← Акыда

Акыда · id 12074

معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (340 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المبحث الثالث: أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف المطلب الأول: بيان معتقد أهل السنة في المسألة ... المطلب الأول: بيان معتقد أهل السنة في المسألة من الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز متضمن لصفة العزة وهو مشتق منها، والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منها، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلام جامدة لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها. فالرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به. ولمزيد من الإيضاح وإلقاء الضوء على هذه المسألة وبيان عقيدة أهل السنة أود طرح ذلك في النقاط التالية. النقطة الأولى: أن أسماء الله الحسنى لها اعتباران: أسماء الله الحسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر١. وذلك لأن أسماءه الحسنى لها اعتباران: اعتبار من حيث الذات.

стр. 282

واعتبار من حيث الصفات. فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات. وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني. وهي بالاعتبار الأول: مترادفة١ لدلالتها على مسمى واحد هو الله ، ف"الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم" كلها أسماء لمسمى واحد هو الله . قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته. وهي بالاعتبار الثاني: متباينة٣ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا٤. النقطة الثانية: الوصف بها لا ينافي العلمية: قال ابن القيم: "أسماء الله الحسنى هي أعلام وأوصاف، والوصف بها لا

стр. 283

ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصافه تعالى"١. وقال ﵀: "أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق، البارىء المصور القهار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته ... "٢. قال الدارمي: "لا تقاس أسماء الله بأسماء الخلق؛ لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفا لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفا لأسمائه. فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر؛ لأنك إذا قلت: (الله) فهو (الله) ، وإذا قلت: (الرحمن) فهو (الرحمن) وهو (الله) فإذا قلت: (الرحيم) فهو كذلك، وإذا قلت: (حكيم- عليم- حميد- مجيد- جبار- متكبر- قاهر- قادر) فهو كذلك هو (الله) سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسما. وقد يسمى الرجل حكيما وهو جاهل، وحَكَمًا وهو ظالم، وعزيزا وهو حقير، وكريما وهو لئيم، وصالحا وهو طالح، وسعيدا وهو شقي، ومحمودا وهو مذموم، وحبيبا وهو بغيض؛ وأسدا وحمارا؛ وكلبا وجديا، وكليبا؛ وهرا، وحنظلة، وعلقمة، وليس كذلك.

стр. 284

الله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه، سواء، لم يزل كذلك ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقا قبل المخلوقين، ورازقا قبل المرزوقين، وعالما قبل المعلومين، وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة"١. النقطة الثالثة: أقسام أسماء الله باعتبار معانيها: ترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية: ا- إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير. ٢- ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، البارىء، والمصور، والوهاب. ٣- ما يرجع إلى التنزيه المحض ولابد من تضمنه ثبوتا؛ إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد. ٤- ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة، بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد: نحو: المجيد، العظيم، الصمد، فإن "المجيد" من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا: فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة، كما في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢ فالمجيد صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه. و"العظيم"من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك "الصمد" قال ابن عباس: هو السيد الذي كمل في سؤدده، وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.

стр. 285

وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد. وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء. وقال ابن الأنباريِّ: لا خلاف بين أهل اللغة أن "الصمد" السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم١. النقطة الرابعة: أن الاسم من أسمائه تعالى له دلالاتٌ: دلالة على الذات والصفة بالمطابقة. ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم. ويتضح ذلك بما يلي: أولا: بيان أقسام الدلالات اللفظية: تنقسم الدلالات اللفظية إلى ثلاثة أقسام: ا- دلالة المطابقة. ٢- دلالة التضمن. ٣- دلالة الالتزام. وذلك لأن الكلام إما أن يساق ليدل على تمام معناه. وإما أن يساق ليدل على بعض معناه. وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلا أنه لازم له. فدلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة "مطابقة"، وسُميت مطابقة للتَّطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه. ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة "تضمُّن"، وسميت دلالة تضمن لأن اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فُهم منه.

стр. 286

ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له تسمى دلالة "التزام"، وسميت دلالة التزام لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد. الأمثلة: أ- مثال لدلالة المطابقة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١ فلفظة "البقرة": اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه وهو الحيوان المعروف، فأية بقرة كانت كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم في طلب التعيين فشدّد الله عليهم. ب- مثال لدلالة التضمن كأن يقول. إنسان: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث. فنقول له: بين لنا إذن أحكام الجد مع الإخوة؟ فيقول: أنا لم أقل لكم إنني أعلم هذه الأحكام. فنقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث أنك عالم بأحكام الجد مع الإخوة، وقد فهمنا هذا من كلامك عن طريق الدلالة التضمُّنية. ج- مثال لدلالة الالتزام: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. فإن قاله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الواقع في جواب الشرط يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أن الله يغفر لكم ويرحمكم إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتم،

стр. 287

مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ، ولكن يلزم من كونه غفورا رحيما أن يكافىء أهل العفو والصفح والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التصريح للازمهما. ثانيا: تطبيق الدَّلالات الثلاث على أسماء الله تعالى: قال ابن القيم: "إن الاسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التى اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم. فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة على الصفة. ويدل على الصفة الأخرى باللزوم. الأمثلة: أ- "الخالق": ويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة يدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ١ ذلك لأن العلم والقدرة لازمان للخلق. مثال آخر: "السميع": يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.

стр. 288

وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن. ويدل على اسم الحيّ وصفة الحياة بالالتزام. وكذلك سائر أسمائه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمتها، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم"١. وقال الشيخ حافظ حكمي: "واعلم أن دلالة أسماء الله تعالى حق على حقيقتها مطابقة وتضمنا والتزاما. فدلالة اسمه تعالى: "الرحمن" على ذاته مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمنا وعلى الحياة وغيرها التزاما،. وهكذا سائر أسمائه ﵎. وليست أسماء الله تعالى غيره كما يقوله الملحدون في أسمائه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فإن الله هو الإله، وما سواه عبيد. وهو الرب، وما سواه مربوب. وهو الخالق، وما سواه مخلوق. وهو الأول فليس قبله شيء، وما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن.

стр. 289

وهو الآخر الباقي فليس بعده شيء، وما سواه فان. فلو كانت أسماء الله تعالى غيره كما زعموا لكانت مخلوقة مربوبة محدثة فانية؛ إذ كل ما سواه كذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا"١. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "الدلالة نوعان: ا- لفظية ٢٠- معنوية عقلية. فإن أعطيت اللفظ جميع ما دخل فيه من المعاني فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق المعنى من غير زيادة ولا نقصان. وإن أعطيته بعض المعنى فتسمى دلالة تضمن؛ لأن المعنى المذكور بعض اللفظ وداخل في ضمنه. وأما الدلالة المعنوية العقلية فهي خاص، بالعقل والفكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرده لا يدل عليها، وإنما ينظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: "الرحمن" يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة مطابقة، ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم، وقدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته. وكذلك ما تقدم من استلزام "الملك" جميع صفات المُلْك الكامل، واستلزام "الرب" لصفات الربوبية و"الله" لصفات الألوهية، وهي صفات

стр. 290

كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يستلزم عدة أوصاف كالكبير والعظيم والمجيد والحميد والصمد، فهذه قاعدة نافعةٌ"١.

стр. 291

المطلب الثاني: الأدلة على أن أسماء الله أعلام وأوصاف ا- دلالة القرآن والسنة على ذلك: تنوعت دلالة القرآن والسنة في إثبات هذه المسألة، فمن ذلك: أ- أن الله يخبر بمصادرها ويصف نفسه بها: والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصِّفة. فمن القرآن: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ ٣، وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤. فعلم أن "القويَّ" من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة. وكذلك "العزيز" من أسمائه، ومعناه الموصوف بالعزة. فالقويّ من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسم قويّا ولا عزيزا. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ٦.

стр. 292

وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ١. فالغفور هو المتصف بالمغفرة. والرحيم هو المتصف بالرحمة. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ ٣. فهوالحكيم الذي له الحكم. وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ٥. وكذلك الحال في السُّنَّة: ففي الصحيح عن النبي ﷺ : "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفعه، يَرفعُ عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"٦. فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه "البصير". وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات"٧. فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه "السَّميع".

стр. 293

وفي الصحيح حديث الاستخارة " اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" ١. فهو قادر بقدرة. وفي الصحيح عنه ﷺ : "يقول الله ﵎: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي" ٢. فهو العظيم الذي له الكبرياءُ. وقوله ﷺ : "أعوذ برضاك من سخطك" ٣، وقوله ﷺ : "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت" ٤. فقد دلَّ القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفا، ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماؤه غير أفعاله وصفاته، فإذالم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا، وهذا غاية الإلحاد٥. فكل ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه، فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه.

стр. 294

ب- (أن الله يخبرُ عن الأسماء بأفعالها "أي حُكمُ تلك الصفة") : قال تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤. فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها، فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرعُ ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها. ج- أن الله يعلِّل أحكامه وأفعاله بأسمائه: (فالله سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحا، كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٦، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه با لمغفرة والرحمة.

стр. 295

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فإن الطلاق لما كان لفطا يُسمع ومعنى يُقصد عقّبه باسم "السميع" للنطق به "العليم" بمضمونه. وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ١. أي لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وفي هذا معنى التعليل: أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات. وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ ٢. فهذا جزاء لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهوعليم بشُكرِكم لا يخفى عليه من شكره ممَّن كفره) ٣. د- الله يُسْتَدَلُّ على توحيده بأسمائه: فالله سبحانه يُستدلُّ بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماء لامعنى لها لم تدل على ذلك. كقول هارون لعبدة العِجل: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ٤. وقوله سبحانه في القصَّة: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٥.

стр. 296

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. فسبَّح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدُّحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له٣. هـ- أن الله يعلِّق بأسمائه المعمولات من الظُّروف والجار والمجرور وغيرهما: فالله سبحانه يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولوكانت أعلاما محضة لم يصح فيها ذلك. كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ٦. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ٧. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٨.

стр. 297

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ٣. ونظائره كثيرةٌ٤. و وصف الله أسماءه بأنها حسنى: قال ابن القيم: "أسماء الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها اللة بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥. فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال. ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ ٦ (والله غفور رحيم) . قال: ليس هذا كلام الله. فقال القارىء: أَتُكَذِّبُ بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى. فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

стр. 298

فقال الأعرابي: صدقت: عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولوغفر ورحِمَ لما قطع. ولهذا إذا خُتمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه. ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا"١. وقال أيضا: "أخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها"٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الله له الأسماء الحسنى دون السّوآى، وإنما تميّز الاسم الحسن عن الاسم السيىء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى"٣. ٢- دليل الإجماع: أ- إجماع أهل اللغة: (أجمع أهل اللغة والعرف على أنه لا يقالُ: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر بين لا يحتاج إلى دليل) ٤. ب- إجماع المسلمين: (أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوَّته أو عزَّته

стр. 299

أو عظمته انعقدت يمينه، وكانت مكفِّرة لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه١. ٣- دليل العقل: أ- (إنه يُعلم بالاضطرار الفرق بين الحيّ والقدير والعليم والملك والقدُّوس والغفور. وإن العبد إذا قال: رب اغفرلي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في مناجاة ربِّه. وإذا قال: اغفر لي وتُب على إنَّك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب، لم يكن محسنا في مناجاته) ٢. ب- إنَّ من المستحيل أن يكون عليما قديرا سميعا بصيرا ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحَّةُ هذه الأسماء مستلزمة لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطل قطعا فتعيَّن الأول) ٣ لأن شرط صحة إطلاق هذه الأسماء حصول معانيها وحقائقها للموصوف) ٤.

стр. 300

المطلب الثالث: الأحكام المستفادة من هذه المسألة أولاً: "الدهر" ليس من أسماء الله: من فقه هذه القاعدة والأحكام التي تُؤخذ منها أن يعلم أن "الدهر" ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، وأسماء الله كما تقدم لنا كل واحد منها دل على "معنى" الذي نسميه الصفة. وكذلك فإن الدهر اسم للوقت والزَّمن، قال الله تعالى عن منكر البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١ يريدون مرور الليالي والأيام٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنازع المسلمون في تسمية الله "بالدهر"، ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ : "لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر، ولا يقولن أحدكم للعِنَبِ الكَرمَ، فإن الكَرمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ" ٣. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسولى الله ﷺ يقول: "قال الله : يسُّبُ ابن آدم الدهر، وأنا الدهر أُقَلِّبُ الليلَ

стр. 301

والنهار" ١، وفي رواية أخرى: "يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أُقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما" هذه ألفاظ مسلم٢. قال القاضي أبو يعلي في "إبطال الئأويلات"٣: "اعلم أن أبا بكبر الخلال قال: أخبرني بشر بن موسى الأسدي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الدهر فلم يجبني فيه بشيء". قال القاضي: "وظاهر هذا أن أحمد توقف عن الأخذ بظاهر الحديث". وقال حنبل: "سمعت هارون الحمَّال يقول لأبي عبد الله: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدثنا أن النبي ﷺ قال: "لاتَسُبوا الدهر" فقام فتح بن سهل فقال: يا أبا محمد، نقول: يا دهر ارزقنا؟، فسمعت سفيان يقول: خذوه، فإنه جهمي، وهرب. فقال أبو عبد الله: القوم يردُّون الآثار عن رسول الله ﷺ ونحن نؤمن بها، ولا نردُّ على رسول الله ﷺ قوله. قال القاضي: وظاهر هذا أنه أخذ بظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون قوله "ونحن نؤمن بها" راجع إلى أخبار الصفات في الجملة ولم يرجع إلى هذا الحديث بخاصَّةٍ. قال: وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن حامد هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أن يُسمَّى الله دهرا.

стр. 302

والأمر على ما قاله لأنه قد روي في بعض ألفاظ الحديث ما يمنع من حمله على ظاهره هذا، ولم يرد في غيره من أخبار الصفات ما دلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها، وذلك أنه روي فيه أنه: "يؤذيني ابن آدم، يَسُّبُ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّبُ الليل والنهار"، وفي لفظ آخر: "لي الليل والنهار، أجَدِّده وأُبْلِيهِ، وأَذْهّبُ بملوك وآتي بملوك" فتبين أن الدهر الذي هو الليل والنهار خلق له وبيده، وأنه يجدِّده ويبليه، فامتنع أن يكون اسما له. وأصل هذا الخبر أنه ورد على سبب، وهو أن الجاهلية كانت تقول: أصابني الدهر في ماليَ بكذا، ونالتني قوارع الدهر ومصائبه. فيضيفون كل حادث يحدث مما هو جار بقضاء الله وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أو حياة أو موت إلى الدهر ويقولون: لعن الله هذا الدهر والزمان؛ ولذلك قال قائلهم: أمِنَ المنون وريبه تتوجعُ والدهر ليس بمعتب من تجزع وقال تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ١ أي ريب الدهر وحوادثه، وقال : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٢ فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر، فقال النبي ﷺ : "لا تسُّبوا الدهر" أي إذا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بها لا الدهر، وإنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر٣.

стр. 303

ثانيا: الردُّ على من أنكر تضمُّن الأسماء الحسنى للصفات: من خلال ما تقدم إيراده من نقول وأدلة يعلم ضلال من نفى معاني أسمائه الحسنى وهم "المعتزلة" الذين ادعوا أنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسمَّاها باعتبار معنى قائم به. وقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة وهكذا وعلّلوا ذلك: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدُّد القدماء. وهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها، أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ الآيات ١٢-١٦ من سورة البروج. وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ الآيات ١-٥ من سورة الأعلى. وأما العقل، فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدد صفاته١. فبهذه القاعدة يعلم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد سبق إيراد الأدلة من القرآن والسنة على تضمن الأسماء الحسنى للصفات، فليرجع إليها. وإنه لمن المكابرة الصريحة والبهت البيِّن أن يجعل معنى اسمه "القدير"

стр. 304

هو معنى اسمه "السميع، أو "البصير". ثالثا: إن أسماء الله تعالى كلها من قبيل المحكم المعلوم المعنى، وليست من المتشابه كما يدَّعي بعض المبتدعة الذين يفوِّضون المعنى لهذه الأسماء بدعوى أنها من المتشابه، بل هي من المحكم لأن معانيها معروفة في لغة العرب وغير مجهولة، وإنما المجهول هو الكنه والكيفيَّة للصفات التي تضمنتها هذه الأسماء. (فالله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم؛ إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوُّع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات) ١. ودعوى أن نصوص الأسماء والصفات غير معلومة المعنى هي دعوى أهل التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلأ لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة ﴿كهيعص﴾ ٢، ﴿حم عسق﴾ ٣، ﴿المص﴾ ٤. فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها، ولم نعرف معناه، وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله، وظنَّ هؤلاء أن هذه طريقة

стр. 305

السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وأمثال ذلك من النصوص وبنوا هذا المذهب على أصلين. أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه. والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله. فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرأون ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤، و ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٥، ويروون "ينزل ربُّنا كل ليلة إلى سماء الدُّنيا" ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أُريد به، ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه"٦. ولا شك أن دعوى كون طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك- بمنزلة الأمِّيِّين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ ٧ - هي دعوى باطلة وفيها من القدح في الدِّين وفي حق الرسول ﷺ والطعن في السابقين الأولين واستجهالهم واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أمِّيِّين بمنزلة الصالحين من العامة، لم

стр. 306

يتبحَّروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهى١ وهذا القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بيَّن لعباده غاية البيان، وأمر رسوله ﷺ بالبيان، وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبيِّن للناس ولهذا قال الزهريُّ: "من الله البيان وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم" فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله، إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعا. ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى، فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرِّسالة. وبيان المعنى وحده بدون دليله، وهو اللفظ الدَّال عليه ممتنع. فعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى. والله تعالى أنزل كتابه- ألفاظه ومعانيه- وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بيَّن اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقن أنه بيَّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفط وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود؛ وكيف نتيقَّن بيانه للوسيلة ولا نتيقّن بيانه للمقصود؟ وهل هذا إلا من أبين المحال؟ ٢. ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والرَّيب، فثلجت

стр. 307

به الصدور واطمأنت به القلوب واستقرّ الإيمان في نصابه، ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل، الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ. ومن يطَّلع على كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعلم أنهم عرفوا معاني تلك النصوص وفهموها. رابعا: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعدّ تضمّنت ثلاثة أمور: أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله . الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله . الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها. وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين: أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله . الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله . مثال ذلك: أ- مثال للاسم الذي دل على وصف متعدٍّ: "السميع" ا- يتضمن إثبات "السميع" اسما لله تعالى. ٢- وإثبات "السمع" صفة له. ٣- وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنَّجوى كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . ب- مثال للاسم الذي دلَّ على وصف غير متعدٍّ: "الحيُّ": ا- يتضمن إثبات "الحيّ" اسما لله .

стр. 308

٢- إثباة "الحياة" صفة له. وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: "إن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر عنه فعلا ومصدرا نحو: "السميع"، "البصير"، "القدير" يُطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ١، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ٢ وهذا إذا كان الفعل متعديا. فإن كان لازما لم يُخبر عنه به، نحو "الحي" بل يُطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يُقال: "حيي""٣

стр. 309

المبحث الرابع: إحصاء أسماء الله الحسنى المطلب الأول: الحث على إحصاء أسماء الله والمقصود بذلك ... واعترض الحافظ ابن حجر على هذا الوجه فقال: "وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ "حفظها" تعيين السَّرد عن ظهر قلب، بل يُحتمل الحفظ المعنويُّ". وقال الأصيليُّ: "ليس المراد بالإحصاء عدَّها فقط؛ لأنه قد يعدُّها الفاجر، وإنما المراد العلم بها". وقال ابن بطال: "إن من حفظها عدا وأحصاها سردا ولم يعمل بها يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم"١. المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٢، أي: لن تطيقوه. وكقول النبي ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" ٣؛ أي: لن تطيقوا كل الاستقامة. فيكون معنى: "أحصاها" في الحديث: أي يطيقها، بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم؛ فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤. وإذا قال: "السميع البصير" علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى

стр. 310

المطلب الأول: الحثُّ على إحصاء أسماء الله والمقصود بذلك. أولا: الأدلة الواردة في الحث على إحصاء أسماء الله: ا- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ، والشاد هنا قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ووجه الاستشهاد: أن الدعاء هنا يتناول كلا من: أ- دعاء الثناء والتعبُّد: كقولك: الحمد لله، سبحان الله، الله أكبر. ب- دعاء المسألة والطلب: اللَّهمَّ ارزقني، ربي اغفر لي، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسئل إلا بها١، فهو سبحانه يدعو عباده في هذه الآية إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديَّتها؛ إذ كل اسم من أسمائه له تعبد مختص به، علما ومعرفة، وحالا. علما ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك: فهذه عبادة. وحالا: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولا خاصا وتأثيرا معينا في القلب والسُّلوك؛ فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره

стр. 311

وسلوكه١. ٢- قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما؛ مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" متفق عليه، وفي رواية: "من حفظها". الشاهد من الحديث: قوله: "من أحصاها"، "من حفظها". ثانيا: معاني الإحصاء: معنى قوله: "من أحصاها" قد ذكر فيه الخطابي٢ "أربعة أوجه"، وهي: المعنى الأول: العدُّ: كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ ٣، فيكون معنى "أحصاها" في الحديث: أنه يعدُّها ليستوفيها حفظا، فيدعو ربه بها. وقد استدل على صحة هذا التأويل بما ورد في رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، من حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" ٤. قال الخطابي عند هذا الوجه: "وهو أظهرها". وقالى النوويُّ: "قال البخاري وغيره من المحققين. معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصا في الخبر، وهو قول الأكثرين"٥. وقال ابن الجوزي: "لما ثبت في بعض طرق الحديث"من حفظها" بدل "من أحصاها" اخترنا أن المراد "العد"؛ أي: من عدَّها ليستوفيها حفظا".

стр. 312

واعترض الحافظ ابن حجر على هذا الوجه فقال: "وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ "حفظها" تعيين السَّرد عن ظهر قلب، بل يُحتمل الحفظ المعنويُّ". وقال الأصيليُّ: "ليس المراد بالإحصاء عدَّها فقط؛ لأنه قد يعدُّها الفاجر، وإنما المراد العلم بها". وقال ابن بطال: "إن من حفظها عدا وأحصاها سردا ولم يعمل بها يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم"١. المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٢، أي: لن تطيقوه. وكقول النبي ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا"٣؛ أي: لن تطيقوا كل الاستقامة. فيكون معنى: "أحصاها" في الحديث: أي يطيقها، بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم؛ فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤. وإذا قال: "السميع البصير" علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى

стр. 313

منه ومسمع؛ فيخافه في سرِّه وعلنِه، ويراقبه في كافة أحواله. فإذا قال: "الرَّزَّاق" اعتقد أنه المتكفِّل، برزقه، يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، ولا كافي، له سواه. وإذا قال: "المنتقم" استشعر الخوف من نقمته، واستجار به من سخطه. وإذا قال: "الضار النافع" اعتقد أن الضر والنفغ من قِبَل الله جلَّ وعزَّ لا شريك له، وأن أحدا من الخلق لا يجلب إليه خيرا ولا يصرف عنه شرا، وأن لا حول لأحد، ولا قوة إلا به. وكذلك إذا قال: "القابض الباسط"، و"الخافض الرافع"، و"المعز المذل" وعلى هذا سائر الأسماء١. وقال ابن حجر: "وقيل: معنى أحصاها: عمل بها، فإذا قال: "الحكيم" مثلا سلم جميع أوامره لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: "القدُّوس" استحضر كونه منزها عن جميع النقائص. وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل. وقال ابن بطال: "طريق العمل بها أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كـ"الرحيم"، و"الكريم" فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فليمرن نفسه على أن يصحَّ له الاتِّصاف بها. وما كان يختص به تعالى كـ"الجبَّار" و"العظيم" فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التَّحلِّي بصفة منها. وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطَّمع والرَّغبة. وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرَّهبة. فهذا معنى أحصاها وحفظها.

стр. 314

وقال أبو نُغيم الأصبهاني: "الإحصاء المذكور في الحديث ليست هو التعداد، وإنما هو العمل والتَّعقُل بمعاني الأسماء والإيمان بها"١. المعنى الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة. وهذا المعنى مأخوذ من الحصاة وهي: العقل. قال طرفة: وإن لسان المرء مالم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل٢ والعرب تقول: فلان ذو حصاة؛ أي ذو عقل ومعرفة بالأمور. فيكون معنى "أحصاها": أن من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة٣. قال أبو عمرو الطَّلمنكي: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ ، المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالما لمعاني الأسماء، ولا مستفيدا بذكرها وما تدلُّ عليه من المعاني"٤. المعنى الرابع: أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة٥.

стр. 315

قال الحافظ ابن حجر: "وقيل؛ المراد بالحفظ: حفظ القرآن لكونه مستوفيا لها، فمن تلاه دعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود. قال النووي: هذا ضعيف. وقيل: المراد من تتبَّعها من القرآن"١ والحق والصواب أن الإحصاء شامل لهذه الأمور جميعها، فلابد من الجمع بين الإحصاء النظري المتمثل في العلم بها وحفظها وحفظ النصوص الدالة عليها، والإحصاء الفقهيِّ المتمثل في فهم معانيها ومدلولاتها والإيمان بآثارها والإحصاء العملى الذي هو العمل بمقتضاها ودعاء الله بها. قال ابن بطال: "الإحصاء يقع بالقول، ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختصن بها كالأحد، والقدير، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها". وله أسماء يستحبُّ الاقتداء بها في معانيها، كالكريم والغفو، فيسحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ، فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها٢.

стр. 316

المطلب الثاني: مراتب الإحصاء: مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى ثلاثة: المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعدِّها؛ أي: "حفظها". المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . والدعاء هنا مرتبتان: إحداهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني: دعاء مسألة وطلب. فلا يُثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى. وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجودُ، أو يا شيء، أو يا ذاتُ اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، كأن يقول: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، يا توَّاب تُبْ عليَّ، فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية الرُّسُل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا١. فهذه مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السَّعادة ومدار النَّجاة والفلاح. وهذا الإحصاء لا يتحقق على الوجه الصحيح حتى يكون الإنسان متَّبعا لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من

стр. 317

المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات، وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه كليا أوجزئيا. ولذلك فلابد من مراعاة الأمور التالية عند الإيمان بأسماء الله الحسنى. أولا: الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة. ثانيا: الإيمان بما دل عليه كل اسم منها من المعنى، واحترام ذلك المعنى وعدم تحريفه. ثالثا: الإيمان بما يتعلَّق به من الآثار والحكم والمقتضى. وكمثال على ذلك: "السميع". اسم من أسماء الله الحسنى وردت به النصوص، فلابد للإيمان به وتحقيق إحصائه على الوجه المطلوب من: ١- إثبات اسم "السميع" اسما لله . ٢- إثبات ما دل عليه من المعنى الذي نسميه الصفة، فالله متصف بصفة السمع، وهذا الاسم دل على ذلك ٣- إثبات الحكم- أي الفعل- وهو أن الله يسمع السر والنَّجوى. وإثبات المقتضى والأثر المترتب على ذلك: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء منه، والالتجاء إليه، ودعاؤه ، فهو سبحانه يسمع السر والنَّجوى. وهكذا الشأن في جميع أسماء الله يجب أن تعامل هذه المعاملة ليتحقق إحصاء أسماء الله ودعاؤه بها كما أمر بذلك في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .

стр. 318

المطلب الثالث: ثمرات إحصاء أسماء الله الحسنى ا- من ثمرات الإحصاء ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه مدارج السالكين ١/ ٤١٧، حيث قال: "وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة، لها مقتضى وفعل؛ إما لازم وإما متعد، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه. وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها. ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسعمائه وأوصافه عن ذاته. وإذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكما ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه؛ ولهذا ينكر سبحانه على من عطله عن أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه وأن ذلك حكم سيِّءٌ ممَّن حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره، ولا عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ

стр. 319

يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١، وقال في حق من جوّز عليه التسوية بين المختلفين، كالأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢، فأخبر أن هذا حكم سيء لا يليق به تأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٣ عن هذا الظن والحسبان، الذي تأباه أسماؤه وصفاته. ونظائر هذا في القرآن كثيرة، ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته؛ إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها. فاسمه "الحميد، المجيد" يمنع ترك. الإنسان سدىً مهملاً معطلاً، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يثاب ولا يُعاقب. وكذلك، اسمه "الحكيم" يأبى ذلك. وكذلك اسمه "الملك" واسمه "الحي، المجيدُ" يمنع ترك الإنسان شدىً مهملاً معطلاً، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يُعاقب، وكذلك اسمه "الحكيم " يأبى ذلك. وكذلك اسمه "الملك" واسمه "الحيُّ" يمنع أن يكون معطلا من الفعل؛ بل حقيقة "الحياة" الفعل، فكل حي فعالٌ وكونه سبحانه "خالقا قيوما" من موجبات حياته ومقتضياتها " واسمه "السميع البصير" يوجب مسموعا ومرئيا. واسمه "الخالق" يقتضي مخلوقا، وكذلك "الرَّازق". واسمه "الملك" يقتضي مملكة وتصرُّفا وتدبيرا، وإعطاء ومنعا، وإحسانا

стр. 320

وعدلا، وثوابا وعقابا. واسمه " البَرُّ، المحسنُ، المعطي، المنان" ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها إذا عرف هذا، فمن أسمائه سبحانه "الغفار، التواب، العفوُّ)) ، فلابد لهذه الأسماء من متعلِّقات، ولابد من جناية تُغتفر، وتوبة تقبل، وجرائم يُعفى عنها. ولابد لاسمه "الحكيم" من متعلق يظهر فيه حكمه، إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم "الخالق، الرزاق، المعطي، المانع" للمخلوق والمرزوق والمعطَى والممنوع، وهذه الأسماء كلُّها حسنى. والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال. وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه، ويتوب عليه ويسامحه: من موجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك. وما يحمد به نفسه ويحمده به أهل سمواته، وأهل أرضه، ما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده، وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما. ومن آثارهما: مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق، والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها. فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: فمغفرتك عن كمال
следующие страницы →