← Акыда

Акыда · id 12070

مصطلحات في كتب العقائد

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (272 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثالثا: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي ... رابعاً: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي: هناك بعض ممن تطرق لتعريف القضاء والقدر يعرفه ببعض أفراده أو بعمومه دون تفصيل، أو إشارة إلى مراتبه وأركانه. فهذا الجرجاني ﵀ يعرف القدر فيقول: "القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحداً بعد واحد مطابقاً للقضاء. والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال"١. وقال ﵀ في تعريف القضاء: "القضاء لغة: الحكم.

стр. 177

وفي الاصطلاح: عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد١"٢. وهذا التعريف صحيح، ولكن ينقصه الشمول، واستيعاب جميع الأفراد؛ وهي مراتب القدر الأربع. ويمكن أن يعرف القضاء والقدر بأحد التعريفات التالية: أ_ هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه _عز وجل_ قدر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تقع في الأزل، وعلم _ _ أنها ستقع في أوقات معلومة عنده _تعالى_ وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها"٣. ب_ وعُرِّف بأنه: تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمُه، واقتضته حكمته٤. وهو تعريف مختصر لطيف. ج_ هو تقدير الله _ تعالى _ للأشياء في القِدَم، وعلمه _ سبحانه _ أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها

стр. 178

على حسب ما قدرها، وخلقه لها١. وهذا التعريف من أجمع التعاريف، وأشملها. د_ ويمكن أن يعرف القضاء والقدر تعريفاً مختصراً فيقال: هو علم الله بالأشياء، وكتابته، ومشيئته، وخلقه لها.

стр. 179

رابعا: الفروق بين القضاء والقدر ... خامساً: الفروق بين القضاء والقدر: اختلف العلماء في ذلك على أقوال، وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك: ١_ قيل: "المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق كقوله _تعالى_: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] ، أي خلقهن. فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء؛ فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"٢. وقال الراغب الأصفهاني ﵀: "والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع. وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل"٣. ٢_ وقيل العكس؛ فالقضاءُ هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل،

стр. 180

والقدرُ هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق١. قال الجرجاني ﵀: "والفرق بين القدر والقضاء هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها"٢. وقال مثل ذلك عند تعريفه للقضاء والقدر _ كما مر _. ٣_ أنه لا فرق بين القضاء والقدر؛ فكل واحد منهما بمعنى الآخر؛ فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر؛ ويعبر عن كل واحد منهما كما يعبر عن الآخر؛ فهما مترادفان من هذا الاعتبار، فيقال: هذا قدر الله، ويقال: هذا قضاء الله، ويقال: هذا قضاء الله وقدره٣. ولعل الأقرب _ والله أعلم _ أنهما إذا اجتمعا افترقا؛ بحيث يصبح لكل واحد منهما مدلول بحسب ما سبق في الأقوال السابقة. وإذا افترقا اجتمعا؛ بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر٤. وبالجملة فالأمر يسير، والخلاف فيها لا يترتب عليه شيء.

стр. 181

موانع إنفاذ الوعيد هذه مسألة ترد في كتب العقائد خصوصاً في باب الإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة، وعند مناقشة الوعيدية كالخوارج والمعتزلة. وهذه المسألة تسمى: موانع إنفاذ الوعيد، وتسمى بـ: الأسباب التي تندفع بها العقوبة. ومما يوضح هذه المسألة أن يقال: إن الذنوب موجبة لدخول النار، وصاحبها متوعد بالعذاب إلا أن هناك أسباباً تندفع بها العقوبة، وينتفي بسببها الوعيد، ويزول موجب الذنوب. وهذه الأسباب تسمى موانع إنفاذ الوعيد، أي موانع إيقاع العذاب على مستحقه. وهذه الأسباب عشرة عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين"١. ثم شرع ﵀ في ذكر باقي الموانع بالتفصيل. وقال في موضع آخر: "والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:

стр. 182

١_ أن يتوب فيتوب الله عليه؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ٢_ أو يستغفر، فيغفر الله له. ٣_ أو يعمل حسناتٍ تمحوها؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات. ٤_ أو يدعو له إخوانه المؤمنون، ويستغفرون له حياً وميتاً. ٥_ أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به. ٦_ أو يشفع فيه نبيه محمدٌ ". ٧_ أو يبتليه الله ـ تعالى ـ في الدنيا بمصائب تكفَّر عنه. ٨_ أو يبتليه في البرزخ بالصعقة، فيكفر بها عنه. ٩_ أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفِّر عنه. ١٠_ أو يرحمه أرحم الراحمين. فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه، كما قال ـ تعالى ـ فيما يرويه عنه ـ رسول الله " "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم أياها؛ فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".١ ٢ وقال في الاستقامة: "فإن الذنوب التي يُبتلى بها العبادُ يسقط عنهم عذابُها إما بتوبة تَجُبُّ ما قبلها، وإما باستغفار، وإما بحسنات ماحية يذهبن السيئات، وإما بدعاء المسلمين وشفاعتهم، أو بما يفعلونه له من البر، وإما بشفاعة النبي ﷺ

стр. 183

وغيره فيه يوم القيامة، وإما أن يكفِّر الله عنه خطاياه بما يصيبه من المصائب"١. ومما يحسن التنبيه عليه ههنا أن التوبة وحدها هي التي يزول بها موجب الذنوب للمؤمن والكافر، أما باقي الموانع فهي خاصة بالمؤمن.

стр. 184

التوبة والاستغفار التوبة والاستغفار داخلان ضمن موانع إنفاذ الوعيد _كما مر في الفقرة الماضية_. وإنما أفردا هنا لما للتوبة من المزية _ كما مر _ ولحصول الخلط بينهما وبين الاستغفار عند بعض الناس. وفيما يلي بيان لمفهوم التوبة، ثم ينتقل الحديث إلى الفروق بينهما وبين الاستغفار. أولاً_ تعريف التوبة في اللغة: التوبة مصدر الفعل تاب، وأصل هذه المادة: التاء، والواو، والباء توب. وهي تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم. قال ابن فارسرحمه اللهفي مادة توب: "التاء، والواو، والباء كلمة واحدة تدل على الرجوع". يقال: تاب من ذنبه: أي رجع عنه، يتوب إلى الله توبةً، ومتاباً فهو تائب. والتوب: التوبة، قال الله _تعالى_: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] "١. وقال ابن منظور ﵀: "وتاب إلى الله يتوب توباً، وتوبة، ومتاباً: أناب، ورجع عن المعصية إلى الطاعة"٢. والتوبة تكون من الله على العبد، ومن العبد إلى الله؛ فإذا كانت من الله عُدِّيت

стр. 185

بعلى، وإذا كانت من العبد إلى الله عديت بإلى. قال الله _تعالى_: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧] . وقال _عز وجل_: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] . وقال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان: ٧١] . قال ابن منظور ﵀: "وتاب الله عليه: وفقه لها، ورجل تواب: تائب إلى الله، والله تواب: يتوب على عبده"١. وقال: "وقال أبو منصور: أصل تاب: عاد إلى الله، ورجع، وأناب، وتاب الله عليه: أي عاد عليه بالمغفرة"٢. ثانياً_ تعريف التوبة في الشرع: عرفت التوبة إلى الله في الشرع بعدة تعريفات، والمدلول الشرعي للتوبة قريب من المدلول اللغوي، فمما عرفت به التوبة في الشرع مايلي: ١_ قال أبو حامد الغزالي ﵀: "قيل في حد التوبة أنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ"٣. ثم علق على هذا الحد فقال: "فإن هذا يعرض لمجرد الألم ولذلك قيل:

стр. 186

٢_ "هو نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب"١. ٣_ وقال: "وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة: إنه خلع لباس الجفاء، ونشر بساط الوفاء"٢. ٤_ وقال: ومن معانيها٣: "ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الأحوال"٤. ٥_ وقال ابن القيم ﵀ في تعريف التوبة: "فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعاوده في المستقبل"٥. ٦_ وقال _أيضاً_: "حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره؛ فهي رجوع من مكروه إلى محبوب؛ فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر"٦. ٧_ وقال: "التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً"٧.

стр. 187

٨_ وقال ابن حجررحمه الله: "والتوبة ترك الذنب على أحد الأوجه. وفي الشرع: ترك الذنب؛ لقبحه، والندم على فعله، والعزم على عدم العود، وردُّ المظلمة إن كانت، أو طلب البراءة من صاحبها، وهي أبلغ وجوه الاعتذار"١. ٩_ ويمكن أن تعرف التوبة بأنها: ترك الذنب علماً بقبحه، وندماً على فعله، وعزماً على ألا يعود إليه إذا قدر، وتداركاً لما يمكن تداركه من الأعمال، وأداءً لما ضيع من الفرائض؛ إخلاصاً لله، ورجاءً لثوابه، وخوفاً من عقابه، وأن يكون ذلك قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. ومن خلال ما سبق يتبين لنا أن التوبة لا بد أن يجتمع فيها الأمور التالية: ١_ الإقلاع عن الذنب. ٢_ الندم على ما فات، والحد الأدنى من ذلك وجود أصل الندم، وأما قوة الندم وضعفه فبحسب قوة التوبة، وضعفها. ٣_ العلم بقبح الذنب. ٤_ العزم على ألا يعود. ٥_ تدارك ما يمكن تداركه من رد المظالم ونحو ذلك ٦_ أن تكون خالصة لله _عز وجل_ قال _تعالى_: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . ٧_ أن تكون قبل الغرغرة، لما جاء عن ابن عمر _رضي الله عنهما_ عن

стр. 188

النبي ﷺ قال: "إن الله _ تعالى _ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" ١. وتقبل التوبة قبل الغرغرة ... كما أتى في الشرعة المطهرة٢ والغرغرة هي حشرجة الروح في الصدر، والمرادُ بذلك الاحتضارُ عندما يرى الملائكة، ويبدأ به السياق في الموت. ٨_ أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها لما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال: قال النبي ﷺ : "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" ٣. ثالثاً _ فروق بين التوبة والاستغفار: هناك فروق بين التوبة والاستغفار، ومن ذلك ما يلي: ١_ يختلفان في أصل المادة؛ فمادة التوبة: تَوَب، ومادة الاستغفار: غفر. ٢_ يختلفان في التعريف، فالتوبة مرَّ تعريفها، والاستغفار هو طلب المغفرة،

стр. 189

وهي وقاية شر الذنوب مع سترها. ٣_ الاستغفار قد يكون مع الإصرار على الذنب، أما التوبة فلا تكون إلا بالإقلاع، وترك الإصرار. ٤_ التوبة تقبل، وتمحى بها الذنوب، وقد تبدل حسنات إذا كانت التوبة حسنةً نصوحاً. أما الاستغفار فهو مجرد دعاء كسائر الأدعية قد يقبل وقد لا يقبل، قال _تعالى_: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣] . ٥_ الاستغفار يقوم به الإنسان عن نفسه، وعن غيره من إخوانه المسلمين، كما قال _ تعالى _ عن نوح _ ﵇ _: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] . أما التوبة فلا يقوم بها إلا الإنسان المريد لها؛ إذ لا يصح أن يتوب أحد عن أحد. ٦_ أنه جاء الأمر من الله _ _ بأن يستغفر المؤمن لذنبه، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، كما قال _ _: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] . ولم يجئ الأمر بأن يتوب عن أحد من الناس. ٧_ أن المسلم يؤجر إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات، فيكون له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة إذا هو استغفر لهم. قال النبي ﷺ : "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن

стр. 190

ومؤمنة حسنة" ١. أما التوبة فلا يتأتى فيها مثل ذلك؛ لما سبق من أنه لا يتوب أحد عن أحد. ٨_ أن الملائكة _ ﵈ _ يستغفرون للذين آمنوا، ولم يأتِ أنهم يتوبون عنهم؛ لما تقرر آنفاً. قال _ تعالى _: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] . ٩_ أن التوبة تنتهي بغرغرة الإنسان، أي إذا كان في سياق الموت، فلا يمكنه التوبة في ذلك الوقت، ولا بعده. أما الاستغفار فقد يُستغفر للإنسان إذا كان حياً، أو في سياق الموت، أو بعد الموت. ١٠_ أن الاستغفار له أوقات مطلقة، ومقيدة؛ فالمطلق أن يستغفر الإنسان في كل وقت. والمقيد كالاستغفار في الجلوس بين السجدتين، وكالاستغفار بعد التسليم من الصلاة، وكالاستغفار بعد الإفاضة من الحج، وكالاستغفار بالأسحار. أما التوبة فتشرع في كل وقت، بل لا يجوز تأخيرها، ولا التسويف فيها، ما دام الإنسان لم يغرغر، والشمس لم تطلع من مغربها.

стр. 191

١١_ قد يقال: إنهما إذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الاستغفار وحده في سياق دخلت معه التوبة، وإذا ذكرت وحدها شملت الاستغفار؛ فالتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة؛ فكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، أي إذا ذكر كل واحد منهما على حدة. ١٢_ وإذا اجتمعا افترقا؛ فعند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى كما في قوله _تعالى_: ﴿وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣] يكون الاستغفار طلبَ وقاية شر ما مضى، وتكون التوبة: الرجوع، وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل. ١٣_ وعند اقترانهما _ أيضاً _ يكون الاستغفار عبارةً عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلب، والجوارح. ١٤_ الاستغفار يكون بصيغة طلب، كقولك: "رب اغفر لي" والتوبة طلب، وعزم، وندم، وفعل، وترك. ١٥_ التوبة قد يترتب عليها تخلص من حقوق، وتحلل من مظالم، أما الاستغفار فهو مجرد دعاء كسائر الأدعية التي يدعو بها الإنسان لنفسه، أو لغيره. ١٦_ التوبة تكون من الله، وتكون من العبد، والله _ _ تواب، والعبد تواب؛ والله _ _ يتوب، والعبد يتوب؛ فإذا كانت التوبة من الله عُدِّيت بـ: على، وإذا كانت من العبد إلى الله عُدِّيت بـ: إلى؛ كما قال _عز وجل_: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:١٧] ، وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [النور:٣١] . أما الاستغفار فلا يقال فيه كذلك، بل يقال: إن الله غافر، والعبد مستغفر. ١٧_ التوبة لا بد أن تكون بقصد ونية، أما الاستغفار فقد يُبذل للإنسان دون

стр. 192

قصده، ودون نيته، بل ربما دون علمه. ١٨_ أن الله _ _ يفرح بتوبة التائب، كما في حديث: "لله أفرح بتوبة العبد" الحديث. ولم يرد أنه _ _ يفرح بالاستغفار بل ولا غيره من سائر العبوديات إلا التوبة. وليس معنى ذلك أن تلك العبوديات ليست محبوبة لله، وإنما المقصود أن الفرح خاص بالتوبة. ١٩_ أن التوبة تقبل، بل وتطلب من كل أحد مؤمناً كان أم كافراً، براً أم فاجراً. أما الاستغفار فلا يقبل إلا من المؤمن، وللمؤمن؛ فلا يقبل من الكافر، ولا يجوز أن يستغفر للكافر، قال _ تعالى _: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٨] . وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] . ٢٠_ أن التوبة تكون من فعل محرمٍ أو مكروهٍ، أو تركِ واجبٍ أو مستحب. أما الاستغفار فيكون عن ذلك، وقد لا يكون عن شيء من ذلك، بل قد يقوله الإنسان كذكرٍ مجردٍ، يرجو به الدرجات والحسنات١.

стр. 193

الكبائر والصغائر مصطلح الكبائر والصغائر يرد في كتب العقائد، وذلك إذا تحدثوا عن الذنوب، وتقسيمها، وحكم مرتكب الكبيرة في الدنيا والآخرة، وهكذا ... وفيما يلي نبذة عن تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، والأدلة على ذلك، مع بيان ماهية الصغائر والكبائر سواء عند من حصروا الكبائر بعدد أو حدوها بحد، ثم ينتقل الحديث إلى مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة، وهل هذا ممكن أو أنه لا بد من التوبة؛ فإلى التفصيل في ذلك الشأن: أولاً: تقسيم الذنوب: الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، قال الغزالي ﵀: "اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر اختلاف الناس فيها؛ فقال قائلون: لا صغيرة ولا كبيرة، بل كل مخالفة لله فهي كبيرة. وهذا ضعيف؛ إذ قال _ تعالى _: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ النساء:٣١ وقال _ تعالى _: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] . وقال ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن اجتنبت الكبائر" وفي لفظ آخر: "كفارات لما بينهن إلا الكبائر" ١. وقد قال " فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص _ ﵄ _:

стр. 194

"الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" ١٢. وقال ابن القيم ﵀: "وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائرَ وصغائر"٣. وقال ﵀: "والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها _بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره_ كبائر؛ فالنظر إلى من عُصي أمرُه، وانتُهك محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة"٤. وقال _بعد أن ساق بعض ما أورده مَنْ قال: إن الذنوب كلها كبائر_: "فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل؛ فما كان أشدَّ منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشدَّ موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات؛ فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم، وتفاوتَ مراتب الطاعات والمعاصي"٥. ثانياً: ما هية الصغائر والكبائر عند من حصروها بعدد: اخْتُلِفَ في تحديد

стр. 195

الكبائر وحصرها؛ فقيل في ذلك أقوال منها١: ١_ قال عبد الله بن مسعود÷: هي أربع. ٢_ وقال عبد الله بن عمر_ ﵄ _: هي سبع. ٣_ وقال عبد الله بن عمرو بن العاص _ ﵄ _: هي تسع. ٤_ وكان ابن عباس _ ﵄ _ إذا بلغه قول ابن عمر: الكبائر سبع يقول: هن إلى سبعين أقرب منها إلى سبع. ٥_ وقال آخر: هي إحدى عشرة. ٦_ وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة في القلب وهي: الإشراك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان، وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر٢. وثلاثة في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. واثنين في الفرج: الزنا، واللواط. واثنين في اليدين وهما القتل والسرقة. وواحداً في الرجلين وهو الفرار من الزحف. وواحداً يتعلق بجميع الجسد وهو عقوق الوالدين.

стр. 196

هذه أقوال الذين حصروها بعدد. ثالثاً: ماهية الكبائر والصغائر عند من حدوها بحد، ولم يحصروها بعدد: وأما الذين لم يحصروا الكبائر بعدد، وإنما حدوها بحد فقد اختلفوا في ذلك على أقوال منها: ١_ ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن، أو غضب، أو عقوبة _ فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء فهو صغيرة. ٢_ وقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة _ فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة ١. ٣_ وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. ٤_ وقيل: كل ما لعن الله ورسوله فاعله فهو كبيرة. ٥_ وقيل: هي كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] . رابعاً: هل الحسنات والأعمال الصالحة تكفر الصغائر والكبائر على حد سواء أم لا بد في الكبائر من التوبة؟ والجواب على ذلك أن هذه المسألة قد اختلف فيها على قولين: قال ابن رجب ﵀: في جامع العلوم ١/ ٤٢٥_٤٢٦: "وقد اختلف في

стр. 197

مسألتين: إحداهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر؟ أو لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم قال: لا تكفِّر سوى الصغائر, وقد روي هذا عن عطاء, وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر, وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصِّغار, والمشي إلى المساجد يكفر أكبر من ذلك, والصلاة تكفر أكبر من ذلك, خرجه محمد بن نصر المروزي. وأما الكبائر فلا بد لها من التوبة؛ لأن الله أمر العباد بالتوبة, وجعل من لم يتب ظالماً, واتفقت الأمة على أن التوبة فرض, والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد, ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء, والصلاة, وأداء بقية أركان الإسلام _ لم يحتج إلى التوبة, وهذا باطل بالإجماع". ثم ساق ﵀ جملة من الأقوال والآثار في تأييد هذا القول. وانتقل بعد ذلك على القول الثاني في هذه المسألة, فقال ١/٤٢٨: "وذهب قوم من أهل الحديث, وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفر الكبائر ومنهم ابن حزم الظاهري, وإياه عنى ابن عبد البر في كتاب التمهيد بالرد عليه, وقال: "قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في مثل هذا الباب لولا قول ذلك القائل, وخشيت أن يغتر به جاهل, فينهمك في الموبقات؛ اتكالاً على أنها تكفرها الصلوات دون الندم, والاستغفار والتوبة"ا. هـ ثم قال ابن رجب ٢/٤٢٩ ﵀: "والصحيح قول الجمهور: إن الكبائر لا تكفَّر بدون التوبة؛ لأن التوبة فرض على العباد".

стр. 198

ثم ساق جملة من الآثار التي تؤيد هذا القول. ثم قال ٢/٤٣٨: "والأظهر _والله أعلم في هذه المسألة_ أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال_ أنه أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض, وتقع الكبائر مُكفَّرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر _ فهذا باطل. وإن أريد أنه يوازَن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال, فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل, ويسقط العمل؛ فلا يبقى له ثواب فهذا يقع". إلى أن قال ٢/٤٤٠: "وظاهر هذا أنه تقع المقاصَّةُ بين الحسنات والسيئات, ثم تسقط الحسنات المقابلة للسيئات, وينظر إلى ما يَفْضُل بعد المقاصة. وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة, وسقط باقي حسناته في مقابل سيئاته, كأنها لم تكن. وهذا في الكبائر, أما الصغائر فإنها تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها"ا. هـ. هذا وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحسنات الماحية تكفر الكبائر بدون التوبة. قال ﵀ في مجموع الفتاوى ٧/٤٨٩ بعد أن ذكر السبب الثالث من الأسباب التي تزول بها عن العبد عقوبة الذنوب, وهو الحسنات الماحية قال: "وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط. أما الكبائر فلا تغتفر إلا بالتوبة كما جاء في بعض الأحاديث: "ما اجتنبت الكبائر" فيجاب عن هذا بوجوه" ا. هـ. ثم ذكر ﵀ خمسة وجوه بيَّن من خلالها أن الحسنات تكفِّر الكبائر.

стр. 199

ومما قال ﵀ من الوجوه التي أيَّد بها كلامه ما يلي: "أحدهما: أن هذا الشرط _يعني ما اجتنبت الكبائر_ جاء في الفرائض, كالصلوات الخمس, والجمعة, وصيام رمضان, وذلك أن الله _ تعالى _ يقول: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] . فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات, وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر؛ فإن الله _ سبحانه _ يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧_٨] . الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر, كما في قوله ": "غفر له وإن كان فر من الزحف". وفي السنن: "أتينا رسول الله " في صاحب لنا قد أوجب, فقال: "أعتقوا عنه يعتقِ الله عنه بكل عضو عضواً من النار". وفي الصحيحين من حديث أبي ذر: "وإن زنا وإن سرق". الثالث: أن قوله لأهل بدر ونحوهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" إن حُمِل على الصغائر, أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم؛ فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر؛ لما قد عُلِمَ أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة _ لا يجوز حمله على الصغائر المُكَفَّرةِ باجتناب الكبائر". ثم ذكر ﵀ الوجهين الرابع, والخامس, وأطال فيهما. والمقام لا يتسع لإيرادهما, وإنما المقصود هو الوقوف على رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة.

стр. 200

خامساً: مسألة مهمة في تكفير الأعمال الصالحة للسيئات، ومنها الكبائر: وبعد أن تبين _ من خلال ما مضى _ بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة, وأن بعضهم _ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية_ يرى أن الحسنات الماحية, والأعمال الصالحة تكفر الكبائر بدون التوبة_ فإنه يحسن الوقوف على مسالة مهمة في هذا الباب تتبين من خلال التساؤل الآتي: هل الأعمال الصالحة تقوى على التكفير الكبائر بإطلاق؟ والجواب: أن الأعمال الصالحة قد لا تقوى على الكبائر؛ ذلك أن الأعمال إنما تتفاضل بحسب إحسان العمل, وبحسب ما يقوم بالقلب من حقائق الإيمان؛ فتكفير العمل للسيئات بحسب كماله, ونقصانه. ولا ريب أن الكبائر والذنوب عموماً تضعف القلب, وتعطل سيره إلى الله والدار الآخرة, وعلى هذا فقد تكون الأعمال الصالحة ناقصة, ضعيفة لا تقاوم الكبائر؛ ولا تقوى على تكفيرها. ولا يرد على هذا أن بعض النصوص صرحت بأن هناك أعمالاً غفر الله لأصحابها بسبب عمل صالح, كما في حديث البغي, وحديث صاحب البطاقة؛ ذلك أن الحالات الخاصة لا تعمم ولا تكون قاعدة مطردة بكل حال؛ فليس كل امرأة بغي تسقي كلباً يغفر لها, وليس كل من قال: "لا إله إلا الله" تنفعه كما نفعت صاحب البطاقة.

стр. 201

المجاز المجاز مصطلح يرد كثيراً في كتب العقائد خصوصاً في باب الأسماء والصفات؛ وذلك أن كثيراً من أهل التعطيل اتخذوه مطية لنفي الصفات الإلهية. كما أنه معروف عند أهل التفسير، والحديث، واللغة، والبلاغة، والأصول ويرد كثيراً في كتبهم. ولأجل أن تتضح صورة المجاز فهذا عرض مجمل ميسر يبين معالم المجاز، وحقيقة الخلاف فيه، وما جرى مجرى ذلك. وقبل الدخول في ثنايا الحديث عن المجاز يحسن الوقوف عند مصطلح الحقيقة؛ وذلك لأن المجاز _ عند من يقول به _ قسيم الحقيقة. فالكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز؛ فإلى تفصيل الحديث؛ حتى يتبين الأمر. أولاً: تعريف الحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع. أو هي: استعمال اللفظ فيما وضع له في الأصل. مثل كلمة أسد: تدل على الحيوان المعروف، وكلمة الشمس: تدل على الكوكب العظيم المعروف، وكلمة البحر: تدل على الماء العظيم الملح؛ وهكذا جميع ألفاظ اللغة. ثانياً: تعريف المجاز: المجاز في اللغة: اسم مكان كالمطاف والمزار، والألف فيه منقلبة عن واو، وقيل: هو مصدر ميمي. وفي الاصطلاح: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له في الأصل؛ لعلاقة بين

стр. 202

المعنيين الحقيقي والمجازي مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. ثالثاً: شرح مفردات تعريف المجاز: قوله: في غير ما وضع له: أي المعنى الوضعي للَّفظ، ويسمى الحقيقي أو الأصلي الذي ذكرته معاجم اللغة، كوضع كلمة الأسد للحيوان المعروف الكاسر، وكذلك القمر. قوله: لِعِلاقة: العلاقة: هي الشيء الذي يربط بين المعنى الأصلي للفظ، والمعنى المجازي، كالشجاعة في قولك: رأيت أسداً يكرُّ بسيفه! فالأسد هنا لا يقصد به الحيوان؛ وإنما يقصد به الرجل الشجاع، إذاً فقد انتقل من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي، والعلاقة هي الشجاعة. قوله: القرينة القرينة: هي التي تمنع الذهن من أن ينصرف إلى المعنى الوضعي الأصلي للفظ، مثل قولك: يكر بسيفه في قولك: رأيت أسداً يكر بسيفه لأن الأسد لا يكر بالسيف؛ فَعُلم أن المقصود باللفظ مجازه لا حقيقته؛ لأن الأسد لا يحمل السيف. وكذلك قولك في الرجل الكريم: جاء البحر، ونحو ذلك من الأمثلة مما سيأتي ذكره ١.

стр. 203

رابعاً: "تطبيق": إليك هذا التطبيق الذي يبين لك ما ذكر بصورة أجلى: قال أهل المدينة في استقبالهم للنبي"لما قدم من تبوك هو وأصحابه: طلع البدر علينا ... من ثَنِيَّات الوداع فالمجاز في هذا البيت واقع في لفظ البدر حيث يريدون به النبي ﷺ وهذا استعمال مجازي؛ ذلك لأن الاستعمال الحقيقي للبدر إنما هو الكوكب العظيم الذي يكون في السماء ليلاً. والعلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي هي الحسن والإشراق؛ فالبدر حَسَنٌ مشرق، وكذلك النبي ﷺ . والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي الحقيقي هي: من ثنيات الوداع فهي التي أثبتت مجازية البدر، والسبب أن البدر الحقيقي لا يظهر بين ثنيات الوداع وهي الجبال الصغيرة، وإنما يظهر في السماء كما هو معلوم؛ فعلم بذلك أن اللفظ أريد به مجازُه لا حقيقته. خامساً: أمثلة لألفاظ يتبين فيها الحقيقة من المجاز: ١_ الشمس لها دلالتان: إحداهما حقيقية وهي دلالة الكوكب العظيم المعروف.

стр. 204

والأخرى مجازية وهي: الوجه المليح. ٢_ البحر له دلالتان: إحداهما حقيقية، وهي دلالته على الماء العظيم الملح. والأخرى مجازية وهي: دلالته على الرجل الجواد الكثير العطاء، أو العالم الغزير العلم. ٣_ اليد لها دلالتان: إحداهما حقيقية، وهي الجارحة المعروفة، كما تقول: كتبت بيدي. والأخرى مجازية بمعنى النعمة، كما تقول: لفلانٍ عليَّ يدٌ، أي: نعمة. سادساً: كيف يُفرَّق بين الحقيقة والمجاز؟ يفرق بسياق الكلام، وقرائن الأحوال، ولا يمكن أن يقال: إن كلا الدلالتين الحقيقية والمجازية سواء؛ بحيث إذا أطلق اللفظ دل عليهما معاً، كأن يقال: إن الشمس حقيقية في دلالتها على الكوكب والوجه المليح، وأن البحر حقيقة في الماء العظيم الملح والرجل الجواد؛ بل لا بد من قرينة تخصص المعنى المراد ١. سابعاً: لم سمي المجاز بهذا الاسم؟ لأنه مأخوذ من قولهم: جاز هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطاه إليه. فالمجاز _ إذاً _ اسم للمكان الذي يُجاز فيه كالمزار، والمعاج، وأشباههما. وحقيقته: الانتقال من مكان إلى مكان؛ فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيد أسد؛ فإن زيداً إنسان، والأسد هو ذاك الحيوان المعروف، وقد جُزْنا الإنسانية أي: تخطيناها وانتقلنا منها وعَبَرْنَاها إلى الأسدية؛ لِوُصْلة

стр. 205

بينهما _أي علاقة_ وتلك الوُصْلَةُ هي صفة الشجاعة؛ فهذا هو سبب تسمية المجاز بهذا الاسم. أما الحقيقة فهي: مأخوذة من كلمة حقَّ وهو الشيء الثابت، ولعلك تشمُّ رائحة التضاد بين هاتين الكلمتين؛ فالحقيقة ثبوت الشيء، والمجاز تَعَدِّيه ١. ثامناً: هل كل مجاز له حقيقة، وكل حقيقة لها مجاز؟ والجواب: أن كل مجاز له حقيقة؛ لأنه لم يطلق عليه لفظ مجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعه. وليس مِنْ ضرورةِ كلِّ حقيقة أن يكون لها مجاز ٢. تاسعاً: هل الأصل في الكلام الحقيقة أو المجاز؟ والجواب: أن الأصل فيه الحقيقة، ولا ينصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بقرينة _ كما مر في الأمثلة الماضية _. عاشراً: اختلاف العلماء في أصل وقوع المجاز: اختلف العلماء في أصل وقوع المجاز وثبوته في اللغة والقرآن، على ثلاثة أقوال: ١_ أن المجاز واقع في اللغة والقرآن: وهذا مذهب جماهير العلماء، والمفسرين، والأصوليين، واللغويين، والبلاغيين، وغيرهم؛ بل حكى الإجماع

стр. 206

على ذلك يحيى بن حمزة العلوي في كتابه الطراز١ غير أن في تلك الدعوى توسعاً؛ لوجود المخالف المعتبر. ٢_ إنكار المجاز مطلقاً في اللغة والقرآن: وقد ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الاسفراييني، وتبعه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. ٣_ أن المجاز واقع في اللغة دون القرآن: وقد ذهب إلى ذلك داود الظاهري، وابنه محمد، وابن القاصّ الشافعي، وابن خويز منداد المالكي، ومنذر بن سعيد البلوطي، ومن المعاصرين الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي. حادي عشر: حجة القائلين بمنعه: القائلون بمنع المجاز في اللغة والقرآن، أو في القرآن وحده يحتجون على ذلك بحجج منها: ١_ أن كل مجاز كذب يجوز نفيه: فيلزم على القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما يجوز نفيه، قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر؛ فتقول لمن يقول: رأيت أسداً يرمي: ليس هو بأسد وإنما هو رجل شجاع؛ فيلزم على القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما

стр. 207

يجوز نفيه، ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن" ١. ٢_ أن القول بالمجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية وتأويلها: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض الصفات قد شوهدت في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم. وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك، فقالوا: لا يد، ولا استواء، ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات؛ لأن هذه الصفات لم تُرَدْ حقائقها؛ بل هي عندهم مجازات؛ فاليد مستعملة عندهم في النعمة، أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره ونحو ذلك؛ فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول المجاز. مع أن الحق الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها _ تعالى _ لنفسه، والإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل"٢. فهذا السبب _ وهو نفي الصفات عن طريق القول بالمجاز _ هو من أعظم الأسباب التي دعت القائلين بإنكار المجاز إلى ذلك. ٣_ ادعاء أن الألفاظ كلها حقيقة والجزم بأن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن المجاز: "ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ.

стр. 208

وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء، ونحوهم"١. وقد كرر ﵀ ذلك في مواضع من كتبه، خصوصاً في كتابه الإيمان، وفي الأسماء والصفات من مجموع الفتاوى. ٤_ أن إطلاق المجاز في القرآن يفضي ويؤدي إلى وصف الله بالمُتَجَوِّز: وذلك مما لم يرد الإذن به؛ ذلك أن أسماء الله وصفاته توقيفية كما هو معلوم. ثاني عشر: مناقشة مثبتي المجاز لمنكريه: ناقش مثبتوا المجاز منكريه، وردوا عليهم بما ملخصه ما يلي: ١_ أن القول بأن كل مجاز كذب يجوز نفيه ليس صحيحاً: وإنما يكون المجاز كذباً لو أُثبت المعنى على التحقيق لا على المجاز، أي أنه إذا أطلق القمر _ مثلاً _ على إنسان بهيِّ الطلعة يكون كذباً لو ادُّعي أنه القمر الذي في السماء حقاً. ولا ريب أن هذا ليس بمرادٍ في المجاز، وإنما المراد تشبيهه به في البهاء والحسن، فأين الكذب؟! وكذلك قولنا للبليد: حمار ليس المقصود بأنه حمار في الشكل والخلقة، وإلا لصح أن ينفى ويقال: ليس هو بحمار بل هو إنسان؛ فالنفي هنا مُنصبٌّ على

стр. 209

إرادة الحقيقة لا على المعنى المجازي، وهذا لا يسمى كذباً؛ لأن المتكلم جاء بقرينة تبين مراده، وترفع اللبس. ثم إن البلاغيين حرصوا في مصنفاتهم على أن يبينوا الفرق بين المجاز والكذب؛ فهم متفقون على أن المجاز ليس كذباً؛ لأن التجوُّز يضع بين يدي المجاز قرينة تَصْرِفُ عن إرادة المعنى الأصلي للفظ. أما الكذب فإن الكاذب يحرص فيه على إخفاء حاله؛ ترويجاً للكذب الذي يريده. ولقد عني البلاغيون بالقرائن عناية بالغة، واستنبطوها من كلام العرب، وفصلوا فيها القول تفصيلاً؛ فإذا خلا المجاز من القرائن كان الكلام فاسداً؛ لعدم دلالته. ٢_ أن القول: بأن المجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية، وتأويلها _ ليس مسوغاً لنفي المجاز؛ ذلك أنه لا حجة لهؤلاء النفاة المعطلة فيما ذهبوا إليه. وإنما هم أصحاب هوى وضلال، ومن كانت هذه حاله ركب كل صعب وذلول في سبيل هواه، فاستدلالهم بالمجاز على نفي الصفات استدلال فاسد، فنحن نجعله حجة عليهم لا لهم؛ فيقال لهؤلاء النفاة المعطلة: إن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقتهِ وظاهرهِ المتبادرِ ما لم تقم قرينة توجب صرفه عن هذه الحقيقةِ، وذلك الظاهرِ لنا. ثم إن الناس متعبدون باعتقاد الظاهر من أدلة الكتاب والسنة ما لم يمنع مانع. وبناءاً على ذلك يقال لهؤلاء النفاة: إن النصوص الصحيحة القطعية أثبتت

стр. 210

صفات الكمال لله _ تعالى _ كصفة الكلام، واليد، والاستواء، والنزول، والعلو، والساق، والقَدم، والضحك، والأصابع. والنصوص الواردة في ذلك لا تظفر فيها بأي قرينة تنقلها عن معانيها الحقيقية التي دلت عليها؛ فهي صفات حقيقية ثابتة للرب _ سبحانه _ على ما يليق به. وادعاء هؤلاء المعطلة أن إثبات الصفات يلزم منه التمثيل، وأن القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي هي تنزيه الله _ سبحانه _ عن مماثلة المخلوقين ادعاء باطل متهافت، ظاهر السقوط؛ إذ لا يلزم من إثبات الصفات لله تمثيله وتشبيهه بخلقه؛ فللخالق _ سبحانه _ صفاتٌ تليق به، وللمخلوق صفات تليق به. ثم إن مجيء نصوص الصفات متكاثرة يقطع بأن المراد منها معانيها الحقيقية، ويدرأ عن تلك النصوص أن تكون مجازية أنها لا تقبل دعوى المجاز من جهة اللغة نفسها، وتراكيب الكلم فيها؛ فهي تأبى أن تبارح المعنى الحقيقي. ونمثل بهذا المثال وهو قوله _ سبحانه _: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] . فلا يجوز أبداً أن يقال: إن الكلام في هذه الآية مجازي، لأن الفعل كلَّم أُكِّد بالمصدر التكليم الدال على النوع. وقد نقل أبو جعفر النحاس ت ٣٣٨ إجماع النحاة على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً، بل هو حقيقة قطعاً. كيف وقد قال _ تعالى _: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ؟!

стр. 211

ومما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله _ _: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أنه قال: "فقوله _ تعالى _: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد؛ فتكون إضافته إلى اليد إضافة إلى الفعل، كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] و ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس: ٧١] . أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل وعدَّى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه نصٌّ في أنه فَعَل الفِعْلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرَّدَ قولِه: فَعَلْتَ كافٍ في الإضافة إلى الفاعل؛ فلو لم يُرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة. ولست تجد في كلام العرب ولا العجم _ إن شاء الله تعالى _ أن فصيحاً يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة"١.

стр. 212

وبالجملة، فالأمثلة على هذا النحو كثيرة جداً، ومن خلالها يظهر أن نصوص الصفات لا تقبل المجاز من جهة نظمها، وتركيبها، وإضافتها إلى الله _عز وجل_. كيف وأهل السنة مجمعون على الإقرار بأسماء الله تعالى وصفاته وحملها على الحقيقة لا المجاز؟! ٣_ أما القول بأن الألفاظ كلها حقيقة أو أن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب فذلك يحتاج إلى نظر؛ فإن أريد بذلك أن العرب لم يضعوا هذا المصطلح فنعم. وإن أريد أنه لا يوجد في كلامهم مجاز فهذا غير صحيح، بل الشواهد من كلامهم على استعمال المجاز أكثر من أن تحصر، وذلك مما استفاض به النقل عن علماء اللغة. ثم إن القول إن هذا الاصطلاح لم يعرف إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة غير مُسَلَّم به؛ فقد تكلم بالمجاز غير واحد من علماء اللغة في أوقات القرون المفضلة، ومن هؤلاء أبو زيد القرشي المتوفى سنة ١٧٠هـ. ومن أهل اللغة من يعبر عن المجاز بـ: التوسع والسعة في الكلام. ٤_ وأما القول بأن إطلاق المجاز يفضي إلى وصف الله بالمتجوز وذلك لا يصح فيجاب عنه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأن هذا الإطلاق لا يكون إلا بدليل. ثم إن إطلاق المجاز على اللفظ في بعض استعمالاته اصطلاح، ولا يلزم إضافة المعاني الاصطلاحية إلى الله _ تعالى _ وإلا ففي القرآن سجع، وأمثال، فهل يقال في حق الله _ تعالى _: الساجع، والممثل؟ هذه بعض حجج القائلين بمنعه ورد القائلين به على سبيل الإيجاز.

стр. 213

ثالث عشر: خاتمة الحديث عن المجاز: وبعد أن وقفت على شيء من أمر المجاز، وما جاء في الخلاف حول إثباته أو نفيه _ يتبين لك أن أعظم الأسباب التي دعت إلى نفيه وإنكاره أن أهل التعطيل اتخذوه مطية لتحريف بعض نصوص الشرع لاسيما في باب الصفات. فهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يشدد في النكير على القائلين بالمجاز. وإلا لو كان الأمر مجرد اصطلاح لغوي لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لهان الخطب، ولما حصل فيه كبير خلاف. ولكن لما أدرك بعض العلماء خطورة ذلك وكثرة المبتدعين به سارعوا إلى إنكاره؛ سداً للذريعة، وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواطن كثيرة من كتبه، وإن كان قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره. يقول الشيخ د. عبد المحسن العسكر _ حفظه الله _ في مقدمة مخطوطة له عن المجاز: "وأحسب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره، فقد رأيت في محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي ت ١٣٣٢هـ ما هذا نصه: "قال ابن تيمية في بعض فتاواه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله، وبالتأويل الجاري على نهج السبيل، ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل، والله عند لسان كل قائل، ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب، واللحاق بمُحرِّفة أهل الكتاب.

стр. 214

والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يُعْرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة. وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم، كأبي بكر بن أبي داود، وأبي الحسن الخرزي، وأبي الفضل التميمي، وابن حامد وغيرهم إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز. وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز، قابلوا الضلال بحسم المواد، وخيار الأمور التوسط، والاقتصاد"١. وبعد أن نقل الشيخ العسكر هذه الفتوى قال: "ومع أنني لم أهتد إلى هذه الفتوى في مظانها من المطبوع من مؤلفات شيخ الإسلام وفتاواه فإن عدم اهتدائي هذا لا ينفي وجودها في كتابات الشيخ مطلقاً. بَيْدَ أني مطمئن غير مرتاب في نسبة هذا الكلام إلى شيخ الإسلام ﵀ وذلك لما يلي: ١_ أن المطبوع من أعمال شيخ الإسلام لا يمثل إلا القليل مما كتب في حياته كلها. وأنت خبير أنه صاحب قلم سيال، ومكثر من الكتابة جداً، حتى قال الذهبي: "جاوزت فتاوى ابن تيمية ثلاثمائة مجلد". ٢_ أن من له أدنى صلة بتراث شيخ الإسلام لا ينازع في أن هذا النَّفَسَ نَفَسُه، والأسلوب أسلوبه، وقد وقفت على هذه الفتوى بعض العلماء فأجابوا بذلك،

стр. 215

منهم فضيلة الشيخ محمد العثيمين ﵀ وشيخنا عبد الرحمن البراك _أحسن الله إليه_. ٣_ أن الذي نقل هذه الفتوى من أعظم الناس اطلاعاً في هذا العصر على كتابات الشيخ وتلميذه ابن القيم، وكان يعيش في بلاد الشام بلاد الشيخين، ومؤلفات القاسمي وخاصة تفسيره طافحة بالنقولات الكثيرة عنهما. ثم إنه أحد القلة في عصره الذين نهضوا بالمنهج السلفي، ومناصرته، وأوذي في ذلك أذىً كثيراً. وما كان الشيخ ليلصق بشيخ الإسلام قولاً يتطرق الشك في نسبته إليه". ولقد توصل إلى تلك النتيجة بصورة أوضح وأجلى د. هادي أحمد فرحان الشجيري، وذلك في كتابه الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية. وهذا الكتاب رسالة نال بها المؤلف درجة الدكتوراة من كلية الآداب جامعة بغداد. وكان مما درسه في بحثه المجاز وآراء ابن تيمية فيه، ومن ضمن فقرات ذلك المبحث فقرة عنوانها: موقف ابن تيمية من المجاز، حيث قال فيها: "إن المتتبع لكلام ابن تيمية في مؤلفاته المختلفة سيتبين له بيسر وسهولة أن له موقفين من المجاز، أولهما موقف من الإقرار به، ويبدو أن هذا الموقف كان السابق في حياته العلمية، وهو الذي درج عليه في غالب أحواله ومؤلفاته. أما موقفه الآخر وهو موقف النافي للمجاز في اللغة فقد ذكره مفصلاً فيما لَحِظْتُه بعد طول معاينة، وكثرة تتبع في موضعين.
следующие страницы →