ويستخبره، والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه حتى١ دخل المدينة فإذا الناس يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال الرجل: "فهلاّ أخبرتي - رحمك الله - أنك أمير المؤمنين، وجعل عمر يقول: "لا عليك يا أخي"٢.
وعن عبد الله بن مصعب٣ قال: "قال عمر ﵁: "لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية٤، وإن كانت بنت ذي الغُصّة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي٥ - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة من صفّ النساء طويلة، في أنفها فَطْسٌ٦: "ما ذاك لك"، قال: "ولم؟ " قالت: "لأن الله تعالى يقول: ﴿وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ " [النساء: ٢٠] ، فقال عمر ﵁: "امرأة أصابت ورجل أخطأ"٧.
وعن مسروق٨ بن الأجدع٩ قال: "ركب عمر
стр. 562
رضي الله عنه منبر رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال: "أيها الناس ما إكثاركم في صَدُقات النساء فقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه [يقللون] ١ وإنما الصَّدقُات ما بين أربع مئة درهم فما دون، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى، أو تكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفَنْ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم".
ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: "يا أمير المؤمنين، أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم؟ "، قال٢: "وما ذاك؟ ". قالت: "أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ "، قال: "وأي ذلك؟ "، قالت: "أو ما سمعت الله يقول: ﴿وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ " [النساء: ٢٠] ، فقال: "اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر"، ثم رجع فركب المنبر، فقال: "أيا الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ وطابت به نفسه فليفعل"٣.
وعن أبي الغالية الشامي٤ قال: "قدم عمر ﵁ الجابية على جمل أورق٥، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق٦ رجلاه
стр. 563
بين شعبتي رحله بلا ركاب، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، عليه قميص من كرابيس١، قد دسم وتخرق جبيه، / [٨٥ / ب] فقال: "ادعوا لي رأس القرية"، فدعوا له الجلموس٢، فقال: "غاسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصاً، أو ثوباً". فأتي بمقيص كتان٣، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: "كتان"، قال: "وما الكتّان؟ "، فأخبروه، فنزع قميصه فغُسل، ورقع، وأتي به، فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له الجلموس: "أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل". فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة، [لا سرج] ٤ ولا رحل وركبه، فقال: "احبسوا احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين قبل هذا"، فأتي بجملة فركبه"٥.
وعن هشام بن عروة عن أبيه،٦ قال: "قدم عمر ﵁ الشام، فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: "أين أخي؟ "، قالوا: "من؟ "، قال: "أبو عبيدة بن الجراح"، قالوا: "يأتيك الآن"، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، فسأله، ثم قال للناس: "انصرفوا عنا"، فسار معه
стр. 564
حتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه، وترسه، ورحله، قال له عمر: "لو اتخذت متاعاً؟ "، أو قال: "شيئاً؟ "، فقال أبو عبيدة ﵁: "يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل"١.
وعن طارق بن شهاب قال: "لما قدم عمر ﵁ الشام عرضَت له مخاضة، فنزل عن بعيره، وقلع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض عمر الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة ﵁: "قد صنعت صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض كذا وكذا"، قال: فصك في صدره، وقال: "أوهْ٢ لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقر الناس، وأقلَّ الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزّةَ بغير الله يذلكم الله"٣.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن طارق٤ بن شهاب قال: "قدم عمر الشام فتلقته الجنود، وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس٥ راحلته، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود، والبطارقة وأنت على حالك هذه؟! "، فقال: "إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّة بغيره"٦.
стр. 565
وعن أسلم مولى عمر ﵁ أنه كان مع عمر ﵁ وهو يريد الشام، حتى إذا دنا من الشام، أناخ عمر، وذهب لحاجة له، قال أسلم: "فطرحت فروتي بين شعبتي رحلي، فلما خرج عمر عمد إلى بعير أسلم فركبه على الفور، وركب بعير عمر فخرجا يسيران، حتى لقيهما أهل الأرض، قال أسلم: فلما دنوا منا أشرت لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدّثون بينهم، فقال عمر: "تطمح أبصارهم إلى١ مراكب من لا خلاق له، كأن عمر [يريد] ٢ مراكب العجم"٣.
وعن إسماعيل٤ عن٥ قيس٦ قال: "لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: "يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً يلقاك عظماء الناس ووجوههم؟ "، فقال: "لا أراكم٧ ههنا، [إنما الأمر من ههنا] ٨". وأشار بيده
стр. 566
إلى السماء، خلّوا جملي"١.
وعن عبيد الله بن عباس٢ قال: "كان للعبّاس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب ﵁ فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة، وقد كان ذبح للعباس فرخان، فلما وافى الميزاب، صُبَّ ماءٌ بدم الفرخين، فأصاب / [٨٦ / أ] عمر، فأمر عمر بقلعه، ثم رجع عمر ﵁ فطرح ثيابه ثم لبس ثياباً غير ثيابه، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس، فقال: "والله إنه لَلمضوْضِعُ٣ الذي وضعه رسول الله ﷺ "، فقال عمر: "فأنا أعزم عليك لما صعدت عليّ٤ حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلمففعل ذلك العباس ﵁"٥.
وعن محمّد بن سعد يرفعه إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لقد رأيتني ومالي من أكال٦ يأكله الناس إلا أن لي خالاتٍ من بني مخروم كنت استعذب لهن الماء فيقبضن لي القبضات من الزبيب". ثم نزل، فقيل له: "ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "إني وجدت من نفسي شيئاً فأردت أن
стр. 567
أطأطئ١ منها"٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر أمير المؤمنين بَخْ بَخْ والله بُنيّ٣ الخطاب لتتقين الله، أو ليعذبنك"٤.
وقال أبو إسحاق الفزاري٥: قال عمر بن الخطاب ﵁: "إن أحب الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي"٦.
وعن عبد الرحمن بن حفصة٧ قال: "قدمنا على عمر ﵁ في وفد من بني صبة٨، وأنا غلام فقضوا حوائجهم وتركوني فمرّ عمر ﵁ في السوق على ناقة فوثبت٩ وثبة فإذا أنا خلفه، فضرب بين
стр. 568
كتفي وقال: "ممن أنت؟ "، فقلت١: ضَبِّي، قال: "جسور"، قلت: على العدو، وقال: "وعلى الصديق، حاجتك؟ "، فقضى حاجتي، ثم قال: "فرغ لنا ظهر راحلتنا"٢.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: "خرجنا مع عمر ﵁ إلى حجّ أو عمرة، حتى مرّ بشعاب ضَجنَان٣ فالتفت إليها فقال: "لقد رأيتني في هذه٤ الشعاب، في إبل الخطاب وكان فظاً غليظاً، أحتطب مرّة، وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم فضرب الناس بجنباتي ليس فوقي أحد، ثم قال:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقي الإلهُ ويودي المالُ والولد٥
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نادى عمر في الناس الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر فما تكّلم حتى امتلأ المسجد ثم قام، فقال: "الحمد لله لقد رأيتني أوجز٦ نفسي بطعام ثم أصبحت على ما ترون،
стр. 569
فلما نزل قيل له: " [ما] ١ حملك على ذلك؟ "، قال: "إظهار الشّكر"٢.
وعن محارب بن دِثار عن ابن عمر قال: "صعد عمر المنبر فجلس، ونودي الصلاة جامعة، فما زالوا يردون حتى امتلأ المسجد، فقام عمر فقال: "أحمد الله إليكم، إني كنت أوجز نفسي ثم أصبحت يضرب الناس بجنبتي ليس فوقي أحد". ونزل فقال له ابن عمر: "يا أمير المؤمنين ما دعاك إلى ما قلت؟ "، قال: "إن أباك أعجبته نفسه فأحبّ أن يضعها"٣.
وعن الحسن٤: "أن رجلاً أثنى على عمر فقال: "أتهلكني وتهلك نفسك؟ "٥.
[وعن جابر بن عبد الله ﵂ قال: "نادى عمر الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر فما تكلَّم حتى امتلأ المسجد ثم قام فقال: "الحمد لله لقد] ٦ رأيتني أواجر نفسي بطعام بطني، ثم أصبحت على ما ترون"، فقيل له: "ما حملك على ما تقول؟ "، قال: "إظهار الشّكر"٧.
وعن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن حزم٨ عن رجل من جهينة
стр. 570
قال: "بعثني أبي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بجداءٍ١ أبيعهن بالمدينة، فلما كنت يوماً من المدينة/ [٨٦ / ب] إذا أنا برجل عامد إلى المدينة، وقد مال حِمْلُ حماري فقلت: "يا عبد الله أعني على حِمْل حماري، حتى أعدله"، قال: "نعم، يا بني". فقام معي حتى عدله، ثم قال لي: "من أنت؟ "، فقلت: "أنا فلان بن فلان الجهني"، فقال: "إذا أتيت أباك فقل له: "إن أمير المؤمنين يقول لك: إياك وذبح الجداية، فإن٢ ودك٣ العتود٤ خير من أنفحه الجدي". قلت: "من أنت - يرحمك الله -؟ "، قال: "أنا عمر أمير المؤمنين"٥.
وعن عبد الجبار بن عبد الواحد التنوخي٦٧، قال: "قال عمر ﵁ وهو على المنبر: "أنشدكم الله لا يعلم رجل مني عيباً إلا عابه"، فقال: رجل: "نعم، يا أمير المؤمنين، فيك عيبان"، قال: "وما هما؟ "، قال: "تديل بين البردين، وتجمع بين الأدمين، ولا يسع ذاك الناس"، قال: "فما دال٨ بين بردين، ولا جمع بين أدمين، حتى لقي الله عزوجل".
стр. 571
قوله: "تديل بين البردين: أي: تلبس قميصاً، وتخليه وتلبس غيره"١٢.
وقال سالم الأفطس٣: "جاءت وفود فارس إلى عمر ﵁ يطلبونه فلم يجدوه في منزله، فقيل لهم: هو في المسجد. يشير إلى أنه لم يكن له موضع للحكم"٤
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن تميم بن سلمة٥ قال: "لما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه أبو عبيدة بن الجراح فخاض إليه عمر الماء في خفيه، فقال له أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين إنك بإزاء العدوّ"، فقال: "دعنا منك، فإنّ الله أعزّنا بالإسلام"، قال: وقبل أبو عبيدة يده، ثم خلوا فجعلا يبكيان"٦.
стр. 572
الباب الرابع والخمسون: حلمه
...
الباب الرابع والخمسون: في ذكر حلمه
في الصحيح عن أبي الدّرداء١ قال: "كنت جالساً عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه٢، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم فقد غامر" ٣، فسلم، وقال: "إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك"، فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر"، ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ قالوا: "لا". فأتى النبي ﷺ يسلم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر٤ حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: "يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين"، فقال النبي ﷺ : "إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت٥، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " مرتين، فما أوذي بعدها"٦.
ومن طريق آخر: "كان بين أبي بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضباً، فاتّبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، - فقال أبو الدّرداء:
стр. 573
ونحن عنده - فقال رسول الله ﷺ : "أما صاحبكم هذا فقد غامر"، قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدّرداء: وغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول: "والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم"، فقال النبي ﷺ : "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت" ١.
وفي الصحيح عن ابن عباس، قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس٢، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شُباناً، فقال عيينة لابن أخيه: "يابن أخي هل لك أو قال: لك وجه عند الأمير، فاستأذن لي عليه". قال: "سأستأذن لك عليه"، قال ابن عباس: فاستأذن / [٨٧ / أ] الحرُ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: "إيهْ، أو هِيْ٣ يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا
стр. 574
الجزل١ ولا تحكم فينا بالعدل". فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحرّ: "يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين". والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله"٢.
ورواه ابن الجوزي عن ابن عباس بلفظه إلا أن فيه: "وكان القراء أصحاب مجلس عمر"٣، وهي في بعض طرق الصحيح٤.
وعن إبراهيم بن حمزة٥، قال: "أُتي عمر ﵁ ببرود فقسمها بين المهاجرين والأنصار ﵃ وكان فيها برد فاضل لها، فقال: "إن أعطيته واحداً منهم غضب أصحابه ورأوا أني فضلته عليهم، فدلّوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياه". فسمّوا له المسور ابن مخرمة، فدفعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: "تكسوني هذا البرد وتكسوا ابن أخي مسوراً أفضل منه؟ "، قال: "يا أبا إسحاق، إني كرهت أن أعطيه واحداً منكم فيغضب أصحابه، فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة لا يتوهم فيه أني أفضله عليكم"، فقال سعد: "إني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيه رأسك"، فخضع له عمر رأسه وقال: "عندك يا أبا إسحاق وليرفق الشيخ بالشيخ".
стр. 575
فضرب رأسه بالبرد"١.
وعن الحسن٢ قال: "كان بين عمر بن الخطاب ﵁ وبين رجل كلام في شيء، فقال له رجل: "اتّق الله يا أمير المؤمنين"، فقال له رجل من القوم: "أتقول لأمير المؤمنين: اتّق الله؟ "، فقال له عمر ﵁: "دعه فليقلها لي، نعم، ما قال، ثم قال عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم"٣.
وعن عليّ بن رباح عن ناشرة٤، قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول يوم الجابية، وهو يخطب الناس: "إن الله جعلني خازناً لهذا وقاسماً له، ثم قال: بل الله يقسمه وأنا بادئ بأهل النبي ﷺ "، ففرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف، عشرة آلاف، إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة ﵂: "إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا"، فعدل بينهن عمر ﵁، ثم قال: "إني بادئ بي وأصحابي المهاجرين الأوّلين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً ثم أشرفهم"، ففرض لأصحاب بدر منهم، خمسة آلاف، خمسة آلاف، ولمن شهد بدراً من الأنصار، أربعة آلاف، أربعة آلاف، وفرض لمن شهد الحديبية، ثلاثة آلاف، ثلاثة آلاف، وقال: "من أسرع بالهجرة أسرع به العطاء ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومن
стр. 576
رجل إلا مناخ راحلته، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان فنزعته / [٨٧ / ب] وأمرت أبا عبيدة بن الجراح". فقام أبو عمرو بن حفص بن المغيرة١، فقال: "والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد [نزعت] عاملاً استعمله رسول الله ﷺ وأغمدت سيفاً سله رسول الله ﷺ ووضعت امرأ٢ نصبه رسول الله ﷺ وقطعت رحماً، وحسدت ابن العم". فقال عمر ﵁: "إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك"٣.
وعن أصبغ بن نُباتة٤، قال: "خرجت أنا وأبي من زَرُوْد٥ حتى ننتهي إلى المدينة في غلس٦، والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم وخرج الناس إلى أسواقهم، فدخل إلينا رجل معه درّه، فقال: "يا أعرابي أتبيع؟ "، فلم يظل يساوم أبي٧ حتى أرضاه على ثمن، وإذا عمر بن الخطاب ﵁ فجعل يطوف في السوق، ويأمرهم بتقوى الله يقبل فيه ويدبر، ثم مرّ على أبي، فقال: "حبستني ليس هذا وعدتني"، ثم مرّ الثانية، فقال له مثل ذلك، فردّ عليه عمر: "لا أريم حتى أوفيك"، ثم مرّ به الثالثة فوثب أبي مغضباً
стр. 577
فأخذ ثياب عمر، فقال له: "كذبتني وظلمتني"، ولهزه١، فوثب المسلمون إليه: يا عدوّ الله، لهزت أمير المؤمنين، فأخذ عمر ﵁ ثياب أبي فجره لا يملك من نفسه شيئاً وكان شديداً فانتهى إلى قصاب، فقال: "عزمت عليك أو أقسمت عليك لتعطين هذا حقّه، وأهبك ربحي"، وكان عمر باع الغنم منه، فقال: "يا أمير المؤمنين لا، ولكن أعطي هذا حقّه، وأهبك ربحك"، فأخرج حقّه، فأعطاه، فقال له عمر: "استوفيت؟ "، فقال: "نعم"، فقال عمر ﵁ "بقي حقنا عليك لهزتك التي لهزتني، قد تركتها لله عزوجل ولك"، قال أصبغ: فكأني أنظر إلى عمر أخذ ربحه لحماً فعلقه في يده، وفي يده اليمنى الدّرّة يدور في الأسواق حتى دخل رحله"٢.
وعن الحسن٣ ﵁ قال: "خرج عمر ﵁ في يوم حار واضعاً رداءه على رأسه، فمرّ به غلامٌ على حمار، فقال: "يا غلام احمِلني معك"، قال: "فوثب الغلام عن الحمار فقال: "اركب يا أمير المؤمنين"، فقال: "لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الموطأ٤، ولكن اركب أنت، وأكون أنا خلفك". قال: فدخل المدينة وهو خلفه،
стр. 578
والناس ينظرون إليه"١.
وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ظبيان٢: أن عمر أُتي بامرأة قد زنت، فأمر برجمها فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم عليّ ﵁ فقال: "ما هذه؟ "، قالوا: "زنت فأمر عمر برجمها"، فانتزعها عليّ من أيديهم وردّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: "ما ردّكم؟ "، قالوا: "ردنا عليّ"، فقال: "ما فعل هذا إلا لشيء قد علمه"، فأرسل إلى عليّ فجاء هو شبيه المغضب، فقال: "ما لك رددت هؤلاء؟ "، فقال: "أما سمعت [النبي ﷺ ] يقول: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستييقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل". قال عليّ: "هذه مُبتلاة بني فلان، فعلّه٣ أتاها وهو بها". فقال عمر: "لا أدري". قال: "وأنا لا أدري"، فلم يرجمها"٤. / [٨٨ / أ] .
وفي أمالي الجوهري٥ عن عبد الله [بن] ٦ صبعة العبدي٧، عن أبيه٨،
стр. 579
عن جده١، قال: "أتى عمر بن الخطاب ﵁ رجلان سألاه عن طلاق الأمة، فقام معهما يمشي حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع، فقال: "أيها الأصلع، ما ترى في طلاق الأمة؟ "، فرفع رأسه إليه ثم أومأ إليه بإصبعيه السبابة والوسطى، فقال لهما عمر: "تطليقتان) ، فقال أحدهما: "سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومأ إليك؟! " فقال لهما: "ما تدريان من هذا؟، هذا عليّ بن أبي طالب، أشهد على رسول الله ﷺ لسمعته وهو يقول: "إن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعتا في كفّة، ووضع إيمان عليّ في كفّة ميزان لرجّح إيمان عليّ" ٢.
стр. 580
الباب الخامس والخمسون: ورعه
...
الباب الخامس والخمسون: في ذكر ورعه
ذكر ابن الجوزي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "اشتريت إبلاً وارتجعتُها١ إلى الحمِى، فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر ﵁ السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال: "لمن هذه الإبل؟ "، فقيل: "لعبد الله بن عمر"، فجعل يقول: "يا عبدَ الله بن عمر! بخٍ بخٍ، ابنُ أمير المؤمنين"، قال: "فجئته أسعى، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "ما هذه الإبل؟ "، قال: [قلت] ٢: "إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون"، قال: "يقال: ارْعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، اغد ابن عمر اغد على رأس مالك واجعل باقيه في بيت مال المسلمين"٣.
وعن جُميع بن عُمير التيمي٤، قال: "سمعت عبد الله بن عمر يقول: "شهدت جلولاء فاتبعت من الغنائم بأربعين ألفاً، فقال: "يا عبد الله ابن عمر [لو] ٥ انطلق بيَ إلى النار، كنت مفتدي؟ "، قلت: "نعم. بكل
стр. 581
شيء أملك". قال: "فإني مخاصمٌ، وكأني بك تبايع بجلواء ويقولون: [هذا] ١ عبد الله بن عمر صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين وأكرم أهله عليه، وأن يرخصوا عليك كذا وكذا درهماً أحبَّ إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، وسأعطيك من الربح أفضل ما ربح رجل من قريش".
ثم أتى باب صفية بنت أبي عبيد، فقال: يا صفية بنت أبي عبيد أقسمت عليك أن تُخرجي من بيتك شيئاً، أو تخرجين منه وإن كان عنق طَبِيَّةٌ٢، قالت: "يا لأمير المؤمنين ذلك لك"، ثم تركني سبعة أيام، ثم استدعى التجار، ثم قال: "يا عبد الله بن عمر إني مسؤولٌ"، فباع من التجار متاعاً بأربع مئة ألف، فأعطاني ثمانين ألفاً وأرسل بثلاث مئة وعشرين ألفاً إلى سعد، فقال: "أقسم هذا المال فيمن شهد الوقعة، فإن كان أحد منهم مات فابعث بنصيبه إلى ورثته"٣.
وعن ابن عمر ﵄ قال: "استأذنت عمر في الجهاد، فقال: "أي بني إني أخاف عليك الزنى"، فقلت: أو على مثلي تتخوف ذلك٤؟!، قال: "تلقون العدوّ فيمنحكم الله أكتافهم، فتقتلون المقاتلة،
стр. 582
وتسبون الذّرية، وتجمعون المتاع، فتقام جارية في المغنم فينادى عليها، فتسوم بها فينكل١ الناس عنك، يقولون: ابن أمير المؤمنين، ولله وللرسول ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فيهم حقّ فتقع عليها، فإذا أنت زانٍ، اجلس"٢.
وعن [إسماعيل بن محمّد بن] ٣ سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "قدم على عمر ﵁ مسك وعنبر من البحرين، قال عمر: "والله لوددت أني أجد امرأة حسنة الوزن تزن [لي] ٤ هذا الطيب حتى أفرقه على المسلمين"، فقالت له امرأته عاتكة: "أنا جيدة الوزن، فهلمُ / [٨٨ / ب] أزن لك"، قال: "لا"، قالت: (ولِمَ؟ "، قال: "أخشى أن تأخذيه هكذا، فتجعليه هكذا - وأدخل إصبعيه في صدغيه - وتمسحين بها عنقكِ فأصبت فضلاً على المسلمين"٥.
وعن نعيم بن العطارة٦، قال: "كان عمر يدفع إلى امرأته طيباً من٧ طيب المسلمين، قال فتبيعه امرأته، قالت: "فبايعتني عطارة
стр. 583
فجعلت تُقوم١ وتزيد وتنقص، وتكسره بأسنانها، فيعلق بإصبعها شيء منه، فقالت به هكذا، بإصبعيها٢ في فيها، ثم مسحت به على خمارها، قالت: فدخل عمر، فقال: "ما هذه الريح؟ "، فأخبرته الذي كان، فقال: "طيب المسلمين تأخذينه أنت فتطيبين به"، قال فانتزع الخمار من رأسها، أخذ جزءً من ماء فجعل يصبّ الماء على الخمار، ثم يدلكه في التراب ثم يشمه، ففعل ذلك ما شاء الله، قالت: العطارة: "ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت لي علق بإصبعها منه شيء، فعمدت فأدخلت إصبعها في فيها، ثم مسحت بإصبعها التراب، قالت: فقلت: ما هكذا صنعت أوّل مرة، قالت: "أو ما علمت ما لقيت منه، لقيت منه كذا، لقيت منه كذا"٣.
وعن أنس:٤ "أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ هذه الآية: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيهَا حَبّاً وعِنَباً وقَضْباً وزَيْتُوناً ونَخْلاً وحَدَائقَ غُلْباً وفَاكِهَةً وأَبّاً﴾ [عبس: ٢٧-٣١] ، فقال: "هذه٥ الفاكهة والقضب، وهذه الأشياء قد عرفناها، فما الأب؟ ".
فوضع يده على رأسه، ثم قال٦: "إن هذا لهو التكلّف٧، يابن أم عمر، ما عليك أ، لا تدري ما الأب؟ "٨. ظاهر هذا البحث يعطي الإعراض عن
стр. 584
تفسير الغريب وليس المراد به ذلك.
قال أبو بكر بن مِقسم١: "ما عرف عمر عين الأب من النبت، لأنه ليس من لغته، وليس بالناس إلى البحث عنه حاجة، فجعل ذلك مثلاًيعمل٢ عليه، خوفاً مما نظرت فيه الخوارج وأهل البدع"٣.
وعن عبد الرحمن الأشعري٤: أنه خرج إلى عمر ﵁ فنزل عليه، وكان لعمر ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبناً، فأنكره، فقال: "ويحك من أين هذا اللبن؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشرب لبنها، فحلبت لك ناقة من مال الله"، فقال له عمر "ويحك سقيتني ناراً ادع لي عليّ بن أبي طالب"، فدعاه، فقال: "إن هذا عمد إلى ناقة من مال الله فسقاني لبنها أفتحله لي؟ "، قال: "نعم. يا أمير المؤمنين، هو حلال٥ لك ولحمها"٦.
стр. 585
وفي (الموطّأ) : عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "مُرَّ على عمر بن الخطاب١ ﵁ بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال عمر: "ما هذه الشاة؟ "، فقالوا: "شاة من الصدقة"، فقال عمر: "ما أعطي هذه أهلها وهم طائعون لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزراتِ٢ المسلمين، نكّبوا عن الطّعام"٣٤.
وفيه عن زيد بن أسلم ﵁ / [٨٩ / أ] أنه قال: "شرب عمر بن الخطاب لبناً فأعجبه، فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ "، فأخبره أنه ورد على ماء سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي هذا، فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه"٥.
وفيه عن سليمان بن يسار٦: أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح ﵁: "خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة"، فأبى ثم كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأبى، ثم كلّموه أيضاً فكتب إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه عمر: "إن أحبّوا فخذها منهم وارددها عليهم
стр. 586
وارزُق رقيقهم"١.
قال مالك - رحمه الله تعالى -: "ومعنى قوله عمر بن الخطّاب ﵁ اردُدها عليهم؛ أي: ارددها على فُقَرائهم".
وفيه عن أنس٢ عن رجل من أهل الكوفة: أن عمر بن الخطّاب ﵁ كتب إلى عامل جيش كان بعثه: إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج حتى إذا اشتدّ في الجبل وامتنع، قال الرجل: مَتْرَس، يقول: "لا تخف"٣، فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحداً فعل ذلك إلا ضربت عنقه".
قال مالك: "وليس الحديث بالمجمع عليه"٤.
وفي حديث عفان بن مسلم الصّفّار٥، عن عبد الله بن عمر أنه ارتجع أنقاضاً٦ عجافاً فبعث بها إلى الحِمى، فقدمت تطير ويومها ترغي٧ تكاد تئطط٨ من السمن إذ سمعه عمر، فجاء إلى السوق، فنادى من أقصى السوق:
стр. 587
"يا عبد الله بن عمر لم ارتجعت أنقاضك هذه؟ "، قلت: يا أمير المؤمنين تبعي استردته، قال لي: "ألك حميت الحمى؟ "، إنما حميته لإبل الصدقة والضّعيف، أقسم بالله لتخبرني بأثمانها وإلا خلطتها١ في مال الله كلها". فعلمت أنه سوف يفعل، فأخبرته، بأثمانها، فقال: "اذهب إلى مال لله فخذ الذي لك"، قال: فأخذته، فتعلق يحمل عليها ابن السبيل، ويعطيها من يراه لذلك أهلاً حتى فرغ منها"٢.
وفي موعظة الأوزاعي٣: أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان على من كان الحقّ من قريب أو بعيد فلا تمهلي طرفة عين"٤.
стр. 588
الباب السادس والخمسون: بكائه
...
الباب السادس والخمسون: في ذكر بكائه
روي عن علقمة بن وقاص١ قال: "كان عمر يقرأ في العشاء الآخرة سورة يوسف وأنا في مؤخر حتى إذا ذكر يوسف ﵇[٨٩ / ب] سمعت نشيجه"٢٣.
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد٤ قال: "سمت عمر بن الخطّاب ﵁ يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ ﴿إِنَمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: ٨٦] ٥.
وعن عبد الله بن عيسى٦ قال: "كان في وجه عمر بن الخطّاب ﵁ خطان أسودان من البكاء"٧.
стр. 589
وفي رواية: "خطّان أسودان مثل الشراك من البكاء"١.
وعن الحسن٢ قال: "كان عمر ﵁ يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقي بالبيت حتى يعاد للمرض"٣.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "رأيت عمر ﵁ نشج حتى اختلفت أضلاعه"٤.
وعن أبي عثمان النهدي: أن عمر ﵁ كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: "اللهم إن كنت كتبتنا عندك في شِقوة وذنب فإنك تمحو ماتشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعلها سعادة ومغفرة"٥.
وعن ابن عمر ﵁ قال: "غلب على عمر ﵁ البكاء، وهو يصلي بالناس صلاة الصبح، فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف"٦.
стр. 590
وعن عمر بن شبه بإسناده: أن عمر زار أبا الدّرداء ﵄ فقال له أبو١ الدرداء: "أتذكر حديثاً حدّثناه رسول الله ﷺ ؟ "، قال: "أي حديث؟ "، قال: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"، قال: "نعم"، قال: "فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ "، قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء، حتى أصبحا"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني: أنه كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء٣.
وعن الحسن٤: "كان عمر ﵁ يمرّ بالآية في وِرْدِهِ فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً"٥.
وقال البخاري في صحيحه، قال عبد الله بن شداد: "سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ٦.
وفي فوائد أبي الفرج مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي٧ عن الحسن٨: "أن قوماً أتوا عمر بن الخطّاب ﵁ فقالوا: "يا أمير المؤمنين، إن لنا إماماً شاباً إذا
стр. 591
صلى لا يقوم من المحراب حتى يتغنى بقصيدته"، قال عمر: "فامضوا بنا إليه، إنا إن دعوناه يظن بنا أنا تجسسنا، نريد قبح أمره، فقام عمر ﵁ والقوم معه حتى إن قرعوا بابه١ عليه، قال: "يا أمير المؤمنين، ما الذي جاء بك؟ إن كنت جئتني في حاجتي فقد كان الواجب عليّ أن أتي، وإن تكن٢ الحاجة لك، فأحقّ من عظمنا خليفة خليفة رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين، وصاحب رسول الله ﷺ "، قال: "بلغني عنك أمر ساءني"، قال: "فإني أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ما الذي بلغك عني؟ "، قال: "بلغني٣ عنك أنك تتغني٤ بين يديك"، قال: "نعم، قال يا أمير المؤمنين، [إنما عظة] ٥ أعظ بها نفسي، قال له عمر: "قل"، قال: "إني أخاف الشُّنعة٦ أن أفعل٧ بين يديك"، قال له: "قل فإن كان حسناً قلت معك، وإن كان قبيحاً نهيتك عنه". قال: فأطرق الفتى ثم أنشأ يقول٨:
وفؤادي كلما نبهته ... عاد في اللّذات يبغي تعبي
لا أراه الدّهر إلا لاهياً ... في تماديه فقد برح بيَ
يا قرين السّوء ما هذا الصّبا ... فني العمر كذا باللّعب
стр. 592
وشباب١ بان مني فمضى ... قبل أن أقضي منه أربي / [٩٠/أ]
ما أرجي بعده إلا الغنى ... ضيق الشّيب عليَ مطلبي
ويح نفسي لا أراها أبداً ... في جميل لا ولا في أدب
نفسي لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي مولاك وخافي وارهبي
فبكى عمر ﵁ وقال: "هكذا ينبغي كلّ من يكره"، قال عمر ﵁: "وأنا أيضاً أقول:
نفسي لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي مولاك وخافي وارهبي٢
стр. 593
الباب السابع والخمسون: خوفه من الله
...
الباب السابع والخمسون: في ذكر خوفه من الله عزوجل
في صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة، قال: "لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزّعه: "يا أمير المؤمنين، ولا كان ذلك١ لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقت٢ وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقت وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صَحَبتهُم٣، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون"، فقال: "أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه، فإن ذلك منّ من الله منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك منّ من الله منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك ومن أجل أصحابك فوالله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عزوجل قبل أن أراه"٤.
وفيه عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: "قال لي عبد الله بن عمر: "هل تدري ما قال أبي لأبيك"؟ قال قلت: لا، قال: "فإن أبي قال لأبيك:
стр. 594
يا أبا موسى هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله ﷺ وهجرتنا معه وجهادنا معه، وعملنا كله معه بَرَدَ لنا١ وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأساً برأسٍ"؟ فقال أبي: "لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله ﷺ وصلينا، وصمنا وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجوا ذلك "فقال أبي" لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافاً رأساً برأسٍ" فقلت: "إن أباك والله خير من أبي"٢.
وذكر ابن الجوزي عن أبي بردة عن ابن عمر قال: "لقي أبي أباك فقال: "أيسرك أنك خرجت من عملك خيره وشره، وشره بخيره لا لك ولا عليك"؟ قال قلت: "والله يا أمير المؤمنين لقد قدمت البصرة وإن الجفا فيهم لفاش، فعلمتهم القرآن والسنة، وغزوت بهم في سبيل الله، وإني لأرجوا بذلك فضيلة" قال: "ولكن وددت أني قد خرجت من عملي خيره وشره، وشره بخيره، كفافاً لي ولا عليّ، وخلص لي عملي مع رسول الله ﷺ ، قال: "إن أباك خير من أبي"٣.
وعن مسروق٤، قال: "دخل عبد الرحمن٥ على أم سلمة ﵂ فقالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبداً" قال فخرج عبد الرحمن من عندها مذعوراً حتى دخل على عمر
стр. 595
فقال له: "اسمع ما تقول أمك" فقام عمر حتى أتاها فدخل عليها فسألها، ثم قال: "أنشدك الله أمنهم أنا"؟ فقالت: "لا، ولن أبرئ بعدك أحدا"١.
وعن داود بن علي٢ قال: قال عمر ﵁ "لو ماتت شاة على شط٣ الفرات ضائعة، لظننت أن الله سائلي عنها يومالقيامة"٤.
وعن عبد الله بن عمر قال: كان عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: لو مات جدي بطف٥ الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر٦.
وعن علي ﵁ قال: "رأيت عمر بن الخطّاب ﵁ على قتب يعدو، فقلت: "يا أمير المؤمنين أين تذهب؟ قال: "بعير نَدَّ٧ من إبل الصدقة أطلبه" فقلت: "لقد أذللت الخلفاء بعدك، فقال: "يا أبا الحسن لا تلمني [٩٠ / ب] فوالذي بعث محمداً بالنبوة لو أن عناقاً٨ أخذت بشاطيء الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة"٩.
стр. 596
وعن طارق١ قال قلنا لابن عباس: "أي رجل كان عمر؟ قال: كان كالطائر الحذر الذي كأن له بكل طريق شركاً"٢.
وعن أبي سلامة٣ قال: "انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجالاً ونساء في الحرم على حوض يتوضئون منه، حتى فرق بينهم، ثم قال: "يا فلان"، قلت: لبيك، قال "لا لبيك ولا سعديك، ألم آمرك أن تتخذ حياضا للرجال وحياضا للنساء"، قال: ثم اندفع فلقيه علي ﵁ فقال: "أخاف أن أكون هلكت" قال: "وما أهلكك"؟ قال: "ضربت رجالاً ونساء في حرم الله قال: يا أمير المؤمنين أنت راع من الرعاة، فإن كنت على نصح وإصلاح فلن يعاقبك الله، وإن كنت ضربتهم على غش فأنت الظالم المجرم"٤.
وقال الحسن البصري ﵁ "بينما عمر ﵁ يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ، فحدث نفسه، فقال: "لعلّي أوذي المؤمنين والمؤمنات"، فانطلق إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادة، فانتزعها أبي من تحته وقال: "دونكها يا أمير المؤمنين"، قال: فنبذها برجله وجلس، فقرأ عليه هذه الآية، وقال: "أخشى أن أكون أنا صاحب الآية، أوذي المؤمنين"، قال: "لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك، فتأمر وتنهى"، فقال عمر
стр. 597
رضي الله عنه: "قد قلت والله أعلم"١.
وعن الحسن٢، قال: "كان عمر ﵁ ربما تُوقِد النار ثم يدلي يده منها، ثم يقول: "ابن الخطاب، هل لك على هذا صبر؟ "٣.
وعن الضّحاك٤، قال: قال عمر ﵁: "ليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم٥، حتى إذا كنت آمن ما يكون٦ زارهم بعض من يحبون فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديداً، ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أك بشراً"٧.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: "رأيت عمر ﵁ أخذ تبنة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التبنة٨، ليتني لم أُخلق ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئاً ليتني نسياً منسياً"٩.
стр. 598
وعن قتادة١، قال: "لما ورد عمر الشام صُنع له طعام لم ير قبله مثله، فلما أتي به، قال: "هذا لنا فما لفقراء المسملين الذي باتوا لا يشبعون من خبز الشعير؟ "، فقال خالد بن الوليد: "لهم الجنة"، فاغرورقت عيناه، فقال: "إن كان حظنا في هذا، ويذهب أولئك بالجنة٢ / [٩١ / أ] لقد بانوا بَوْباً بعيداً"٣.
وعن أبي جحيفة٤، قال: "جاء قوم إلى عمر ﵁ يشكون الجهد فأرسل عيينة بأربع، ثم رفع يديه فقال: "اللهم لا تجعل هلكتهم على يدي، وأمر لهم بطعام"٥.
وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر قال: "بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر ﵁ بقباء كسرى، وسيفه ومنطقته، وسراويله، وقميصه، وتاجه، وخفيه، قال: فنظر عمر ﵁ في وجوه القوم فكان أجسمهم وأمدّهم قامة سراقة بن جعشم المدلجي، فقال: "يا سراقة قم فالبس"، [قال] ٦: "فطمعت فيه فقمت ولبست"، فقال: "أدبر" فأدبرت"، ثم قال: "أقبل"، فأقبلت، ثم قال: "بخٍ بخٍ، أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقته، وتاجه، وخفاه، ربّ يوم يا سراق بن مالك لو كان عليك فيه من متاع كسرى كان شرفاً لك ولقومك، انزع فنزعت"،
стр. 599
فقال: "اللهم إنّك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحبّ إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحبّ إليك مني، وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بيَ ثم بكى ﵀ حتى من عنده". ثم قال لعبد الرحمن: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي"١.
وعن أبي بكر بن عياش٢، قال: "جيء بتاج كسرى إلى عمر ﵁ فقال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقال عليّ ﵁ إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا"٣.
وعن أبي سنان الدّؤلي٤: أنه دخل على عمر ﵁ وعنده نفرٌ من المهاجرين، فأرسل عمر ﵁ إلى سَفَطٍ٥ أُتي به من قلعة من العراق، فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال من عنده: "لم تبكي، وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوّك وأقرَّ عينك؟ "، فقال: عمر "إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى [الله] ٦ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، وأنا أُشفق من ذلك"٧.
стр. 600
وعن [ابن] ١ أبي ربيعة٢ قال: "لما نظر عمر ﵁ إلى مال جلولاء ونهاوند في المسجد حين طلعت عليه الشّمس، فحميت الآنية، وبرقت الحلية، بكى، فقيل له: "يا أمير المؤمنين ما هذا بيوم حزن ولا بكاء"، فقال: "قد عرفت، ولكنه لم يفش المال بين قوم قط إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"٣.
وعن إبراهيم بن سعد٤ أن٥ عمر بن الخطّاب ﵁ لما أتي بكنوز كسرى قال عبد الله بن الأرقم: "اجعلها في بيت المال حتى نقسمها"، فقال عمر: "والله لا آويها إلى سقف حتى / [٩١ / ب] أمضيها"، فوضعها في وسط المسجد، وباتوا عليها يحرسونها فلما أصبح كشف عنها فرأى الحمراء والبيضاء، فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن: "ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ والله إن هذا اليوم يوم شكر ويوم فرح وسرور"، فقال عمر: "إنه لم يعطه قوم إلا ألقيت بينهم العداوة والبغضاء"٦.
وعن الحسن٧، قال: لما أتي عمر بخزائن كسرى، قال: "والله لا يظلها سقف بيت دون السماء"، فطرحت بين صُفَّتي المسجد، صُفّة النساء وصُفَّة الرجال،