وعن أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة الأنصاري: "والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم"١.
وقال حذيفة: "إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل أمر مقبل لم يزل في إقبال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار"٢.
عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: "بينما عمرو بن العاص يوماً يسير أمام ركبه، هو يحدّث نفسه، إذ قال: "لله درّ ابن حنتمة٣ / [١٣٣ / أ] ، أي امرئ كان "يعني بذلك عمر بن الخطّاب ﵁"٤.
وعن عزرة بن قيس البجلي٥ قال: "خطبنا خالد بن الوليد فقال: "إن عمر بعثني إلى الشام، وهو لهم مهم، فلما ألقى الشام نوايبه، وصار سمناً وعسلاً أراد أن يؤثر به غيري، ويبعثني إلى الهند، فقال رجل إلى جانبه: "اصبر، اصبر أيها الأمير، فإن الفتن قد ظهرت". فقال خالد: "وابن الخطاب حيّ! إنما
стр. 877
ذلك بعد"١.
وعن عبد الله بن سارية٢ قال: "جاء عبد الله بن سلام٣ بعدما صُلِّي على عمر ﵁ فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه، ثم قام، فقال: نِعمَ أخو الإسلام كنتَ يا عمر جواداً بالحقّ، بخيلاً بالباطل، ترضى من الرضى، وتسخط من السخط، لم تكن مداحاً ولا معياباً، طيب العَرْف٤، عفيف الطرف"٥.
وعن طارق بن شهاب قال: "قالت أم أيمن يوم أصيب عمر ﵁: "اليوم وهى الإسلام"٦.
وعن [عمر بن] ٧ سليمان بن أبي حَثْمَة٨ عن أبيه٩ قال: قالت الشفاء
стр. 878
بنت عبد الله، ورأت فتياناً يقصدون١ في المشي، ويتكلمون رويداً فقالت: "ما هؤلاء؟ "، قالوا: "نُسَّاكٌ"، قالت: "كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقّاً"٢.
وعن [ابن] ٣ أبي حازم٤ عن أبيه، قال: "سئل عليّ بن الحسين عن أبي بكر وعمر ﵄ ومنزلتهما من رسول الله ﷺ ، فقال: "كمنزلتهما اليوم، وهما ضجيعاه"٥.
وقال عبد الرحمن بن غَنْم يوم مات - رحمة الله عليه -: "اليوم أصبح الإسلام مولياً ما من رجُلٍ بأرض فلاة يطلُبُهُ العدوّ فأتاه آتٍ، فقال: خذ حذرك، بأشد فراراً من الإسلام اليوم"٦.
وعن عبد الله بن إدريس٧ قال: "سمعت أشعث٨ يقول: "إذا اختلف
стр. 879
الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر، فإن عمر لم يكن يصنع شيئاً حتى يشاور، قال: فذكرت ذلك لابن سيرين، فقال: "إذا رأيت الرجل يخبرك أنه أعلم من عمر فاحذره"١.
وعن صالح بن حيّ٢ قال: الشعبي: "من سرّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر فإنه كان يستشير"٣.
وعن الشعبي قال: سمعت قبيصة بن جابر يقول: "صحبت عمر بن الخطّاب ﵁ فما رأيت أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله، ولا أحسن مدارسة منه"٤.
وعن قرة بن خالد٥ عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: "إذا أردتم أن يطيب المجلس فأفيضوا في ذكر عمر"٦.
وعنه أنه قال: (أيّ أهل بيت لم يجدوا فقده فهم أهل بيت سوء"٧.
стр. 880
وعن واصل بن الأحدب١ عن مجاهد قال: "كنا نتحدث أن الشياطين مصفدة في زمن عمر، فلما قتل بثت في الأرض"٢.
وعن سعد بن أبي صدقة٣ عن محمّد بن سيرين قال: "لم٤ يكن أحد بعد / [١٣٣ / ب] رسول الله ﷺ أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعرف من عمر"٥.
وعن قيس بن مسلم٦ عن طارق بن شهاب، قال: "كنا نتحدث أن عمر بن الخطّاب ﵁ ينطق على لسان ملك٧"٨.
وعن حماد بن زيد عن أيوب٩ قال: "إذا بلغك اختلاف عن النبي ﷺ فوجدت في ذلك الاختلاف١٠ أبا بكر وعمر ﵄ فشدّ
стр. 881
يديك به، فإنه الحقّ، وهو السنة"١.
وعن عليّ بن عبد الله بن عباس٢ ﵄ قال: "دخلت في يوم شديد البرد على عبد الملك بن مروان فإذا هو في قبة باطنها قُوهِيٌّ٣ معصفر، وظاهرها خزاعيز٤، وحوله أربعة٥ كوانين٦، قال: فرأى البرد في تَقَفْقُفي٧، فقال: "ما أظن يومنا هذا إلا بارداً"، قلت: "أصلح الله الأمير ما يظن أهل٨ الشام أنه أتى عليهم يوم أبرد منه، فذكر الدنيا، وذمها، ونال منها، وقال: "هذا معاوية عاش أربعين سنة عشرين٩ أميراً، وعشرين خليفة، لله درّ ابن حنْتَمة ما كان أعلمه بالدنيا - يعني: عمر١٠ ﵁"١١.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن ابن مسعود قال: "ما رأيت عمر ابن الخطّاب ﵁ إلاّ وكأن بين عينيه ملكاً يسدّده"١٢.
وقال: "إن عمر كان حصناً حصيناً للإسلام، الناس١٣ يدخلون فيه، ولا
стр. 882
يخرجون منه، فأصبح الحصن قد انهدم، والناس يخرجون منه ولا يدخلون١ فيه"٢.
وقال: "إن كان إسلام عمر لفتحاً، وإن كان هجرته لنصراً"٣.
وروي عن عبد الله - لعله ابن مسعود٤ - قال: "لو أن علم عمر وضع في كفّة الميزان، ووضع علم أهل الأرض في كفّة أخرى رجح علم عمر"٥.
وذكر عن ابن مسعود: أنه مرّ على رجلين في المسجد قد اختلفا في آية من القرآن، فقال أحدهما: "أَقْرَأنيها٦ عمر"، وقال الآخر: "أقْرأنيها أبي"، فقال ابن مسعود: "اقرأ كما أقرأكها عمر"، ثم هملت٧ عيناه حتى بل الحصى، وهو قائم، ثم قال: "إن عمر كان حائطاً كثيفاً، فمات عمر، فانثلم الحائط، فهم يخرجون ولا يدخلون، ولو أن كلباً أحبّ عمر لأحببته، وما أحببت أحداً حبي لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح بعد بني الله ﷺ "٨.
وعن أنس قال: قال [أبو] ٩ طلحة يوم مات عمر ﵁: "ما من
стр. 883
بيت حاضر ولا بادٍ إلا وقد دخله من موت عمر نقص"١.
وقال سفيان بن عيينة بإسناد له: "ما كان أبو بكر وعمر إلا حجة على الناس أن يقول قائل: من ذا الذي يستطيع أن يعمل بمثل عمل رسول الله ﷺ ، فيقال: أبو بكر وعمر. فكانا حجّة على الناس"٢. / [١٣٤ /أ] .
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: "كان عمر أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأتقانا لله، والله إن أهل بيت المسلمين لم يدخل عليهم حزن على عمر حين أصيب لأهل بيت سوء"٣.
وقال: "إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهبت يوم ذهب عمر"٤.
وعن الضحاك٥ عن ابن عباس ﵄ قال: "أكثروا ذكر عمر فإن عمر إذا ذكر ذكر العدل، وإذا ذكر العدل ذكر الله"٦.
فصل
المدح تارة يكون لحيّ، وتارة يكون لميّت، فإن كان لميّت جاز لما في الحديث، مرّ بجنازة فأثنوا عليه أو عليها خيراً٧، وإن كان لحيّ فإن أطراه بما
стр. 884
ليس فيه كره، وإن قال ما فيه، فليقل: أحسبه كذا، فلا يقول من باب القطع، فإن علمه بذلك من باب الظن، وفي الحديث: أن رجلاً مدح١ رجلاً بحضرة النبي ﷺ فقال: "قطعت ظهر أخيك، من كان مادحاً أخاه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، وحسيبه الله، ولا أزكي على الله أحداً" ٢.
وفي صحيح مسلم والترمذي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "احثوا في أفواه المدّاحين التراب" ٣.
ويحمل هذا على من زاد في المدح والإطراء، بأن قال في الرجل ما ليس فيه، ولا يجوز أن يقطع لأحدٍ بجنةٍ ولا نارٍ إلا من شهد له النبي ﷺ وهم أصحابه العشرة، وأناس قليلون معهم، منهم: عكاشة بن محصن٤، وخديجة بنت خويلد٥ وغيرهما٦.
فإن كان ذلك بالإشارة لا بصريح اللفظ فهل يجوز أم لا؟
في حديث عبد الله بن سَلام لما دخل المسجد قالوا: "هذا من أهل الجنة، وقام إليه ذلك الرجل فأخبره، فقال: "ما ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأني في روضة خضراء، وفي وسطها عمود وفيه عروة،
стр. 885
فقيل لي: ارْقَ، فلم أقدر فأتاني وصيف فرفع بثيابي من ورائي، فرقيت فاستمسكت بالعروة، فاستيقظت وهي في يدي، فقصصتها على النبي ﷺ فقال: "الروضة: الإسلام، والعمود: عمود الإسلام، والعُروة: العروة الوقثى، فأنت مستمسك بها حتى تموت" ١.
فظاهر الحال أن النبي ﷺ / [١٣٤ / ب] إذا قال في إنسان ما يدل على أنه من أهل الجنة، يجوز أن يشهد له بالجنة، وظاهر قول عبد الله ابن سلام أن الذي اختاره أنه لا يجوز ذلك. ولا يجوز أن يقطع لأحد أنه من أهل النار - أيضاً -، إلا من قطع له النبي ﷺ والكافر الذي يموت على كفره.
وفي الصحيحين: حين قالت امرأة لعثمان بن مَظْعُونِ: "رحمة الله عليكَ أبا السائب، شهادتي عليك: لقد أكرمكَ الله"، قال النبي ﷺ : "وما يُدْريكِ؟، والله إني رسول الله وما أدري ما يفعل بيَ، أو قال به". قالت: "فمن يكرمه الله يا رسول الله؟ "، قال: "أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير"، قالت: "لا أزكي بعدها أحداً أبداً"٢.
وقال الله عزوجل: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفَسَكُم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] ، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفَسَهُم بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَّشَاء﴾ [النساء: ٤٩] .
وأما قول النبي ﷺ : "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل
стр. 886
النار" ١. المراد به في آخر الزمان.
ويحتمل أشياء منها:
- أن يكون يعرف ذلك بارتكاب الجرائم، والمعاصي والبدع ونحو ذلك، ولزوم طاعة الله.
- ومنها: أن يعرف ذلك عند خروج الدابة ونزول عيسى، فإنه يظهر هناك المؤمن والكافر، وعند خروج الدابة فإنها تسم المؤمن بنور، والكافر بقتر، فعند خروج هذه الأشياء يعرف أهل الجنة من أهل النار.
- ويحتمل أن يكون ذلك الخطاب لمن كان معه من الصحابة، أي: يعرفون ذلك بالفراسة وقوة الإيمان٢.
وأما مدح المرء نفسه، والإخبار عن نفسه بالدين والعلم والشجاعة والورع ونحو ذلك، فإنه لا يجوز. لقوله عزوجل: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفَسَكُم﴾ [النجم: ٣٢] ، وقوله عزوجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفَسَهُم﴾ [النساء: ٤٩] . وأهل ذلك يظهر عليهم، وهم يكتمونه، وأهل الشرّ يظهر الشّرّ عليهم، وهم يخفونه، ولو قالوا: إنهم من أهل الخير.
وحكي عن حبيب العجمي٣ أنه كان يرائي، فمرّ على الصبيان فقالوا: "انظروا إلى حبيب المرائي"، فقال: "أظهرت سرِّي حتّى للصّبيان".
стр. 887
فتاب، ورجع، ثم مرّ عليهم، فقالوا: "اصبروا، مرّ حبيب التائب"، أو نحو هذا، فقال: "أنا اليوم تائب، وذلك اليوم مرئي"١. / [١٣٥ / أ] .
стр. 888
الباب الرابع والتسعون: محبته وثوابها
...
الباب الرابع والتسعون: في ذكر محبّته وثوابها
ذكر ابن الجوزي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "حبّ أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، ومن سبّ أصحابي فعليه لعنة الله" ١.
وعن محمّد بن خالد بن عَثْمَة٢ قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: "يؤتى بأقوام يوم القيامة فيقفون بين يدي الله عزوجل فيؤمر بهم إلى النار، فإذا هَمَّ الزبانية بأخذهم، وقربوا من النار، وهَمَّ مالكٌ بأخذهم، قال الله تعالى لملائكة الرحمة: "ردّوهم"، فيردوهم، فيقفون بين يدي الله عزوجل طويلاً فيقول: "يا عبادي أمرت بكم إلى النار بذنوب سلفت لكم استوجبتم لها، وقد روعتكم، وقد أذهبت ذنوبكم لحبّكم أبا بكر وعمر"٣.
وعن إسماعيل بن يحيى٤ بن سلمة بن كهيل٥ قال: "كانت لي أخت أسن مني فاختلطت، وذهب عقلها، فتوحشت، وكانت في غرفة بضع
стр. 889
عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الطهور، وتعقد الصلوات، وربما غلبت على عقلها الأيام فتحفظ ذلك حتى تقضيه. قال: فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل فقلت: من هذا؟، قالت: "بجة"، قلت: أختي؟، قالت: "أختك"، قلت: لبيك، وفتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشرين سنة، فقلت لها: يا أختاه، خير؟، فقالت: "خير أتيت الليلة في منامي، فقيل لي: السلام عليك يا بجة، فقلت: وعليكم السلام، فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك يحيى١ لسلمة بن كهيل٢، وحفظ إسماعيل لأبيك، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة فإن أبا بكر وعمر قد شفعا لك إلى الله عزوجل بحبّ أبيك وجدك إياهما، فقلت: إن كان لا بدّ أختار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة، والله واسع لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجعلهما لي فعل، قالت: فقال لي: قد جمعهما لك الله ورضي عن أبيك، وجدك بحبّهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي فأذهب الله ما كان بها"٣.
عن هبة بن سلامة المفسر٤ قال: "كان لنا شيخ يقرأ قراءة حمزة٥ في باب مُحَوِّل٦، فمات بعض أصحابه فرآه الشيخ في النوم، فقال: "ما
стр. 890
فعل الله بك؟ "، قال: "غفر لي١"، قال: "فما حالك مع منكر ونكير؟ "، قال: "يا أستاذ لما أجلساني وقالا لي: من ربُّكَ؟، ومن نبيّك؟، فألهمني الله أن قلت لهما: بحقّ أبي بكر وعمر دعاني"، فقال أحدهما للآخر: "قد أقسم علينا بعظيم، دعه، فتركاني وانصرفا"٢. / [١٣٥ / ب] .
وعن الحسين بن محمّد القطان٣ قال: حدّثني أبي٤ قال٥: "رأيت بشر بن الحارث٦ وقد اشترى مسكاً بدرهم، ورأيته يطوف في مزبلة، فإذا رأى رقعة فيها اسم الله عزوجل طرح عليها من المسك وجعلها في كوة، ويقول في إثرها: كذا أو هكذا أرفع اسمك إليك٧، قال: وقال لي بشر: أصبت رقعة ليس لله فيها اسم، فرميت بها، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي: "يا بشر رميت بالرقعة وفيها اسمان يحبهما الله تعالى: أبو بكر وعمر ﵄ ٨.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أنس "أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : "متى الساعة؟ "، قال: "وما أعددت لها؟ "، قال: "لا شيء إلاّ أني أحبّ الله
стр. 891
ورسوله". قال: "فإنك مع من أحببت". [قال] ١ أنس: "فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحاً بقول النبي ﷺ : "أنت مع من أحببت"، فقال أنس: "فأنا أحبّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم لحُبِّي إياهم، وإن كنت لا أعمل بأعمالهم"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني قال أبو بكر بن عياش: "ذكر عمر بن الخطّاب عبادة"٣.
وذكر الشيخ موفق الدين في "المنهاج"، عن عبد الرحيم بن زيد العمي٤ أخبرني أبي٥ قال: "أدركت سبعين شيخاً من التابعين كلهم يحدّثون عن أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: "من أحبّ جميع أصحابي، وتولاهم، واستغفر لهم، جعله الله يوم القيامة معهم في الجنة" ٦.
وروى الشيخ موفق الدين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 892
"لا يجتمع حبّ هؤلاء الأربعة إلاّ في قلب مؤمن: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ" ١.
وفي (فضائل الصحابة) لإبراهيم بن عبد الرحمن المقدسي٢ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن على حوضي أربعة أركان، فأوّل ركن منها٣ في يدي أبي بكر، والركن الثاني في يد عمر، والركن الثالث في يد عثمان، والركن الرابع في يد عليّ، فمن أحبّ أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر٤، ومن أحبّ عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر، ومن أحبّ عثمان وأبغض عليّاً لم يسقه عثمان، ومن أحبّ عليّاً وأبغض عثمان لم يسقه عليّ٥، ومن أحسن القول في أبي بكر فقد أقام الدين، ومن أحسن القول في عمر فقد وضح السبيل، ومن أحسن القول في عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحسن القول في عليّ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن
стр. 893
أحسن القول في أصحابي فهو مؤمن" ١.
وفي (أمالي) الجوهري عن عليّ أن النبي ﷺ / [١٣٦ / أ] نظر إلى أبي بكر وعمر يأتيان من قبل قباء، فقال: "سابقان، سابقان بالخير حبّهما إيمان، وبغضهما نفاق، أتحبّهما يا عليّ؟ "، قال: نعم. يا رسول الله إني أحبّهما، وقد - والله - ازددت لهما حبّاً، وقال: "أجل فأحبهما فإن حبهما إيمان، وبغضهما نفاق" ٢.
وفي (أمالي) أبي عبد الله بن مَنْدَة٣ عن مسروق بن الأجدع قال: "حبّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة"٤.
وفي (أحاديث) أبي بكر محمّد بن عبد الله بن إبراهيم٥ الشافعي٦ عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحبّ أن يتمسك بقضيب الدرّ الذي غرسه الله في جنة
стр. 894
عدن بيده، فليحبّ عمر ابن الخطّاب ﵁" ١.
وفي (أحاديث) إسماعيل بن محمّد الصفار٢ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "حبّ أبي بكر، وعمر سنة وبغضهما كفر، وحبّ الأنصار إيمان وبغضهم كفر، وحبّ العرب إيمان وبغضهم كفر" ٣.
فصل
محبّة أبي بكر وعمر واجبة على كلّ أحدٍ، فمن أبغضهما فقد ترك واجباً كالصلاة والصوم، وما سبق من الأحاديث يدلّ على ذلك، وأن الإنسان إذا ترك محبّتهما حكمه كمن ترك غير ذلك من الواجبات: الصلاة والصوم ونحو ذلك، وأنه يستتاب على ذلك، فإن تاب ورجع وإلاّ قتل، فإنه تقدم أن النبي ﷺ قال: "بغضهما كفر"، وذلك لأن الرسول ﵇ أمر بمحبّتهما، ومن لم يفعل ذلك فقد ردّ على الرسول ما أمر به، ومن فعل ذلك كفر واستتيب فإن تاب وإلاّ قتل.
стр. 895
الباب الخامس والتسعون: عداوته وعقابها
...
الباب الخامس والتسعون: في ذكر عداوته وعقابها
روى التّرمذي عن أيوب عن محمّد بن سيرين قال: "ما أظن رجلاً ينتقص أبا بكر وعمر يحبّ النبي ﷺ " وقال: "حديث حسن غريب"١.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسُبّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما أدرك مدّ أحدِهم ولا نصيفه" ٢.
وفي النسائي عن عبد الله بن الزبير أن عمر ﵁ قام بالجابية خطيباً فقال: "إن رسول الله ﷺ قام فينا مقامي فيكم فقال: "أكرموا أصحابي فإنهم خياركم" ٣.
стр. 896
وذكر الشيخ موفق الدين في "المنهاج" عن عبد الرحمن بن سالم ابن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختارني واختار لي أصحاباً، فجعل لي منهم أصهاراً وأنصاراً، فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً" ١.
стр. 897
وروى الإمام أحمد وغيره عن عبد لله بن مُغَفَّل المزني١ قال: قال رسول الله ﷺ : "الله اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً٢ بعدي، من أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن سبّهم فعليه لعنة الله" ٣.
قال الصابوني٤: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن مغفل"٥.
وذكر الشيخ موفق الدين بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختارني واختار لي أصحاباً فجعلهم أصحابي، وأصهاري، وأنصاري، وسيأتي قوم من بعدهم يسبّونهم، أو قال: يبغضونهم فلا
стр. 898
تجالسوهم، ولا تواكلهم، ولا تناكحوهم، ولا تصلوا عليهم، ولا تصلوا معهم" ١.
وروى الشيخ موفق الدين بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله الملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" ٢.
وقال ابن عمر: "إن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله من سبّ أصحابي" ٣.
стр. 899
وقال ابن عمر: "لا تسبّوا أصحاب محمّد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم أربعين سنة"١.
وذكر الشيخ موفق الدين عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ لما حضرته الوفاة قالوا: "يا رسول الله أوصنا، فقال رسول الله ﷺ : "أوصيكم بالسابقين المهاجرين الأوّلين، وأبنائهم من بعدهم إن لا تفعلوا لا يُقبل منكم صرف ولا عدل" ٢.
وروى الطبراني٣ في "المعجم الكبير" عن سهل بن يوسف بن سهل بن
стр. 900
مالك، عن أبيه عن جده١ سهل بن مالك٢ قال: "لما رجع رسول الله ﷺ في حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن أبا بكر لم يسؤني قطّ، فاعرفوا ذلك له، يا أيها الناس إني راضٍ عن عمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، والمهاجرين الأوّلين، فاعرفوا ذلك لهم، يا أيها الناس إن الله قد غفر لأهل بدرٍ والحديبية، يا أيها الناس لا تسؤوني في أختاني، وأصهاري، وأصحابي، يا أيها الناس لا يطالبنكم أحد منهم [بمظلمة] ٣ فإنها لا توهب، يا أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات الرجل فقولوا فيه خيراً" ٤.
стр. 901
وروى الشيخ موفق الدين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد افترض عليكم حبّ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كما افترض عليكم الصلاة والصيام، والحجّ، فمن أبغض أحداً منهم أدخله الله النار" ١.
وروى الشيخ موفق الدين عن وهب بن منبه قال: "رأيت أسقف قيسارية في الطواف فسألته عن إسلامه فقال: / [١٣٧ / أ] ٢ "ركبت سفينة أقصد بعض المدن في جماعة من الناس فانكسرت السفينة فوثبت على خشبة يضربني الموج ثلاثة أيام بلياليها، ثم قذف بيَ الموج إلى غيضة فيها أشجار لها ثمر مثل النَبِق، ونهر مطرد، فشربت الماء وأكلت من ذلك الثمر، فلما جنّ الليل صعد من الماء شخص عظيم، وحوله جماعة لم أرَ على صورتهم أحداً، فقال بأعلى صوته: "لا إله إلا الله الملك الجبار محمّد رسول الله النبي المختار، أبو بكر الصديق صاحب الغار، عمر بن الخطّاب فتاح الأمصار، عثمان بن عفان حسن الجوار، عليّ بن أبي طالب قاصم الكفار، على باغضيهم٣ لعنة الله، ومأواه جهنم وبئست الدار، ثم غاب، فلما كان بعد مضي أكثر الليل صعد ثانياً في أصحابه فنادى: لا إله إلا الله القريب المجيب، محمّد رسول الله النبي الحبيب، أبو بكر الصديق الشفيق الرفيق، عمر بن الخطّاب ركن من حديد،
стр. 902
عثمان بن عفان الحيي الحليم، عليّ بن أبي طالب الكريم المستقيم، ثم بصر بيَ أحدهم فدنا مني فقال: "أجني أم إنسي؟ "، فقلت: "إنسي". قال: "ما دينك؟ "، قلت: "النصرانية"، قال: "أسلم تسلم، أما علمت أن الدين عند الله الإسلام"، فقلت: "ما هذا الشخص العظيم الذي نادى؟ "، قال: "هو التيار ملك البحار، هذا دأبه كلّ ليلة في بحر من البحور"، ثم قال: "غداً يمر بك مركب، فصح بهم، وأشر إليهم يحملوك إلى بلد الإسلام"، فلما كان من الغدّ مرّ مركبٌ، فأشرت إليهم، وكانوا نصارى، فحملوني، وقصصت عليهم قصتي، فأسلموا كما أسلمت، وضمنت لله لا أكتم هذا الحديث"١.
وفي "فضائل الصحابة" لإبراهيم بن عبد الرحمن المقدسي عن الأعمش قال: "خرجت في البلد في ليلة مظلمة أريد الجامع، فإذا بشخص قد عارضني فاقشعررت منه، فقلت: أمن الإنس أنت أم الجنّ؟ قال: "بل من الجن". فقلت: "من مؤمنها أم من كافرها؟ "، قال: "بل من مؤمنها". قلت: "فيكم من هذه البدع شيئاً؟ "، فقال: "نعم. إلاّ أنه ليس منا شرٌّ من المرجئة، ولا أرعَنَ من القدرية، ولا أجهل من الرافضة"، ثم قال لي: "ألا أحدثك بحديث؟ "، قلت: "بلى". قال: "أعلمك أنه وقع بيني وبين عفريت من الجنّ اختلافٌ في أبي بكر وعمر، فقال العفريت: "إن أبا بكر وعمر ظلما عليّ بن أبي طالب واعتديا عليه، وأخذا ما ليس لهما بحقّ، فقال لي: بمن ترضى؟ ". فقلت: "بإبليس، فأتينا إبليس وهو جالس على ساحل البحر على سرير من
стр. 903
الخشب، فلما نظر إلينا ضحك وقهقه، وقال: "فيما جئتماني؟ "، فقصصنا عليه القصة، فقال: "ألا أحدثكم بحديث؟ "، قلنا: "بلى". قال: "أُعَلِّمُكُم أني عبدت الله عزوجل في السماء الدنيا ألف عام، فسميت فيها العابد، ورفعت إلى السماء الثانية، فعبدت الله فيها ألف عام، فسميت فيها الزاهد، ورفعت إلى السماء الثالثة، فعبدت الله فيها ألف عام، فسميت فيها الراغب، ثم رفعت إلى السماء الرابعة فرأيت فيها ألف صنف من الملائكة يستغفرون لأبي بكر وعمر ﵄ ثم رفعت إلى السماء الخامسة، فرأيت فيها ألف صنف من الملائكة يلعنون مُلْعِنِي أبي بكر وعمر، فهذا قد رأيت، فإن شئتما فأحباهما، وإن شِئْتُمَا فأبغضاهما"١. / [١٣٦ / ب] ٢.
وذكر ابن الجوزي عن أبي المُحَيَّاة٣ التيمي٤ قال: حدّثني مؤذنعليّ٥ قال: "خرجت أنا وعمي إلى مُكْرَان٦، وكان معنا رجل يَسُبُّ أبا بكر وعمر ﵄ فنهيناه فلم ينتهِ، فقلنا: اعتزلنا، فلما دنا خروجنا نَدِمْنا، فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع إلى الكوفة، فلقينا غلاماً له، فقلنا له: قل لمولاك يعود إلينا قال: "إن مولاي قد حدّث به أمر عظيم، قد مسخت
стр. 904
يداه يدا خنزير، قال: فأتيناه فقلنا له: ارجع إلينا، فقال: "إنه قد حدث بيَ أمر عظيم"، وأخرج ذراعيه / [١٣٧ / ب] فإذا هما ذراعاً خنزير، قال: فصحبنا حتى انتهينا إلى قرية من قرى السواد كثيرة الخنازير فلما رآها صاح صيحة ووثب فمسخ خنزيراً١، وخفي علينا فجئنا بغلامه ومتاعه إلى الكوفة"٢.
قال أبو المحياة: وحدّثني رجل قال: "خرجنا في سفر ومعنا رجل يشتم أبا بكر وعمر ﵄ فنهيناه، فلم ينته، فخرج لبعض حاجته، فاجتمع عليه الدبر - يعين: الزنابير٣ - فاستغاث، فأغثناه، فحملت علينا حتى تركناه، فما أقلعت عنه حتى قطعته"٤.
وعن خلف بن تميم٥ قال: "سمعت بشيراً - ويكنى: أبا الخصيب٦ قال: "كنت رجلاً تاجراً، وكنت موسراً، وكنت أسكن مدائنَ كسرى، وذلك
стр. 905
في زمن ابن هبيرة١ قال: فأتاني أجيري فذكر أن في بعض خانات٢ المدائن رجلاً قد مات، ولم يوجد له كفن، فأقبلت حتى دخلت ذلك الخان، فدفعت إلى رجل مُسَجَّى، وعلى بطنه لبنةٌ، ومعه نفرٌ من أصحابه، فذكروا من عبادته وفضله، [قال:] ٣ فبعثتُ يُشْتَرى٤ الكفن وغيره، وبعثت إلى حافر يحفر له، وهيّأ له لبناً، وجلسنا نُسَخِّن له ماء لنغسّله، فبينا نحن كذلك، إذ وثب الميتُ وثبةً فندرت اللبنة عن بطنه، وهو يدعو بالويل والثُّبورِ والنار، فتصدّع أصحابه عنه، قال: فدنوتُ منه حتى أخذت بعضده وهَزَزته، ثم قلت: ما أنت٥ وما حالك؟ فقال: "صحبت مَشْيَخة من أهل الكوفة، فأدخلوني في دينهم، أو في رأيهم الشكّ من أبي الخصيب في سبّ أبي بكر وعمر والبراءة منهما"، قال: قلت: اسْتَغْفِر الله، ثم لا تعد. قال: فأجابني: "وما ينفعني، وقد انطُلِقَ بيَ إلى مدخلي من النار، فرأيته، وقيل لي: إنك سترجع إلى أصحابك، فتُحَدِّثُهم بما رأيت، ثم تعود إلى حالك؟ "، قال: فما انقضت كلمتُه حتى مال ميتا على حاله الأوّل، فانتظرت حتى أُتيتُ بالكفن، فأخذته، ثم قمت، فقلت: لا كَفَّنْتُهُ، ولا غَسَّلْتُهُ، ولا صَلَّيتُ عليه، ثم انصرفت، فأُخبِرتُ بعد أن القوم الذين كانوا معه كانوا على رأيه،
стр. 906
ولوا١ غسله، ودفنه، والصلاة عليه. وقالوا: "ما الذي أنكرتم من صاحبنا، إنما كانت خطفه من الشيطان تكلم بها على لسانه".
قال خلف: فقلت: "يا أبا الخصيب هذا الذي حدّثتني به شهدته؟ "، قال: "نظر عيني وسماع أذني، وأنا أؤدّيه إلى الناس"٢.
وعن أبي الحُباب٣ وهو عمّ عمار بن سيف الضبِي٤ قال: "كنا في غزاةٍ في البحر وقائدنا موسى بن كعب٥، ومعنا في المركب رجل من أهل الكوفة يكنى: أبا الحجاج، قال: فأقبل يشتمُ أبا بكر وعمر ﵄ فزجرناه فلم ينزجر، ونهيناه ولم ينته، فأرسينا إلى جزيرة في البحر، فتفرقنا فيها نتأهّبُ / [١٣٨ / أ] لصلاة الظهر، فأتانا صاحب لنا، فقال: "أدركوا أبا الحجاج فقد أكلتهُ النحلُ، فدفعنا إلى أبي الحجاج وهو ميت، وقد أكَلَتْهُ الدَّبْرُ - وهي: النحل -.
قال٦: وزادني في هذا الحديث ابن المبارك٧: قال أبو الحباب: "فحفرنا له لندفنه فاستوعرت علينا الأرض، قال: "وما استوعرت؟ "، قال: صلبت٨، فلم نقدر على أن نحفر له، فألقينا عليه ورق الشجر والحجارة، وتركناه".
стр. 907
قال خلف: "وكان صاحب لنا يبول، فوقعت نحلة على ذكره، فلم تضره فعلمنا أنها مأمورة"١.
وعن أبي الحسين أحمد بن عبد الله السوسنجردي٢ قال: "كان في جوارنا رجل يقرأ القرآن، يعرف بأبي الحسن بن عرنة٣، وكان يختلف إلى شيخنا أبي الحسن بن أبي عمر المقرئ٤، فبات ليلة، وقد عمي، فسئل عن ذلك فقال: "كنت في مجلس في شارع باب الكوفة فذكر رجل بحضرة جماعة أبا بكر وعمر ﵄ بسوء، فما أنكرت، وكنت قادراً على الإنكار، فلما كان الليل رأيت عليّاً بن أبي طالب ﵁ في النوم، فقال لي: "لم لا تنكر على من ذكرهما بسوء؟ "، فضرب رأسي بمرزبة فأصبحت أعمى"٥.
وعن محمّد بن عليّ السمان٦ قال: "سمعت رضوان السمان٧ قال: "كان لي جار في منزلي وسوقي، وكان يشتم أبا بكر وعمر ﵄ قال: فكثر الكلام بيني وبينه، فلما كان ذات ليلة شتمهما وأنا حاضر، حتى وقع بيني وبينه كلام، حتى تناولني وتناولته، فانصرفت إلى منزلي وأنا
стр. 908
مغموم حزين، ألوم نفسي، قال: فنمت، وتركت العشاء من الغم، فرأيت رسول الله ﷺ في منامي في ليلتي، فقلت له: يا رسول الله، فلان جاري في منْزلي وفي سوقي، هو يعيب أصحابك، قال: "من أصحابي؟ "، فقلت: أبا بكر وعمر، فقال رسول الله ﷺ : "خذ هذه المدية فاذبحه بها". قال: فأخذته فأضجعته فذبحته، فرأيت كأن يدي أصابها من دمه، قال: فألقيت المدية وأوهيت بيدي إلى الأرض أمسحها، فانتبهت، وأنا أسمع الصراخ من نحو داره، قلت: انظروا ما هذا الصراخ؟، قالوا: فلان مات فجأة، فلما أصبحنا نظرت إليه فإذا خطّ في موضع الذبح"١.
وقال أبو بكر بن عبيدة٢: وحدّثني أبو بكر الصّيْرَفي٣ قال: مات رجل كان يشتم أبا بكر وعمر ﵄ ويرى رأي جهم٤، فأريه رجل في النوم كأنه عريان على رأسه خرقة سوداء وعلى عورته أخرى، قال: "ما فعل الله بك؟ "، قال: "جعلني مع بكر القصّ، وعون بن الأعسر، وهما نصرانيان"٥.
وعن المعافي بن عمران٦ قال: "قال سفيان الثوري: "كنت امرءًا أغدو إلى الصلاة بغلسٍ، فغدوت ذات يوم، وكان لنا جار له كلب عقور،
стр. 909
فجعلتُ أنظر حتى يتنحى، فقال الكلب: "جز يا أبا عبد الله فإنما أمرتُ بمن / [١٣٨ / ب] يشتم أبا بكر وعمر ﵄"١.
وعن أبي روح٢ رجل من الشيعة قال: "كنا بمكة في المسجد الحرام قعوداً٣، فقدم رجل نصف وجهه أسود، ونصف وجهه أبيض، فقال: "أيها الناس اعتبروا بيَ، فإني كنت امرءاً أتناول٤ الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ أسبهما، فبينا أنا ذات ليلة في منامي إذ أتاني آتٍ، فرفع يده فلطم حرّ وجهي وقال لي: "يا عدوّ الله، يا فاسق، أتسبّ الشيخين: أبا بكر وعمر ﵄؟ فأصبحت وأنا على هذه الحال"٥.
وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة٦ قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان، سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما فقلته، فأخبر أبو حنيفة فقال: "البغل الذي رمحه الذي سماه عمر، فنظروا فكان كذلك"٧.
وعن يوسف بن إبراهيم بن الحسن الخياط٨ شيخٌ صالح قال: "كان في
стр. 910
الجانب الشرقي في وقت أبي الحسن بن بويه١٢، رجل ديلمي من قواده، ويسمى جبنه٣ مشهور من وجوه عسكره، فبينا هو واقف يوماً في موسم الحجّ ببغداد، وقد أخذ الناس في الخروج إلى مكّة، إذ عبر به رجل يعرف بعليّ الدقاق، قال: يوسف: هو حدّثني بهذه القصة وشرحها، إذ كان هو صاحبها والمبتلى بها، وكنت أسمع غيره من الناس يذكرونها لشهرتها، إلا أنّي سمعته يقول: عبرت على جنبه فقال لي: "يا عليّ هو ذا الحجّ هذه السنة". فقلت: لم يتفق لي حجة إلى٤ الآن، وأنا في طلبها، فقال لي جواباً عن كلامي: "أنا أعطيك حجة"، فقلت له: هاتها، فقال: "يا غلام مرّ إلى الصيرفي وقل له: يزن له عشرين ديناراً"، فمررت مع غلامه فوزن لي عشرين ديناراً فرجعت إليه، فقال لي: "أصلح أمورك، فإذا عزمت على الرحيل فأرني وجهك لأوصيك بوصية، فانصرفت عنه وهيأت أموري ورجعت إليه فقال لي: "أولا قد وهبت هذه الحجة لك ولا حاجة لي بها، ولكن أحملك رسالة إلى محمّد"، فقلت: ما هي؟. قال: "قل له: أنا بريء من صاحبيك أبي بكر وعمر اللذين معك"، ثم حلفني بالطلاق لتقولنها وتبلغن هذه الرسالة إليه، فورد عليّ مورد عظيم، وخرجت من عنده مهموماً حزيناً، وحججت ودخلت المدينة، وزرت قبر رسول الله ﷺ وصرت متردداً في الرسالة أبلغها
стр. 911
أم لا أبلغها. [و] ١ فكرت أني إن لم أبلغها طلقت امرأتي، وإن بلغتها عظمت عليّ مما أواجه به رسول الله ﷺ ، فاستخرت الله عزوجل في القول وقلت: إن فلاناً بن فلان يقول كذا وكذا وأديت الرسالة بعينها، واغتممت غمّاً شديداً / [١٣٩ / أ] وتنحيت ناحية، فغلبتني عيناي فرأيت النبي ﷺ فقال: "قد سمعت الرسالة التي أديتها، فإذا رجعت فقل له: يا عدوّ الله أبشر بيوم التاسع والعشرين من قدومك بغداد، إن رسول الله ﷺ يقول لك: أبشر بنار جهنم" وقمت، وخرجت، ورجعت إلى بغداد، فلما عبرت إلى الجانب الشرقي، فكرت أن هذا رجل سوء بلغت رسالته إلى رسول الله ﷺ فلا أبلغ إليه رسالته، وما هو إلاّ أن أخبره، فيأمر بقتلي أو يقتلني بيده، وأخذت أقدم وأؤخر، وقلت: لأقولنّها ولو كان فيها قتلي، ولا أكتم رسالته ﷺ وأخالف أمره، فدخلت عليه قبل الدخول على أهلي، فما هو إلاّ أن وقعت عينه عليّ، فقال: "يا دقاق ما عملت في الرسالة؟ "، قلت: أديتها إلى رسول الله ﷺ ولكن قد حملني جوابها، قال: "وما هو؟ "، فقصصت عليه رؤياي، فنظر إليّ وقال: "إن قتلَ مثلك عليّ هين وسبّ وشتم، وكان في يده زوبين٢ فهزّه في جوهي ولكن لأتركنك إلى اليوم الذي ذكرته، ولأقتلنك بهذا الزوبين". ولامني الحاضرون، وقال لغلامه: "أحبسه في الإصطبل٣ وقيده". فَحُبِست وقُيدت، وجاءني أهلي وبكوا عليّ ولاموني، فقلت: قضى الذي كان ولا أموت إلا بأجل، فلم تزل تمرّ الأيام والناس
стр. 912
يتفقدوني ويرحموني مما أنا فيه، حتى مضت سبعة وعشرون يوماً، فلما كانت الليلة الثامنة والعشرون اتخذ الديلمي دعوة عظيمة، وأحضر فيها وجوه قواد العسكر، وجلس معهم للشرب فلما كان نصف الليل جاءني السائس فقال لي: "يا دقاق القائد قد أخذته حمى عظيمة وقد تدثر١ بجميع ما في الدار وهو ينتفض". وكان على حالته اليوم الثامن والعشرين، وأمسى ليلة التاسع والعشرين، ودخل السائس نصف الليل وقال: "يا دقاق مات القائد". وحل عني القيد، فلما أصبحنا اجتمع الناس من كل وجه، وجلس القواد للعزاء، وأخرجت أنا، فاستعادني٢ الناس فقصصت عليهم، فرجع جماعة كثيرة عن مذاهبهم الردية، وخليت أنا"٣.
وعن زائدة بن قدامة٤ قال: قلت لمنصور بن المُعْتَمِر٥: "اليوم الذي أصومه أقع في الأمراء؟، قال: "لا". قلت: "فأقع فيمن يتناول أبا بكر وعمر؟ "، قال: "نعم"٦.
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلت لأبي: "لو سمعت رجلاً
стр. 913
يسبّ أبا بكر وعمر ما كنت تصنع؟ قال: "كنت أضرب عنقه"١.
وعن محمّد بن يحيى الواسطي، قال: "رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: "ههنا قوم يشتمون أبا بكر وعمر وهما مني / [١٣٩ / ب] بمنزلة هاتين وقرن بين إصبعيه المسبحة والوسطى فمن شتمهما فقد شتمني"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني في "سيرة السلف"، قال المهدي٣: "ما فتشت رافضيّاً قطّ إلاّ وجدته زنديقاً"٤.
وقال طلحة بن مُصَرِّف٥: "لولا أني على وضوء لخبرتك ببعض ما [تقول] ٦ الشيعة"٧.
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلت لأبي: "لو أتيت برجل يسبّ أبا بكر ﵁ ما كنت صانعاً؟ قال: "أضرب عنقه". قلت: فعمر؟ قال: "أضرب عنقه"٨.
وقال مسلم البطين٩:
стр. 914
أنى تعاتب لا أبا لك رفقة ... علقوا الفِرَى وبروا من الصديق
وبروا سفاهاً من وزير نبيهم ... تبّاً لمن يتبرأ من الفاروق١
وذكر أبو القاسم الأصفهاني قال: "بلغ عليّاً ﵁ أن ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر-﵄-فدعا به، ودعا له بالسيف، وهم بقتله، فكلم فيه، فقال: لا يساكني ببلدة أنا فيها، فسيره إلى المدائن"٢.
وسمعت بعضهم يخبر: أن قيم حمام حلق رأس شخص ثم أراد أن يحك رجليه فوجد في أسفل رجله أبا بكر وعمر، فقال له: "ألا أحلق لك تحت لحيتك؟ "، ولم يكن في الحمام غيرهما، قال: "نعم". فذبحه، ثم فزع وخرج، فدخل شخص فوجده خنزيراً، فقال: "ما هذا الخنزير الذي في الحمام؟ "، فدخلوا إليه فوجدوه قد صار في صورة خنزيرٍ، أو ما هذا معناه".
وأُخْبِرْتُ: أنه قطّ ما قتل سني أحداً منهم ولا خاف إلاّ وحول الرافضي خنزيراً.
وأخبرت أن عامتهم يتحولون في قبورهم كذلك.
فصل
الرافضة لا يتركون على بدعتهم، ومن علم به منهم استتيب فإن تاب وإلاّ قتل، لأنهم كفار، وكفرهم بأشياء منها:
стр. 915
تكذيبهم لله ورسوله، فيما أخبر به من فضل أبي بكر وعمر، ومن تركهم على بدعتهم فهو فاسق.
واختلف في تكفير من لم يكفرهم، وقد ذكرنا الكلام على هذا في "فضائل أبي بكر" وما شابهت الرافضة اليهود فيه١.
وفي "مسند الإمام أحمد" قال: قال رسول الله ﷺ : "يظهر في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام" ٢. / ب ١٤٠ / أ] .