← Акыда

Акыда · id 12070

مصطلحات في كتب العقائد

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (272 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعاش حياته الاجتماعية وما فيها من لهو، ولذات، وشرب خمر، وغناء، ونساء؛ فكان نهاره مع الأمير والسياسة، وليله مع التأليف، والتحصيل، والشرب، والغناء. وكان إذا تحير في مسألة ابتهل إلى مبدع الكل كما يقول، وإذا غلبه النوم عدل إلى شرب قدح من الشراب. وإليك بعض نصوص من سيرته الخاصة تصور لك الحياة المتناقضة والعجيبة، يقول ابن سينا حكاية عن حاله: ـ وكلما كنت أتحير في مسألة، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت، وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر لي المنعسر. ـ وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة؛ فمهما غلبني النوم، أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة. ومهما أخذني أدنى نومٍ أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إن كثيراً من المسائل اتضح لي وجوهُها في المنام. ـ فإذا أفرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم، وهُيِّئ مجلس الشراب بالآنية، وكنا نشتغل به. ـ فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب، والمراكب الخاصة، وأنزل في محله، وفيها الآلات، والفرش، وما يحتاج إليه.

стр. 107

ـ وصلينا العشاء، وقدم الشمع، وأمر بإحضار الشراب، وأجلسني وأخاه، وأمر بتناول الشراب١. فهذه نبذة من أقواله التي تبين بعض معالم شخصيته. أما مؤلفاته فكثيرة تبلغ العشرات في شتى الفنون، ومنها: ١ـ المجموع مجلدة. ٢ـ الحاصل والمحصول عشرون مجلدة. ٣ـ الإنسان مجلدة. ٤ـ البر والإثم مجلدتان. ٥ـ الشفاء ثمان عشرة مجلدة. ٦ـ القانون أربع عشرة مجلدة. ٧ـ الأدوية القلبية مجلدة. ٨ـ بعض الحكمة المشرقية مجلدة. وخلاصة الحديث عن ابن سينا: أنه كان من الأذكياء، ووالده كان إسماعيلياً، وكان منهوماً بالقراءة والاطلاع، والتأليف، وكانت حياته غريبة صاخبة مليئة بالمتناقضات. ٣_ معتقد الفارابي وابن سينا: معتقدهم هو معتقد الفلاسفة الأوائل؛ فهم يسلكون في تقرير العقيدة، وبحث الأمور الإلهية مسلك قدماء الفلاسفة؛ فالمنهج الذي يسيرون عليه في ذلك منهج عقلي لا يرجعون فيه إلى ما جاء به الرسول ﷺ ولا يعرفون من العلوم الكلية، ولا العلوم الإلهية إلا ما يعرفه الفلاسفة المتقدمون مع زيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام، أو أهل الملة٢.

стр. 108

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الفارابي، وابن سينا، وغيرهم من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام ـ أنهم وإن كانوا قد توسعوا في مباحث الفلسفة، وتكلموا في الإلهيات والنبوات والمعاد بما لا يوجد عند الفلاسفة المتقدمين، وكان كلامهم أجود وأقرب إلى الحق من كلام سلفهم إلا أنهم مزجوا الحق الذي أخذوه من الدين بالباطل الذي بنوه على أصولهم الفلسفية الفاسدة، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة، ولكن على حساب الدين؛ فهم يعمدون إلى النصوص، فيؤولونها بتأويلات بعيدة ومتكلفة حتى تتلاءم مع قواعدهم الفلسفية. فيقولون مثلاً: إن صفات الله التي جاء بها القرآن، ونطقت بها السنة ليست إلا تعبيرات عن ذات واحدة. ويقولون: إن العرش هو الفلك التاسع، والكرسي هو الفلك الثامن، والملائكة هي النفوس والقوى التي في الأجسام، وما يحدث من العالم من خوارق العادات حتى معجزات الأنبياء إنما سببه عندهم قوة فلكية، أو طبيعية، أو نفسانية إلى غير ذلك من الأمور التي وجدوها في الفلسفة فتمحَّلوا لها نصوصاً من الدين١.

стр. 109

ثامناً: بيانُ علماءِ الإسلامِ ضلالَ الفلاسفة، وانحرافهم عن سواء الصراط: هذا وقد بين علماء الإسلام ضلال الفلاسفة، وانحرافهم عن سواء الصراط: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"حدثني ابن الشيخ الخضيري١ عن والده الشيخ الخضيري شيخ الحنفية في زمنه ـ قال: كان فقهاء بخارى يقولون: إن ابن سينا كان كافراً ذكياً"٢. وقال ابن القيم رحمه اللهعن ابن سينا: "فالرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، ولا مبدأ عنده ولا معاد، ولا رسول ولا كتاب"٣. وقال الذهبي ﵀ عن ابن سينا: "وما أعلم روى شيئاً من العلم، ولو روى لما حلت الرواية عنه لأنه فلسفي النحلة ضال"٤. وقال عنه ابن كثير ﵀: "وقد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلساً، وكفره في ثلاث منها، وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدّعه في البواقي"٥. هذا وسيأتي مزيد بيان عن ضلال الفلاسفة في الفقرة التالية ـ إن شاء الله ـ.

стр. 110

تاسعاً: الأدلة على الاستغناء بما جاءت به الرسل عن أفكار الفلاسفة ما جاءت به الرسل الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يغني عن أفكار الفلاسفة، والأدلة على ذلك كثيرة جدّّاً، وإليك طرفاً من ذلك على سبيل الإجمال: ١ـ أن الرسل جاءوا بالوحي المعصوم: الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. أما ما جاءت به الفلاسفة فخيالات وظنون، وهوس وضلال. فمصدر ما جاءت به الرسل هو الوحي، ومصدر ما جاءت به الفلاسفة هو العقل. ٢ـ أن ما جاءت به الرسل من أصول الدين متفق مؤتلف: فهو مثانٍ متشابهٌ يصدِّق بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض. بخلاف ما جاءت به الفلاسفة فهو ـ في أغلبه ـ متناقض متهافت. ٣ـ أن ما جاءت به الرسل يتلاءم مع الفطرة، بخلاف كلام الفلسفة فهو يعمي الفطر، ويبلد الإحساس. ٤ـ أن ما جاءت به الرسل واضح جلي: يفهمه العالم والعامي، ويدركه العربي والعجمي، والصغير والكبير. بخلاف كلام الفلاسفة؛ فهو أشبه ما يكون ـ في أغلبه ـ بالطلاسم، والرموز.

стр. 111

٥ـ أن ما جاءت به الرسل حق كله: بل لا سبيل إلى الحق إلا عن طريقهم بخلاف ما جاءت به الفلاسفة؛ فهو ـ في أغلبه ـ باطل، وما فيه من حق إنما هو ما أخذ من طريق الرسل أو أتباعهم. ٦ـ أن السعادة في الدنيا والآخرة إنما تكون باتباع ما جاءت به الرسل: وأن الشقاء في الدنيا والآخرة إنما يكون بالإعراض عما جاءوا به، ويوم القيامة لن يقال:"ماذا أجبتم الفلاسفة"، وإنما سيقال: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ . ٧ـ أن اتِّباع الرسل خير وبركة واجتماع: وأما اتباع الفلاسفة فشكٌ، وحيرة، وعمى، واضطراب، وافتراق. ٨_ أن أتْباع الرسل هم أسعد الناس، وأعلم الناس، وأزكى الناس، وأعلاهم رتبة في كل فضيلة: فهذه الأمور تعظم وتزداد بحسب الاتباع، وكل من اتبع الرسل فله نصيب من ذلك بحسبه. بخلاف أتباع الفلاسفة فهم ـ وإن أوتوا عقولاً، وفهوماً ـ فإنهم يعيشون في قلق، وضيق، وضنك. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ... ﴾ [طه:١٢٤] . هذه بعض الأمور التي تؤيد ما ذكر سابقاً، والأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية، والواقعية تدل على ذلك. وسيأتي مزيد بيان لهذه الفقرة في الفقرة التالية.

стр. 112

عاشراً: من أقوال بعض العلماء في ذم الفلسفة، وتعظيم ما جاءت به الرسل لقد تصدى علماء الإسلام ﵏ للفلسفة، وبينوا عوارها وزيفها، وبينوا في الوقت نفسه عظم ما جاءت به الرسل من الحق، والهدى، والسعادة. ويأتي على رأس هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فهو ممن خَبرَ الفلسفة، وسبر غورها، ورد على الفلاسفة، وبين بطلان ما هم عليه بالدليل النقلي والعقلي. بل إنه ﵀ استطاع أن يعكس الأمر على خصومه، ويشككهم في معقولاتهم، واستطاع أن يقوم بنفس الدور الذي قام به الفلاسفة حينما كانوا يجرُّون النصوص إلى الفلسفة، فأخذ هو يجرُّ العقل إلى خدمة النقل. وفي سبيل ذلك اضطر إلى أن يهدم كثيراً من قضايا العقل التي يظنها الناس ضرورية، وأن يقيم مكانها أخرى تتلاءم مع نصوص الشرع الصريحة بحيث لا يُحتاج بإزاء هذه النصوص إلى إنكار أو تأويل. وقد ألف كتباً في هذا السياق، ومنها: "نقض المنطق"، و"درء تعارض العقل والنقل"، وغيرها. وقد استطاع أن يوفق بين العقل والنقل، وأن يزيل ما عساه يُتَوهم بينهما من تعارض، وأن يثبت أن المعقولات الصريحة لا تتنافى بأية حال مع المنقولات الصحيحة، وأن كل ما يُتحدث به عن اختلاف بينهما فسببه أحد أمرين: إما اختلاط في العقل، وإما جهل بالنص١.

стр. 113

فإليك بعض النقول من كلام ذلك الإمام، وبعد ذلك نَقْلٌ من كلام ابن القيم ـ رحمهما الله ـ ومن خلالها يستبين لنا أن ما جاءت به الرسل هو الحق الذي لا مرية فيه، وأن كلام الفلاسفة باطل من أساسه. كما يتبين من خلال ذلك عظم رسالة نبينا محمد ﷺ وبركتها، وبركة أتباعها. فإلى تلك النُّقول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ١ـ "فقد تبين أن أصل السعادة وأصل النجاة من العذاب هو توحيد الله وحده لا شريك له، والإيمان برسله واليوم الآخر، والعمل الصالح"١. ٢ـ وقال:"من المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونها هم أبعد الناس عن معرفة الحديث، وأبعد عن اتِّباعه من هؤلاء. هذا أمرٌ محسوس، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله " وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيراً من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه، وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم، سواء كان موضوعاً أو غير موضوع"٢. ٣ـ وقال:"وما يوجد من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال، ومن شهادة أئمة الكلام والفلسفة بعضهم على

стр. 114

بعض كذلك ـ فأكثر من أن يحتمله هذا الموضع، وكذلك ما يوجد من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثير، وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن "الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد"، وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال، وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال، وهذا باب واسع كما قدمناه"١. ٤ـ وقال:"وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتِّباع المرسلين ـ فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك: هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك؛ فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة؛ فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول ﷺ : "مما يجهله غيرهم أو يكذب به" ٢. ٥ـ وقال:"والمقصود: أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم ـ أهل السنة والجماعة ـ من المعرفة والطمأنينة، والجزم الحق والقول الثابت، والقطع بما هم عليه، أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين"٣. ٦ـ وقال:"وبالجملة؛ فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة؛ بل المتفلسف أعظم اضطراباً

стр. 115

وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله. وأيضاً تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقاً واختلافاً، مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان. وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقاً وائتلافاً، وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب؛ فالمعتزلة أكثر اتفاقاً وائتلافاً من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوات، بل وفي الطبيعيات والرياضات، وصفات الأفلاك: من الأقوال ـ يعني المتفرقة ـ ما لايحصيه إلا ذو الجلال"١. ٧ـ وقال:"من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم؛ فإن المنازع لهم لابد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقاً أخرى، مثل المعقول، والقياس، والرأي، والكلام، والنظر والاستدلال، والمحاجة، والمجادلة، والمكاشفة، والمخاطبة، والوجد والذوق، ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتُها وخلاصتها؛ فهم أكمل الناس عقلاً، وأعدلهم قياساً، وأصوبهم رأياً، وأسدُّهم كلاماً، وأصحهم نظراً، وأهداهم استدلالاً، وأقومهم جدلاً، وأتمهم فراسة, وأصدقهم إلهاماً، وأحدُّهم بصراً ومكاشفة، وأصوبهم سمعاً ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجداً وذوقاً.

стр. 116

وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل. فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدُّ وأسد عقلاً، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك ممتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد:١٧] ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً , وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً , وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ٦٨﴾ [النساء] ١. ٨ـ وقال في اقتضاء الصراط المستقيم: "فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد "وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً، ولأهل العلم منهم خصوصاً من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علماً وعملاً الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا تفاوتاً يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها"٢. ٩_ وقال ابن القيم: "فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة وعلم وبصيرة إلى ماعندهم لم يظهر له نسبة إليه بوجه ما، وإن كان غيرهم من الأمم أعلم

стр. 117

بالحساب والهندسة، والكمَّ المتصل والكمَّ المنفصل، والنبض والقارورة، والبول والقسطة، ووزن آلاتها، ونقوش الحيطان، ووضع الآلات العجيبة، وصناعة الكيمياء، وعلم الفلاحة، وعلم الهيئة وتسيير الكواكب، وعلم الموسيقى والألحان، وغير ذلك من العلوم التي هي ما بين علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة، وبين علم نَفْعُه في العاجلة، وليس من زاد المعاد"١. ١٠ـ وقال ابن القيم ﵀:"ولهذا رام فلاسفة الإسلام الجمع بين الشريعة والفلسفة كما فعل ابن سينا والفارابي وأضرابهما، وآل الأمر بهم إلى أن تكلموا في خوارق العادات والمعجزات على طريق الفلاسفة المشائين، وجعلوا لها أسباباً ثلاثة: أحدها: القوى الفلكية، والثاني: القوى النفسية، والثالث: القوى الطبيعية، وجعلوا جنس الخوارق جنساً واحداً، وأدخلوا ما للسحرة، وأرباب الرياضة والكهنة وغيرهم مع ما للأنبياء والرسل في ذلك، وجعلوا سبب ذلك كله واحداً، وإن اختلفت بالغايات، والنبي قصده الخير، والساحر قصده الشر!. وهذا المذهب من أفسد مذاهب العالم، وأخبثها، وهو مبني على إنكار الفاعل المختار، وأنه ـ تعالى ـ لا يعلم الجزئيات، ولا يقدر على تغيير العالم، ولا يخلق شيئاً بمشيئته وقدرته، وعلى إنكار الجن، والملائكة، ومعاد الأجسام. وبالجملة فهو مبني على الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر"٢.

стр. 118

السفسطة والقرمطة ترد هاتان اللفظتان في كتب العقائد، وقد أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية ص١٩ إذ يقول في معرض رده على المتكلمين: "ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات" ص١٩. وهذه العبارة قد تشكل على بعض من يقرأ التدمرية، ويمكن فهمها من خلال تحليل عباراتها وشرحها. أولاً: معنى قوله: "يسفسطون في العقليات": قوله: " يسفسطون ": من السفسطة: وهي لفظ معرب مركب في اليونانية من كلمتين: سوفيا وهي الحكمة، واسطس وهو المموه؛ فمعنى السفسطة: حكمة مموهة، ويراد بالسفسطة: التمويه والخداع، والمغالطة في الكلام. والغرض من ذلك: تغليط الخصم، وإسكاته. والسوفسطائية طائفة من الفلاسفة تقوم على إنكار الحقائق، والقياسات الوهمية. ومؤرخو الفلسفة اليونانية يكتبون عن السوفسطائيين، وهم أناس عرفوا بهذه المهنة التي ازدهرت في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد١. ومقصود شيخ الإسلام بقوله: " يسفسطون في العقليات "أنه أراد أن يبين

стр. 119

بطلان مقالة المتكلمين في تقريرهم أسماء الله وصفاته، وأنهم يموهون ويغالطون في الأمور العقلية الواضحة الثابتة؛ فكل من أنكر حقاً واضحاً، وموَّه فيه بالباطل فهو مسفسط. ثانياً: قوله: "يقرمطون في السمعيات": قوله: "يقرمطون": جاء في لسان العرب: "القرمطة في الخط دقة الكتابة، وتداني الحروف، وفي المشي مقاربة الخطو، وتداني المشي"١. هذا معناه في اللغة. وأما في الاصطلاح: فهو نسبة إلى القرامطة الباطنية. وسموا بذلك _ كما يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٠٤ _ لأحد سببين: الأول: أن داعية لهم من ناحية خوزستان قَدِم سواد الكوفة، ونزل على رجل يقال له: كَرْمِيته، لُقِّبَ بهذا؛ لحمرة عينيه؛ فسمي الداعية باسم الذي كان نازلاً عليه، ثم خفف فقيل: قرمط. الثاني: أنه نسبة إلى حمدان قرمط، الذي يقول عنه صاحب الفرق بين الفرق ص٢٢٦: إنه لقب بذلك؛ لقرمطة في خطه، أو خطوه. والقرامطة باطنية يدعون أن لنصوص الشرع باطناً يخالف ظاهرها، ثم يفسرونها بما لا يوافق شرعاً، ولا لغة، ولا عقلاً. ومعنى قوله: " السمعيات ": أي النقليات، وهي الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة.

стр. 120

ومراد شيخ الإسلام بقوله: "يقرمطون في السمعيات". أي أنهم _أي أهل الكلام_ يؤولون النصوص تأويلاً يخرجها عن معانيها الصحيحة المرادة؛ فمن تأولها على غير وجهها الصحيح ففيه شبه بالقرامطة من هذه الجهة.

стр. 121

الحادث، والمُحدِث، والحدوث، والقديم، والقدم ترد هذه الكلمات كثيراً في كتب العقائد في عدد من المواضع، وذلك كما في الحديث عن نفي مماثلة الخالق للمخلوق، وكما في الحديث عن حدوث العالم وغير ذلك. وفيما يلي إيضاح لمعنى هذه الكلمات. قال الجرجاني: "الحادث: ما يكون مسبوقاً بمادة ومدة. وقيل: ما كان لوجوده ابتداء"١. وقال الكفوي: "الحادث: ما كان وجوده طارئاً على عدمِه، أو عدمُه طارئاً على وجوده فهو حادث"٢. وقال: "والحدوث: الخروج من العدم إلى الوجود، أو كون الوجود مسبوقاً بالعدم اللازم للوجود، أو كون الوجود خارجاً من العدم اللازم للموجود"٣. وقال: "وأظهر التعريفات للحدوث هو أنه حصول الشيء بعد أن لم يكن"٤. وقال: "والحادث القائم بذاته يسمى حادثاً، وما لا يقوم بذاته من الحوادث يسمى مُحْدَثاً لا حادثاً"٥.

стр. 122

وقال: "وجميع الموجودات غير الواجب _ سبحانه _ محدث الذات"١. وقال: "القديم المطلق: ألا يكون وجوده مسبوقاً بالعدم"٢. وقال: "القديم: عبارة ليس قبله زماناً شيء"٣.

стр. 123

المقدمة والنتيجة ترد هاتان الكلمتان في كتب العقائد، فيقال _ على سبيل المثال _: الكلام ههنا من مقدمتين ونتيجة. ويكثر إيرادهما في مواطن الرد، والحجاج؛ فما معنى المقدمة، وما معنى النتيجة؟ أولاً: معنى المقدمة: يقول الجرجاني ﵀: "المقدمة تارة تطلق على ما يتوقف عليه الأبحاث الآتية، وتارة على قضية جعلت جزء القياس، وتارة تطلق على ما يتوقف عليه صحة الدليل"١. وقال الكفوي ﵀: "المقدمة: ما يتوقف عليه المسائل بواسطة"٢. ثانياً: النتيجة: هي ثمرة الشيء، وما تفضي إليه مقدمات الحكم٣. ثالثاً: مثال على المقدمات والنتائج: المتكلمون ينفون صفات الله _ _ ويثبتون كلامهم على مقدمتين ونتيجة. يقولون في المقدمة الأولى: الصفات لا تقوم إلا بجسم. والمقدمة الثانية: أن الأجسام متماثلة. والنتيجة عندهم: أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل، والتمثيل كفر؛ فالواجب نفي الصفات.

стр. 124

وهذه مقدمات باطلة، ونتائج المقدمات الباطلة باطلة. مثال ثان: الرافضة يقولون: لا ولاء إلا ببراء، أي لا ولاء لعلي إلا بالبراءة من الشيخين أبي بكر وعمر _ ﵃ _. ويبنون كلامهم على مقدمتين ونتيجة كما سيأتي: المقدمة الأولى: من تولى الشيخين فقد أبغض علياً. المقدمة الثانية: بغض علي نصب، أي أن مبغض علي ناصبي، أي من النواصب الذين يناصبون أهل البيت العداء. النتيجة: من تولى الشيخين فهو ناصبي. فالمقدمة الأولى: باطلة؛ لأنه لا يلزم مِنْ تَوَلِّي الشيخين بغض علي. والمقدمة الثانية صحيحة؛ فبغض علي نصب. والنتيجة باطلة؛ لأن تولي الشيخين ليس نصباً؛ إذ النصب بغض علي؛ لأن متولي الشيخين لا يلزم أن يبغض عليّاً؛ لأن السني يتولى الشيخين وعليّاً؛ فأهل السنة يتولون الجميع، ويترضون عن الجميع _ ﵃ _١.

стр. 125

الواحد بالعين والواحد بالنوع قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية في معرض حديث له عن الحلولية والاتحادية: "فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات حتى ظنوا وجودها وجوده فهم أعظم الناس ضلالاً من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحداً ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع"١. ١_ معنى الواحد بالعين: هو الذي لا يقبل التنوع والتقسيم بل هو واحد. وهو بعبارة أخرى: الواحد المعين الذي يمنع وجوده الشركة فيه؛ فهو غير قابل للتنوع. ٢_ الواحد بالنوع: هو الذي يقبل التنوع والتقسيم؛ فهو جنس تندرج تحته أنواع عديدة. وهو الكلي الذي تشترك فيه الأفراد، ويقبل التنوع؛ فإذا وجد في الخارج كان مختصاً كلفظ إنسان.

стр. 126

العقل ترد كلمة العقل كثيراً في كتب العقائد وغيرها، وفيما يلي وقفات حول العقل وذلك من خلال ما يلي: أ _ تعريف العقل: العقل في الأصل مصدر عقلت البعير أَعْقِله عقلاً إذ منعته من الشرود بحبل يشد في ركبته. وأما في الاصطلاح فهو _ كما يقول الفيروزبادي _: نور روحاني، به تدرك النفس العلوم الضرورية، والنظرية. هذا تعريف العقل عند صاحب القاموس، وهو من أجمع التعاريف وأحسنها ١. وعرفه الطوفي ﵀ بقوله: "قوة غريزية يُتهيأ بها لإدراك المعلومات التصويرية، والتصديقية. وقيل: علم من العلوم الضرورية. وقيل: جوهر شفاف تدرك به المطالب العلمية"٢. ب _ ابتداء وجود العقل: يقول الفيروز بادي: "وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ"٣. ج _ من إطلاقات العقل: يطلق العقل على العلم، أو بصفات الأشياء من

стр. 127

حسنها وقبحها، وكمالها ونقصانها. أو العلم بخير الخيرين وشرِّ الشرَّين، أو مطلقٌ لأمور، أو لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولِمَعَانٍ مجتمعة بمقدمات يستتب بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه. د _ مَنِ العاقل؟ هو الجامع لأمره، الذي يحبس نفسه عن هواها. هـ _ لم سمي العقل بهذا الاسم؟ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، ويحجزها عما لا ينبغي من اعتقاد فاسد، أو فعل قبيح ١. و_ منزلة العقل في الإسلام: لقد أعلى الإسلام منزلة العقل، ورفع مناره؛ فالعقل في الإسلام أساس التكليف، ومناط الأهلية. والقرآن الكريم مليء بالأمر بالتعقل، والنظر، والتدبر، والثناء على من كانوا كذلك. كما أنه مليء بذم الذين عطلوا عقولهم، وركنوا إلى التقليد الأعمى، واتبعوا ما ألفوا عليه آباءهم من غير ما بينة أو أثارة من علم. ز _ وظيفة العقل: العقل نور أودعه الله في الإنسان؛ ليكشف به الأشياء، والحقائق الواقعة، وليفهم به عن الله ورسوله " ولينظر من خلاله في ملكوت السموات والأرض، وليدرك به أسرار الكون، ويتدبر في نفسه وآيات الله من حوله، ويصل من خلاله إلى كثير من أمور الاعتقاد في حدود طاقته، ويبحث من طريقه إلى ما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه.

стр. 128

هذه _ بإجمال _ وظيفة العقل. ح _ حدود العقل: مع أن الإسلام ينظر تلك النَّظْرة العظيمة للعقل، ومع أن للعقل وظيفته العظمى _ كما مر _ إلا أن الإسلام يحدد مجال العقل، وذلك صوناً للطاقة العقلية أن تتشتت أو تتبدد وراء الأمور الغيبية التي لا يستطيع العقل إدراكها أو الوقوف على حقيقتها، كالذات الإلهية، والروح، والجنة، والنار، وكيفية صفات الله _ _ وغيرها؛ ذلك أن العقل البشري له مجاله الذي يعمل فيه؛ فإذا ما حاول أن يتخطى هذا المجال فإنه سَيَضِل ويتخبط في متاهات لا قبل له بها؛ فمجال العقل كل ما هو محسوس. أما الغيبيات التي لا تقع تحت مداركه فلا مجال للعقل أن يخوض فيها، ولا يخرج عما دلت عليه النصوص الشرعية في شأنها. ط _ أهل السنة وسط في باب العقل بين الذين ألَّهوه والذين ألغوه: فالوسطية شأنهم في جميع أمورهم، ومن بينها العقل، فأهل السنة لا يُلْغُون العقل، ولا ينكرونه، ولا يحجرون عليه. بل يعتقدون أن للعقل مكانة سامية، وأن الإسلام يقدر العقل، ويتيح له مجالات النظر والتفكير. وفي الوقت نفسه لا يؤلهون العقل، ولا يجعلونه حاكماً على نصوص الشرع؛ بل يرون أن للعقل حدّاً يجب أن يقف عنده؛ لكي لا يكون وبالاً على صاحبه. أما غيرهم فما بين مُفْرِط ومُفَرِّط في هذا الباب؛ فالمعتزلة، والفلاسفة، وأهل الكلام عموماً _ ألَّهوا العقل، وجعلوه مصدراً للتلقي؛ فما وافق العقل _ أو ما

стр. 129

يسمونه بالقواطع العقلية _ قبلوه، وما خالف ذلك ردوه أو أوَّلوه، مع أن عقولهم مختلفة، ومداركهم متفاوتة، بل إن الواحد منهم قد يختلف حتى مع نفسه. وفي مقابل هؤلاء نجد أن أهل الدجل والخرافة قد ألغوا العقل، وقبلوا ما لا يقبل ولا يعقل. وذلك كحال كثير من الخرافيين. والمجال لا يتسع لذكر شيء من تلك الخرافات التي تنطلي على أولئك١. ي _ العقل في مجال العقيدة: لا يجوز تعطيل العقل في مجال العقيدة وغيرها؛ إلا أنه لا يجوز للعقل _كما مر_ أن يتجاوز وظيفته، ويجنح في أودية الخيال الفاسد، ويتيه مع الأوهام الكاذبة؛ فالخيال والوهم لا يصلحان أساساً للعقيدة والمعرفة الصحيحة. والعقيدة الإسلامية حقيقة ثابتة دلَّ عليها الشرع بالقواطع من الأدلة النقلية. والعقل السليم لا يعارضها على القاعدة التي تقول: " العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح ". فإذا كان العقل هو الذي دلنا على معرفة الله _ _ وعلى أن محمداً رسول الله حقاً _ فإن أي معارضة تُفْرَض بين العقل وما جاء في الكتاب والسنة، أو رَدّ خبر الله، وخبر رسوله؛ بحجة مخالفتها للعقل _ تعد مناقضة صريحة لما دل عليه العقل نفسه٢.

стр. 130

وهذا ما سيتبين في الفقرة التالية. ك: بين العقل والنقل: القاعدة العريضة العامة المشهورة تقول: "العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح". والعقل الصريح: هو الخالي من الشبهات والشهوات، والنقل الصحيح: هو السالم من العلل والقوادح. القاعدة الأخرى تقول: "إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل". قال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ﵀: "فلا يُتَصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً"١. وقال: "إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل دل على صحة السمع، ووجوب قبول ما أخبر به الرسول ﷺ ". فلو أبطلنا النقل لكنا أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء؛ فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه؛ فلا يجوز تقديمه. وهذا بيِّنٌ واضح؛ فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأَنَّ خبره مطابق لمخبره؛ فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم؛ فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل.

стр. 131

فالواجب كمالُ التسليم لرسول الله " والانقياد لأمره، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمِّله شبهة أو شكَّاً، أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم؛ فنوَحِّده بالتحكيم والتسليم والإذعان كما نوَحِّد المُرْسِل بالعبادة، والخضوع، والإنابة، والتوكل"١. ل: معنى بدائه العقول، أو بداهة العقول، أو العلم الضروري، أو بضرورة العقل: هذه ألفاظ متقاربة في المعنى، وترد كثيراً في كتب العقائد، وغالباً ما يكون ذلك في مقامات الرد والإلزام، وبيان أن المسائل أو القضايا المتنازع فيها واضحة معلومة تعرف بادي الرأي، وأول النظر دون إعمال فكر، أو إطالة تأمل. جاء في المزهر للسيوطي: "العلم الضروري: هو الذي بينه وبين مدلوله ارتباط معقول، كالعلم الحاصل من الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس"٢. وقال الكفوي: "الضروري: الذي يقابل الاستدلالي، وهو ما يحصل بدون فكرٍ ونظرٍ في دليل"٣. وقال: "البداهة: هي المعرفة الحاصلة ابتداءاً في النفس لا بسبب الفكر، كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين. والبديهي أخص من الضروري؛ لأنه ما لا يتوقف حصوله على نظر وكسب سواء احتاج لشيء آخر من نحو حَدْسٍ أو تجربة أو لا كتصور الحرارة،

стр. 132

والبرودة، والتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان، ولا يرتفعان. والأوليات: هي البديهيات بعينها سميت بها؛ لأن الذهن يُلْحق محمول القضية بموضوعها لا بتوسط شيء آخر"١.

стр. 133

الروح لفظ الروح يرد كثيراً في كتب العقائد، وفيما يلي بعض المعالم في هذا اللفظ. أولاً: حقيقة الروح التي في البدن: اختلف الناس في حقيقة الروح التي في البدن اختلافاً كثيراً، وأحسن ما قيل في ذلك؛ ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه الروح؛ حيث ساق ستة أقوال في الروح نقلها عن الرازي، واختار آخرها، وقال: "السادس: إنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني، علوي، خفيف، حي، متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء، وإفادتها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار _ فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح "١. وبعد أن ساق ابن القيم ﵀ هذا القول قال: "وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة "٢.

стр. 134

ثم أورد ﵀ بعد ذلك مائة وستة عشر وجهاً على صحة ما ذكر، ثم ناقش أدلة القائلين بغير ذلك. ثانياً: لم سميت الروح بهذا الاسم؟ لأن بها حياة البدن. ثالثاً: هل الروح والنفس شيء واحد أو أنهما متغايران؟ الروح التي في البدن هي النفس؛ فهذا المخلوق الذي تكون به الحياة، وتفقد بفقده يسمى روحاً، ونفساً؛ فهما بهذا الاعتبار مترادفان، يُعَبَّر بكل واحد منهما عن الآخر، ويدل عليه، ولا يمنع أن يكون لكل واحد منهما إطلاقات أخرى١. وبالجملة فإن النفس تطلق على أمور، والروح كذلك؛ فيتحد مدلولهما تارة، ويختلف تارة؛ فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالباً ما تسمى به نفساً إذا كانت متصلة بالبدن، أما إذا أُخِذَتْ مجردةً فتسمية الروح أغلب عليها٢. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والروح المدبرة للبدن هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت"٣. وقال: "لكن تسمى نفساً باعتبار تدبيره للبدن، وتسمى روحاً باعتبار لطفه"٤. وقال ابن القيم ﵀: "أما الروح التي تتوفى وتُقبض فهي روح واحدة، وهي النفس"٥.

стр. 135

رابعاً: من إطلاقات الروح: لفظ الروح له عدة معان غير الروح التي تفارق البدن بالموت التي هي النفس، فمن إطلاقات الروح ما يلي: ١_ تطلق الروح على الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه. ٢_ وتطلق على البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق. ٣_ وتطلق الروح على جبرائيل _ ﵇ _ قال _ تعالى _: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] . ٤_ وتطلق على ما يؤيد الله به أولياءه من الروح، كما قال _ تعالى _: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . ٥_ وتطلق على الروح الذي أيد الله به روحه المسيح بن مريم _ ﵇ _ كما قال _ تعالى _: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] . ٦_ وتطلق على الروح التي يلقيها الله على من يشاء من عباده. ٧_ وتطلق الروح على القوى التي في البدن؛ فإنها تسمى أرواحاً، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشامّ؛ فهذه الأرواح قوى مُوْدَعَةٌ في البدن تموت بموت الأبدان، وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن، ولا تبلى كما يبلى. ٨_ ويطلق الروح على ما هو أخص مما مضى كله، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه، ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته.

стр. 136

ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن؛ فإذا فقدته الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيد الله بها أهل ولايته. ولهذا يقول الناس: فلان فيه روح، وفلان ليس فيه روح، وهو قصبةٌ فارغة، ونحو ذلك. ٩_ ويطلق الروح على غير ما ذكر مما فيه معنى الحياة المعنوية، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللإخلاص روح، وللمحبة والإنابة روح، وللتوكل والصدق روح. والناس متفاوتون في هذه المعاني أعظم تفاوت؛ فمنهم من تغلب عليه هذه الأرواح، فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير بهيمياً، والله المستعان. خامساً: مسكن الروح: الجسد هو مسكن الروح، وهي تسري في الجسد كله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا اختصاص للروح بشيء من الجسد؛ بل هي سارية في الجسد، كما تسري التي هي عَرَض في جميع الجسد؛ فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة"١. سادساً: الروح مخلوقة: فالحق الذي لا يجوز العدول عنه أن الروح مخلوقة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. قال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "روح الآدمي مُبْدَعَةٌ باتفاق سلف الأمة،

стр. 137

وأئمتها، وسائر أهل السنة. وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غَيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع، والاختلاف، أو من أعلمهم. وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال لما تكلم في كتاب اللقط لما تكلم على خلق الروح قال: النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة، وبارئ النسمة، أي الروح"١. وقال ابن تيمية في موضع آخر: "فقد بان بما ذكرناه أن من قال أن أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة _ فهو من أعظم أهل البدع الحلولية الذي يجر قولهم إلى التعطيل، بجعل العبد هو الرب، وغير ذلك من البدع الكاذبة الضالة"٢. سابعاً: هل تموت الروح؟ الجواب أن الناس قد اختلفوا في ذلك، والصواب كما قال ابن القيم ﵀ أن يقال "موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت. وإن أريد أنها تَعْدَم، وتضمحل، وتصير عدماً محضاً _ فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في النعيم أو العذاب "٣. قال ابن تيمية ﵀: "وقد ثبت في الكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة أن

стр. 138

الروح تبقى بعد فراق البدن، وأنها منعمة أو معذبة"١. وقال في موضع آخر: "لكن موتها مفارقة الأبدان"٢. ثامناً: مستقر الأرواح في البرزخ: قال ابن القيم ﵀: "الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت. فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء _ صلوات الله وسلامه عليهم _ وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي " ليلة الإسراء. ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة؛ لدين عليه، أو غيره، كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: "الجنة" فلما ولى قال: "إلا الذي سارَّني به جبريل آنفاً". ومنهم من يكون محبوساً على باب الجنة كما في الحديث الآخر: "رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة". ومنهم من يكون محبوساً في قبره كحديث صاحب الشملة التي غلَّها، واستشهد، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه ناراً في قبره". ومنهم من يكون مقره باب الجنة، كما في حديث ابن عباس: "الشهداء على

стр. 139

بارق نهر باب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية" رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب، حيث أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء. ومنهم من يكون محبوساً في الأرض لم تعلُ روحه إلى الملأ الأعلى؛ فإنها كانت روحاً سفلية أرضية؛ فإن الأنفس الأرضية لا تُجَامع الأنفس السماوية كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به، والتقرب إليه، بل هي أرضية سفلية _ لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك. كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله وذكره، والتقرب إليه، والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها؛ فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة. والله _ تعالى _ يزوج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد، كما تقدم في الحديث، ويجعل روحه _ يعني المؤمن _ مع النسيم الطيب _ أي الأرواح الطيبة المشاكِلة _ فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك. ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتُلقم الحجارة؛ فليس للأرواح سعيدها، وشقيها مستقر واحد. بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض"١.

стр. 140

النقيضان، والضدان هذان اللفظان يردان كثيراً في كتب العقيدة، وهذا إيضاح لمعناهما. أولاً: النقيضان: هما اللذان لا يجتمعان، ولا يرتفعان معاً كالوجود، والعدم، والحركة، والسكون في الشيء الواحد في الوقت الواحد. ثانياً: الضدان: هما صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضع واحد كالسواد والبياض. ثالثاً: الفرق بين الضدين والنقيضين: أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان كالعدم والوجود، والضدين لا يجتمعان ولكن يرتفعان كالسواد والبياض؛ فلا تقول _مثلاً_: هذا معدوم موجود؛ فلا بد من وجود أحدهما دون الآخر، ولا يمكن رفعهما جميعاً. لكن لو قيل لك: هذا أسود أم أبيض؟ لما ساغ لك أن تقول: أسود أبيض، ولكن لك أن تقول: هو أحمر، وهكذا ... ١

стр. 141

الواحد لا يصدر عنه إلا واحد هذه المقولة يطلقها الفلاسفة، ومن يوافقهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام ممن يقولون بالعقول العشرة، وأن الله واحد لا يصدر عنه _ عندهم _ إلا واحد وهو العقل الأول على ما سيأتي بيانه. كما أنها ترد في كتب العقائد خصوصاً في باب القدر، وارتباطه بفعل الأسباب؛ حيث يبين العلماء أن الأسباب لا تستقل بالتأثير، وأنه ما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولا بد له من مانع يمنع مقتضاه وأثره إذا لم يدفعه الله عنه؛ فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده. قال الله _ تعالى _: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] . أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. وأما بالنسبة للمخلوق فليس هناك مخلوق يصدر عنه شيء استقلالاً، بل لا بد له من سبب أو أسباب أخرى تعينه في حصول مسببه، ولا بد له من زوال الموانع التي تمنع تأثيره _كما مر _ ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا من قال: إنه لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد _ كان جاهلاً؛ فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله الذي خلق الأزواج كلها

стр. 142

مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون؛ فالنار التي جعل الله فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحلٍّ يقبل الاحتراق؛ فإذا وقعت على السَّمَنْدل١ والياقوت٢ ونحوهما لم تحرقهما. وقد يطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع _ لا بد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب، أو سقف لم يحصل الشعاع تحته"٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في القصيدة التائية في القدر: وفي الكون تخصيص كثير يدل مَن ... له نوعُ عقلٍ أنه بإرادةِ وإصداره عن واحد بعد واحد ... أو القول بالتجويز رَمْيةُ حيرةِ٤ ويريد الشيخ ﵀ من خلال هذه الأبيات أن يبين أن ما في الكون من التخصيصات المتنوعة من كل وجه دلالةٌ واضحة على نفوذ مشيئة الله، وأن ذلك كائن بإرادته _ عز وجل_. ومن تلك التخصيصات ما يُرى من الحِكم والانتظام، والحسن والالتئام،

стр. 143

والخلق الغريب، والإبداع العجيب. ومن ذلك جَعْل بعضها عالياً وبعضها سافلاً، وبعضها كبيراً وبعضها صغيراً، وبعضها متصلاً بغيره، وبعضها منفصلاً، وبعضها على صفة، وبعضها على صفة أخرى مثل قوله _ تعالى _: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٥] . ومن ذلك ما في الكون من الخيرات الكثيرة، والمنافع الغزيرة؛ فكل ذلك ينطق بأنها صادرة عن إرادة تامة، ومشيئة نافذة. وهذا أمر يدركه من عنده أدنى مُسْكةٍ من عقل. ثم إن هذه التخصيصات مما يبين خطأ المتفلسفة الذين قالوا: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ فهذه المقولة صادرة عن حيرة وضلال؛ فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد من الصفات، وكالعقول المجردة، وكالكليات التي يدَّعون تركُّب الأنواع منها؛ فإن هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج. والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث، أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر، وانتفاء موانع _ وكل ذلك بخلق الله تعالى _ فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار. وإن فسِّر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثِّراً، بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له، ولا ند؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

стр. 144

قال الطوفي ﵀ في شرح البيتين السابقين: "وقد تضمن البيتان المذكوران الإشارة إلى ثلاثة مذاهب. أحدها: مذهب القائلين بأن صانع العالم يفعل بالطبع والإيجاب كإحراق النار، وتبريد الماء، وهبوط الحجر الثقيل في الهواء لا بالقدرة والاختيار: وشبهتهم على ذلك دقيقة تعسُّفية، ولا أصل لها. وقد رد الله _ تعالى _ عليهم بقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ الرعد: ٤. ورد عليهم الأصوليون بأن الفاعل بالطبع لا يتمادى زمنُ فعله، ولا يتخصص بعد وجود فاعله ببعض الأزمنة والأمكنة دون بعض. وأفعال الله _ تعالى _ تتمادى، ويتأخر بعضها عن بعض، ويختص ببعض ظروف الزمان والمكان دون بعض. وما ذاك إلا لصدوره عن قدرة واختيار، لا عن طبع وإيجاب. وإلى هذا أشار الشيخ _ يعني ابن تيمية _ بقوله: وفي الكون تخصيص كثير ... البيت. فإن وجود زيد _ مثلاً _ اليوم دون أمس وغدٍ، أو غداً دون أمس واليوم، أو أمس دون اليوم وغدٍ، وموتُه في مكة دون بغداد أو في مصر دون مكة _ دليلٌ على أن مُخصِّصاً ذا إرادة تامة خَصَّص هذه الأحداثَ ببعض هذه الظروف دون بعض، ولعل في قوله _ تعالى _: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] إشارة إلى هذا الدليل.

стр. 145

وإذا ثبت أن الموجودات واقعة بإرادة الله _ تعالى _ فالأفعال من طاعة ومعصية منها؛ فهي _ إذاً _ واقعة بإرادة الله _ تعالى _ فقول القائل: معصيتي خَلْقي لا خلق الله خطأ والله أعلم. المذهب الثاني: قول القائلين بأن واجب الوجود واحد، الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأنه لو صدر عنه أكثر من واحد لكان من حين صدور هذا عنه مغايراً لنفسه من حيث صدورُ الآخر عنه، والمغايرة تقتضي التعدد، والتكثُّر؛ فيلزم أن يكون واحداً كثيراً، وهو محال. قالوا: فوجب القول بأن الصادر عنه واحد، وهو الفلك الذي دونه، وعن ذلك الفلك ما دونه إلى أن انتهى التدريج إلى فلك القمر، وهو الذي يلي العالم السفلي، وهو عالم الكون، والفساد؛ فأثَّر فلك القمر في العناصر الأربعة: النار، والهواء، والماء، والأرض، ثم دبَّرت هذه العناصر ما تركَّب منها، وهو هذا العالم. وهذا ونحوه تقرير مذهب الحكماء _ يعني الفلاسفة _ على ما ذكره بعضهم. وهو فاسد؛ لأنه يوجب أن لا يوجد شيئان إلا وأحدهما علة للآخر". إلى أن قال ﵀: "وإلى هذا أشار الشيخ _ يعني ابن تيمية _ بقوله: وإصداره عن واحد بعد واحد ... وأجاب عنه بأنه رمية حَيْرة، أي أنه دعوى لا برهان عليها، وإنما هو رأي صدر عن عقولٍ حارَتْ، وعن طريق الحق جارَتْ، وما لا برهان عليه لا يسمع". ثم انتقل بعد ذلك إلى المذهب الثالث فقال:
следующие страницы →