ وكان عام قحط، فتقرقر بطنه، فقال لبطنه: اسكن فوالله ما لك عندنا غير هذا، حتى يحيى الناس، وكان يأكل الزيت"٥. قال ابن أبي نجيح٦: "كان لعمر كل شهر ثلاثة دراهم لحم"٧. وعن الأشهب٨ عمن٩ ذكره قال: "مرّ عمر ﵁ على مزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذوا بها، فقال: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها، وتبكون عليها"١٠.

стр. 558

وفي (مسند) الإمام أحمد عن عليّ ﵁ قال: "قيل يا رسول الله، من نؤمر بعدك؟ "، قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً، زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويّاً أميناً زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عثمان تجدوه قويّاً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليّاً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم"١. قال ابن الجوزي: "نبذ الدنيا من وراء ظهره، فتخفف من الأثقال لأجل السباق، كان يخطب وفي إزاره ثنتا عشرة رقعة، كفّ كفّه عن المال زاهداً فيه، حتى أَمْلَقَ أهلُه. رأى يوماً صبية تمشي في السُّوق، والريحُ تلقيها لضعفها، فقال: "من يعرف هذه؟ "، فقال ابنه عبد الله: "هذه إحدى بناتك"، قال: "أي بناتي؟ "، قال: "بنت عبد الله بن عمر"، قال: "فما بلغ بها ما أرى؟ "، قال: "إمساكك ما عندك"، قال: "إمساكي ما عندي يمنعك أن تطلب لبناتك ما يطلب الناس، أما والله ما لك عندي إلا سَهْمك مع المسلمين وَسِعك أو عجزَ عنك، بيني وبينكم كتاب الله"٢. وقد أنشد فيه: عفَّ عن الدّنيا وقد تزخرفت ... مُمْكنةً وعافَها وقد قدر

стр. 559

مُحَكَّم في النّاس يقضي بينهم ... بمحكم الآي ومَنْصوص السُّوَر حدَّثْت عنه مثلَ ما تحدّثت عن ... كرم١ الأغصان حَلْوَاءُ الثّمر٢/ [٨٥ / أ] .

стр. 560

الباب الثالث والخمسون: تواضعه ... الباب الثالث والخمسون: في ذكر تواضعه ذكر ابن الجوزي عن جبير بن نُفير١، أن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: "ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقولَ بالحقّ ولا أشدّ على المنافقين منك يا أمير٢ المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله، فقال عوف بن مالك٣: "كذتم - والله - لقد رأينا بعد رسول الله ﷺ ، [فقال: "من هو؟ "، فقال: "أبو بكر"] ٤ فقال عمر: "صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي"، - يعني: قبل أن يسلم -، لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين"٥. وعن مُجالد بن سعيد قال: "لما أتى عمر ﵁ [الخبر] ٦ بنزول رستم القادسية، كان يستخبر الركبان عن أهل القادسية منذ حين يُصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله، فلما لقيه البشير، سأله من أين جاء؟ فأخبره، فقال: "يا عبد الله حدّثني"، قال: "هزم الله العدوّ"، وعمر ﵁ يخُبّ٧ معه

стр. 561

ويستخبره، والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه حتى١ دخل المدينة فإذا الناس يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال الرجل: "فهلاّ أخبرتي - رحمك الله - أنك أمير المؤمنين، وجعل عمر يقول: "لا عليك يا أخي"٢. وعن عبد الله بن مصعب٣ قال: "قال عمر ﵁: "لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية٤، وإن كانت بنت ذي الغُصّة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي٥ - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة من صفّ النساء طويلة، في أنفها فَطْسٌ٦: "ما ذاك لك"، قال: "ولم؟ " قالت: "لأن الله تعالى يقول: ﴿وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ " [النساء: ٢٠] ، فقال عمر ﵁: "امرأة أصابت ورجل أخطأ"٧. وعن مسروق٨ بن الأجدع٩ قال: "ركب عمر

стр. 562

رضي الله عنه منبر رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال: "أيها الناس ما إكثاركم في صَدُقات النساء فقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه [يقللون] ١ وإنما الصَّدقُات ما بين أربع مئة درهم فما دون، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى، أو تكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفَنْ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم". ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: "يا أمير المؤمنين، أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم؟ "، قال٢: "وما ذاك؟ ". قالت: "أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ "، قال: "وأي ذلك؟ "، قالت: "أو ما سمعت الله يقول: ﴿وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ " [النساء: ٢٠] ، فقال: "اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر"، ثم رجع فركب المنبر، فقال: "أيا الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ وطابت به نفسه فليفعل"٣. وعن أبي الغالية الشامي٤ قال: "قدم عمر ﵁ الجابية على جمل أورق٥، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق٦ رجلاه

стр. 563

بين شعبتي رحله بلا ركاب، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، عليه قميص من كرابيس١، قد دسم وتخرق جبيه، / [٨٥ / ب] فقال: "ادعوا لي رأس القرية"، فدعوا له الجلموس٢، فقال: "غاسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصاً، أو ثوباً". فأتي بمقيص كتان٣، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: "كتان"، قال: "وما الكتّان؟ "، فأخبروه، فنزع قميصه فغُسل، ورقع، وأتي به، فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له الجلموس: "أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل". فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة، [لا سرج] ٤ ولا رحل وركبه، فقال: "احبسوا احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين قبل هذا"، فأتي بجملة فركبه"٥. وعن هشام بن عروة عن أبيه،٦ قال: "قدم عمر ﵁ الشام، فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: "أين أخي؟ "، قالوا: "من؟ "، قال: "أبو عبيدة بن الجراح"، قالوا: "يأتيك الآن"، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، فسأله، ثم قال للناس: "انصرفوا عنا"، فسار معه

стр. 564

حتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه، وترسه، ورحله، قال له عمر: "لو اتخذت متاعاً؟ "، أو قال: "شيئاً؟ "، فقال أبو عبيدة ﵁: "يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل"١. وعن طارق بن شهاب قال: "لما قدم عمر ﵁ الشام عرضَت له مخاضة، فنزل عن بعيره، وقلع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض عمر الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة ﵁: "قد صنعت صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض كذا وكذا"، قال: فصك في صدره، وقال: "أوهْ٢ لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقر الناس، وأقلَّ الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزّةَ بغير الله يذلكم الله"٣. وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن طارق٤ بن شهاب قال: "قدم عمر الشام فتلقته الجنود، وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس٥ راحلته، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود، والبطارقة وأنت على حالك هذه؟! "، فقال: "إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّة بغيره"٦.

стр. 565

وعن أسلم مولى عمر ﵁ أنه كان مع عمر ﵁ وهو يريد الشام، حتى إذا دنا من الشام، أناخ عمر، وذهب لحاجة له، قال أسلم: "فطرحت فروتي بين شعبتي رحلي، فلما خرج عمر عمد إلى بعير أسلم فركبه على الفور، وركب بعير عمر فخرجا يسيران، حتى لقيهما أهل الأرض، قال أسلم: فلما دنوا منا أشرت لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدّثون بينهم، فقال عمر: "تطمح أبصارهم إلى١ مراكب من لا خلاق له، كأن عمر [يريد] ٢ مراكب العجم"٣. وعن إسماعيل٤ عن٥ قيس٦ قال: "لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: "يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً يلقاك عظماء الناس ووجوههم؟ "، فقال: "لا أراكم٧ ههنا، [إنما الأمر من ههنا] ٨". وأشار بيده
следующие страницы →