← Акыда

Акыда · id 12070

مصطلحات في كتب العقائد

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (272 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الواحد لا يصدر عنه إلا واحد هذه المقولة يطلقها الفلاسفة، ومن يوافقهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام ممن يقولون بالعقول العشرة، وأن الله واحد لا يصدر عنه _ عندهم _ إلا واحد وهو العقل الأول على ما سيأتي بيانه. كما أنها ترد في كتب العقائد خصوصاً في باب القدر، وارتباطه بفعل الأسباب؛ حيث يبين العلماء أن الأسباب لا تستقل بالتأثير، وأنه ما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولا بد له من مانع يمنع مقتضاه وأثره إذا لم يدفعه الله عنه؛ فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده. قال الله _ تعالى _: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] . أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. وأما بالنسبة للمخلوق فليس هناك مخلوق يصدر عنه شيء استقلالاً، بل لا بد له من سبب أو أسباب أخرى تعينه في حصول مسببه، ولا بد له من زوال الموانع التي تمنع تأثيره _كما مر _ ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا من قال: إنه لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد _ كان جاهلاً؛ فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله الذي خلق الأزواج كلها

стр. 142

مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون؛ فالنار التي جعل الله فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحلٍّ يقبل الاحتراق؛ فإذا وقعت على السَّمَنْدل١ والياقوت٢ ونحوهما لم تحرقهما. وقد يطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع _ لا بد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب، أو سقف لم يحصل الشعاع تحته"٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في القصيدة التائية في القدر: وفي الكون تخصيص كثير يدل مَن ... له نوعُ عقلٍ أنه بإرادةِ وإصداره عن واحد بعد واحد ... أو القول بالتجويز رَمْيةُ حيرةِ٤ ويريد الشيخ ﵀ من خلال هذه الأبيات أن يبين أن ما في الكون من التخصيصات المتنوعة من كل وجه دلالةٌ واضحة على نفوذ مشيئة الله، وأن ذلك كائن بإرادته _ عز وجل_. ومن تلك التخصيصات ما يُرى من الحِكم والانتظام، والحسن والالتئام،

стр. 143

والخلق الغريب، والإبداع العجيب. ومن ذلك جَعْل بعضها عالياً وبعضها سافلاً، وبعضها كبيراً وبعضها صغيراً، وبعضها متصلاً بغيره، وبعضها منفصلاً، وبعضها على صفة، وبعضها على صفة أخرى مثل قوله _ تعالى _: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٥] . ومن ذلك ما في الكون من الخيرات الكثيرة، والمنافع الغزيرة؛ فكل ذلك ينطق بأنها صادرة عن إرادة تامة، ومشيئة نافذة. وهذا أمر يدركه من عنده أدنى مُسْكةٍ من عقل. ثم إن هذه التخصيصات مما يبين خطأ المتفلسفة الذين قالوا: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ فهذه المقولة صادرة عن حيرة وضلال؛ فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد من الصفات، وكالعقول المجردة، وكالكليات التي يدَّعون تركُّب الأنواع منها؛ فإن هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج. والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث، أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر، وانتفاء موانع _ وكل ذلك بخلق الله تعالى _ فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار. وإن فسِّر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثِّراً، بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له، ولا ند؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

стр. 144

قال الطوفي ﵀ في شرح البيتين السابقين: "وقد تضمن البيتان المذكوران الإشارة إلى ثلاثة مذاهب. أحدها: مذهب القائلين بأن صانع العالم يفعل بالطبع والإيجاب كإحراق النار، وتبريد الماء، وهبوط الحجر الثقيل في الهواء لا بالقدرة والاختيار: وشبهتهم على ذلك دقيقة تعسُّفية، ولا أصل لها. وقد رد الله _ تعالى _ عليهم بقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ الرعد: ٤. ورد عليهم الأصوليون بأن الفاعل بالطبع لا يتمادى زمنُ فعله، ولا يتخصص بعد وجود فاعله ببعض الأزمنة والأمكنة دون بعض. وأفعال الله _ تعالى _ تتمادى، ويتأخر بعضها عن بعض، ويختص ببعض ظروف الزمان والمكان دون بعض. وما ذاك إلا لصدوره عن قدرة واختيار، لا عن طبع وإيجاب. وإلى هذا أشار الشيخ _ يعني ابن تيمية _ بقوله: وفي الكون تخصيص كثير ... البيت. فإن وجود زيد _ مثلاً _ اليوم دون أمس وغدٍ، أو غداً دون أمس واليوم، أو أمس دون اليوم وغدٍ، وموتُه في مكة دون بغداد أو في مصر دون مكة _ دليلٌ على أن مُخصِّصاً ذا إرادة تامة خَصَّص هذه الأحداثَ ببعض هذه الظروف دون بعض، ولعل في قوله _ تعالى _: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] إشارة إلى هذا الدليل.

стр. 145

وإذا ثبت أن الموجودات واقعة بإرادة الله _ تعالى _ فالأفعال من طاعة ومعصية منها؛ فهي _ إذاً _ واقعة بإرادة الله _ تعالى _ فقول القائل: معصيتي خَلْقي لا خلق الله خطأ والله أعلم. المذهب الثاني: قول القائلين بأن واجب الوجود واحد، الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأنه لو صدر عنه أكثر من واحد لكان من حين صدور هذا عنه مغايراً لنفسه من حيث صدورُ الآخر عنه، والمغايرة تقتضي التعدد، والتكثُّر؛ فيلزم أن يكون واحداً كثيراً، وهو محال. قالوا: فوجب القول بأن الصادر عنه واحد، وهو الفلك الذي دونه، وعن ذلك الفلك ما دونه إلى أن انتهى التدريج إلى فلك القمر، وهو الذي يلي العالم السفلي، وهو عالم الكون، والفساد؛ فأثَّر فلك القمر في العناصر الأربعة: النار، والهواء، والماء، والأرض، ثم دبَّرت هذه العناصر ما تركَّب منها، وهو هذا العالم. وهذا ونحوه تقرير مذهب الحكماء _ يعني الفلاسفة _ على ما ذكره بعضهم. وهو فاسد؛ لأنه يوجب أن لا يوجد شيئان إلا وأحدهما علة للآخر". إلى أن قال ﵀: "وإلى هذا أشار الشيخ _ يعني ابن تيمية _ بقوله: وإصداره عن واحد بعد واحد ... وأجاب عنه بأنه رمية حَيْرة، أي أنه دعوى لا برهان عليها، وإنما هو رأي صدر عن عقولٍ حارَتْ، وعن طريق الحق جارَتْ، وما لا برهان عليه لا يسمع". ثم انتقل بعد ذلك إلى المذهب الثالث فقال:

стр. 146

"المذهب الثالث: مذهب القائلين بالتجويز، وهم القدرية، الذين يقولون: لو عذبنا الله على خلقه فينا لكان جائزاً، وإنما يعذبنا على ما نخلقه نحن. وأجاب عنه _ يعني ابن تيمية _ بما أجاب عن الذي قبله من أنه رمية حيرة، والتقريرُ التقريرُ. وقوله: "أو القول" أي والقول؛ فهي _ يعني أو _ بمعنى الواو، وليست لأحد الشيئين، والله أعلم"١.

стр. 147

الأحوال عند المتكلمين والصوفية هذه اللفظة ترد في كتب العقائد، ولها مفهومان: مفهوم عند المتكلمين، وعلى وجه الخصوص المعتزلة، ومفهوم آخر عند الصوفية. أولاً: مفهوم الأحوال عند المتكلمين: هي النسبة بين الصفة والموصوف، أو هي الصفات المعنوية التي انفرد بها أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي دون سائر المعتزلة مع نفيه لصفات المعاني، أي أنه ينفي العلم، والقدرة، والإرادة ثم يثبت كونه عالماً، وقادراً، ومريداً. فهو يقول: العالِِم صفة، والعالِمية نسبة بين الصفة والموصوف، وهي عند من يقول بها معنى زائد على العلم، ومثل ذلك القادرية، والفاعلية. وبعبارة أخرى: يقولون _ على سبيل المثال _: هو سميع، وليس معنى ذلك أن له سمعاً، لكنه ذو سمع، يعني كونه سميعاً، وحاله سميعاً، لكن لا يثبت أن له سمعاً. وعليم: كونه عليماً، ليس له علم، ولكن حالُه العلم. فهذه النسبة، وهذه الكوكنة _ كما يعبر بعضهم _ هي الأحوال عند المتكلمين. ويقولون عنها: إنها لا موجودة بذاتها، ولا معدومة بل هي واسطة بينهما. يقول الكفوي ﵀: "وأثبت بعض المتكلمين واسطة بين الموجود والمعدوم، وسماها الحال، وعرَّف بأنها: صفة لا موجودة ولا معدومة، لكنها قائمة بموجود كالعالمية، وهي النسبة بين العالم والمعلوم"١.

стр. 148

ويقول الشهرستاني ﵀ مبيناً معنى الأحوال عند أبي هاشم: "وعند أبي هاشم: هو عالم لذاته، بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتاً موجوداً، وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها؛ فأثبت أحوالاً هي صفات لا موجودة ولا معدومة، ولا معلومة، ولا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك، بل مع الذات. قال: والعقل يدرك فرقاً ضرورياً بين معرفة الشيء مطلقاً وبين معرفته على صفة؛ فليس من عرف الذات عرف كونه عالماً، ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزاً قابلاً للعَرَض. ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية، وافتراقها في قضية، وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به. وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل، وهي لا ترجع إلى الذات، ولا إلى أعراض وراء الذات؛ فإنه يؤدي إلى قيام العرض بالعرض؛ فتعين بالضرورة أنها أحوال؛ فكونُ العالمِ عالماً حالٌ هي صفة وراء كونه ذاتاً، أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات وكذلك كونه قادراً حياً. ثم أثبت _ يعني أبا هاشم _ للباري _ تعالى _ حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال"١. هذا هو قول أبي هاشم في الأحوال، وهو قول باطل؛ إذ لا فرق بين العلم والعالمية، والقدرة والقادرية، وتفسيره للأحوال ممتنع فهي لا وجود لها إلا في

стр. 149

الأذهان لا الأعيان؛ فلذلك قيل: من المحالات أحوال أبي هاشم. وقيل: مما يقال ولا حقيقة تحته ... معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب عند الأشعري والحال نـ ... ـد البهشمي١ وطفرة النظام قال الشهرستاني: "وخالفه والده٢، وسائر منكري الأحوال في ذلك، وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس، وقالوا: أليست الأحوال تشترك في كونها أحوالاً، وتفترق في خصائص؟ كذلك نقول في الصفات، وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال، ويفضي إلى التسلسل. بل هي راجعة إما إلى مجرد الألفاظ إذا وضعت في الأصل على وجه يشترك فيه الكثير لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجه يشمل أشياء، ويشترك فيها الكثير؛ فإن ذلك مستحيل، أو يرجع إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك، والافتراق، وتلك الوجوه كالنِّسب والإضافات، والقُرْب والبعد، وغير ذلك مما لا يعد صفات بالاتفاق"٣.

стр. 150

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وكذلك الأحوال التي تتماثل في الموجودات وتختلف لها وجود في الأذهان، وليس لها وجود في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعينة؛ فتتشابه بذلك، وتختلف"١. ثانياً: مفهوم الأحوال عند الصوفية: يقول الجرجاني ﵀: "الحال عند أهل الحق _ يعني الصوفية _ معنى يرد على القلب من غير تصنع، ولا اجتلاب، ولا اكتساب، من طرب، أو حزن، أو بسط، أو قبض، أو شوق، أو انزعاج، أو هيئة، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المثل أوْ لا؛ فإذا دام وصار ملكاً يسمى مقاماً؛ فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود"٢. وقيل: الحال: هو ما يتحول فيه العبد، ويتغير مما يَرِد على قلبه؛ فإذا صفا تارة، وتغير أخرى قيل له: حال٣. وبهذا يتبين أن الأحوال والمقامات أوصاف تقوم بالقلب، ولها تعلق به، وأنها باعتبار هذا التعلق تنقسم إلى لوامع، وبوارق، ولوائح، ثم تكون أحوالاً، ثم تكون مقاماً بثبوتها في القلب، واستقرارها فيه. ولا ينكر عاقل قيام المحبة، والرضا، والخوف، والرجاء، وغيرها من الأحوال بالقلب.

стр. 151

وهذه المصطلحات لا تناقض نصاً شرعياً، بل النصوص الشرعية تدل على قيام هذه الأوصاف بالقلب من الصبر، والرضا، والمحبة، والخوف، والخشية، والإنابة، والرجاء، وغيرها١.

стр. 152

نظرية الكسب عند الاشاعة ... نظرية الكسب عند الأشاعرة نظرية الكسب، أو مصطلح الكسب عند الأشاعرة ترد كثيراً في كتبهم، وفي كتب من يخالفونهم إذا أرادوا الرد عليهم. وهي ترد في باب القدر على وجه الخصوص؛ فجمهور الأشاعرة ومتأخروهم يرون أن الله _ _ خالق أفعال العباد فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكنهم يقولون: "إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله _ تعالى _ وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله _سبحانه_ أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً؛ فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما؛ فيكون الفعل مخلوقاً لله إبداعاً وإحداثاً، ومكسوباً للعبد. والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك من تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له"١. فهم _ إذاً _ يرون أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله _تعالى_ وهي كسب للعباد. وعلى ذلك يترتب الثواب والعقاب، ولا تأثير لقدرة العبد في الفعل. وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو القول الذي شنع بسببه المعتزلة على الأشاعرة؛ لأنهم لما لم يثبتوا للعبد قدرة مؤثرة لم يكونوا بعيدين من قول الجبرية الجهمية؛ فهم أرادوا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية؛ فجاؤوا بنظرية الكسب،

стр. 153

وهي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها _كما مر_ تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير١. ولهذا اشتهر المذهب الأشعري _ بناءاً على مقالتهم تلك_ بنظرية الكسب التي صارت علماً عليهم، فما معنى الكسب عندهم؟ للكسب عندهم تعريفات أهمها: ١_ أنه ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به٢. ٢_ أنه ما يقع به المقدور في محل قدرته٣. ٣_ أنه ما وجد بالقادر، وله عليه قدرة محدثة٤. ويضرب بعضهم للكسب مثلاً "في الحجر الكبير قد يعجز عن حمله رجل، ويقدر آخر على حمله منفرداً به، إذا اجتمعا جميعاً على حمله كان حصول الحمل بأقواهما، ولا خرج أضعفهما بذلك من كونه حاملاً. كذلك العبد لا يقدر على الانفراد بفعله، ولو أراد الله الانفراد بإحداث ما هو كسب للعبد قدر عليه، وَوُجِدَ مقدوره؛ فوجوده على الحقيقة بقدرة الله _تعالى_ ولا يخرج _ مع ذلك _ المُكْتَسبُ من كونه فاعلاً، وإن وجد الفعل بقدرة الله _تعالى_"٥.

стр. 154

وهكذا تؤول هذه النظرية جبرية خالصة _كما مر_ ويبقى الخلاف بينهم وبين الجبرية خلافاً لفظياً بل طريقتهم أكثر غموضاً. أما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة عن فهمها فضلاً عن إفهامها غيرهم، ولهذا قيل: مما يقال ولا حقيقة تحته ... معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عنـ ... ـد البهشمي وطفرة النظام وقد دار حول الكسب جدال طويل، ولم ينته الأشاعرة فيه إلى قول مستقيم١. ومن الأشاعرة من يرى أن الفعل واقع بقدرة العبد، وأن العبد له كسب، وليس مجبوراً، وهذا هو قول الباقلاني. يقول ﵀:" ويجب أن يعلم أن العبد له كسب، وليس مجبوراً، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية؛ لأنه _ تعالى _ قال: ﴿لَهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] يعني من ثواب طاعةٍ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، يعني من عقاب معصية. وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس﴾ [الروم:٤١] ، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيْبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] ، وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ [فاطر: ٤٥] .

стр. 155

ويدل على صحة هذا أن العاقل منا يفرق بين تحرك يده جبراً، وسائر بدنه عند وقوع الهم به، أو الارتعاش وبين أن يحرك هو عضواً من أعضائه قاصداً إلى ذلك باختياره؛ فأفعال العباد هي كسب لهم، وهي خلق الله _ تعالى _ فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما لا يُقال لله _ تعالى _ إنه مكتسب، كذلك لا يُقال للعبد: إنه خالق"١.

стр. 156

طفرة النظَّام النظَّام: هو إبراهيم بن سيار بن هانئ المعروف بالنظَّام سمي بهذا لأنه كان ينظم الخرز في شبابه، وإليه تنسب فرقة النظَّامية من المعتزلة، ولد سنة ١٨٥هـ، وتوفي سنة٢٣١هـ. وأما طفرته: فهي قوله بالطفرة التي لم يسبق إليها، ومفادها: دعواه أن الجسم قد يكون في المكان الأول، ثم يصير منه إلى المكان العاشر من غير المرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر، ومن غير أن يصير معدوماً في الأول ومعاداً في العاشر١. وبعبارة أخرى: هي القول بأن الله خلق هذه الموجودات دُفعة واحدة على ما هي عليه الآن من نبات وحيوان، وجبال وبحار، ولم يتقدم خلقُ آدم على ذريته، غيرَ أن الله أكمل بعضها في بعض؛ فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهور هذه الموجودات في أماكنها دونَ حدوثها ووجودها. وكان النظَّام متأثراً بأصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وهي طفرة لم يسبقه إليها أحد٢.

стр. 157

أنواع الدلالة اللفظية الوضعية يرد في كتب العقائد مصطلح الدلالات اللفظية الوضعية، وهي ثلاثة أنواع: ١_ دلالة المطابقة، وتسمى الدلالة المطابقية: وتعرف بأنها: -دلالة اللفظ على جميع معناه. -أو هي: تفسير اللفظ بجميع مدلوله. -أو هي: دلالته على تمام ما وضع له من حيث إنه وضع له. وسميت بذلك؛ لتطابق اللفظ والمعنى، وتَوافُقِهما في الدلالة. ٢_ الدلالة التضمنية، أو دلالة التضمن: وهي تفسير اللفظ ببعض مدلوله، أو بجزء معناه. -أو هي دلالة اللفظ على جزء ما وضع له في ضمن كل المعنى. وسميت بذلك لأنها عبارة عن فهم جزء من الكل؛ فالجزء داخل ضمن الكل أي في داخله. ٣_ دلالة التزام، أو الدلالة الالتزامية: وهي الاستدلال باللفظ على غيره. -أو هي دلالة اللفظ على خارج معناه الذي وضع له. يقول المناطقة: إن بين الدلالة المطابقية والدلالة التضمنية العموم والخصوص المطلق؛ فإذا وجدت التضمنية وجدت المطابقية دون العكس، أي لا يلزم من وجود المطابقية وجود التضمنية. أمثلة على ذلك: اسم الخالق يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها بالتضمن، وعلى صفة الخلق وحدها

стр. 158

بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام، أي أن اللفظ دل على معنى خارج عن معناه الأصلي الذي وضع له، وذلك أن الخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر، وكذلك لا يمكن أن يخلق إلا وهو عالم. مثال ثانٍ: اسم العليم يدل على ذات الله وعلمه: أي دلالة الاسم على المسمى، وعلى الصفة المشتقة من الاسم نفسه؛ فهذه دلالة مطابقة. ويدل على ذات الله وحدها، وعلى صفة العلم وحدها دلالة تضمنية. ويدل على صفة الحياة وغيرها بالالتزام، وهكذا ... ١

стр. 159

معاني الكلام الخبر والإنشاء مدخل ... معاني الكلام: الخبر والإنشاء والمقصود بمعاني الكلام ههنا: أقسامه من حيث كونه خبراً أو إنشاءاً. وهذا المبحث يتناوله علماء اللغة، والمعاني، والأصول، والكلام، وغيرهم. ويَرِد كثيراً في كتب العقائد. ويرى بعض الباحثين أن الكلام حول مفهوم الخبر والإنشاء قد نشأ مع نشأة الجدل في عصر المأمون حول فتنة القول بخلق القرآن؛ حيث بنى المعتزلة قولهم بخلق القرآن على أساس أن ما تضمنه لا يخرج عن واحد من ثلاثة: أمر، ونهي، وخبر. وذلك مما ينفي عنه صفة القدم _ بزعمهم _١. والحديث الآتي سيدور حول إعطاء صورة عامة ميسرة عن مفهوم الخبر والإنشاء الذي يسمى أحياناً بالطلب.

стр. 160

أولاً: الخبر: أ_ تعريفه: عرف الخبر بأنه: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. وقيل: الخبر ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب؛ فإن كان مطابقاً للواقع كان قائله صادقاً، وإن كان غير مطابق للواقع كان قائله كاذباً٢. وقال ابن فارس ﵀: "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه: إعلام، تقول: أخبرته، أُخْبِره، والخبر هو العلم. وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه.

стр. 161

وهو إفادة المخاطب أمراً في ماض من زمان، أو مستقبل، أو دائم نحو: قام زيد، ويقوم زيد، وقائم زيد. ثم يكون واجباً وجائزاً، وممتنعاً؛ فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمراً، والممتنع قولنا: حَمَلَتْ الجَبَلُ"١. ب_ كون الخبر مثبتاً أو منفياً: الخبر الذي يحتمل الصدق أو الكذب لذاته إما أن يكون مثبتاً مثل: قام زيد، أو منفياً مثل: ما قام زيد. فكل واحد من المثالين يصح أن يقال لمن قاله: صدقت، أو كذبت. وهكذا بقية المعاني تدور بين الإثبات والنفي. ج_ معنى كون الخبر يحتمل الصدق والكذب لذاته: يقول البلاغيون: إن احتمال الخبر للصدق والكذب إنما يكون بالنظر إلى مفهوم الكلام الخبريِّ ذاته دون النظر إلى المُخبر أو الواقع؛ إذ لو نظرنا عند الحكم على الخبر بالصدق أو الكذب إلى المُخبر أو الواقع لوجدنا أن من الأخبار ما هو مقطوع بصدقه لا يحتمل كذباً، وما هو مقطوع بكذبه لا يحتمل صدقاً. فمن الأخبار المقطوع بصحتها، ولا تحتمل الكذب ألبتة: أخبار الله _عز وجل_ أي كل ما يخبر الله به، وكذلك أخبار رُسله _ عليهم الصلاة والسلام _. ومما يقطع بصحته البديهيات المألوفة مثل: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وماء البحر مالح، وماء النهر عذب. ومن الأخبار المقطوع بكذبها، ولا تحتمل الصدق: الأخبار المناقضة

стр. 162

للبديهيات نحو: الجزء أكبر من الكل، والأسبوع خمسة أيام. وكذلك الأخبار التي تتضمن حقائق معكوسة نحو: الأمانة رذيلة، والخيانة فضيلة. ولكن هذه الأخبار المقطوع بصحتها، أو المقطوع بكذبها إذا نظرنا إليها ذاتها دون النظر إلى قائلها، أو إلى الواقع كانت محتملة للصدق والكذب شأنها في ذلك شأن سائر الأخبار١. د_ المعاني التي يحتملها لفظ الخبر: قد يرد الكلام بلفظ الخبر، ويراد منه معانٍ أخرى. قال ابن فارس ﵀: "والمعاني التي يحتملها لفظ الخبر كثيرة: فمنها التعجب نحو: ما أحسن زيداً، والتمني نحو: ودِدتُك عندنا، والإنكار: ما له عليَّ حق، والنفي: لا بأسَ عليك، والأمر نحو قوله _ جل ثناؤه _: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والنهي نحو قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] والتعظيم نحو: سبحان الله، والدعاء نحو: عفا الله عنه، والوعد نحو قوله _ جل وعز _: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والوعيد نحو قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] والإنكار والتبكيت نحو قوله _ جل ثناؤه _: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . وربما كان اللفظ خبراً والمعنى شرطٌ وجزاء، نحو قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] .

стр. 163

فظاهره خبر، والمعنى: إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ومثله ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] المعنى: مَنْ طلقَ امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرحها بإحسان. والذي ذكرنا في قوله _ جل ثناؤه _: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فهو تبكيت، وقد جاء في الشعر مثله، قال شاعر يهجو جريراً: أبلغْ جريراً وأبلغ مَنْ يُبلغُه ... أني الأغرُّ وأني زهرةُ اليَمَنِ فقال جرير مبكتاً له: ألم تكن في وُسُوم قد وَسَمْتَ بها ... من حَانَ موعظةٌ يا زهرة اليمنِ؟ ويكون اللفظ خبراً، والمعنى دعاء وطلب، وقد مر في الجملة. ونحوه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] معناه: فأعنا على عبادتك. ويقول القائل: "أستغفر الله"، والمعنى: اغْفِر. قال الله _ جل ثناؤه _: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢] . ويقول الشاعر: أستغفر الله ذنباً لستُ مُحْصِيَهُ ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ"١

стр. 164

ثانياً: الإنشاء: الإنشاء هو قسيم الخبر، وقد يعبر عنه أحياناً بالطلبِ، والحديثُ عنه سيتناول ما يلي:

стр. 165

أ_ تعريفه: قيل: هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته. وعلى حد تعبير البلاغيين: هو ما يستدعي مطلوباً غير حاصل في وقت الطلب. أو _ كما يقولون بعبارة أخرى _: هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه١. ب_ أمثلة للإنشاء: ١_ قال أحد الحكماء لابنه: "يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث". ٢_ قال ابن عباس _ ﵄ _ يوصي رجلاً: "لا تتلكم بما لا يعنيك، ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعاً"٢. ج_ ما سبب كون الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؟ : لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق واقع خارجي يمكن أن يقارن به؛ فإن طابقه قيل: إنه صادق، وإن خالفه قيل: إنه كاذب. ولمزيد من التوضيح يمكننا النظر إلى المثالين الماضيين في فقرة ب. ففي المثال الأول نداء وأمر، وفي المثال الثاني نهي وأمر. وأنت لا تستطيع أن تقول لمن ينادي شخصاً، ويأمره، وينهاه: إنك صادق أو كاذب؛ لأنه لا يُعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله. إن من ينادي أو يأمر أو ينهى ليس لندائه، أو أمره، أو نهيه وجود خارجي قبل حصول النداء أو الأمر أو النهي؛ فكيف يحتمل كلامه الصدق أو الكذب، وذلك لا يكون إلا بمطابقة الواقع، أو عدم المطابقة.

стр. 166

وفي مثل هذه الأساليب لا واقع تعرض عليه مدلولاتها وتقارن به. ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب وأنواع الإنشاء الأخرى من استفهام، وتمنٍّ، وغيرها. وعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه. وإلا فإنه يستلزم خبراً يحتمل الصدق والكذب؛ فقول القائل: "يا بني تعلم" يستلزم خبراً هو: أنا طالب منك التعلم، وقول القائل: "لا تتكلم" يستلزم خبراً هو: أنا طالب منك عدم التكلم، وهكذا ... ولكن ما تستلزمه الصيغة الإنشائية من الخبر ليس مقصوداً ولا منظوراً إليه. إنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الصيغة الإنشائية. وبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء١. د_ أقسام الإنشاء: ينقسم الإنشاء إلى قسمين: طلبي وغير الطلبي. - الإنشاء الطلبي: وهو الذي يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب. وهو خمسة أنواع: ١_ الأمر: وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام نحو قوله _ تعالى _: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . وللأمر أربع صيغ تنوب كل منها مناب الأخرى في طلب أي فعل من الأفعال

стр. 167

على وجه الاستعلاء والإلزام، وهي: أ_ فعل الأمر: كما في المثال الماضي، وكما في قوله _ تعالى _: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] . ب_ المضارع المقرون بلام الأمر: كما في قوله _ تعالى _: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] . ج_ اسم فعل الأمر: كما في قوله _ تعالى _: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] . د_ المصدر النائب عن فعل الأمر كما في قوله _ تعالى _: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة: ٨٣] . وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] . ٢_ النهي: وهو طلب الكف عن الفعل، أو الامتناع عنه على وجه الاستعلاء والإلزام. وللنهي صيغة واحدة وهي المضارع المقرون بـ: لا الناهية الجازمة، نحو قوله _تعالى_: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ [الحجرات: ١٢] . ٣_ الاستفهام: وهو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل بأداة خاصة. وأدوات الاستفهام كثيرة منها الهمزة، وهل، نحو قوله _ تعالى _: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] . وقوله: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] . ٤_ التمني: وهو طلب أمر محبوب لا يرجى حصوله إما لكونه مستحيلاً

стр. 168

_والإنسان كثيراً ما يحب المستحيل ويطلبه_ وإما لكونه ممكناً غير مطموع في نيله. فمثال الأول قول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المشيب ومثال الثاني قوله _ تعالى _: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص] . ٥_ النداء: وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بأحد حروف النداء. وهذه الحروف ينوب كل حرف منها مناب الفعل أدعو. وهي: الهمزة، وأي، ويا، وأيا، وهيا، وآ، وآي، ووا، نحو قوله _تعالى_: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] . هذه هي أنواع الإنشاء الطلبي على سبيل الإجمال، ولها في كتب اللغة والبلاغة وعلم المعاني على وجه التحديد تفصيلات يطول ذكرها ١. -الإنشاء غير الطلبي: وهو ما لا يستدعي مطلوباً. وله أساليب وصيغ كثيرة منها: ١_ صيغ المدح والذم، مثل: نعم وبئس، وحبذا ولا حبذا. ٢_ وصيغ العقود نحو: بعت، واشتريت، ووهبت، وأعتقت. ٣_ القسم: بالواو، أو بالباء، أو بالتاء. ٤_ التعجب، نحو: ما أكرمه، وأكرم به. ٥_ الرجاء بـ: عسى، أو اخلولق، وحرى مثل: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ

стр. 169

أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] . ولا يبحث علماء البلاغة في الإنشاء غير الطلبي؛ لأن أكثر صيغه في الأصل أخبار نقلت إلى الإنشاء ١.

стр. 170

القضاء والقدر مدخل ... القضاء والقدر لفظان يردان كثيراً في الكتاب والسنة، وفي كتب العقائد، وفيما يلي معالم في هذين اللفظين.

стр. 171

أولاً: القضاء: ١_ تعريف القضاء لغة: القضاء في اللغة مصدر الفعل قضى يقضي قضاءاً. قال ابن فارس ﵀ في مادة قضى: "القاف، والضاد، والحرف المعتل _ أصل صحيح يدل على إحكام أمر، وإتقانه، وإنفاذه لجهته. قال الله _ تعالى _: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] . أي أحكم خلقهن، ثم قال أبو ذؤيب الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو نَسَجُ السوابغِ تُبَّعُ١ والقضاء: هو الحكم، والصنع، والحتم، والبيان. وأصله القطع، والفصل، وقضاء الشيء، وإحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه؛ فيكون بمعنى الخلق٢. ٢_ إطلاقات القضاء في القرآن الكريم: يطلق لفظ القضاء في القرآن إطلاقات

стр. 172

عديدة منها١: أ_ الوصية والأمر: قال الله _ تعالى _: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، أي أمر وأوصى. ب_ الإخبار: قال _ تعالى _: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] . ج_ الفراغ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] . وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣] . د_ الفعل: قال _ تعالى _: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] . هـ_ الوجوب والحتم: قال _ تعالى _: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ . وقال _ تعالى _: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] . و_ الكتابة: قال _ تعالى _: ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم: ٢١] . ز_ الإتمام: قال _ تعالى _: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] . وقال _ تعالى _: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص:٢٨] . ح_ الفصل: قال _ تعالى _: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] . ط_ الخلق: قال _ تعالى _: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] . ي_ القتل: قال _ تعالى _: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] .

стр. 173

ثانياً: القدر: ١_ القدر في اللغة: "مصدر الفعل قَدِرَ يقْدَرُ قدَرَاً، وقد تسكن دالُه"١. قال ابن فارسرحمه الله في مادة قدر: "قدر: القاف، والدال، والراء، أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه، ونهايته؛ فالقدْر مبلغ كل شيء، يقال: قَدْرُه كذا أي مبلغه، وكذلك القدَرُ، وقدَرْت الشيء أقدِره وأقدُره من التقدير"٢. والقدَر محركة: القضاء، والحكم، وهو ما يقدِّره الله _عز وجل_ من القضاء، ويحكم به من الأمور. والتقدير: التروية، والتفكير في التسوية أمر، والقَدَرُ كالقَدْر وجميعها جمعها: أقدار٣. والفرق بين القدر والتقدير _ كما يقول أبو هلال العسكري_ "أن التقدير يُستعمل في أفعال العباد ولا يُستعمل القدر إلا في أفعال الله _ _"٤. ٢_ إطلاقات القدر في القرآن الكريم: يطلق القدر في القرآن عدة إطلاقات منها٥: أ_ التضييق: قال _ تعالى _: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦] .

стр. 174

ب_ التعظيم: قال _ تعالى _: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] . ج_ الاستطاعة، والتغلب، والتمكن: قال _ تعالى _: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ المائدة: ٣٤. د_ التدبير: قال _ تعالى _: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ المرسلات:٢٣، أي دبَّرنا الأمور، أو أردنا وقوعها بحسب تدبيرنا. هـ_ تحديد المقدار، أو الزمان، أو المكان: قال _ تعالى _: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ:١٨] . وقال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت:١٠] . و_ الإرادة: قال _ تعالى _: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أي دبِّر، وأريد وقوعه. ز_ القضاء والإحكام: قال _تعالى_: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ﴾ [لواقعة:٦٠] أي قضينا، وحكمنا. ح_ التمهل والتَّروي في الإنجاز: قال _ تعالى _: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] أي تمهَّل، وتروَّى؛ ليتبين ما يقوله في القرآن. وقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] . أي تمهلْ، وتروَّ في السرد؛ كي تحكمه. ط_ الصنع بمقادير معينة: قال _ تعالى _: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ [الإنسان: ١٦] .

стр. 175

ثالثاً: العلاقة بين القضاء والقدر: من خلال ما سبق من تعريف القضاء والقدر في اللغة وبيان إطلاقاتهما في القرآن يتبين مدى العلاقةِ بينهما، والعلاقةِ بين المدلول اللغوي والشرعي _ كما سيأتي _. فكلٌّ مِن القضاء والقدر يأتي بمعنى الآخر؛ فمعاني القضاء تؤول إلى إحكام الشيء، وإتقانه، ونحو ذلك من معاني القضاء. ومعاني القدر تدور حول ذلك، وتعود إلى التقدير، والحكم، والخلق، والحتم، ونحو ذلك. ولهذا سيكون التعريف الشرعي شاملاً للقضاء والقدر، ثم بعد ذلك يكون الحديث عن الفروق بينهما.

стр. 176

ثالثا: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي ... رابعاً: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي: هناك بعض ممن تطرق لتعريف القضاء والقدر يعرفه ببعض أفراده أو بعمومه دون تفصيل، أو إشارة إلى مراتبه وأركانه. فهذا الجرجاني ﵀ يعرف القدر فيقول: "القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحداً بعد واحد مطابقاً للقضاء. والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال"١. وقال ﵀ في تعريف القضاء: "القضاء لغة: الحكم.

стр. 177

وفي الاصطلاح: عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد١"٢. وهذا التعريف صحيح، ولكن ينقصه الشمول، واستيعاب جميع الأفراد؛ وهي مراتب القدر الأربع. ويمكن أن يعرف القضاء والقدر بأحد التعريفات التالية: أ_ هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه _عز وجل_ قدر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تقع في الأزل، وعلم _ _ أنها ستقع في أوقات معلومة عنده _تعالى_ وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها"٣. ب_ وعُرِّف بأنه: تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمُه، واقتضته حكمته٤. وهو تعريف مختصر لطيف. ج_ هو تقدير الله _ تعالى _ للأشياء في القِدَم، وعلمه _ سبحانه _ أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها

стр. 178

على حسب ما قدرها، وخلقه لها١. وهذا التعريف من أجمع التعاريف، وأشملها. د_ ويمكن أن يعرف القضاء والقدر تعريفاً مختصراً فيقال: هو علم الله بالأشياء، وكتابته، ومشيئته، وخلقه لها.

стр. 179

رابعا: الفروق بين القضاء والقدر ... خامساً: الفروق بين القضاء والقدر: اختلف العلماء في ذلك على أقوال، وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك: ١_ قيل: "المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق كقوله _تعالى_: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] ، أي خلقهن. فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء؛ فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"٢. وقال الراغب الأصفهاني ﵀: "والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع. وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل"٣. ٢_ وقيل العكس؛ فالقضاءُ هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل،

стр. 180

والقدرُ هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق١. قال الجرجاني ﵀: "والفرق بين القدر والقضاء هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها"٢. وقال مثل ذلك عند تعريفه للقضاء والقدر _ كما مر _. ٣_ أنه لا فرق بين القضاء والقدر؛ فكل واحد منهما بمعنى الآخر؛ فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر؛ ويعبر عن كل واحد منهما كما يعبر عن الآخر؛ فهما مترادفان من هذا الاعتبار، فيقال: هذا قدر الله، ويقال: هذا قضاء الله، ويقال: هذا قضاء الله وقدره٣. ولعل الأقرب _ والله أعلم _ أنهما إذا اجتمعا افترقا؛ بحيث يصبح لكل واحد منهما مدلول بحسب ما سبق في الأقوال السابقة. وإذا افترقا اجتمعا؛ بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر٤. وبالجملة فالأمر يسير، والخلاف فيها لا يترتب عليه شيء.
следующие страницы →