و"التسمية": جعل الشيء اسما لغيره، هي مصدر "سميته، تسمية" إذا جعلت له اسما.
و"الاسم" القول الدال على المسمى،. ليس الاسم الذي هو لفظ "اسم" أي: "ألف- سين- ميم" هو "المسمى"؛ بل قد يُراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه ودليل عليه، وهم تكلَّفوا هذا التكلف ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة.
وبالتالي هم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا قول من قال من أهل السنة: "الاسم هوالمسمى" في اللفط فقط١.
ولقد أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم٢ حتى بعض كبار الأشاعرة كالغزالي والرازي، فالغزالي يقول: "والحق أن الاسم غير التسمية وغير المسمى، وأن هذه الثلاثة أسماء متباينة غير مترادفة"٣.
وقال الرازي: "المشهور من قول أصحابنا رحمهم الله تعالى أن الاسم نفس المسمى وغير التسمية، وقالت المعتزلة إنه غير التسمية وغير المسمى، واختيار الشيخ الغزالي أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متباينة هو الحق عندي"٤.
وقد أورد الرازي بعض حججهم ورد عليها، وبعض ردوده وفق الطريقة الكلامية فلا تخلو من مخالفات، وأحسن من، تصدى لشبههم ورد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وسأورد لك بعض ما تمسكوا به من شواهد- وإن كانت في
стр. 247
الحقيقة حجة عليهم- وأذكر رد شيخ الإسلام لها.
الحجة الأولى:
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ١.
وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ٣.
ووجه الاستدلال:
أنه أمر بتسبيح اسم الله تعالى، ودل العقل على أن المسبّح هو الله تعالى لا غيره، وهذا يقتضي أن اسم الله تعالى هو هو لا غيره٤.
الرد عليهم:
احتجاجهم بقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ، وأن المراد سبح ربك الأعلى، وكذلك قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ، وما أشبه ذلك. فهذا للناس فيه قولان معروفان: وكلاهما حجة عليهم:
القول الأول:
منهم من قال: " الاسم " هنا صلة والمراد سبّح ربك وتبارك ربك.
وإذا قيل: هو صلة زائد لا معنى له؛ فيبطل قولهم: إن مدلول لفظ اسم "ألف- سين- ميم" هو المسمى، فإنه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة.
ومن قال: إنه هو المسمى وإنه صلة، فقد تناقض؛ فإن الذي يقول: هو
стр. 248
صلة لا يجعل له معنى؛ كما يقوله من يقول ذلك في الحروف الزائدة التي تجيء للتوكيد، كقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ ٢.
والقول الثا ني:
إنه ليس بصلة، بل المراد تسبيح الاسم نفسه، وهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة.
و"التحقيق" أنه ليس بصل، بل أمر الله بتسبيح اسمه، كما أمر بذكر اسمه، والمقصود بتسبيحه وذكره هو:
ا- إما تسبيح المسمى وذكره، فإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه، فيقول: "سبحان ربي الأعلى" فهو نطق بلفظ ربِّيَ الأعلى، والمراد هو المسمى بهذا اللفظ، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى، فقول ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ أي قل: سبحان ربيَ الأعلى.
وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فقال: "سبحان ربي الأعلى" ٣. وحديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه لما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم"٤.
стр. 249
والمراد بذلك أن يقولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، فالذي يقول: سبحان الله، وسبحان ربنا، إنما نطق بالاسم الذي هو "الله"، والذي هو "ربنا" فتسبيحه إنما وقع على الاسم ولكن مراده هو المسمى، فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمى والمراد المسمى. وهذا لا ريب فيه، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو "ألف- سين- ميم)) يُراد به المسمى. ولكن يدل على أن "أسماء الله" مثل "الله" و"ربنا" و"ربي الأعلى" ونحو ذلك يراد بها المسمى، مع أنها هي في نفسها ليست هي المسمى، لكن يُراد بها المسمى.
٢- وإما أن يكون المقصود بتسبيحه تسبيح الاسم.
ومن جعله تسبيحا للاسم يقول: المعنى: إنك لا تُسمِّ به غير الله، ولا تلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقه اسم الله.
ولكن هذا تابع للمراد بالآية وليس هو المقصود بها القصد الأول.
وقد ذكر الأقوال الثلاثة غير واحد من المفسرين١.
وأما قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ فالجواب فيها:
أولا: أن الآية فيها قراءتان:
أ- فالأكثرون يقرأون "ذي الجلال"، فالربُّ المسمى هو ذو الجلال والإكرام.
ب- وقرأ ابن عامر: "ذو الجلال والإكرام"، وكذلك هي في المصحف الشامى، وفي مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء.
وأما قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢ فهي بالواو
стр. 250
باتفاقهم.
ثانيا: أن "تبارك" تفاعل من البركة، والمعنى أن البركة تُكتسب وتُنال بذكر اسمه؛ فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى لكان يكفي قوله "تبارك ربك" فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب؛ فكان هذا تكريرا.
وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد تبارك ربُّك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، وهذا غلط، فإنه على هذا يكون قول المصلِّي "تبارك اسمك" أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة وبركتها من جهة دلالتها على المسمى. ولهذا فرّقت الشريعة بين ما يُذكر اسم الله عليه، وما لا يُذكر اسم الله عليه في مثل قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٣.
الحجة الثانية:
قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٤
ووجه استدلالهم:
أن الله أخبر أنهم عبدوا الأسماء، والقوم ما عبدوا إلا تلك الذوات، فهذا يدل على أن الاسم هو المسمى٥.
стр. 251
والرد عليهم:
أنه ليس المراد كما ذكروه: أنكم تعبدون الأوثان المسماة، فإن هذا هم معترفون به، والرب تعالى نفى ما كانوا يعتقدونه، وأثبت ضده، ولكن المراد أنهم سموها آلهة، واعتقدوا ثبوت الإلية فيها، وليس فيها شيء من الإلهية، فإذا عبدوها معتقدين إلهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا إلا أسماء ابتدعوها هم، ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة، كما قال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ١، فتكون عبادتهم لما تصوّروه في أنفسهم من معنى الإلهية وعبروا عنها بألسنتهم، وذلك أمر موجود في أذهانهم وألسنتهم لا حقيقة له في الخارج٢، فما عبدوا إلا هذه الأسماء، التي تصوروها في أذهانهم، وعبّروا عن معانيها بألسنتهم؛ وهم لم يقصدوا عبادة الصّنم إلا لكونه إلاها عندهم، وإلاهيته هي في أنفسهم لا في الخارج، فما عبدوا في الحقيقة إلا ذلك الخيال
стр. 252
الفاسد الذي عبّر عنه.
ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ١، يقول: سموهم بالأسماء التي يستحقونها، هل هي خالقة رازقة محيية مميتة، أم هي مخلوقة لا تملك ضرًا ولا نفعًا؛ فإذا سموها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم. قال تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ﴾ ، وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له، ولو كان موجودا لعلمه موجودا ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أم بقول ظاهر باللسان لاحقيقة له في القلب، بل هوكذب وبهتان٢.
وقال الرازي- وهو من كبار الأشاعرة- في معرض رده لحجة الأشاعرة هذه: "إن الآية تدل على أن اسم الإله كان حاصلا في حق الأصنام، ومسمى الإله ما كان حاصلا في حقهم، وهذا يوجب المغايرة بين الاسم والمسمى، ويدل على أن الاسم غير المسمى.
ثم نقول: المراد بالآية أن تسمية الصنم بالإله كان اسما بلا مسمى، كمن يسمي نفسه باسم السلطان وكان في غاية القلة والذلة، فإنه يقال: إنه ليس له من السلطنة إلا الاسم، فكذا هنا"٣.
الحجة الثالثة:
احتجوا بقوله تعالى: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ٤ ثم قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ
стр. 253
الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ١، فنادى الاسم وهو المسمى٢.
الرد عليهم:
إن الاسم الذي هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من "ياء" و"حاء" و"ياء" هذا هو اسمه، ليس اسمه هو ذاته، بل هذا مكابرة. ثم لما ناداه فقال: ﴿يَا يَحْيَى﴾ ، فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى؛ لم يقصد نداء اللفظ، لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه، فيعرف حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمى، وهذا من فائدة اللغات، وقد يدعى بالإشارة، وليست الحركة هي ذاته، ولكن هي دليل على ذاته٣.
وهؤلاء اقتصروا على أن أسماء الشيء؛ إذا ذُكرت في الكلام فالمراد بها المسميات- كما ذكروه في قوله: ﴿يَا يَحْيَى﴾ ، ونحو ذلك لكان ذلك معنى واضحا لا ينازعه فيه من فهمه، ولكن لم يقتصروا على ذلك، ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم لما في قولهم من الأمور الباطلة كما تقدم ذكره٤.
الحجة الرابعة:
المتمسك بقول لبيد:
إلى الحَوْلِ ثم اسم السَّلام عليكما ... ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعتذر
ووجه استشهادهم: أنه أراد باسم السلام نفس السلام، وهذا يقتضي أن
стр. 254
يكون الاسم نفس المسمى١.
الرد عليهم:
ما ذكروه من قول لبيد مراده ثم النُّطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود، وكأنه قال: ثم سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما بدون أن ينطق به ويذكر اسمه، فإن اسم السلام قولٌ؛ فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل٢.
الحجة الخامسة:
التمسك بقول سيبويه: "الأفعال أمثلة أ: أُخِذت من لفظ أحداث الأسماء"؛ ومن المعلوم أن الأحداث التي هي المصادر صادرة عن المسميات لا عن الألفاظ، فدلَّ هذا على أن قوله من أحداث لفظ الأسماء، أي من لفظ أحداث المسميات٣.
الرد عليهم:
إن هذا لا حجة فيه؛ لأن سيبويه مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الألفاظ، وهذا اصطلاح النحويين، سمُّوا الألفاظ بأسماء معانيها؛ فسموا "قام ويقومُ وقُم" فعلا؛ والفعل هو نفس الحركة، فسموا اللفظ الدال عليها باسمها. وكذلك إذا قالوا: اسم معربٌ! ومبنيٌ، فمقصودهم اللفظ، ليس مقصودهم المسمى، وإذا قالوا: هذا الاسم فاعل فمرادهم أنه فاعل اللفظ؛ أي أسنِدَ إليه الفعل، ولم يرد سيبويه بلفظ الأسماء المسميات كما زعموا، ولو
стр. 255
أرادوا ذلك فَسَدَتْ صناعته"١.
الحجة السادسة:
إن القائل إذا قال: ما اسمُ معبودكم؟
قلنا: الله، فإذا قال: ما معبودكم؟ قلنا: الله.
فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود؛ فدلّ على أن اسم المعبود هو المعبود لا غير٢
الرد عليهم:
إن هذا حجة باطلة وهي عليهم لا لهم.
فإن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ فقلنا: الله، فالمراد أن اسمه هو هذا القول، ليس المراد أن اسمه هو ذاته وعينه الذي خلق السموات والأرض، فإنه إنما سأل عن اسمه، لم يسأل عن نفسه؛ فكان الجواب بذكر اسمه.
وإذا قال: ما معبودكم؟ فقلنا: الله، فالمراد هناك المسمى؛ ليس المراد أن المعبود هو القول.
فلما اختلف السؤال في الموضعين اختلف المقصود بالجواب، وإن كان في الموضعين قال: الله، لكنه في أحدهما أريدَ هذا القول الذي هو من الكلام؛ وفي الآخر أريد به المسمى بهذا القول. كما إذا قيل: ما اسم فلانٍ؟ فقيل: زيدٌ أو عمرو، فالمراد هو القول، وإذا قيل: من أميرُكُم؟ أو من أنكحت؟ فقيل؛ زيد أو عمرو، فالمراد به الشخص، فكيف يجعل المقصود في الموضعين
стр. 256
واحدا؟ ١.
القول السادس:
الاسم تارة يكون هو المسمى كاسم "الله" و"الموجود"، وتارة الاسم غير المسمى كاسم "الخالق"، و"الرَّازق"، وتارة لا يكون هو المسمى ولا غير المسمى كاسم "العليم"، "والقدير":
وهذا هو القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري٢، وقد قسَّم الأسماء إلى ثلاثة أقسام، فقال:
ا- قد يكون الاسم عين المسمى نحو: "الله"، فإنه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه.
٢- وقد يكون غيره نحو: "الخالق" و"الرّازق " مما يدل على نسبته إلى غيره.
٣- وقد يكون لا هو ولا غيره ك"العليم" و"القدير" مما يدل على صفة حقيقية٣.
وهذا التقسيم راجع إلى اعتبار معانيها ومعتقده فيها.
فالقسم الأول: يرى أنه اسم جامد لا يدل، على معنى، وهذا زعم مردود؛ فليس في الأسماء الحسنى اسم جامد غير مشتق، فكل أسماء الله الحسنى دالة على معان في غاية الكمال.
وأما القسم الثاني: فلاعتقاده- في طور، الثاني٤ - بنفي صفات الأفعال
стр. 257
الاختيارية وإنكار قيامها بالله ، فهو بالتالي جعل "الخالق" و"الرازق" ونحوهما غير المسمى، وهذا قول باطل، فاسمه "الخالق" هو الرب الخالق نفسه وليس المخلوقات، كما أن اسمه "العليم" هو الرب العليم الذي العلم صفته، فليس العلم هو المسمى ولا الخلق هوالمسمى.
وأما القسم الثالث: فلإثباته الصفات الذاتية فقد جعل العليم والحكيم ونحوهما للمسمى١.
القول السابع: الاسم غير المسمى:
وهو قول الجهمية والمعتزلة، فهم لا يثبتون لله صفات يتصف بها حقيقة، فلذلك ينفون صفة الكلام عن الله ، ويقولون: إن الله لم يتكلم بكلام يقوم بذاته؛ وإن كلامه مخلوق خلقه كما خلق السموات والأرض خارجا عن ذاته، فأنكروا أن يقوم بذاته كلام أو قول، وبالتالي لم يسم نفسه باسم هو المتكلم به، فأسماؤه مخلوقة.
"فغاية قولهم إن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما، أوحتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم وهذا من أعظم الضلالة والإلحاد في أسماء الله تعالى"٢.
ولذلك قالوا: الاسم غير المسمى، فأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، ف "الرحمن- الرحيم- الحيُّ- القيُّوم)) هذه الأسماء المؤلفة من الحروف وغيرها من الأسماء الحسنى مخلوقة عندهم.
ولذلك ينفون ما دلت عليه من المعاني لأنهم يعاملونها معاملة أسماء
стр. 258
المخلوقين، أي على أنها لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، بل هي أعلام محضة لا تدل على معنى، كما سبق وأن، أوضحنا ذلك في التمهيد.
وأما قول هؤلاء بأن أسماء الله أو كلامه غيره، فَيُجاب عنه بأن لفظ الغير مجمل يحتاج إلى تفصيل. (وتحقيق ذلك أن الشيء له أربع مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبته في الأعيان، ويراد بها وجوده العيني الخارجيُّ.
والمرتبة الثانية: مرتبته في الأذهان، ويراد بها وجوده الذهنيُّ.
والمرتبة الثالثة: مرتبته في اللسان، ويراد: بها وجوده اللفظيُّ.
والمرتبة الرابعة: مرتبته في الخطِّ، ويراد بها وجوده الرسميُّ١.
ا- فإن أريد "بالغير": المغايرة بين الوجود اللفطي والوجود العيني فهذا صحيح، وهذا الذي عناه أهل اللغة بقولهم في الاسم: هو اللفظ الذال على المسمى، (وهذا ما يسمى بالوجود اللفظي) .
وقولهم في المسمى: هو الشيء الموجود في الأعيان هنا: (وهذا ما يسمى بالوجود العينيِّ) .
٢- وإن أريد "بالغير" المغايرة في الوجود الذهني، فهذا صحيح، فإذا أريد بالغير هذا فإنما يفيد المباينة في ذهن الإنسان، فقد يذكر الإنسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معاني أسمائه، بل قد يشعر بالبعض دون البعض الآخر، فقد لا يخطر له أنه عزيز وأنه حكيم، لكونه قد يعلم هذا دون هذا؛ وبالتالي فقد أمكن العلم بهذا دون هذا، وذلك لا ينفي التلازم في نفس الأمر (أي في الوجود العياني) فهي معاني متلازمة لا يمكن وجود الذات دون هذه المعاني، ولا وجود هذه المعاني دون وجود
стр. 259
الذات١.
٣- وإن أريد بالغير المغايرة في الوجود العياني بين ذات الله وصفاته، أي القول بإثبات ذات مجردة عن الصفات وصفات مجردة عن الذات فهذا باطل. وهذا هو مقصد الجهمية والمعتزلة بقولهم: "الاسم غير المسمى".
فيقال لهم: قولكم: إن أسماءه غيره مثل قولكم: إن كلامه غيره، وإن إرادته غيره، ونحو ذلك، وهو مبني على نفيكم لقيام الصفات بالله وزعمكم أن ذات الله مجردة من كل صفة، وهذا زعم باطل؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال: إن الصفات زائدة عليها (أي إنها غيرها) ، بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتا من الصفات، فتخُّلُ وجود أحدهما في العيان دون الآخر، ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل، فلا يوجد ذات مجردة من الصفات ولا صفات مجردة من الذات كما يزعم هؤلاء.
ولذلك قال أهل السنة: إنه إذا قيل غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا له فهذا باطل، فأسماء الله من كلامه وليس كلامه بائنا عنه حتى يقال: إنه غيره٢.
ونظرا لهذا المقصد الفاسد عند الجهمية والمعتزلة منع أهل السنة القول بأن "الاسم غير المسمى" لما في لفظ "الغير" من الإجمال فهو يحتمل وجها صحيحا وآخر باطلا.
أما الوجه الصحيح: فهو أن يُراد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فهذا حق.
وأما الوجه الباطل: أن يُراد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه
стр. 260
اسما، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضَّلال والإلحاد١، ولأجل هذا المعنى الفاسد رد أهل السنة القول بأن "الاسم غير المسمى" لعلمهم أن هذا هو مراد قائليه، فالجهمية والمعتزلة يقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق.
وهذا قول فاسد "لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به، وهوالمسمي لنفسه بما فيه من الأسماء"٢ كما جاء في الحديث: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك".
فالحديث يدل على أن أسماء الله غير خلوقة، بل هو الذي تكلم بها، وسمى بها نفسه، ولهذا لم يقل: بكل اسم خلقته لنفسك؛ ولو كانت مخلوقة لم يسأل بها، فإن الله لا يُقسَمُ عليه بشيء من خلقه، فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم.
وأيضا فإن أسماءه مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤها غير مخلوقة٣.
القول الثامن: أسماء البارىء لا هي البارئ، ولا هي غيره.
وهذا قول بعض الكلابية، والبعض الآخر منهم امتنعوا من أن يقولوا: لا هي البارىء ولا هي غيره.
وقولهم في هذه المسألة متفرغ عن قولهم في الصفات، فابن كلاب كان يقول: إن أسماء الله وصفاته لذاته لا هي الله ولا هي غيره، وإنها قائمة بالله،
стр. 261
ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول إن وجه الله لا هو الله ولا هو غيره وهو صفة له، وكذلك يداه وعينه وبصره صفات له لا هي هو ولا غيره، وإن ذاته هي هو، ونفسه هو، وإنه موجود لا بوجود ... ، وكان يزعم أن صفات البارىء لا تتغاير، وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها، وكذلك كل صفة من صفات الذات لا هي الصفة الأخرى ولا غيرها١.
стр. 262
المبحث الثاني: أسماء الله كلها حسنى
المطلب الأول: الأدلة على كون أسماء الله كلها حسنى والمقصود بذلك
...
المطلب الأول: الأدلة على كون أسماء الله كلها حسنى والمقصود بذلك.
الآيات التي ورد فيها وصف أسماء الله تعالى بأنها حُسنى:
وصف إلله تعالى أسماءة بالحسنى في أربعة مواضع من القرآن الكريم، وهي:
١- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١
٢- قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
٣- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
٤- قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤.
معنى "الحسنى":
أ- تصريفها: "الحسنى" على وزن فُعْلَى، مؤنَّث الأحسن كالكبرى تأنيث الأكبر، والصُّغرى تأنيث الأصغر.
قال ابن منظور: "وتأنيث الأحسن، الحسنى، كالكبرى والصُّغرى،
стр. 263
تأنيث الأكبر والأصغر"١.
وقال القرطبي: ""الحسنى" فعلى، مؤنث الأحسن، كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكُبَر والحُسن"٢.
وقال ابن الوزير: "واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحسن، فإن جمعه حِسان وحسنة"٣.
ب- المعنى الخاص للكلمة:
(الحسن ضد القبح، تقول: أحسنت بفلان وأسأت بفلان أي أحسنت إليه وأسأتُ إليه) ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحسنى: هي المفضَّلة على الحسنة، والواحد الأحاسن) ٥.
فالمعنى: أي البالغة في الحسن غايته٦، فحسنى على وزن (فُعلى) تأنيث (أفعل) ١لتفضيل.
ب المعنى العام للآيات:
سبق أن ذكرنا أن الله وصف أسماءه بأنها حُسنى في أربعة مواطن، فالمعنى أي إن أسماء الله هي أحسنُ الأسماء وأجلُّها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.
стр. 264
قالت ابن الوزير: "واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحسن، فإن جمعه حسان وحسنة، فأسماء الله التي لا تحصى كلها حسنى، أي أحسن الأسماء، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١ أي الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونعوته، فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء، لا أن تكون. حسنة وحسانا لا سوى؛ وكم بين الحسن والأحسن من التفاوت العظيم عقلا وشرعا ولغة وعرفا"٢.
стр. 265
المطلب الثاني: وجه الحسن في أسماء الله: الحُسنُ في أسماء الله جاء من وجهين هما:
الوجه الأول: لدلالتها على مسمى الله، فكانت حسنى لدلالتها على أحسن وأعظم وأجل وأقدس مسمى وهو الله عز وجل١.
الوجه الثاني: لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرا٢.
قال الشيخ عبد العزيز السَّلمان: "فأسماء الله إنما كانت حسنى لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول"٣.
وقال ابن القيم: "أسماؤه- كلُّها أسماء مدح وثناء؛ وتمجيد؛ ولذلك كانت حسنى"٤.
وقال: "أسماء الرب ﵎ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى؛ إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدح
стр. 266
وكمال"١.
فأسماؤه تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله، ومن حسنها ما فيها من معنى التعظيم والإجلال والإكبار لله .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ "هذا بيان لعظيم جلال وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى، أي كل اسم حسن، وضابطه أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة بل كانت علما محضا لم تكن حسنى، فإنها لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أوصفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُق منها، مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو "العليم" الدال عليه أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء فلا يخرج عن علمه مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماء، و"الرحيم" الدال على أنه له رحمة عظيمة واسعة لكل شيء، و"القدير" الدال على أن له قدرة. عامة لا يعجزها شيء ونحو ذلك. ومن تمام كونها حسنى أنه لا يُدعى إلا بها، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة ... "٢.
والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده.
مثال ذلك: "الحيُّ": اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
стр. 267
مثال آخر: "الرحمن": اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ : "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" يعني أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته.
ومتضمن أيضا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ ٢.
وكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال.
مثال ذلك: "العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز؛ والحُكمُ والحكمة في الحكيم.
والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف.
وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته، فإنهما يعتريهما الذُّلُّ٣.
قال ابن القيم ﵀: "وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو
стр. 268
القدير، الحميد المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف"١.
стр. 269
المطلب الثالث: الأحكام المستفادة من كون أسماء الله حسنى
أولا: أسماء الله توقيفية:
من الأحكام المستفادة من كون أسماء الله حسنى كون الأسماء توقيفية، (فأسماء الله هي أحسن الأسماء وأكملها فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده، وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الشَّفوق، وكذلك العلي العظيم دون الرَّفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
وكذلك الخالق البارىء المصور دون الفاعل الصانع المشكل.
وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتحاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المبطلون
стр. 270
المعطلون) ١.
(فهو سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقص، وله كل ثناء حسن، ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل، ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء) ٢.
ثانيا: تضمّن الأسماء الحسنى للصفات:
من الأحكام المستفادة كذلك، أن في وصف أسماء الله بأنها حسنى دليلا على تضمُّنها للصفات.
قال ابن القيم: "أسماء الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ ٤ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قال: ليس هذا بكلام الله؟
فقال القارىء: أتكذب بكلام الله تعالى؟
فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى.
فعاد إلى حفظه وقرأ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
стр. 271
فقال الأعرابيُّ: صدقت: عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع، ولهذا إذا خُتمت آية الرحمة باسم عذاب أو بالعكس ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه. ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أوبهذا) ١.
وقال أيضا: "قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
أي إنكم إنما تدعون إلها واحدا له الأسماء الحسنى، فأيُّ اسم دعوتموه فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم، فأخبر سبحانه أنه إله واحد وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها"٣.
وقال الشيخ ابن سعدي: "أسماؤه الحسنى كلها أعلام وأوصاف دالة على معانيها، وكلها أوصاف مدح وثناء، ولذلك كانت حُسنى، فلو كانت أعلاما محضة لم تكن حسنى، ولهذا إذا كان الاسم منقسما إلى حمد ومدح وغيره لم يدخل بمطلقه في أسماء الله كالمريد والصَّانع والفاعل ونحوها فهذه ليست من الأسماء الحسنى، فصفاته كلها صفات كمال محض، فهو الموصوف بأكمل الصفات، وله أيضا من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه"٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالله له الأسماء الحسنى دون السوآى،
стр. 272
وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيىء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى"١.
ثالثا: ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمّن الشرّ:
من الأحكام المستفادة من كون أسماء الله كلها حسنى أنه ليس في أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر، وإنما يذكر الشر في مفعولاته"، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ٤، فبيَّن سبحانه أن بطشه شديدٌ وأنه هو الغفور الودود"٥.
وقال أيضا: "وليس في أسمائه الحسنى إلا اسم يمدح به، ولهذا كانت كلهاحسنى".
والحسنى خلاف السُّوآى، فكلها حسنة، والحسن محبوب ممدوح، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح: "والخير كله بيديك، والشر ليس إليك" ٦.
стр. 273
وقد قيل في تفسيره: لا يتقرب به إليك بناء على أنه الأعمال المنهيُّ عنها. وقد قيل: لايضاف إليك بناء على أنه المخلوق.
والشر المخلوق لا يضاف إلى الله مجردا عن الخير قط، وإنما يذكر على أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: إما مع إضافته إلى المخلوق، كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ١.
الوجه الثاني: وإما مع حذف الفاعل كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ ٢.
ومنه في الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٣، فذكر الإنعام مضافا إليه، وذكر الغضب محذوفا فاعله، وذكر الضلال مضافا إلى العبد.
وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٤.
الوجه الثالث: وإما أن يدخل في العموم، كقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥.
ولهذا إذا ذُكر باسمه الخاص قُرن بالخير، كقوله في أسمائه الحسنى: الضارُّ النافع- المعطي المانع- الخافض الرافع- المعزُّ المُذلُّ.
فجمع بين الاسمين لما فيه من العموم والشمول الدَّال على وحدانيته،
стр. 274
وأنه وحده يفعل جميع الأشياء.
ولهذا لا يدعى بأحد الاسمين: كالضار والنافع، والخافض والرافع، بل يذكران جميعا. ولهذا كان كل نعمة منه فضلا، وكل نقمة منه عدلا"١.
وقال ابن القيم: "إن أسماءه كلها حُسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلا؛ ومن أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق الرازق المحيي المميت.
وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها؛ لأنه لو فعل الشر لاشتُق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حُسنى، وهذا باطل، فالشرُّ ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل، في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته.
وفرق بين الفعل والمفعول: فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هوفعله.
فتأمل هذا فإنه خَفيَ على كثير من المتكلمين وزلَّت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"٢.
وقال ابن القيم: "إن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبرِّه وكرمه، ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه، وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته، ولذلك لا يسمَّى بالمعاقِب والمعذِّب، بل يُفرَّقُ بينهما، فيجعل ذلك من أوصافه، وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ٣،
стр. 275
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ ومثلها في آخر الأنعام٣، فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته، فإنه يدوم بدوامها، ولا سيما إذا كان محبوبا له، وهو غاية مطلوبة في نفسها، وأما الشر الذي هو العذاب، فلا يدخل في أسمائه وصفاته، وإن دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفنى؛ بخلاف الخير، فإنه سبحانه دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا، وهو قديم الإحسان أبديُّ الإحسان، فلم يزل ولا يزال محسنا على الدوام.
وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام، منتقما على الدوام، فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه في باب أسماء الله وصفاته يفتح لك بابا من أبواب معرفته ومحبته، يوضحه قول أعلم خلقه به وأعرفهم بأسمائه وصفاته: "والشر ليس إليك" ولم يقف على المعنى المقصود من قال؛ الشر لا يُتقرب به إليك، بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه، وصفاته كلها صفات كمال يحمد عليها ويثنى عليه بها، وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لاشر فيها بوجه ما، وأسماؤه كلها حسنى، فكيف يضاف، الشر إليه، بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته، وهو منفصل عنه، إذ فعله غير مفعوله، ففعله خير كله، وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر.
وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه، فهو لا يُضاف
стр. 276
إليه، وهو ﷺ لم يقل: أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله، وإنما نفى إضافته إليه وصفا وفعلا واسما"١.
رابعا: الأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يفصل بينها.
من الأحكام المستفادة من كون أسماء الله كلها حسنى أن الأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يُفصل بينها، وذلك مثل:
ا- المعطي- المانع.
٢- النافع- الضار.
٣- الخافض- الرافع.
٤- المنتقم- العفو.
٥- المحيي- المميت.
٦- القابض- الباسط.
٧- المعز- المذل.
٨- المبدىء- المعيد.
٩- المقدم- المؤخر.
١٠- الأول- الآخر.
١١- الظاهر- الباطن.
١٢- الراتق- الفاتق.
١٣- الهادي- المضل.
стр. 277
١٤- المحل- المحرم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى "أسماء الله تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره وهو غالب الأسماء كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم.
وهذا يسوغ أن يُدعى به مفردا ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع.
ومنها ما لا يطقق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم١، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعزُّ المذلُّ؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتَّصرف فيهم عطاء ومنعا، ونفعا وضرا، وعفوا وانتقاما.
وأما أن يُثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ.
فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجىء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه
стр. 278
فلو قلت: يا مُذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكرمقابلها"١.
ويستفاد من كلام ابن القيم السابق أن الأسماء الحسنى تنقسم باعتبار إطلاقها على الله إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسماء المفردة:
وضابطها: ما يسوغ أن يطلق عليه مفردا.
وهذا يقع في غالب الأسماء.
مثالها: الرحمن، السميع، الرحيم، القدير، الملك ...
القسم الثاني: الأسماء المقترنة:
وضابطها: ما يُطلق عليه مقترنا بغيره من الأسماء.
وهذا أيضا يقع في غالب الأسماء.
مثالها: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، السميع البصير.
وكل من القسم الأول والثاني يسوغ أن يُدعى به مفردا، ومقترنا بغيره، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أويا غفور، أويا رحيم.
وهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد أو الجمع.
القسم الثالث: الأسماء المزدوجة:
وضابطها: ما لا يُطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم منها بما يقابله.
مثالها: الضار النافع، المعز المذل، المعطي المانع، المنتقم العفُوُّ.
стр. 279
فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجىء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة.
والسبب في ذلك؛ أن الكمال إنما يحصل في الجمع بين الاسمين لما فيه من العموم والشمول الدال على وحدانيته، وأنه وحده يفعل جميع الأشياء. فهو سبحانه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعًا، ونفعا وضرا، وعفوا وانتقاما.
ولذلك لو قلت: يا مذلُّ، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها.
وقال ابن الوزير: "إن اسم الضار لا يجوز إفراده على النافع، فحين لم يجز إفراده لم يكن مفردا من أسماء الله تعالى، وإذا وجب ضمه إلى النافع كانا معا كالاسم الواحد المركب من كلمتين، مثل عبد الله وبعلبك، فلو نطقت بالضار وحده لم يكن اسما لذلك المسمى به، ومتى كان الاسم هو الضار النافع معا كان في معنى مالك الضر والنفع، وذلك في معنى مالك الأمر كله، ومالك الملك، وهذا المعنى من الأسماء الحسنى هو في معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ١ الآية، وهو في معنى القديرعلى كل شيء.
وميزان الأسماء الحسنى يدور على المدح بالملك والاستقلال وما يعود إلى هذا المعنى، وعلى المدح بالحمد والثناء وما يعود إلى ذلك، وكل اسم دل على هذين الأمرين فهو صالح دخوله فيها، والضار النافع يرجع إلى ذلك
стр. 280
مع الجمع وعدم الفرق ومع القصد، فيلزم من أطلقه قصد ذلك مع الجمع"١.
قال ابن القيم في نونيته:
هذا ومن أسمائه ما ليس يف ... رد بل يقال إذا أتى بقران
وهي التي تُدعى بمزدوجاتها ... إفرادها خطر على الإنسان
إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب ... العرش عن عيب وعن نقصان
كالمانع المعطي وكالضار الذي ... هو نافع وكماله الأمران
ونظير هذا القابض المقرون با ... سم الباسط اللفظان مقترنان
وكذا المعزّ مع المذل وخافض ... مع رافع لفظان مزدوجان
وحديث إفراد اسم منتقم فمو ... قوف كما قد قال ذو العرفان
ما جاء في القرآن غير مقيد ... بالمجرمين وجابذو نوعان٢
стр. 281
المبحث الثالث: أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف
المطلب الأول: بيان معتقد أهل السنة في المسألة
...
المطلب الأول: بيان معتقد أهل السنة في المسألة
من الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز متضمن لصفة العزة وهو مشتق منها، والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منها، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلام جامدة لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها.
فالرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به.
ولمزيد من الإيضاح وإلقاء الضوء على هذه المسألة وبيان عقيدة أهل السنة أود طرح ذلك في النقاط التالية.
النقطة الأولى: أن أسماء الله الحسنى لها اعتباران:
أسماء الله الحسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر١.
وذلك لأن أسماءه الحسنى لها اعتباران:
اعتبار من حيث الذات.
стр. 282
واعتبار من حيث الصفات.
فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات.
وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.
وهي بالاعتبار الأول: مترادفة١ لدلالتها على مسمى واحد هو الله ، ف"الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم" كلها أسماء لمسمى واحد هو الله .
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته.
وهي بالاعتبار الثاني: متباينة٣ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا٤.
النقطة الثانية: الوصف بها لا ينافي العلمية:
قال ابن القيم: "أسماء الله الحسنى هي أعلام وأوصاف، والوصف بها لا
стр. 283
ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصافه تعالى"١.
وقال ﵀: "أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق، البارىء المصور القهار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته ... "٢.
قال الدارمي: "لا تقاس أسماء الله بأسماء الخلق؛ لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفا لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفا لأسمائه.
فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر؛ لأنك إذا قلت: (الله) فهو (الله) ، وإذا قلت: (الرحمن) فهو (الرحمن) وهو (الله) فإذا قلت: (الرحيم) فهو كذلك، وإذا قلت: (حكيم- عليم- حميد- مجيد- جبار- متكبر- قاهر- قادر) فهو كذلك هو (الله) سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسما.
وقد يسمى الرجل حكيما وهو جاهل، وحَكَمًا وهو ظالم، وعزيزا وهو حقير، وكريما وهو لئيم، وصالحا وهو طالح، وسعيدا وهو شقي، ومحمودا وهو مذموم، وحبيبا وهو بغيض؛ وأسدا وحمارا؛ وكلبا وجديا، وكليبا؛ وهرا، وحنظلة، وعلقمة، وليس كذلك.
стр. 284
الله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه، سواء، لم يزل كذلك ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقا قبل المخلوقين، ورازقا قبل المرزوقين، وعالما قبل المعلومين، وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة"١.
النقطة الثالثة: أقسام أسماء الله باعتبار معانيها:
ترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
ا- إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
٢- ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، البارىء، والمصور، والوهاب.
٣- ما يرجع إلى التنزيه المحض ولابد من تضمنه ثبوتا؛ إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد.
٤- ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة، بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد: نحو: المجيد، العظيم، الصمد، فإن "المجيد" من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا: فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة، كما في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢ فالمجيد صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه.
و"العظيم"من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال.
وكذلك "الصمد" قال ابن عباس: هو السيد الذي كمل في سؤدده، وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.
стр. 285
وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد.
وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء.
وقال ابن الأنباريِّ: لا خلاف بين أهل اللغة أن "الصمد" السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم١.
النقطة الرابعة: أن الاسم من أسمائه تعالى له دلالاتٌ:
دلالة على الذات والصفة بالمطابقة.
ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
ويتضح ذلك بما يلي:
أولا: بيان أقسام الدلالات اللفظية: تنقسم الدلالات اللفظية إلى ثلاثة أقسام:
ا- دلالة المطابقة.
٢- دلالة التضمن.
٣- دلالة الالتزام.
وذلك لأن الكلام إما أن يساق ليدل على تمام معناه.
وإما أن يساق ليدل على بعض معناه.
وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلا أنه لازم له.
فدلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة "مطابقة"، وسُميت مطابقة للتَّطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.
ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة "تضمُّن"، وسميت دلالة تضمن لأن اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فُهم منه.