← Тараджим

Тараджим · id 12062

محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

ابن المبرد

Полный текст (1 019 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وعن طارق١ قال قلنا لابن عباس: "أي رجل كان عمر؟ قال: كان كالطائر الحذر الذي كأن له بكل طريق شركاً"٢. وعن أبي سلامة٣ قال: "انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجالاً ونساء في الحرم على حوض يتوضئون منه، حتى فرق بينهم، ثم قال: "يا فلان"، قلت: لبيك، قال "لا لبيك ولا سعديك، ألم آمرك أن تتخذ حياضا للرجال وحياضا للنساء"، قال: ثم اندفع فلقيه علي ﵁ فقال: "أخاف أن أكون هلكت" قال: "وما أهلكك"؟ قال: "ضربت رجالاً ونساء في حرم الله قال: يا أمير المؤمنين أنت راع من الرعاة، فإن كنت على نصح وإصلاح فلن يعاقبك الله، وإن كنت ضربتهم على غش فأنت الظالم المجرم"٤. وقال الحسن البصري ﵁ "بينما عمر ﵁ يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ، فحدث نفسه، فقال: "لعلّي أوذي المؤمنين والمؤمنات"، فانطلق إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادة، فانتزعها أبي من تحته وقال: "دونكها يا أمير المؤمنين"، قال: فنبذها برجله وجلس، فقرأ عليه هذه الآية، وقال: "أخشى أن أكون أنا صاحب الآية، أوذي المؤمنين"، قال: "لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك، فتأمر وتنهى"، فقال عمر

стр. 597

رضي الله عنه: "قد قلت والله أعلم"١. وعن الحسن٢، قال: "كان عمر ﵁ ربما تُوقِد النار ثم يدلي يده منها، ثم يقول: "ابن الخطاب، هل لك على هذا صبر؟ "٣. وعن الضّحاك٤، قال: قال عمر ﵁: "ليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم٥، حتى إذا كنت آمن ما يكون٦ زارهم بعض من يحبون فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديداً، ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أك بشراً"٧. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: "رأيت عمر ﵁ أخذ تبنة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التبنة٨، ليتني لم أُخلق ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئاً ليتني نسياً منسياً"٩.

стр. 598

وعن قتادة١، قال: "لما ورد عمر الشام صُنع له طعام لم ير قبله مثله، فلما أتي به، قال: "هذا لنا فما لفقراء المسملين الذي باتوا لا يشبعون من خبز الشعير؟ "، فقال خالد بن الوليد: "لهم الجنة"، فاغرورقت عيناه، فقال: "إن كان حظنا في هذا، ويذهب أولئك بالجنة٢ / [٩١ / أ] لقد بانوا بَوْباً بعيداً"٣. وعن أبي جحيفة٤، قال: "جاء قوم إلى عمر ﵁ يشكون الجهد فأرسل عيينة بأربع، ثم رفع يديه فقال: "اللهم لا تجعل هلكتهم على يدي، وأمر لهم بطعام"٥. وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر قال: "بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر ﵁ بقباء كسرى، وسيفه ومنطقته، وسراويله، وقميصه، وتاجه، وخفيه، قال: فنظر عمر ﵁ في وجوه القوم فكان أجسمهم وأمدّهم قامة سراقة بن جعشم المدلجي، فقال: "يا سراقة قم فالبس"، [قال] ٦: "فطمعت فيه فقمت ولبست"، فقال: "أدبر" فأدبرت"، ثم قال: "أقبل"، فأقبلت، ثم قال: "بخٍ بخٍ، أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقته، وتاجه، وخفاه، ربّ يوم يا سراق بن مالك لو كان عليك فيه من متاع كسرى كان شرفاً لك ولقومك، انزع فنزعت"،

стр. 599

فقال: "اللهم إنّك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحبّ إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحبّ إليك مني، وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بيَ ثم بكى ﵀ حتى من عنده". ثم قال لعبد الرحمن: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي"١. وعن أبي بكر بن عياش٢، قال: "جيء بتاج كسرى إلى عمر ﵁ فقال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقال عليّ ﵁ إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا"٣. وعن أبي سنان الدّؤلي٤: أنه دخل على عمر ﵁ وعنده نفرٌ من المهاجرين، فأرسل عمر ﵁ إلى سَفَطٍ٥ أُتي به من قلعة من العراق، فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال من عنده: "لم تبكي، وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوّك وأقرَّ عينك؟ "، فقال: عمر "إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى [الله] ٦ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، وأنا أُشفق من ذلك"٧.

стр. 600

وعن [ابن] ١ أبي ربيعة٢ قال: "لما نظر عمر ﵁ إلى مال جلولاء ونهاوند في المسجد حين طلعت عليه الشّمس، فحميت الآنية، وبرقت الحلية، بكى، فقيل له: "يا أمير المؤمنين ما هذا بيوم حزن ولا بكاء"، فقال: "قد عرفت، ولكنه لم يفش المال بين قوم قط إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"٣. وعن إبراهيم بن سعد٤ أن٥ عمر بن الخطّاب ﵁ لما أتي بكنوز كسرى قال عبد الله بن الأرقم: "اجعلها في بيت المال حتى نقسمها"، فقال عمر: "والله لا آويها إلى سقف حتى / [٩١ / ب] أمضيها"، فوضعها في وسط المسجد، وباتوا عليها يحرسونها فلما أصبح كشف عنها فرأى الحمراء والبيضاء، فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن: "ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ والله إن هذا اليوم يوم شكر ويوم فرح وسرور"، فقال عمر: "إنه لم يعطه قوم إلا ألقيت بينهم العداوة والبغضاء"٦. وعن الحسن٧، قال: لما أتي عمر بخزائن كسرى، قال: "والله لا يظلها سقف بيت دون السماء"، فطرحت بين صُفَّتي المسجد، صُفّة النساء وصُفَّة الرجال،

стр. 601

فطرحت عليه الأنطاع، وباتت عليها الخزان، فلما أصبح غدا عليها فلما نظر إليها بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: "ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أليس هذا يوم شكر؟ "، [قال] ١: "لا والله ما فتح هذا على قوم قط إلا جعل بأسهم بينهم"٢. وعن سعيد بن المسيب: "أنّ سعد بن أبي وقاص ﵁ أصاب يوم جلولاء ثلاثين ألف ألف مثقال واف، وأخذ منها ستة آلاف ألف، فبعث بها مع زياد الذي يدعى ابن أبي سفيان، وهو يومئذ يدعى بابن عبيد، فلما قدم بذلك عليه ونظر إليه، قال: "والله لا يكنه سقف بيت حتى أقسمه فبات عبد الله بن الأرقم، وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في سقائف المسجد، فلما أصبح عمر غدا عليه فكشف عن جلابيبه - وهي الأنطاع٣ فنظر إليه ثم بكى، فقال له عبد الرحمن: "ما يبكيك، فوالله إن هذا لمن مواطن الشكر؟ ". قال: "والله ما ذاك أبكاني، ولكن والله ما أعطى الله هذا قوماً إلا ألقى بأسهم بينهم". ثم جلس عمر فقسمها بين المهاجرين٤ والأنصار، فبدأ بأهل بدر، ثم بأزواج النبي ﷺ فما فرغ، وأعطى عبد الله بن عمر دون نظرائه، قال: "يا أمير المؤمنين، تضرب لي دون نظرائي؟ "، قال: "يا عبد الله، إن لك أسوة في عمر، لا يسألني الله يوم القيامة أني ملت إلى أحد"٥.

стр. 602

وعن ابن عباس١ ﵄ أنه دخل على عمر وبين يديه مال، فنشج حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: "وددت إني أنجو كفافاً لا لي ولا عليّ"٢. وعن عبد الرحمن بن سابط، قال: "أرسل عمر ﵁ إلى سعيد بن عامر، فقال: "إنا مستعملوك على هؤلاء تجاهد بهم"، فقال: "لا تفتني"، فقال عمر: "والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي ثم تخليتم عني"٣. وعن أبي عبد الله٤، قال: قال عمر ﵁: "من خاف الله لم يشف غيظه، ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، [و] ٥ لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون"، كذا ذكره من اختصر سيرة ابن الجوزي عن أبي عبد الله ولا أعرف من هو٦. وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: "أرسل إليّ - يعني عمر بن الخطّاب ﵁ فأتيته فدخلت عليه فإذا أنا بنحيب٧، فإذا أمير / [٩٢/أ] المؤمنين هكذا بوصف٨ ابن عوف: أنه نائم على وجهه، فقلت: "إنا لله، اعترى أمير المؤمنين؟، قال:

стр. 603

فوضعت يدي عليه فقلت: يا أمير المؤمنين ليس عليك بأس"، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فإذا جفنتان بعضها فوق بعض، فقال: "ههنا هَانَ آلُ الخطاب على الله، أما والله لو كرمنا عليه لكان هذا إلى صاحبيَّ بين يدي، فأقاما لي فيه أمر أقتدي به"، فقلت: "اجلس نتفكر، قال: فكتبنا المحقين١ في سبيل الله تعالى، أربعة" - يعني آلاف - وأصاب أزواج النبي ﷺ أربعة أربعة، وأصاب من دون ذلك ألفين ألفين، حتى وزَّعنا ذلك المال"٢. وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان عمر ﵁ إذا صلى صلاة جلس للناس، فمن كانت له حاجة كلّمه، وإن لم يكن لأحد حاجة قام فدخل فصلى صلوات لا يجلس٣ فيها للناس، فحضرت الباب، فقلت: يا يرفأ أبأمير٤ المؤمنين شكاة؟ قال: "ما بأمير المؤمنين شكاة"، فجلست، فجاء عثمان فجلس، فخرج يرفأ، فقال: "قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس"، فدخلنا على عمر فإذا بين يديه صبر من مال على كل صبرة منها كتِف٥، فقال: "إني نظرت في أهل المدينة فوجدتكما في أكثر أهلها عشيرة، فخذا هذا المال فاقسماه، فما كان من فضل فرُدّا، ثم قال: أما كان هذا عند الله ومحمّد وأصحابه يأكلون القِدّ٦؟ "، فقلت: بلى والله لقد كان هذا عند الله ومحمّد وأصحابه يأكلون القدّ، وقلت: بلى والله لقد كان عند الله،

стр. 604

ومحمّد وأبو نعيم: الحلية ولو عليه لصنع غير الذي تصنع، فغضب، فقال: "إذاً صنع ماذا؟ "، قال: قلت: إذاً أكل وأطمعنا، فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: "وَدِدْتُ لو أني خرجت منها كفافاً لا عليّ ولا لي"١. وفي الصحيح عن ابن أبي مليكة، قال: "كاد الخيِّران يهلكان، أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم٢، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع٣: "لا أحفظ اسمه"، فقال أبو بكر لعمر: "والله ما أردت إلا خلافي"، قال: "ما أردت خلافك"، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواَتكُم فَوْقَ صَوتِ النَّبيِّ ولاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعضٍ﴾ [الحجرات: ٢] الآية. قال ابن الزبير٤: "فما كان عمر يُسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر الصّديق

стр. 605

- ﵄"١. وفي رواية، فقال أبو بكر: "أَمِّر القعقاع بن معبد٢"، وقال عمر: "بل أمِّر الأقرع بن حابس"٣. قال أسامة بن مرشد: "وكان عمر ﵁ لشدة خوفه من الله تعالى، يسأل الناس عن نفسه"٤. عن بُسر بن عبيد الله٥ أن عمر ﵁ قال لحذيفة٦: "نشدتك الله، وبحق الولاية عليك، كيف / [٩٢ / ب] تراني؟ "، قال: "ما علمت إلا خيراً"، فنشده بالله، فقال: "إن أخذت فيء الله فقسمته في ذات الله فأنت٧ أنت، وإلا فلا". فقال: "والله إن الله ليعلم وما آكل إلا حصتي، وما آكل إلا وجبتي، ولا ألبس إلا حلتي"٨. وقال مالك صاحب الدار: "غدوت على عمر ﵁ فقال: "كيف

стр. 606

أصبح الناس؟ "، قلت: بخير، قال: "سمعتَ شيئاً؟ "، قلت: "ما سمعتُ إلا خيراً"١. وقال عطاء الخراساني٢: "دخل فتى شاب على عمر ﵁ فقال له عمر: "ما رأيتَ٣ مني؟ "، قال: "رأيتك ألقيت إزارك وفيه٤ ملبس"٥. وفي مسند الإمام أحمد عن دُجَين أبو الغصن٦ البصري، قال: "قدمت المدينة، فلقيت أسلم مولى عمر بن الخطّاب ﵁، فقلت: حدّثني عن عمر، قال: "لا أستطيع أخاف أن أزيد أو أنقص كنا إذا قلنا لعمر: حدّثنا عن رسول الله ﷺ قال: "أخاف أن أزيد حرفاً أو أنقص، إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب عليّ فهو في النار" ٧. وفي أحاديث عفان بن مسلم الصفار عن كعب٨ قال: "كنت عند عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: "يا كعب خوفنا"، قلت: يا أمير المؤمنين أو ليس فيكم كتاب الله وحكمة رسوله؟ "، قال: "بلى، ثم قال: "خوفنا يا كعب"، فقلت:

стр. 607

"يا أمير المؤمنين، اعمل عمل رجل لو وافيته يوم القيامة بعمل سبعين نبياً لا زدرأت عملك مما ترى، فأطرق عمر ملياً، ثم قال: "زدنا يا كعب"، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق، ورجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسيل من حرّها، قال: فأطرق عمر ملياً ثم قال: "زدنا يا كعب"، قلت: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفِر١ زفرةً لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خرّ جاثياً٢ على ركبتيه، حتى إن إبراهيم خليله ليخرّ جاثياً على ركبتيه، ويقول: ربِّ نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، فأطرق عمر ملياً، قلت: يا أمير المؤمنين، أوليس تجدون هذا في كتاب الله؟ قال: "كيف؟ "، قلت: قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَيَومَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عن نَفْسِهَا وتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُم لا يُظْلَمُون﴾ [النحل: ١١١] ٣. وعن وهب بن كيسان٤ قال: "سئل عمر٥ هل على النساء آذان؟ قال: [أنا] ٦ أنهى عن ذكر الله؟ "٧. وفي "مسند" الشافعي٨ عن مولى عثمان بن عفان، قال: (بينا أنا مع

стр. 608

عثمان بن عفان في ماله بالعالية، في يوم صائف إذ رأى رجلاً يسوق بكرين، على الأرض مثل الفراش من الحرّ، فقال: ما على هذا لو أقام المدينة حتى يبرد الحرّ ثم يروح؟ "، ثم دنا الرجل، فقال: انظر فنظرت فإذا عمر بن الخطّاب ﵁، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا نفح السموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه، فقال: "ما أخرجك هذه الساعة؟ "، فقال: "بكران من إبل الصدقة فأردت أن ألحقها بالحِمى، وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما"، فقال عثمان: "يا أمير المؤمنين، هلم إلى الماء ونكفيك"، فقال: "عد إلى ظلك ومائك"، ومضى، فقال عثمان: "من أراد أن ينظر إلى القويّ الأمين فلينظر إلى هذا، فعاد إلينا فألقى نفسه"١. وكان ﵁ يقول: "لو مات جدي بطف الفرات لخشيت أن يحاسب الله به"٢. / [٩٣ / أ] .

стр. 609

الباب الثامن والخمسون: تعبده واجتهاده ... الباب الثامن والخمسون: في ذكر تعبّده واجتهاده ذكر ابن الجوزي عن أسلم، قال: "كان عمر بن الخطّاب ﵁ يصوم الدّهر"١. وعن ابن عباس قال: "ما مات عمر ﵁ حتى اسودّ من الصّيام"٢. وعن ابن عمر: "أن عمر ﵁ سرد الصّيام قبل أن يموت بسنتين"٣. وعنه قال: "كان عمر ﵁ يسرد الصّيام إلا يوم الأضحى ويوم الفطر وفي السفر"٤. وعن سعيد بن المسيب، قال: "كان عمر يُحِبُّ الصّلاة في كبد الليل - يعني وسط الليل -"٥٦. وعن ابن عمر ﵄ قال: "ولي عمر فاستعمل عبد الرحمن٧ - يعني: على الحاجّ - ثم كان هو يحجّ سنينه كلّها حتى مات"٨.

стр. 610

وعن أسلم: أن عمر بن الخطّاب ﵁ كان يصلي ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله ويقول: "الصلاة، الصلاة ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُر أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ﴾ [طه: ١٣٢] ١ الآية. وعن ابن عمر، قال: "خرج عمر ﵁ إلى حائط له فرجع وقد صلى الناس العصر، قال: "إنما خرجت إلى حائطي فرجعت وقد صلى الناس، حائطي صدقة على المساكين"، قال ليث٢: "إنما فاتته الجماعة"٣. وعن أبي مسلم٤ أنه صلى مع عمر ﵁ أو حدّثه من صلى مع عمر ﵁ المغرب، فسمّي٥ بها أو شغله بعض الأمر حتى طلع نجمان، فلمافرغ من صلاته أعتق رقبتين٦. وفي أحاديث عفان بن مسلم الصفار عن أبي ظبيان٧ عن أبيه٨، قال: "دخل عمر ﵁ المسجد فصلى ركعة ثم انصرف، فلحقه رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة واحدة"، قال: "إنما هو تطوع فمن شاء

стр. 611

زاد ومن شاء نقص"١. فجميع ما ذكر في سيرته من الأحاديث يدل على شدّة تعبّده واجتهاده، فإنه كان من الصلاة إلى الغاية القصوى، والصوم فإنه كان يصوم الدّهر في آخر أمره، والصدقة كان لا يترك شيئاً، والحجّ كان لما ولي الخلافة يحجّ كلّ عام، والجهاد غزا مع النبي ﷺ جميع المشاهد، وغزا بعده وجميع ما وقع في خلافته من الغزوات والفتوحات فله أجره، لأنه سببه. وفي أحاديث أبي عليّ بن الصّواف٢ قال عمر: "إن الأعمال تباهي، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم"٣.

стр. 612

الباب التاسع والخمسون: كتمانه التعبد وستره إياه ... الباب التاسع والخمسون: في ذكر كتمانه التّعبّد وستره إياه ذكر ابن الجوزي عن نافع١ قال: "كان البّر لا يعرف في عمر، ولا ابنه حتى يقولا أو يعملا"٢. وقد ذكرنا عن طلحة٣ أنه خرج ليلة٤ فرأى عمر ﵁ فتبعه لينظر أين يذهب؟، فدخل داراً، ثم خرج منها، فدخل طلحة الدّار، فوجد فيها عمياء مقعدة، فقال: "من هذا الذي دخل إليك؟ "، قالت: "هذا رجل يأتيني منذ زمن يأتيني بما أحتاج / [٩٣ / ب] إليه، ويخرج عني الأذى ﵁. "٥.

стр. 613

الباب الستون: دعاؤه ومناجاته ... الباب الستون: في ذكر دعائه ومناجاته عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "كان أوّل خطبة خطبها عمر - الليلة التي دفن فيها أبو بكر ﵄ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله نَهَجَ سبيله، وكفانا برسوله، فلم يبق إلا الدّعاء والاقتداء، فالحمد لله الذي ابتلاني بكم وابتلاكم بيَ، والحمد لله الذي أبقاني فيكم بعد صاحِبَيَ كنفر ثلاثة اغتربوا الطِيَّة١؛ فأخذ أحدهم مهلة إلى داره وقراره، فسلك أرضاً مضلة، فتشابهت الأسباب والأعلام، فلم يزل عن السبيل، ولم يخرم٢ عنه حتى أسلمه إلى أهله، فأفضى إليهم سالماً، ثم تلاه الآخر فسلك سبيله واتبع أثره فأفضى إليه سالماً ولقي صاحبه، ثم تلاه الثّالث فإن سلك سبيلهما، واتبع أثرهما، أفضى إليهما سالماً ولاقاهما، وإن هو زلّ يميناً أو شمالاً لم يجامعهما أبداً، ألا إن العرب جمل أنف٣ فلا أعطيت بخطامه، ألا وإني حامله على المحجة، مستعين بالله، ألا وإني داعٍ فأمنّوا، اللهم إني شحيح فسخني، اللهم إني غليظ فليّني، اللهم إني ضعيف فقوّني، اللهم أوجب لي بموالاتك وموالاة أوليائك، ولايتك ومعونتك، وأبرني بمعاداة عدوّك من الآفات"٤.

стр. 614

وعن الأسود بن هلال المحاربي١، قال: "لما ولي عمر قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إني داعٍ فهيمنوا٢: اللهم إني غليظ فليّني، وشحيح فسخّني، وضعيف فقوّني"٣. وعن عمر بن ميمون الأودي، عن عمر أنه كان فيما يدعو: "اللهم توفّني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وألحقني بالأخيار"٤. وعن أبي عبد الرحمن٥، قال: "كان عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: "اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تُقِلَّ لي منها فأنسى، فإنه ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى"٦. وعن الشعبي قال: "خرج عمر ﵁ يستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، قالوا: "يا أمير المؤمنين، ما نراك استسقيت؟ "، قال: "لقد طلبت المطر بمجَادِيح٧ السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم

стр. 615

ذإِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً﴾ [نوح: ١٠-١١] ، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] ١. وعن أسلم: أنه سمع عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: "اللهم لا تجعل قتلي على يد عبدٍ قد سجد لك سجدة يحاجني بها يوم القيامة"٢. وعن سُليم بن حنظلة٣ عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني [على] ٤ غرة، أو تذرني في غفلة، أو تجعلني من الغافلين"٥. وعن عبد الله بن خِرَاش٦ عن عمّه٧ قال: "سمعت عمر بن الخطّاب

стр. 616

رضي الله عنه يقول في خطبته: "اللهم اعصمنا بحفظك، وثبّتنا على أمرك"١. وروى ابن أبي الدنيا٢ في كتاب: "القناعة" عن ميكائيل أبي عبد الرحمن، قال: "كان عمر ﵁ يقول في دعائه: "اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تقلّ لي منها فأنسى، فإنه ما قل وكفى خير مما كثر وألهى"٣. فائدة قد تقدم أنه كان يبكي في الصلاة / [٩٤ / أ] حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف، فالبكاء في الصلاة إن كان من خشية الله تعالى لا يبطل الصلاة مطلقاً، وإن لم يكن من خشية الله تعالى فإن بان فيه حرفان من حروف الهجاء فهو كالكلام، يبطل الصلاة عمده وسهوه٤. وقيل: "يبطل الكثير دون اليسير في السهو، وأن لا يبين منه حرفان، فإن كان يسيراً لم يبطل وإن كان كثيراً أبطل"٥.

стр. 617

الباب الحادي والستون: كراماته ... الباب الحادي والستون: في ذكر كراماته ذكر ابن الجوزي عن [زيد بن] ١ أسلم ويعقوب بن زيد٢، قالا: "خرج عمر بن الخطّاب ﵁ يوم الجمعة إلى الصلاة، فصَعِد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبلَ، ظلم من استرعى الذّئبَ الغنم، قال: ثم خطب حتى فرغ؛ فجاء كتابُ سارية بن زنيم إلى عمر بن الخطّاب ﵁: إن الله عزوجل فتح علينا يوم الجمعة الساعةَ كذا وكذا، لِتلك الساعةِ التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر، قال سارية: "فسمعت صوتاً: يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذّئبَ الغنم، فعلوتُ بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطنِ وادٍ، ونحن محاصَرو العدوّ، ففتح الله علينا". فقيل لعمر بن الخطّاب ﵁: "ما ذاك الكلام؟ "، فقال: "والله ما ألقيت له بالاً، شيء أتي به على لساني"٣. وعن نافع مولى ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال على المنبر: "يا سارية بن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول، حتى قدم سارية المدينة على عمر ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين، كنا محاصري العدوّ وكنّا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد نحن في خفض من الأرض،

стр. 618

وهم في حصن عال فسمعت صائحاً ينادي بكذا وكذا، يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا"١. وعن نافع مولى ابن عمر أن عمر ﵁ خطب يوماً بالمدينة، فقال: "يا سارية بن زنيم الجبل، من استرعى الذّئب فقد ظلم"، قال: قيل له: "تذكر سارية، وسارية بالعراق؟ "، فقال الناس لعليّ ﵁: "أما سمعت عمر يقول: يا سارية، وهو يخطب على المنبر"، فقال: "ويحكم دعوا عمر فإنه ما دخل في شيء إلا خرج منه". فلم يلبث [إلا] ٢ يسيراً حتى قدمسارية فقال: "سمعت صوت عمر ﵁ فصعدت الجبل"٣. وعن قيس بن الحجاج٤ قال: "لما فتحت مصر، أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا: "أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها، فقال لهم: "وما ذاك؟ "، قالوا له: "إذا كانت اثنتا

стр. 619

عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمَدْنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثّياب، أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النّيل". فقال لهم عمرو: "إن هذا شيء لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدِمُ ما كان قبله، فأقاموا بؤنة١، وأبيب، ومسرى، لا يجري قليلاً ولا كثيراً / [٩٤ / ب] حتى همّوا بالجلاء منها، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر ﵁: "إنك قد أصبتَ بالذي فعلت، إن الإسلامَ يهدم ما كان قبله". وكتب بطاقة داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: وإني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي إليك فألقها في النيل إذا وصل كتابي إليك، فلما قدم كتاب عمر ﵁ إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة فإذا فيها مكتوب: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قِبَلِك فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك". فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيومٍ، وقد تهيّأ أهلُ مصر للجلاء والخروج؛ لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب قد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السنة السوء عن أهل مصر إلى اليوم"٢.

стр. 620

وعن خوَات بن جبير١ قال: "أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر ﵁ فخرج بالناس فصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه، فجعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين، ثم بسط يده فقال: "اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك"، فما برح مكانه حتى مطر، فبينما هم كذلك إذا أعرابٌ قد قدموا على عمر ﵁ فقالوا: "يا أمير المؤمنين بينما نحن بوادينا في يوم كذا في ساعة كذا، إذ أَظَلَّنا غمامٌ فسمعنا فيه صوتاً: أتاك الغوث أبا حفصٍ، أتاك الغوثُ أبا حفصٍ"٢. وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ بعث جيشاً، وأمّر عليهم رجلاً يدعى: "سارية"، قال: فبينا عمر بن الخطّاب ﵁ يخطب الناس يوماً جعل يصيح وهو على المنبر: "يا ساري الجبل، يا ساري الجبل"، قال: فقدم رسول الجيش فسأله، فقال: "يا أمير المؤمنين لقينا عدوّنا فإذا بصائح يصيح: يا ساري الجبل، يا ساري الجبل، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله"، فقيل لعمر: "إنك تصيح بذلك"٣. وفي رواية أبي بلج٤، قال: "بينما عمر بن الخطّاب ﵁ قاعد

стр. 621

على المنبر يوم جمعة يخطب الناس، فبينا هو في خطبته قال بأعلى صوته: "يا ساري الجبل، يا ساري الجبل، ثم أخذ في خطبته، فأنكر الناس ذلك منه، فلما نزل وصلى قيل له: "يا أمير المؤمنين قد صنعت اليوم شيئاً ما كنا نعرفه"، قال: "وما ذاك؟ "، قيل: "قلت كذا وكذا"، وذكروا ما نادى به، فقال: "ما كان شيء من هذا"، قالوا: "بلى والله لقد كان ذلك يا أمير المؤمنين". قال: "فأثبتوا من هذا اليوم من هذا الشهر، ثم ابصروا"، وكان بعث سارية في بعث فظفر العدوّ فلجؤوا إلى الجبل، فقال سارية لما انصرف: "بينا نحن نقاتل العدوّ إذ سمعنا صوتاً لا ندري ما هو: "يا ساري الجبل ثلاثاً، فدفع الله عزوجل عنا به، فنظروا في ذلك اليوم فإذا هو اليوم قال فيه عمر ما قال"١. وقال يحيى بن أيوب٢: "كان بالمدينة فتى٣ يعجب عمر بن الخطّاب ﵁ فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له نفسها ففتن بها ومضت، فأتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجُلّي عن قلبه وحضرته هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذّكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون﴾ [الأعراف: ٢٠١] فخرّ مغشياً عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت، فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به، فحمله وأدخله فأفاق،

стр. 622

فسأله: ما أصابك يا بني؟، فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره، فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه، فبلغ عمر قصته، فقال: "ألا آذنتموني بموته، فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، فسمع صوتاً من داخل القبر: قد أعطاني ربِّي يا عمر"١. فصل: كرامات الأولياء حقّ وأدناها الفراسة فإن منهم من يسير البعيد في المدّة القريبة، وفي الأثر: "الدنيا خطوة مؤمن"٢. وفي الصحيح: "إن من عباد٣ الله من لو أقسم على الله لأبره" ٤. ومن ذلك / [٩٥ / ب] ٥: برء الأسقام عند لمسه كما وجد ذلك من النبي ﷺ في عدة مواطن٦، وكما تفل في عيني عليّ فبرأتا٧.

стр. 623

ومن ذلك: زيادة الأشياء بدعائه، كزيادة تمر جابر عند دعاء النبي صلى الله عليه وسلم١، وبركة الطعام عند أكله٢، ونحو ذلك٣. والأولياء يكرهون إظهار ذلك عنهم واشتهاره، فإن قيل: النبي ﷺ كان يظهر ذلك ويفعله المرة بعد المرة في مشاهد الناس. قيل: النبي ﷺ بخلاف الناس، فإن النبي ﷺ المقصود منه الإظهار ليتبعه الناس، ويصدقوه ويعلمون صدق قوله، وهي آيات له تدل على نبوّته وصدق قوله، وهو مأمور بإظهار آياته كما هو مأمور بإظهار دينه، فإنها من جملة دليله، وهو مأمور بإقامة الدليل. وأما غيره، فإنه ينبغي له الإخفاء والتستّر حتى لا يعلم الناس به، فإنه ربما حصل له نوع مدح وشهرة ورياء، والله يكره ذلك للآدمي، ولهذا لم يرد عن الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم، فعل ذلك بمشهد الناس، وإن وقع منهم خفية٤. فإن قيل: فعمر قد قال على المنبر: "يا ساري الجبل".

стр. 624

قيل: الجواب عن ذلك من أوجه: الأوّل: كأنه وقع منه فلتة ثم أنكره، فلهذا قال بعد ذلك: "لم أقل شيئاً". والثّاني: فعله للحاجة إليه؛ لأنه لو لم يقل ولو لم يوجد منه ربما حصل لأصحابه هلاك. والثّالث: أنه أُجْرِي على لسانه من غير إشعار بذلك وبحضور جماعة؛ لأنه لما حصلت له المشاهدة لأصحابه أولئك اشتغل قلبه بهم، فلما اشتغل قلبه بهم لهي عمن هو فيهم، ولم يدر أنه فيهم فخاطب أولئك يظنه معهم. وقد صار في زماننا هذا من الزنادقة ونحوهم من يظهر ما لا يدخل على الدين، بل يدل على الفساد، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون١. كما يفعل طائفة من الصوفية٢ من دخول النار ونحو ذلك٣، وأخبرني شخص عن رجل منهم أنه يدعو الطير فيأتي إليه، ويدعو الوحوش فتأتي إليه فيظهر ذلك ويقول لهم: "انظروا"، ويفعل أشياء من هذا القبيل فكنت قلت له: "ما أظن هذا على خير٤، فبعد

стр. 625

مدة أخبرني أنه أراد أن يلوط بغلام وأنه سقط من أعين الناس، ولم يصدقوه بعد ذلك. والله الموفق. / [٩٦ / أ] ١.

стр. 626

الباب الثاني والستون: تزويج النبي بحفصة وفضلها ... الباب الثاني والستون: في تزويج النبي ﷺ بحفصة وفصلها في الصحيح عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطّاب ﵁ حين تأيّمت١ حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي٢ - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بدراً، توفي بالمدينة، قال عمر: "فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: "سأنظر في أمري"، فلبثت ليالي، فقال: "قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا"، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت أبو بكر فلم يرجعْ إليَ شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: "لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك؟ "، قلت: نعم، قال: "فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله ﷺ ولو تركها لقبلتها"٣. وفي الصحيح عن عمر ﵁ قال: "خطب النبي ﷺ إليّ حفصة فأنكحته"٤.

стр. 627

قال الذهبي: "تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث من الهجرة، قال: وتزوجت أوّلاً بخنيس بن حذافة السهمي فتوفي عنها، استشهد بأحد وكان بدرياً، قال: وقد عرضها عمر عند انقضاء عِدّتها على أبي بكر فسكت، فتألم عمر، ثم عرضها على عثمان لما ماتت رقي ة، فقال: "ما أريد أن أتزوج اليوم"، فشكاه عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: "يتزوجها من هو خير منه، ويتزوج عثمان من هي خير منها" ١، ثم تزوجها النبي ﷺ . فلقي أبو بكر عمر، فقال: "لا تجد علي فإن رسول الله ﷺ ذكرها، فلم أكن أفشي سرّه ولو تركها لتزوجتها"٢. قال أبو عبيدة٣: "تزوجها النبي ﷺ سنة اثنتين"٤. قال الذهبي: "على كلّ حال أن خنيساً استشهد بأحد، وأن النبي ﷺ تزوج بها عام أحد، أو قبل أحد، اللهم إلا أن يكون خنيس طلقها. فالله أعلم"٥. وقد روى موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر٦، قال: "طلق رسول الله حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب، وقال:

стр. 628

"ما يعبأ الله / [٩٥ / أ] بعمر وابنته بعد هذا"، فنزل جبريل من الغد على رسول الله ﷺ وقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر" ١. وقال الذهبي: "تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث من الهجرة"٢. وفي الصحيحين: أن عمر دخل على حفصة، فقال لها: "أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي ﷺ اليوم حتى الليل؟ "، قالت: "نعم". فقلت: "قد خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله، فتهلكي، لا تستكثري النبي ﷺ ولا تراجعيه في شيءٍ ولا تَهْجُريه، وسليني ما بدا لك، ولا يُغرَّنَّك أن كانت جارتُك أوضَأَ منك وأحبَّ إلى النبي ﷺ يريد عائشة - ثم دخل على النبي ﷺ ، فقال: لو رأيتني وقد دخلت على حفصة، فقلت: لا يُغرَّنَّك أن كان جارتُكِ أوضأَ منك وأحبَّ إلى رسول الله ﷺ فتبسم النبي ﷺ "٣. وفي الصحيح عن عائشة قال: "كان رسول الله ﷺ يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواطيت أنا وحفصة على: أيّتنا دخل [عليها] ٤ فلتقل له: ": أكلت مغافير٥، فإني أجد

стр. 629

منك ريح مغافير"١. وعن عائشة ﵂ قالت: "إن نساء رسول الله ﷺ كُنَّ حزبين؛ فحزبٌ فيه عائشة وحفصة وصفية٢ وسودة٣، والحزب الآخر: أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ "٤. قال الذهبي: "حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين العدوية، يقال: وُلِدَت قبل المبعث بخمسة أعوام، روى عنها ابن عمر وابنه حمزة٥، وشُتَير بن شَكَل العبسي٦، وعبد الله بن صفوان بن أمية٧، والمطلب بن أبي وداعة٨، وصفية بنت أبي عبيد٩، وأبو مجلز١٠، وآخرون"١١. وذكر بقيّ بن مَخْلَد١٢: "أنها روى ستين حديثاً"١٣.

стр. 630

قال أبو معشر المدني: "توفيت سنة إحدى وأربعين"١. وكذا قال أحمد بن أبي خيثمة٢ وزاد: "أوّل ما بُويع لمعاوية"٣. وقال الواقدي: "توفيت حفصة عام فتحت أفريقية"٤. روت عن النبي ﷺ ستين حديثاً، ذكره أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد. رحمه الله تعالى.

стр. 631

الباب الثالث والستون: نبذ من مسانيده ... الباب الثالث والستون: في ذكر نبذ من مسانيده روى عمر عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة. ذكر له بقي بن مخلد: خمس مئة حديث وسبعة وثلاثين حديثاً"١. وذكر٢ بعض من شرح العمدة٣. وقال أبو نعيم الأصبهاني: "أسند عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ من المتون سوى الطرق مائتي حديث ونيفاً"٤. فأما الذي أخرج له في الصحاح؛ ففي الصحيحين أحد وثمانون حديثاً، المتفق عليه من ذلك ستة وعشرون حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين٥. ونحن نذكر نبذة من أحاديثه تبركاً بها، وجميع ما أذكره لنا به السند المتصل إليه، لكن تركت ذكر السند لأجل الاختصار، فإني ذاكرُ ذلك من الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسندنا فيهن مشهور. / [٩٦ / ب] . الحديث الأوّل: عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته٦ إلى الله

стр. 632

ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". رواه١ الثلاثة٢. الحديث الثّاني: عن ابن عمر قال: قال عمر: "أنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه في السفر". رواه الإمام أحمد٣. الحديث الثّالث: عن ابن عمر، قال: "سأل عمر رسول الله ﷺ : تصيبني الجنابة من الليل فما أصنع؟، قال: "اغسل ذكرك"، ثم توضأ ثم ارقد"٤. الحديث الرّابع: عن ابن عباس، قال: "شهد عندي رجال مَرْضِيُّون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد صلاتين: بعد الصّبح حتى تطلع الشّمس، وبعد العصر حتى تغرب الشّمس" ٥. الحديث الخامس: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى٦، عن عمر قال: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، وصلاة

стр. 633

الجمعة ركعتان، تمام من غير قصر على لسان محمّد ﷺ " ١. الحديث السّادس: عن ابن عباس قال: قال لي عمر: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه" ٢. الحديث السّابع: عن راشد بن سعد٣ عن عمر بن الخطّاب ﵁ وحذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ لم يأخذ من الخيل والرقيق صدقة٤. الحديث الثّامن: عن سعيد بن المسيب عن عمر، قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم٥ في رمضان والفتحَ في رمضان فأفطرنا فيهما"٦. الحديث التّاسع: عن عاصم بن عمر٧ عن أبيه قال: "قال رسول الله ﷺ :

стр. 634

"إذا أقبل، وقال: مرّة: جاء الليل من ههنا، ذهب النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم"، - يعني: المشرق والمغرب"١. الحديث العاشر: عن ابن عمر عن عمر: أنه قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام، لعلّه قال: "فأوف بنذرك" ٢. الحديث الحادي عشر: عن سويد بن غَفَلة٣، قال: "رأيت عمر يُقبِّل الحجر ويقول: "ني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم بك حَفِيّاً"٤، ٥. الحديث الثّاني عشر: عن عمرو بن ميمون، قال: "سمعت عمر بن الخطّاب رض ي الله عنه يقول: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جَمْع٦ حتى يرّوا الشمسَ على ثبير، وكانوا يقولون: أشرِق ثَبير كيما نُغير، فأفاض رسول الله ﷺ قبل طلوع الشمس على ثبير"٧. الحديث الثّالث عشر: عن ابن المسيب أن عمر قال:

стр. 635

"إن من آخر ما أُنْزِل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ توفي ولم يفسرها، فدعو الرّبا والرِّيبة"١. الحديث الرّابع عشر: عن عمر قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذّهب بالذّهب ربا إلاّ هاءَ وهاء٢٣، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء٤، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء٥، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" ٦، ٧ الحديث الخامس عشر: عن ابن عمر عن عمر قال: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه صاحبه، فأردت أن أبتاعه وظننت أنه بائعه رخص، فقلت: حتى أسأل النبي ﷺ فقال: "لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم٨، فإن
следующие страницы →