← Акыда

Акыда · id 12070

مصطلحات في كتب العقائد

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (272 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل. ج_ مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة: مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام، وباختلاف المتكلمين؛ فقد يكون مرادهم نفي قِدَمِ اتصاف الله ببعض صفاته، وقد يكون مرادهم نفي دوام أفعال الله ومفعولاته، وقد يكون مرادهم نفي أبدية الجنة والنار، وقد يكون غير ذلك. د_ هل وردت هذه اللفظة في الكتاب أو السنة، أو أطلقها أحد من أئمة السلف؟ الجواب: لا. هـ _ ما طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ؟ طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة؛ حيث إنهم يتوقفون في لفظ التسلسل فلا يثبتونه، ولا ينفونه؛ لأنه لفظ مبتدع، مجمل يحتمل حقاً وباطلاً، وصواباً وخطأ. هذا بالنسبة للفظ. أما بالنسبة للمعنى فإنهم يستفصلون، فإن أريد به حق قبلوه، وإن أريد به باطل ردوه. و_ وبناءاً على ذلك فإنه يُنْظَرُ في هذا اللفظ، وتطبق عليه هذه القاعدة: فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ: ١_ إذا أردتم بالتسلسل: دوام أفعال الرب _أزلاً ١وأبداً ٢_ فذلك معنى

стр. 72

صحيح دل عليه العقل والشرع؛ فإثباته واجب، ونفيه ممتنع، قال الله _ تعالى _: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] . والفعال هو من يفعل على الدوام، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعالاً؛ فوجب دوام الفعل أزلاً وأبداً. ثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له، وهذا ممتنع. ولأن الفعل لازم من لوازم الحياة، وكل حي فهو فعال، والله _ تعالى _ حي؛ فهو فعال، وحياته لا تنفك عنه أبداً وأزلاً. ولأن الفرق بين الحيِّ والميتِ الفعلُ، والله حيٌّ فلا بد أن يكون فاعلاً، وخُلُوُّه من الفعل في أحد الزمانين: الماضي والمستقبل ممتنع، فوجب دوام فعله أزلاً وأبداً. فخلاصة هذه المسألة: أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب فذلك معنى صحيح واجب في حق الله، ونفيه ممتنع. ٢_ وإذا أريد بالتسلسل: أنه _ تعالى _ كان معطلاً عن الفعل ثم فعل، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفاً بها، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن _ فذلك معنى باطل لا يجوز. فالله _ _ لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يُعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها؛ لأن صفاته _ سبحانه _ صفات كمال، وفَقْدُها صفة نقص؛ فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده.

стр. 73

قال الإمام الطحاوي ﵀: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته. وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً"١. مثال ذلك صفة الكلام؛ فالله _عز وجل_ لم يزل متكلماً إذا شاء. ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، ولم يكن معطلاً عنها في وقت، بل هو متصف بها أزلاً وأبداً. وكذلك صفة الخلق، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطلاً عنها. ٣_ وإذا كان المقصود بالتسلسل: التسلسل في مفعولات الله _ _ وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلْقاً بعد خلق إلى ما لا نهاية _ فذلك معنى صحيح، وتسلسل ممكن، وهو جائز في الشرع والعقل. قال الله _ تعالى _: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥] . ثم إنه _ _ ما زال يخلق خلقاً، ويرتب الثاني على الأول وهكذا؛ فما زال الإنسان والحيوان منذ خلَقَهُ الله يترتب خلقه على خلق أبيه وأمه. ٤_ وإن أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثِّرين، أي بأن يؤثِّر الشيء بالشيء إلى ما لا نهاية، وأن يكون مؤثرون كلُّ واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية_ فذلك تسلسل ممتنع شرعاً وعقلاً؛ لاستحالة وقوعه؛ فالله _ _ خالق كل شيء، وإليه المنتهى؛ فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء،

стр. 74

وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء. والقول بالتسلسل في المؤثرين يؤدي إلى خُلُوِّ المُحدَث والمخلوق من مُحْدِثٍ وخالقٍ، وينتهي بإنكار الخالق _ جل وعلا _. خلاصة القول في مسألة التسلسل عموماً: * أن التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية، وأنه سمي بذلك أخذاً من السلسلة. * وأن التسلسل من الألفاظ المجملة التي لا بد فيها من الاستفصال _ كما مر _. * وأنه إن أريد بالتسلسل: دوام أفعال الرب ومفعولاته، وأنه متصف بصفات الكمال أزلاً وأبداً _ فذلك حق صحيح، يدل عليه الشرع والعقل. * وأنه إن أريد بالتسلسل: أنه _ _ كان معطلاً عن أفعاله وصفاته، ثم فعل، واتصف فحصل له الكمال بعد أن لم يكن متصفاً به، أو أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثرين _ فذلك معنى باطل مردود بالشرع والعقل١.

стр. 75

اللفظ والملفوظ هذه المسألة ترد في كتب العقائد، وهي من المسائل الحادثة، وتعرف بمسألة: اللفظ. وإليك شيئاً من البسط في هذه المسألة: أولاً: ما المراد بمسألة اللفظ، والملفوظ: المراد بها: هل اللفظ بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق؟ ثانياً: من أول من تكلم بها: أول من تكلم بها حسين الكرابيسي، وتلميذه داود الأصبهاني زمن الإمام أحمد؛ فهذان هما اللذان قالا: لفظنا بالقرآن مخلوق، وقد عرفوا باللفظية. ثم عارضهم طائفة من أهل السنة والحديث؛ فقالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق. ثالثاً: هل يصح أن يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق؟ أو غير مخلوق؟ الجواب أن يقال: إن إطلاق هذا القول نفياً أو إثباتاً غير صحيح؛ ولهذا فإن الإمام أحمد، وجمهور أهل السنة منعوا هذين الإطلاقين، وقالوا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. والسبب في تخطئة الإمام أحمد وجمهور أهل السنة لهذين الإطلاقين هو ما فيهما من الإيهام، والإجمال، والاحتمال. رابعاً: ما القول الحق في هذه المسألة؟ : القول الحق أن يستفصل عن المراد بها؛ فيقال: إن أريد باللفظِ: التلفظُ الذي هو فعل العبد فهو مخلوق؛ لأن العبد وفعله مخلوقان، قال الله _عز وجل_: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 76

وجاء في كتاب خلق أفعال العباد للإمام البخاري أن رسول الله " قال: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته".١ وإن أريد باللفظ: الملفوظ به فهو كلام الله منزل غير مخلوق؛ لأن كلام الله من صفاتِه، وصفاتُه _عز وجل_ غيرُ مخلوقة. وبعبارة أخرى يمكن أن يقال: إن هناك فرقاً بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء؛ فالتلاوة والقراءة فعل العبد، وذلك مخلوق. أما المتلُوُّ المقروء فهو كلام الله وقوله _ عز وجل_ وهو غير مخلوق. وعلى هذا فمن قال: "لفظي القرآن غير مخلوق" فإنه يحتاج إلى تفصيل؛ فإن أراد المقروء المتلو فذلك حق؛ لأن القرآن غير كلام الله منزل غير مخلوق، وإن أراد القراءةَ المتلوةَ فهذا باطل؛ لأنها مخلوقة _ كما مر _. وبعبارة أيسر: يقال: الصوت _وهو فعل العبد_ صوت القاري، والكلام _ وهو الملفوظ _ كلام الباري. هذا هو ملخص القول في هذه المسألة ٢.

стр. 77

الاسم والمسمى الاسم والمسمى مسألة ترد في كتب العقائد، وهي من المسائل الحادثة التي وقع حولها خلافٌ كبير، وجدلٌ كثير. وفيما يلي نبذة عن هذه المسألة: أولاً: وقت ظهورها: لم تعرف هذه المسألة إلا بعد انقضاء عصر الصحابة والتابعين، حيث حدثت هذه البدعة، وأنكرالأئمة على الجهمية قولهم: الاسم غير المسمى فأصبحت هذه المسألة تعرف بـ الاسم والمسمى. ثانياً: ما مراد أهل التعطيل من إطلاقها؟ : مرادهم أن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق؛ حيث زعموا أن أسماء الله مخلوقةٌ، وأن كلامه مخلوق، وأنه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته، ولا أخبر عن نفسه باسم المتكلم. ثالثاً: كراهية العلماء لهذا الإطلاق: كره كثير من العلماء هذا الإطلاق، وكثرة الخوض في هذه المسألة؛ لما فيها من إجمال، وإيهام، وإبهام، ولما تحتمله من حقٍّ وباطل. ولهذا يروى عن الشافعي، والأصمعي _ رحمهما الله _ قولهما: "إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة". وقال ابن جرير ﵀: "وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم غير الاسم؟ فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها يتَّبع، ولا قول إمام فيستمع؛ فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه أن ينتهي إلى قوله _ ثناؤه_ الصادق وهو قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً

стр. 78

مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . وقوله _ تعالى_: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ا. هـ. رابعاً: ما الجواب عن هذا السؤال: يعني إذا قيل: هل الاسم هو المسمى أو غيره فما الجواب؟ الجواب أنه لا بد من الاستفصال والاستعلام؛ لأن من الناس من يقول: هو المسمى، ومنهم من يقول: بل الاسم غير المسمى. وهذا خطأ. والصحيح أنه لا بد من التفصيل؛ فيقال: الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال على المسمى تارة أخرى، وذلك بحسب السياق. مثال ذلك كلمة الرحمن قد يراد بها المسمى نفسه كما لو قلت: القرآن كلام الرحمن أو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . فإن المراد بـ: الرحمن ههنا المسمى نفسه، وهو الله _عز وجل_. وإذا قلت: الرحمن اسم عربي فالاسم هنا هو اللفظ الدال على المسمى، أي: هو اللفظ الذي يشتمل على الحروف: أل ر ح م ن، أي: أن هذه الحروف تحمل اسماً، أو لفظاً عربياً. ولكن لا يقال: غير المسمى؛ لما في لفظ غير من إيهامٍ وإجمال؛ فقد يفهم من ذلك أن أسماء الله بائنة عنه، وأنه كان ولا اسم له، ثم خلق لنفسه اسماً؛ أو سماه خلقه بأسماء من صنعهم. خامساً: أمثلة أخرى: قولنا: الله ربُّ الناس، والله مجيب الدعوات، وسمع

стр. 79

الله: هنا يراد بالاسم المسمى نفسه. وقد يطلق الاسم مراداً به اللفظ المنطوق ذاته كأن يقال: "الله أكبر" من ألفاظ الأذان، أو "الله أكبر" كلمة يدخل بها الصلاة وهكذا.. فالاسم هنا هو اللفظ الدال على المسمى، ولا يقال غيره؛ لما في ذلك _كما تقدم_ من الإبهام، والإجمال.١ قال ابن القيم ﵀: فإن قيل: فالاسم عندكم هو المسمى أو غيره؟ قيل: طالما غلط الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه؛ فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى؛ فإذا قلت: قال الله كذا، أو استوى الله على عرشه، ورأى، وخلق_ فهذا المراد به المسمى نفسه. وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الرحمن وزْنُه فَعْلان، والرحمن مشتق من الرحمة ونحو ذلك فالاسم ههنا للمسمى، ولا يقال: غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال؛ فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله _ سبحانه _ كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسماً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم _ فهذا من أعظم الضلال والإلحاد؛ فقوله في الحديث: "سميت به نفسك" ولم يقل: خلقته لنفسك، ولا قال: سماك به خلقك _ دليل على أنه _ سبحانه _ تكلم بذلك الاسم، وسمى به نفسه، كما سمى نفسه في كتبه التي تكلم بها حقيقة بأسمائه".٢

стр. 80

القول في أن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق هذه المسألة شبيهة بالمسألتين السابقتين وهما مسألة اللفظ والملفوظ، والاسم والمسمى. وخلاصة القول فيها أنه لما ظهرت مقولة القائلين: لفظنا بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق تكلم الناس حينئذٍ في الإيمان؛ فقالت طائفة: الإيمان مخلوق، ودخل في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل: لا إله إلا الله فهذه الكلمة من الإيمان، بل هي أعلى شعبه، وهي في الوقت نفسه من جملة ما تكلم الله _ _ كما في قوله _ تعالى _: ﴿فَاْعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فصار مقتضى قول القائلين بهذا القول: أن نفس هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، بل خلقها. ولهذا بَدَّعَ السلف كالإمام أحمد ﵀ من قال بهذا القول؛ لما فيه من الإبهام، والإجمال. والصواب في ذلك أن يستفصل فيقال لمن قال ذلك: ماذا يراد بالإيمان؟ فإن أريد به شيء من صفات الله كقوله: لا إله إلا الله، أو إيمانه _عز وجل_ الذي دل عليه اسم المؤمن فذلك غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة من صفاته، ولأن صفة الإيمان التي تضمنها اسم: المؤمن من صفاته _عز وجل_ وصفاته قائمة به، غير مخلوقة. وإن أريد بالإيمان شيء من أفعال العباد وصفاتهم كصلاتهم، وصيامهم،

стр. 81

وحجهم، وكتقواهم، وورعهم _ فإن ذلك مخلوق؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، فصلاتهم إيمان، وصومهم إيمان، وحجهم إيمان، وتقواهم وورعهم إيمان، وكل ذلك مخلوق. وبهذا الاستفصال يتبين المقصود، ويحل الإشكال.١

стр. 82

الهَيولَى، والصورة، والجسم، والجواهر المفردة ترد هذه الكلمات أحياناً في سياق واحد كما في قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرسالة التدمرية ص١٢١_١٢٢: "ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولى والصورة ونحو ذلك. فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة فهذا ينبني على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة. وجمهو العقلاء يخالفون ذلك". وقال في الحموية ص٥٤٢: "فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به؛ فالعلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، والرحمة، والغضب، ونحو ذلك في حق العبد أعراض، والوجه، واليد، والعين في حقه أجسام". أولاً: معنى الهيُولى: الهيولى لفظ يوناني معناه أصل الشيء، ومادته. قال الجرجاني ﵀: "الهيولى لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي الاصطلاح: هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، مَحَلٌّ للصورتين الجسمية والنوعية"١. وقال الكفوي ﵀: "الهيولى كل جسم يعمل منه الصانع وفيه صنعة، كالخشب للنجارين، والحديد للحدادين، ونحو ذلك؛ فذلك الجسم هو الهيولى،

стр. 83

كذلك الشيء المصنوع"١. وقال ﵀: "الهيولى: هو جوهر بسيط لا يتم وجوده بالفعل دون وجود ما حل فيه"٢. ثانياً: تعريف الصورة: قال الجرجاني: "صورة الشيء ما به يحصل الشيء بالفعل"٣. وقال: "الصورة الجسمية: الجوهر الممتد في الأبعاد كلها، المدرك في بادي النظر بالحس"٤. وقال: "الصورة النوعية: جوهر بسيط لا يتم وجوده بالفعل دون وجود ما حل فيه"٥. وقال الكفوي: "الصُّورة بالضم: الشكل، وتستعمل بمعنى النوع والصفة"٦. وقال: "الصورة: ما تنتقش به الأعيان، وتميزها عن غيرها"٧. والصورة: وضع الشيء بعد تركيبه، أي هيئته، وشكله، وتناسب بعض أجزائه. ثالثاً تعريف الجسم: قال الكفوي: "الجسم: هو في اللغة مبني عن التركيب

стр. 84

والتأليف"١. وقال: "واختلف في تحديد الجسم ومعناه؛ فقيل: الجسم: هو القائم بنفسه. وقيل: الجسم هو الموجود"٢. وقال: "الجسم هو جماعة البدن والأعضاء من الناس وغيرهم"٣. وقال: "الجسم في بادئ النظر هو هذا الجوهر الممتد في الجهات أعني الصورة الجسمية. والجسم لا تخرج أجزاؤه عن كونها أجساماً وإن قطِّع وجزِّئ. والجسم إما بسيط وهو الذي لم يتألف من أجسام مختلفة الطبائع، أو مركب إن تألف"٤. وقال: "والجسم والجوهر في اللغة بمعنىً، وإن كان الجسم أخص من الجوهر اصطلاحاً؛ لأنه المؤلف من جوهرين أو أكثر على الخلاف في أقل ما يتركب منه الجسم على ما بُيِّن في المطولات"٥. وقال: "وأما عند جمهور المتكلمين، وبعض الحكماء المتقدمين فهو مركب من أجزاء متناهية لا تتجزأ بالفعل ولا بالوهم. وتسمى تلك الأجزاء جواهر فردة تتألف منها الأجسام متماثلة لا تتمايز إلا بالأعراض"٦. هذه هي نظرية المتكلمين في أن جميع الأجسام تتركب من أجزاء لا تتجزأ أبداً وهي الجواهر المفردة.

стр. 85

والجمهور يقولون: إنه ما من جزء إلا ويقبل التجزؤ حتى ينعدم، أو مستحيل أي ويتحول إلى شيء آخر كالبخار ونحوه _كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية_. وقد ظهر عند علماء المادة تفجير الذرة، وهذا مما يقوي القول ببطلان نظرية الجواهر المفردة١. رابعاً: الجواهر المفردة: هي جمع الجوهر المفرد أو الفرد. والجوهر: هو والذات والماهية والحقيقة كلها ألفاظ مترادفة. والجوهر الفرد قيل فيه: _ إنه هو القائم بالنفس الذي يكون متحيزاً لا قابلاً للقسمة. _ وقيل: هو الجزء الصغير الذي لا يمكن تقسيمه. _ ويقال له: الجزء الذي لا يتجزأ _ أي لا ينحل _. والجواهر المفردة هي التي لا تقبل انقساماً لا في الخارج، ولا في الفرض العقلي _ كما مر عند الحديث عن الجسم _. والجوهر خلاف العرض؛ الجوهر ما كان قائماً بنفسه كالجسم مثلاً، والعرض ما كان قائماً بغيره كاللون كبياض الثلج، وسواد القار؛ فهي قائمة بغيرها لا بنفسها. ولهذا يقول بعضهم: الجسم: ما كان مركباً من المادة والصورة. والمادة: أصل الشيء أو الهيولى، والصورة وضع الشيء بعد تركيبه أي هيئته وشكله، وتناسب بعض أجزائه مع بعض.

стр. 86

فالمادة أو الهيولى ههنا: جوهر، والصورة: عرض. هذه نبذة موجزة ليس الغرض منها التفصيل بقدر ما هو إعطاء صورة مجملة لهذه المصطلحات١.

стр. 87

علم الكلام وأهل الكلام يرد في كتب العقائد كثيراً مصطلح علم الكلام، وأهل الكلام والمتكلمين، وما جرى مجرى ذلك. وفيما يلي نبذة عن تعريف علم الكلام، وسبب تسميته بذلك، وأهل الكلام، وأشهر المتكلمين أولاً: تعريف علم الكلام: عرف علم الكلام بعدة تعريفات منها: ١_ قال أبو حيان التوحيدي ﵀:"وأما علم الكلام فإنه من باب الاعتبار في أصول الدين يدور النظر فيه على محض العقل في التحسين والتقبيح، والإحالة والتصحيح، والإيجاب والتجويز، والاقتدار والتعجيز، والتعديل والتجوير، والتوحيد والتكفير. والاعتبارُ فيه ينقسم بين دقيق يتفرد العقل به، وجليل يُفْزَع إلى كتاب الله _تعالى_ فيه".١ ٢_ وعرفه ابن خلدون ﵀ بقوله: "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية"٢ ٣_ وعرفه الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ بقوله: "هو ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها، وأعرضوا بها عما جاء

стр. 88

بالكتاب والسنة"١. ثانياً: سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم: أما سبب تسميته بهذا الاسم فذلك مما تضاربت به الأقوال، ومما قيل في ذلك ما يلي: ١_ أن عنوان مباحث المتكلمين في العقائد كان: الكلام في كذا وكذا.... ٢_ لأنه يورث قدرةً على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصوم؛ فهو كالمنطق للفلسفةِ؛ والمنطقُ مرادفٌ للكلام. ٣_ لأن هذا العلم لا يتحقق إلا بالمباحثة، وإدارة الكلام من الجانبين على حين أن غيره من العلوم قد يتحقق بالتأمل، ومطالعة الكتب. ٤_ لأنه أكثر العلم خلافاً، ونزاعاً؛ فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين، والرد عليهم. ٥_ لأنه؛ لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من الكلام. ٦_ أنه؛ نظراً لقيامه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية كان أكثر العلوم تأثيراً بالقلب؛ فسمي الكلام بذلك مشتقاً من الكَلْم وهو الجرح. ٧_ أنه سمي بذلك؛ لأن أول خلاف وقع في الدين كان في كلام الله _عز وجل_ أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فتكلَّم الناس فيه؛ فسمي هذا النوع من العلم كلاماً، واختص به. ٨_ لأن هذا العلم كلام صِرْفٌ، وليس تحته عمل٢.

стр. 89

ثالثاً: أهل الكلام: أهل الكلام هم الذين يخوضون في مسائل أصول الدين كالوحدانية، والمعاد، وإثبات النبوات، والوعد، والوعيد، والإيجاب على الله _عز وجل_ والتجويز وهو قولهم: لو عذبنا الله على ما خلقه فينا لكان جائزاً، وإنما يعذبنا على ما نخلقه نحن. وأنه يجوز على الله تعذيب ملائكته وأنبيائه، وأهل طاعته، وإكرام إبليس وجنوده، وجعلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم. ولا ريب أن هذا قولٌ باطل صار عن نفي الحكمة والتعليل؛ ذلك أن حكمة الله _عز وجل_ تأبى ذلك قال _تبارك وتعالى_: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . ويخوضون _ كذلك _ في القدر ويقولون بنفيه ويسمون ذلك عدلاً، ويبحثون كذلك في التوحيد، ويعنون به نفي الصفات عن الله _عز وجل_ إلى غير ذلك ممن يخوض به أهل الكلام. رابعاً: أشهر المتكلمين: المتكلمون كثير، وليسوا على درجةٍ واحدة، ويدخل في مفهوم المتكلمين كثير من الطوائف كالجهمية أتباع الجهم بن صفوان، والمعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وغيرهم.

стр. 90

الزندقة ١ لفظ الزندقة، والزنادقة، والزنديق _ يرد كثيراً في كتب العقائد. والحديث عنه سيكون حول المسائل التالية: أولاً: منشأ كلمة الزندقة: الزندقة اسم اشتقه العرب من كلمة زندو بالفارسية، الدالة على كتاب الفرس المقدَّس الذي يقال له بالفارسية: الزندوفستا. وهو كتاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى _ ﵇ _. وقد أحدث ديناً بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح، ولا يقول بنبوة موسى _ ﵉ _ ٢. ويقال لأتباعه: المانوية، ويقال لهم: الثنوية؛ لأنهم يثبتون إلهين. فيقال: تزندق إذا اعتقد اعتقاد المجوس الفرس، أي انتسب للزندو، ثم اشتقوا منه زندقة للاعتقاد، وزنديق للمعتقد. ثانياً: على من يطلق لفظ الزندقة والزنديق؟ يطلق على من يُسِرُّ اعتقاد المجوس؛ فلا يسمى المجوسي المتظاهر بالمجوسية زنديقاً. ثم صار اسماً علماً في الفقه يدل على من يظهر الإسلام، ويبطن الكفر،

стр. 91

سواء كان كفره باعتقاد المجوسية الفارسية، أم بالدهرية، أم بغير ذلك. ولذلك قالوا: الزنديق يرادف المنافق، وخصوا المنافق بمبطن الكفر في زمن الرسول " والزنديق بمبطن الكفر بعد ذلك الزمن. ثالثاً: ظهور الرمي بالزندقة: كان الرمي بالزندقة قد طلع قرنه في أثناء القرن الأول الإسلامي، ثم بلغ أشده في القرن الثاني؛ بسبب ما عظم من المخالفات الاعتقادية، والتعصبات المذهبية، وقضاء الأوطار السياسية. رابعاً: ما يصير به المرء معرضاً إلى تهمة الزندقة: يصير إذا كان فارسي الأصل، وأُثِر عنه بُغض العرب، وكان من أهل الخلاعة والمجون، أو المزح في الأمور الراجعة إلى العبادات، أو أن يكون لا يحفظ من القرآن شيئاً؛ فقد أخذ بذلك محمد بن أبي عبيد الله وزير المهدي _ حسبما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة ١٦١هـ _. هذا والمهدي لم يكن له من أصالة الرأي ما كان للمنصور والسفاح؛ فأغرق في تقصي أحوال الناس، والرمي بالزندقة.

стр. 92

الفلسفة والفلاسفة مدخل ... مدخل مصطلح الفلسفة والفلاسفة مصطلح يرد كثيراً في كتب العقائد، وفيما يلي نبذة عن الفلسفة والفلاسفة، وذلك من خلال ما يلي:

стр. 93

أولاً: مفهوم الفلسفة: ١_ منشأ هذه الكلمة: الفلسفة كلمة معرَّبة عن اليونانية، فهي لفظ يوناني نشأ أول ما نشأ في بلاد اليونان١. ٢_ أصلها الوضعي، وسبب تسميتها بذلك: لفظ "الفلسفة" مركب من كلمتين يونانيتين هما: ١_ فيلو، أو فيلا ومعناهما: المحبة، أو الإيثار. ٢_ سوفيس، أو سوفيا ومعناهما: الحكمة فهذا هو أصل الكلمة وسبب تسميتها بذلك٢. ٣_ تعريف الفلسفة الوضعي الأصلي: من خلال ما مضى يتبين لنا أن الفلسفة باعتبار الوضع الأصلي تعرف بـ: "محبة الحكمة، أو إيثار الحكمة". ويعرَّفُ الفيلسوف بأنه: محب الحكمة، أو المؤثر للحكمة٣.

стр. 94

٤_ تطور دلالة كلمة الفلسفة: مر مصطلح الفلسفة بعدة أطوار وعلى هذا فإن تعريف الفلسفة يختلف باختلاف الأطوار كما أنه يختلف باختلاف الفلاسفة الذين وضعوا لها حدوداً وتعريفات. ٥_ نماذج من تعريفات الفلسفة عند الفلاسفة: للفلسفة عند الفلاسفة تعريفات عديدة وقد تكون في مجملها متقاربة فمن تلك التعريفات ما يلي: ١ـ البحث عن الحقيقة. ٢ـ حب المعرفة. ٣ـ وعرفها الكندي بقوله: هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان١. ٤ـ وعرفها في موضع آخر بقوله: هي علم الحق الأول الذي هو علة كل حق٢. ٥ـ وعرفها الفارابي بقوله: إنها العلم بالموجودات بما هي موجودة ٣. ٦ـ وعرفها _ أيضاً _ بقوله: علم بمقدار الطاقة الإنسية٤. ٧ـ وعرفها _ كذلك _ بالعلم الوحيد الجامع الذي يضع أمامنا صورة شاملة للكون٥. ٨ـ وعرفها _أيضاً_ بقوله: هي العلم الذي يعطي الموجودات معقولية ببراهين عقلية٦.

стр. 95

٩ـ وعرفها ابن سينا بقوله: الحكمة: استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعلمية على قدر الطاقة الإنسانية١. ٦_ تعريف الفلسفة عند الإطلاق، وفي الاصطلاح العام: كما مر من أن الفلسفة مرت بأطوار، ولعل آخر أطوارها هو ما استقر عليه أمر الفلسفة؛ حيث صارت تطلق على آراء محددة، ونظرات خاصة للكون، والوحي، والنبوات، والإلهيات، ونحو ذلك. وصارت تعنى بالعقل، وتقدمه على النقل، بل أصبح العقل عند الفلاسفة إلهاً ومصدراً للتلقي. وعلى هذا فإنه يمكن تعريف الفلسفة ـ عند الإطلاق ـ فيقال: "هي النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تفرض عليه من الخارج، بحيث يكون العقل حاكماً على الوحي، والعرف، ونحو ذلك"٢.

стр. 96

ثانياً: نشأة الفلسفة ودخولها في ديار الإسلام: أولاً: نشأة الفلسفة: نشأت الفلسفة واشتهرت في بلاد اليونان، بل وأصبحت مقترنة بها على الرغم من وجود الفلسفات في الحضارات المصرية، والهندية، والفارسية القديمة. وما ذلك إلا لاهتمام فلاسفة اليونان بنقلها من تراث الشعوب الوثنية، وبقايا الديانات السماوية مستفيدين من صحف إبراهيم وموسى ﵉ بعد انتصار اليونانيين على العبرانيين بعد السبي البابلي١.

стр. 97

وربما استفادوا من حكمة لقمان ﵇ فجاءت فلسفتهم خليطاً بين نزعات شتى. وقد استوى ساق الفلسفة على يد أفلاطون ومن بعده أرسطو وغيرهما١. ثانياً: دخول الفلسفة في ديار الإسلام: دخلت الفلسفة ديار الإسلام في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي وذلك في عهد الخليفة العباسي المأمون. ولقد سبق العرب فلاسفة الغرب بالاتصال بالفلسفة اليونانية؛ إذ إنها لم تصل إلى الغرب إلا في القرنين الميلاديين الثاني عشر والثالث عشر معتمدين على ما خلَّفه الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام الذين تخصصوا في دراستها أوفي نقلها من النص السرياني، أو اليوناني إلى اللسان العربي، ثم نقلت إلى لسان الغرب٢.

стр. 98

ثالثا: أشهر المنتسبين إلى الإسلام ... ثالثاً: أشهر الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام: ١ـ الكندي: وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق الكندي المتوفى سنة ٢٦٠هـ ويطلق عليه فيلسوف العرب. ٢ـ الفارابي: المتوفى سنة ٣٣٩هـ ويطلق عليه المعلم الثاني بعد المعلم الأول وهو أرسطو وستأتي ترجمته عند الحديث عن معتقده. ٣ـ ابن سينا: ويطلق عليه الشيخ الرئيس المتوفى سنة ٤٢٨هـ، وستأتي ترجمته عند الحديث عن معتقده؛ فهؤلاء الثلاثة لم يربط بينهم تاريخ واحد في فترة زمنية محددة، وإنما ربط بينهم مدرستهم الفلسفية، واهتمامهم البالغ بفتح نافذة على تراث الشرق والإغريق. وهم على تتابعهم التاريخي حملوا مسؤولية الترجمة، والشرح، والتأليف في الفلسفة وطرح القضايا الجديدة على العقل الإسلامي١.

стр. 99

رابعا: غاية الفلسفة وموضوعاتها واقسامها ... رابعاً: غاية الفلسفة، وموضوعها، وأقسامها: ١_ غاية الفلسفة: كانت غاية الفلسفة في بداية أمرها محبة الحكمة، ثم تصرف فيها بعض الفلاسفة؛ فصار الغاية منها الجدل لذات الجدل. ومن الفلاسفة _ كالفارابي _ من يرى أن الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها، والغرض المقصود من تعلُّمها ليس شيئاً غير إصلاح النفس.١ ٢_ موضوع الفلسفة: تكاد موضوعات الفلسفة تنحصر بما يأتي: ١ـ العلوم الرياضية. ٢ـ العلوم الطبيعية. ٣ـ العلوم الإلهية. ٤ـ العلوم المنطقية. ٣_ أقسام الفلاسفة: الفلاسفة منهم الطبيعيون أو الطبائعيون، ومنهم الإلهيون، ومنهم الدهريون، ومنهم الرياضيون. ٤_ أقسام الفلسفة: تختلف الفلسفة بحسب موضوعاتها ويمكن أن تقسم كما يلي: أـ الفلسفة الحسية: وهي تتحصل بالحواس وموضوعها عالم الطبيعة. ب ـ الفلسفة النظرية العقلية: وهي تتم بالاستدلال البرهاني، أو النظر الاستنباطي. وتسمى هذه الفلسفة أو المدرسة: الفلسفة المشائية.٢

стр. 100

٣ـ الفلسفة الإشراقية: وتسمى المشرقية، من الإشراق _ أي إشراق النفس واستعدادها _. وهذه تنال بالحدس، والإلهام، وموضوعها العلوم الإلهية.

стр. 101

خامساً: نبذة عن افتراق الفلاسفة: الفلسفة تقوم على الأوهام، والخيال، والظن؛ لأنها لا ترتكز على وحي معصوم، وإنما تقوم على نتاج العقولِ، والعقول مهما بلغت فلن تستقل بمعرفة الشرائع، وحقائق الكون، وصحة النظر بكل حال. ولهذا فإن الاختلاف، والافتراق، والاضطراب دأب الفلاسفة. ومن الأمور التي يتضح من خلالها افتراق الفلاسفة ما يلي: ١ـ أن آراء الفلاسفة فردية ليس لها معيار ثابت: فهي تختلف باختلاف الفيلسوف، وبيئته، وثقافته، ورؤيته وزاوية بحثه؛ فالمادي يبحث في الحقيقة المادية، والفيلسوف الميتافيزيقي يبحث في الحقيقة الميتافيزيقية، وهكذا ... ٢ـ أن الحقيقة في أدوار الفلسفة غير ثابتة: فلكل فيلسوف وجهته، وكل فيلسوف يناقض غيره. ثم إن ثقافة الفيلسوف، وبيئته، وأستاذه، وتيارات مجتمعه كل أولئك لهم تأثيرهم في رؤية الفيلسوف وصنع عقليته. ٣ـ كثرة اضطراب الفلاسفة وشكهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض حديث له عن الفلاسفة والمتكلمين: "أنك تجدهم أعظم الناس شكاً واضطراباً، وأضعف الناس علماً وبياناً، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن نذكرها. وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض، والقدح، والجدل. ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة. وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامي، وإنما العلم في جواب السؤال، ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ؛ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر"١.

стр. 102

سادساً: مذهب متقدمي الفلاسفة في الإلهيات والشرائع: الفلاسفة المتقدمين كأرسطو وغيره أجهل الناس في الشرائع والأمور الإلهية، وأكثرهم اضطراباً وتناقضاً، وأكثر كلامهم فيها خبط عشواء؛ لأنهم لم يستضيئوا بأنوار الرسالة، ولا كانت عندهم شريعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات؛ فإنهم من أجهل الناس بها، وأبعدهم عن معرفة الحق فيها. وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غثٍّ على رأس جبل وعرٍ؛ لا سهل فيرتقى، ولا سمين فيقلى"١. وقال ﵀ في معرض حديث له عن الفلاسفة وأهل الكلام: "لكن من المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشواً وقولاً للباطل، وتكذيباً للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد _ والله أعلم _ تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك"٢. وإليك فيما يلي نماذجَ من ضلالات الفلاسفة على سبيل الإجمال: ١ـ يقولون بقدم العالم. ٢ـ يقولون: بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات. ٣ـ يقولون: بأن منزلة الفيلسوف كمنزلة النبي، وربما فضل بعضهم الفيلسوف على النبي.

стр. 103

٤ـ يقولون: بحشر الأرواح دون الأجساد. ٥ـ يقولون: بأن الجنة والنار أمثال مضروبة وخيالات؛ لتفهيم العوام، وضبطهم دون أن يكون لها حقيقة في الخارج. ٦ـ يرون: أن العقل مقدم على الوحي. هذا وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن معتقد الفارابي وابن سينا.

стр. 104

سابعاً: معتقد الفارابي وابن سينا: ١_ تعريف بالفارابي: هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان ولد سنة ٢٥٩هـ في فاراب وهي مدينة من بلاد الترك من أرض خراسان، وكان أبوه قائد جيش، وهو فارسي المنسب، وكان ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام، وأقام بها إلى حين وفاته. كان متقناً للفلسفة، بارعاً في العلوم الرياضية، وكانت له قوة في صناعة الطب ولم يباشر أعمالها. وكان قوي الذكاء، ذا زهد وبعد عن الدنيا. ويذكر أنه كان في أول أمره قاضياً، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعلمها. ويذكر أنه صنع آلة غريبة يستمع منها ألحاناً يحرك بها الانفعالات. ويذكر أن سبب قراءته للفلسفة أن رجلاً أودع عنده جملة من كتب أرسطو طاليس؛ فاتفق أن نظر فيها؛ فوافقت منه قبولاً، فتحرى قراءتها، ولم يزل حتى أتقن فهمها، وصار فيلسوفاً من كبار الفلاسفة. وقال الفارابي عن نفسه: إنه تعلم الفلسفة من يوحنا بن جيلان إلى آخر كتاب البرهان. وكان يحسن عدة لغات غير العربية: منها التركية، والفارسية، ويلم بالسريانية.

стр. 105

أما وفاته فكانت في رجب سنة ٣٣٩هـ عند سيف الدولة علي بن حمدان في خلافة الراضي، وصلى عليه سيف الدولة في دمشق في خمسة عشر رجلاً من خاصته١. ٢_ تعريف بابن سينا: هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا الفيلسوف المشهور المعروف بابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس. يقول عن نفسه: إن أبي كان رجلاً من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور، واشتغل بالتصوف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية يقال لها: خرميثن٢ من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها: أفشفة، وتزوج أبي منها بوالدتي، وقطن بها وسكن وَوُلِدْتُ بها، ثم وُلِدَ أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن ومعلم الآداب، وأكملت العشر من العمر، وقد أتيت على القرآن، وعلى كثير من الآداب حتى كان يقضي مني العجب. وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين، ويعد من الإسماعيلية٣. وتعد حياة ابن سينا حياةً غريبة صاخبة مليئة بالمتناقضات. فقد كان مكباً على التحصيل والاطلاع، والتأليف والتصنيف. وكان معايشاً للحياة السياسية في عصره، وكان من أكبر أطباء العصر والبلاط.

стр. 106

وعاش حياته الاجتماعية وما فيها من لهو، ولذات، وشرب خمر، وغناء، ونساء؛ فكان نهاره مع الأمير والسياسة، وليله مع التأليف، والتحصيل، والشرب، والغناء. وكان إذا تحير في مسألة ابتهل إلى مبدع الكل كما يقول، وإذا غلبه النوم عدل إلى شرب قدح من الشراب. وإليك بعض نصوص من سيرته الخاصة تصور لك الحياة المتناقضة والعجيبة، يقول ابن سينا حكاية عن حاله: ـ وكلما كنت أتحير في مسألة، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت، وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر لي المنعسر. ـ وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة؛ فمهما غلبني النوم، أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة. ومهما أخذني أدنى نومٍ أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إن كثيراً من المسائل اتضح لي وجوهُها في المنام. ـ فإذا أفرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم، وهُيِّئ مجلس الشراب بالآنية، وكنا نشتغل به. ـ فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب، والمراكب الخاصة، وأنزل في محله، وفيها الآلات، والفرش، وما يحتاج إليه.

стр. 107

ـ وصلينا العشاء، وقدم الشمع، وأمر بإحضار الشراب، وأجلسني وأخاه، وأمر بتناول الشراب١. فهذه نبذة من أقواله التي تبين بعض معالم شخصيته. أما مؤلفاته فكثيرة تبلغ العشرات في شتى الفنون، ومنها: ١ـ المجموع مجلدة. ٢ـ الحاصل والمحصول عشرون مجلدة. ٣ـ الإنسان مجلدة. ٤ـ البر والإثم مجلدتان. ٥ـ الشفاء ثمان عشرة مجلدة. ٦ـ القانون أربع عشرة مجلدة. ٧ـ الأدوية القلبية مجلدة. ٨ـ بعض الحكمة المشرقية مجلدة. وخلاصة الحديث عن ابن سينا: أنه كان من الأذكياء، ووالده كان إسماعيلياً، وكان منهوماً بالقراءة والاطلاع، والتأليف، وكانت حياته غريبة صاخبة مليئة بالمتناقضات. ٣_ معتقد الفارابي وابن سينا: معتقدهم هو معتقد الفلاسفة الأوائل؛ فهم يسلكون في تقرير العقيدة، وبحث الأمور الإلهية مسلك قدماء الفلاسفة؛ فالمنهج الذي يسيرون عليه في ذلك منهج عقلي لا يرجعون فيه إلى ما جاء به الرسول ﷺ ولا يعرفون من العلوم الكلية، ولا العلوم الإلهية إلا ما يعرفه الفلاسفة المتقدمون مع زيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام، أو أهل الملة٢.

стр. 108

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الفارابي، وابن سينا، وغيرهم من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام ـ أنهم وإن كانوا قد توسعوا في مباحث الفلسفة، وتكلموا في الإلهيات والنبوات والمعاد بما لا يوجد عند الفلاسفة المتقدمين، وكان كلامهم أجود وأقرب إلى الحق من كلام سلفهم إلا أنهم مزجوا الحق الذي أخذوه من الدين بالباطل الذي بنوه على أصولهم الفلسفية الفاسدة، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة، ولكن على حساب الدين؛ فهم يعمدون إلى النصوص، فيؤولونها بتأويلات بعيدة ومتكلفة حتى تتلاءم مع قواعدهم الفلسفية. فيقولون مثلاً: إن صفات الله التي جاء بها القرآن، ونطقت بها السنة ليست إلا تعبيرات عن ذات واحدة. ويقولون: إن العرش هو الفلك التاسع، والكرسي هو الفلك الثامن، والملائكة هي النفوس والقوى التي في الأجسام، وما يحدث من العالم من خوارق العادات حتى معجزات الأنبياء إنما سببه عندهم قوة فلكية، أو طبيعية، أو نفسانية إلى غير ذلك من الأمور التي وجدوها في الفلسفة فتمحَّلوا لها نصوصاً من الدين١.

стр. 109

ثامناً: بيانُ علماءِ الإسلامِ ضلالَ الفلاسفة، وانحرافهم عن سواء الصراط: هذا وقد بين علماء الإسلام ضلال الفلاسفة، وانحرافهم عن سواء الصراط: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"حدثني ابن الشيخ الخضيري١ عن والده الشيخ الخضيري شيخ الحنفية في زمنه ـ قال: كان فقهاء بخارى يقولون: إن ابن سينا كان كافراً ذكياً"٢. وقال ابن القيم رحمه اللهعن ابن سينا: "فالرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، ولا مبدأ عنده ولا معاد، ولا رسول ولا كتاب"٣. وقال الذهبي ﵀ عن ابن سينا: "وما أعلم روى شيئاً من العلم، ولو روى لما حلت الرواية عنه لأنه فلسفي النحلة ضال"٤. وقال عنه ابن كثير ﵀: "وقد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلساً، وكفره في ثلاث منها، وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدّعه في البواقي"٥. هذا وسيأتي مزيد بيان عن ضلال الفلاسفة في الفقرة التالية ـ إن شاء الله ـ.

стр. 110

تاسعاً: الأدلة على الاستغناء بما جاءت به الرسل عن أفكار الفلاسفة ما جاءت به الرسل الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يغني عن أفكار الفلاسفة، والأدلة على ذلك كثيرة جدّّاً، وإليك طرفاً من ذلك على سبيل الإجمال: ١ـ أن الرسل جاءوا بالوحي المعصوم: الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. أما ما جاءت به الفلاسفة فخيالات وظنون، وهوس وضلال. فمصدر ما جاءت به الرسل هو الوحي، ومصدر ما جاءت به الفلاسفة هو العقل. ٢ـ أن ما جاءت به الرسل من أصول الدين متفق مؤتلف: فهو مثانٍ متشابهٌ يصدِّق بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض. بخلاف ما جاءت به الفلاسفة فهو ـ في أغلبه ـ متناقض متهافت. ٣ـ أن ما جاءت به الرسل يتلاءم مع الفطرة، بخلاف كلام الفلسفة فهو يعمي الفطر، ويبلد الإحساس. ٤ـ أن ما جاءت به الرسل واضح جلي: يفهمه العالم والعامي، ويدركه العربي والعجمي، والصغير والكبير. بخلاف كلام الفلاسفة؛ فهو أشبه ما يكون ـ في أغلبه ـ بالطلاسم، والرموز.
следующие страницы →