وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة أو ليرحلن/١ عن هذه الدار ففعل، فهل له العود إليها؟، على روايتين٢، قيل: يحنث بالعود لأن ظاهر حاله قصد هجران ما حلف عليه.
والذي عليه العمل٣ عدم الحنث لأن يمينه على الخروج وقد خرج فانحلت يمينه إلا أن تكون له نية أو سبب يقتضي هجران ما حلف عليه٤.
وإن حلف لا يسكن مع فلان أو لا يساكن فلانا وهو ساكن أو مساكن له، فأقام فوق زمن يمكنه الخروج فيه عادة نهارا بنفسه وأهله ومتاعه المقصود حنث٥، وكذا لو بنى بينه وبين فلان حاجزا وهما متساكنان حنث لتساكنهما قبل انتهاء بناء الحاجز٦، لا إن٧ أودع متاعه أو أعاره أو ملكه لغيره بلا حيلة، أو أكره على المقام، أو لم يجد مسكنا، أو ما ينقل متاعه به، أو أبت زوجته الخروج معه ولا يمكنه إجبارها ولا النقلة بدونها مع نية النقلة إذا قدر عليها، أو أمكنته٨ بدون زوجته فخرج وحده/٩ أو كان في الدار حجرتان لكل حجرة باب ومرحاض فسكن كل واحد حجرة ولا نية ولا سبب يقتضي منعه من ذلك لم يحنث١٠.
стр. 107
قال الشيخ١: "والزيارة ليست سكنى اتفاقا ولو طالت مدتها".
وإن حلف لا ساكنت فلانا في هذه الدار وهما غير متساكنين فبينا/٢ بينهما حائطا، وفتح كل منهما بابا لنفسه وسكناها لم يحنث٣.
وليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله بر٤، وإن حلف لا يدخل دارا فحمل بغير أمره فأدخلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث٥، وذكر أبو الخطاب عدم الحنث٦ وهو الصحيح من مذهب الحنفية ٧ وإن لم يمكنه الامتناع لم يحنث، قال الشارح٨: "لا نعلم فيه خلافا".
وإن أكره بضرب ونحوه فدخل لم يحنث٩ أيضا خلافا لبعض الحنفية١٠.
وإن حلف لا يستخدمه فخدمه وهو ساكت، فقال القاضي١١: "إن كان عبده حنث وإن كان١٢ عبد غيره لم يحنث".
стр. 108
وهو قول أبي حنيفة١.
والذي عليه العمل في الحالين الحنث٢؛ لأن إقراره على الخدمة استخدام٣.
وقال الشافعي٤: لا يحنث في الحالين لأنه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غيره كسائر الأفعال.
ومن دعي لغذاء فحلف لا يتغذى لم يحنث بغذاء غيره إن قصده٥، وقاس عليه الحنفية فقالوا٦: وإن قال لمن أرادت الخروج أو ضرب العبد: إن خرجت/٧ أو ضربت العبد فأنت طالق، يقيد الحلف بذلك الخروج أو الضرب، فإن مكثت ساعة ثم خرجت أو ضربت العبد لم يحنث عند أبي حنيفة ﵀ وهي من مفرداته، وتسمى: يمين الفور٨، وعللوها: بأن
стр. 109
مراد المتكلم الرد عن تلك الخرجة والضربة عرفا، ومبنى الأيمان على العرف١.
وقال زفر٢ ومالك٣ والشافعي٤ وأحمد٥: يحنث لأنه علق الطلاق على شرط وقد وجد، وقياسها على مسألة الغذاء فيه نظر.
تتمة:
قال في الفنون٦ فيمن قال: "أنت طالق ثلاثا إن دخلت علي البيت، ولا كنت لي زوجة إن لم تكتبي لي نصف مالك، فكتبت له بعد ستة عشر يوما يقع الثلاث؛ لأنه يقع باستدامة المقام فكذا استدامة الزوجية". انتهى، واقتصر عليه في المبدع٧.
стр. 110
جامع الأيمان
مدخل
...
((باب جامع الأيمان))
يرجع في الأيمان كلها إلى نية الحالف إن كان غير ظالم بيمينه أو نيته١، فتقدم نية/٢ على عموم لفظ٣، وعلى سبب يمين وما هيجها إن٤ احتملها لفظ الحالف٥، كنيته بالسقف وبالبناء: السماء، وبالفراش وبالبساط: الأرض، وباللباس: الليل، وبنسائي طوالق: أقاربه النساء، وبجواري أحرار: سفنه، وبما أعلمته: ما جعلته أعلم٦، وبما سألته حاجة ما سألته شجرة صغيرة٧، وبما أكلت لحما أو فاكهة: لحما بعينه أو فاكهة بعينها٨، وما رأيته: ما ضربت رئته، وما ذكرته: ما قطعت ذكره ونحو ذلك٩، فمن نوى بيمينه شيئا من ذلك اختصت يمينه بما نواه، وقبل منه حكما دعوى إرادة
стр. 111
ما ذكره مع قرب احتمال ما نواه من ظاهر لفظه١، ومع توسطه٢.٣
وبه قال مالك ٤، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... ﴾ ٥ فالناس الأول: أريد به نعيم بن مسعود، والناس الثاني: أبو سفيان وأصحابه٦.
ولقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٧ ولم تدمر السماء ولا الأرض ولا مساكنهم ٨.
ولقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٩، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ١٠، ﴿فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ ١١، القطمير١٢: لفافة النواة،
стр. 112
والفتيل١: ما في شقها، والنقير٢: النقرة التي في ظهرها، ولم يرد ذلك بعينه، بل كل شيء٣.
ولحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى" ٤.
وأما ما٥ لا يحتمله/٦ اللفظ أصلان كما لو حلف لا يأكل خبزا، وقال: أردت لا أدخل بيتا، فلا أثر له لأنها نية مجردة لا يحتملها لفظه أشبه ما لو نوى بغير يمين٧.
وإن بعد الاحتمال دين ولم يقبل منه حكما٨.
وقال أبو حنيفة٩ والشافعي١٠: لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه، لأن الحنث مخالفة/١١ ما عقد عليه اليمين، واليمين لفظه، فلو أحنثناه
стр. 113
على سواه لأحنثناه على ما نوى، لا على ما حلف، ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا حنث بمخالفتها.
ولنا١ وللمالكية٢ ما تقدم من الأدلة.
جواز التعريض
وتجوز التعريض في المخاطبة لغير ظالم ولو بلا حاجة، كمن سئل عن شخص فقال: ما هو هنا مشيرا على نحو كفه٣.
وقيل لا يجوز٤، اختاره الشيخ٥، لأنه تدليس كتدليس البيع٦.
стр. 114
فصل: إن عدمت النية
...
(فصل)
وإن عدمت النية بأن لم ينو الحالف شيئا رجع إلى سبب يمين وما هيجها لدلالتها على النية١.
стр. 115
فلو حلف ليقضينه حقه١ غدا فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد عدم تجاوزه٢ وبه قال أبو حنيفة٣ ومحمد٤ وأبو ثور٥/٦
وقال الشافعي٧: يحنث إذا قضاه قبل؛ لأنه نرك فعل ما حلف عليه مختارا.
ولأقضينه، أو لا قضيته غدا، وقصد مطله فقضاه قبله حنث٨.
ولا يبيعه إلا بمائة لم يحنث إلا إذا باعه بأقل، ولا إن باعه٩ بأكثر١٠، ومقتضى مذهب الشافعي أنه يحنث إذا باعه بأكثر لمخالفته اللفظ١١.
ولا يبيعه بها حنث بها وبأقل١٢.
وقال الشافعي١٣: لا يحنث إذا باعه بأقل لأنه لم يتناوله يمينه.
وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها قطعا لمنتها١٤، فباعه واشترى بثمنه ثوبا
стр. 116
ولبسه وانتفع بثمنه حنث١.
فإن فعل شيئا لها فيه منة عليه سوى الانتفاع بالثوب أو بعوضه أو بالغزل وثمنه مثل: إن سكن دارها، وأكل طعامها، ولبس ثوبا غير المحلوف عليه لم يحنث؛ لأن المحلوف عليه هو الثوب فتعلقت يمينه به، أو بما حصل به ولم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به٢.
وإن حلف لا يأوي معها في دار سماها، فإن كان للدار أثر في يمينه مثل: إن كان يكره سكناها، أو خوصم من أجلها، أو امتن عليه بها لم يحنث بالإيواء معها في غيرها٣، وإن قصد باليمين جفاءها فأوى في غيرها حنث٤. وأقل الإيواء ساعة٥.
وإن حلف لا يأوي/٦ معها في هذا العيد حنث بدخوله قبل صلاة العيد لا بعدها لانقضائه بصلاته٧، لقول ابن عباس رضي الله عنها٨: "حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا حتى يفرغوا من عيدهم" أي من صلاتهم.
وإن قال: لا أويت معها أيام العيد أخذ بالعرف، فيحنث بدخوله معها في يوم يعد من أيام العيد عرفا في كل بلد بحسبه٩.
стр. 117
وإن قال لها: والله لا تركت هذا الصبي ونحوه يخرج، فأفلت فخرج، أو قامت١ تصلي، أو لحاجة فخرج، فإن نوى أن لا يخرج حنث، وإن نوى أن لا تدعه يخرج فلا حنث، والسبب كالنية فيهما، وإن عدمت النية والسبب فلا حنث أيضا٢.
стр. 118
فصل: العبرة بخصوص السبب
...
(فصل)
والعبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ١، فمن حلف "لا يدخل بلدا" لظلم فيها ٢فزال، أو لوال: "لا رأى منكرا إلا رفعه إليه" فعزل، أو على زوجته فطلقها، أو على رقيقه فأعتقه لم يحنث بالمخالفة لما حلف عليه بعد، ولو لم يرد "ما دام الأمر كذلك"؛ لأن السبب يدل على٣ النية في الخصوص
стр. 119
كدلالتها/١ في العموم٢.
وقال ابن نصر الله٣: "والمذهب عود الصفة فيحمل - يعني انحلال اليمين – على إن٤ نوى تلك الولاية وذلك النكاح والملك"٥. انتهى. قاله في الإقناع٦.
أي: فلو عاد الظلم فدخل، أو عاد الوالي لولايته فرأى منكرا ولم يرفعه إليه، أو عادت المرأة لنكاحه، أو الرقيق لملكه، وفعل ما كان حلف لا يفعله حنث لعود الصفة، وهو الذي عليه العمل٧.
وفصل الحنفية في الإشارة وعدمها، قال في الكنز وشرحه٨:
"حلف لا يأكل طعام فلان، أو لا يدخل داره، أو لا يلبس ثوبه، أو لا يركب/٩
стр. 120
دابته، أو لا يكلم عبده، إن أشار إلى المضاف بأن قال: لا يأكل طعام فلان هذا١، أو لا يدخل داره هذه، أو لا يركب دابته هذه، أو لا يكلم عبده هذا، وزال ملك المضاف إليه وهو فلان عن هذه الأشياء، وفعل الحالف المحلوف عليه لا يحنث خلافا لمحمد وزفر، كما لا يحنث إن تجدد الملك في هذه الأشياء إجماعا، بأن اشترى فلان طعاما، أو دارا، أو ثوبا، أو عبدا آخر، وإن لم يشر إلى المضاف بأن قال: لا يأكل طعام فلان ... إلخ، ولم يقل٢ هذا لا يحنث بعد الزوال، وحنث بالمتجدد، وفي الصديق والزوجة حنث في المشار/٣ بعد الزوال إجماعا، وفي غير المشار لا، خلافا لمحمد، وحنث بالمتجدد، ولا يدخل (دارا) منكرا لا يحنث بدخولها خربة، و (هذه الدار) فدخلها بعدما انهدمت وصارت صحراء حنث، وإن بنيت دار أخرى بعد الانهدام، وإن جعلت بستانا أو مسجدا أو حماما، أو بيتا لا يحنث كهذا البيت فهدم فصار صحراء لم يحنث، حتى لو بقيت الحيطان وسقط السقف يحنث لأنه يبات فيه". انتهى ملخصا.
وإن رأى المنكر أي إذا حلف لوال لا رأى منكرا إلا رفعه إليه٤ في ولايته، وأمكن رفعه إليه ولم يرفعه حتى عزل حنث بعزله في الأصح، ولو رفعه إليه بعد٥.
وإن مات الوالي قبل إمكان رفعه إليه حنث لفوات الرفع كما لو حلف ليضربن عبده
стр. 121
غدا فمات اليوم١، خلافا للحنفية٢.
قال في الكنز وشرحه٣: "إن كلمته إلا أن يقدم زيد، أو حتى، أو إلا أن يأذن، أو حتى يأذن فامرأته طالق ٤ مثلا، فكلم قبل قدومه أو إذنه حنث، وبعدهما٥ لا، وإن٦ مات زيد سقط الحلف". انتهى.
ولا يأكل تمرا لحلاوته حنث بكل حلو٧/٨ بخلاف أعتق عبدي لأنه أسود أو لسواده، فلا يتجاوزه بالعتق، ولا يعطي فلانا إبرة يريد عدم تعديه، فأعطاه سكينا حنث، ولا يكلم زيدا لشربه الخمر، فكلمه وقد تركه لم يحنث، ولا يقبل تعليل بكذب: فمن قال لقنه وهو أكبر منه: "أنت حر لأنك ابني" أو لامرأته وهي أصغر منه: "أنت طالق لأنك جدتي"، وقعا٩.
стр. 122
فصل: إذا عدمت النية والسبب رجع إلى التعيين
...
(فصل)
فإن عدم النية، وسبب اليمين وما هيجها رجع إلى التعيين١وهو الإشارة٢، فمن حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد باعها أو وهي٣ فضاء أو مسجد أو حمام أو "لا لبست هذا القميص" فلبسه: وهو رداء أو عمامة أو سراويل، أو "لا كلمت هذا الصبي" فصار شيخا، أو "امرأة فلان هذه أو عبده أو صديقه هذا" فزال ذلك، ثم كلمهم حنث٤.
وبه قال مالك٥، والشافعي٦.
ولا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا، أو هذا الرطب فصار تمرا أو دبسا أو خلا، أو هذا اللبن فصار جبنا، ولا آكل هذه الحنطة فصارت دقيقا أو سويقا أو هريسة أو خبزا، ولا أكلت هذا العجين فصار خبزا، ثم أكله ولا نية ولا سبب بخص الحالة الأولى حنث لبقاء عين المحلوف عليه٧/٨.
стр. 123
قال الشارح١: "وللشافعي في الرطب إذا صار تمرا، والصبي إذا صار شيخا، والحمل إذا صار كبشا وجهان٢ وقال في سائر الصور لا يحنث – أي عند الشافعي- لأن اسم المحلوف٣ وصورته زالت فلم يحنث، كما لو حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا". انتهى.
وإن قال: والله لا دخلت دار فلان، ولم يقل: هذه، أو لا آكل هذا التمر الحديث، فعتق، أو لا كلمت هذا الرجل الصحيح فمرض، أو لا أدخل هذه السفينة٤ فنقضت ثم عادت فدخلها، أو لا أكلت هذه البيضة٥ فصارت فرخا فأكله، أو لا أكلم صاحب هذا الطيلسان فكلمه بعد بيعه حنث في الجميع٦.
وتقدم تفصيل/٧ الحنفية في الإشارة وعدمها في الفصل قبله٨.
стр. 124
فصل: إذا عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الإسم
...
(فصل)
فإن عدم النية وسبب اليمين وما هيجها والتعيين١ رجع في اليمين إلى
стр. 125
ما يتناوله الاسم١.
ويقدم شرعي فعرفي فلغوي٢.
فإن لم تختلف بأن لم يكن له إلا مسمى واحد كسماء، وأرض، ورجل، وإنسان ونحوها/٣ انصرف إلى مسماه بلا خلاف٤.
فالشرعي: ماله موضوع شرعا وموضوع لغة: كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو لك٥.
فاليمين المطلقة تنصرف إلى الموضوع الشرعي، وتتناول الصحيح منه، بخلاف الفاسد؛ لأنه ممنوع شرعا، فمن حلف لا ينكح، أو لا يبيع، أو لا يشتري- والشركة والتولية والسلم والصلح على مال شراء – فعقد عقدا فاسدا من بيع أو نكاح أو شراء لم يحنث٦.
وبه قال الشافعي٧.
стр. 126
وقال أبو حنيفة١: إذا قال لعبده: إن زوجتك، أو بعتك فأنت حر، فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق، وإن باعه بيعا فاسدا يملك به حنث؛ لأن البيع الفاسد عنده يثبت به الملك إذا اتصل به القبض.
وإن حلف لا يحج فحج حجا فاسدا حنث لوجوب المضي في فاسده، وكونه كالصحيح فيما يحل ويحرم٢.
ولوقيد حالف يمينه بممتنع الصحة كلا يبيع الخمر أو الحر٣، أو قال لامرأته: إن طلقت فلانة الأجنبية، أو إن سرقت مني شيئا وبعتيه فأنت طالق ففعلت بأن سرقت منه شيئا فباعته/٤ أو فعل بأن باع الخمر أو الحر، أو قال لأجنبية أنت طالقن حنث بصورة ذلك لتعذر الصحيح فتصرف اليمين إلى ما كان على صورته٥ خلافا لقاضي في الأخيرة٦، وعلل ذلك بأن البيع الشرعي لم يوجد، والأول أولى؛ لأن صورة البيع وجدت٧.
ومن حلف: "لا يحج ولا يعتمر" حنث بإحرام أو بها٨، و"لا يصوم"
стр. 127
بشروع صحيح في الصوم، فإن مات أو بطل الصوم فلا حنث١، وإن كان حال حلفه صائما فاستدامه حنث٢، ومن حلف لا يصلي حنث بالتكبير ولو على جنازة٣، وعند الحنفية لا يحنث إلا بركعة٤، لا من حلف "لا يصوم صوما" حتى يصوم يوما، أو "لا يصلي صلاة" حتى يفرغ مما يقع عليه اسمها٥.
وقال الحنفية٦: بشفع.
ومن حلف لا يبيع أو لا يؤجر أو لا يزوج فلانا فأوجب ذلك ولم يقبل فلان لم٧ يحنث٨، قال الشارح٩: "لا نعلم فيه خلافا".
стр. 128
وإن حلف:"لا يهب زيدا شيئا" أو "لا يوصي له" أو "لا يتصدق عليه" ففعل، ولم يقبل زيد حنث١.
وبه قال أبو حنيفة٢، خلافا للشافعي٣.
و"لا يهبه" فأهدى إليه أو باعه وحاباه، أو وقف أو تصدق عليه صدقة تطوع حنث٤.
وهو مذهب الشافعي في صدقة التطوع٥/٦.
وقال أبو الخطاب٧: لا يحنث فيها.
وهو قول أصحاب الرأي٨؛ لأنهما يختلفان اسما وحكما بدليل قوله ﷺ : "هو عليها صدقة ولنا هدية" ٩. وكانت الصدقة محرمة عليه، والهدية
стр. 129
حلال له، ذكر معنى ذلك في الشرح الكبير١.
ولا يحنث إن كانت الصدقة واجبة٢، أو من نذر، أو كفارة، أو ضيفه٣ الواجب، أو أبرأه من دين له عليه أو أعاره٤ -خلافا لأبي الخطاب فيها فقط٥ - أو أوصى له أو حلف لا يتصدق عليه فوهبه، أو حلف لا تصدق فأطعم عياله٦.
وإن نذر أن يهب لفلان شيئا بر بإيجاب الهبة له كما لو حلف ليهبن له فأوجب الهبة له٧.
стр. 130
وكالظعينة١: حقيقة في الناقة يظعن عليها، وعرفا: المرأة/٢ في الهودج٣. وكالدابة٤: حقيقة ما دب ودرج، وعرفا: الخيل والبغال والحمير.
وكالغائط٥: حقيقة المكان المطمئن من الأرض، وعرفا: الخارج المستقذر.
وكالعذرة٦: حقيقة فناء/٧ الدار، وعرفا: الغائط، ونحو ذلك، فيتعلق اليمين فيه بالعرف دون الحقيقة٨.
فمن حلف لا يأكل عيشا – لغة الحياة -٩ حنث بأكل خبز، ولا يطأ امرأته أو أمته حنث بجماعها١٠، ولا يتسرى بوطء أمته مطلقا١١؛ لأن التسري مأخوذ من السر وهو الوطء١٢، قال تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا﴾ ١٣ أي وطئا١٤.
стр. 131
ومن حلف لا يدخل بيتا حنث بركوب سفينة، ودخول مسجد وحمام وبيت شعر وخيمة١.
وقال الشافعية٢: لا يحنث بدخول مسجد وحمام وكنيسة وغار جبل؛ لأنه لا يقع عليه اسم البيت إلا بتقييد كما يقال: الكعبة بيت الله والبيت الحرام.
ولا يحنث٣ بدخول صفة ودهليز٤، وفاقا للشافعية٥ والحنفية٦.
وإن حلف لا يشم الريحان حنث بشم ورد وبنفسج وياسمين ونسرين ونحوه من كل زهر طيب الرائحة٧، خلافا للحنفية٨.
وقال القاضي٩: تختص يمينه بالريحان الفارسي، وقدمه في المقنع١٠، وجزم به في الوجيز١١.
وهو مذهب الشافعي١٢.
стр. 132
ومن حلف١ لا يشم وردا أو بنفسجا، فشم دهنهما أو ماء الورد، فقال القاضي٢: لا يحنث. وهو مذهب الشافعي٣
وقال أبو حنيفة٤: يحنث بشم دهن البنفسج لأنه يسمى بنفسجا لا بشم ماء٥ الورد.
وإن شم ذلك يابسا حنث٦، خلافا لبعض الشافعية٧.
ومن/٨ حلف لا يشم طيبا فشم نبتا ريحه طيب كالخزامى، أو حلف لا يذوق شيئا فازدرده٩ ولو لم يدرك مذاقه حنث١٠.
تتمة: قال ابن هشام١١ في المغني١٢ في (أل) الجنسية: "والله لا أتزوج النساء، ولا ألبس الثياب يقع بالواحدة منها".
стр. 133
فصل: المسمى العرفي
...
(فصل)
والعرفي: ما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته كالراوية١: حقيقة في الجمل يستقى عليه، وعرفا المزادة٢.
стр. 134
فصل: المسمى اللغوي
...
(فصل)
واللغوي١: ما لم يغلب مجازه على حقيقته.
فمن حلف لا يأكل لحما حنث بأكل لحم يحرم كخنزير، وغير مأكول فيقول عامة علماء الأمصار٢، قاله٣ الشرح٤
وأما السمك فظاهر المذهب: أنه بحنث بأكله٥.
وبه قال مالك٦،وأبو يوسف٧.
وعند أبي حنيفة٨، والشافعي٩: لا يحنث؛ لأنه لا ينصرف إليه اطلاق اسم اللحم.
ولا يحنث بأكل مخ/١٠ وكبد وكلية وشحمها، وطحال، وكرش ومصران وقلب،
стр. 135
وألية، ودماغ وقانصة١، وشحم٢، خلافا لمالك٣ في الجميع، ولبعض أصحاب الشافعي في الألية وشحم الظهر٤، ولأبي حنيفة في الكرش والكبد٥.
وكذا لا يحنث بأكل كارع٦، ولحم رأس٧، ولسان ونحوه٨، ومرق لحم على الصحيح٩ وهو الذي عليه العمل١٠، خلافا للشافعية في لحم الرأس واللسان١١.
ومن حلف لا يأكل شحما فأكل شحم الظهر أو الجنب أو السنام حنث لأن الشحم ما يذوب من الحيوان بالنار١٢ وقد سمى الله تعالى
стр. 136
ما على الظهر شحما١ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ... ﴾ ٢ الآية. والاستثناء معيار العموم٣. وبهذا قال أبو يوسف ومحمد٤.
وقال القاضي٥: "الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى وغيره.
وإن أكل من كل شيء من الشاة من لحمها الأحمر والأبيض والألية والكبد والطحال والقلب، فقال شيخنا٦ -يعني ابن حامد-٧: لا يحنث لأن اسم الشحم لا يقع عليه٨ وهو قول أبي حنيفة٩، والشافعي١٠". انتهى.
стр. 137
وإن حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن صيد أو آدمية حليبا كان أو رائبا حنث١لا إن أكل زبدا أو سمنا٢ أو كشكا٣ أو مصلا٤ أو جبنا أو أقطا ونحوه مما يعمل من اللبن٥. ولا يأكل زبدا أو لا يأكل٦ سمنا فأكل الآخر ولم يظهر فيه طعمه٧ أو لا يأكلهما فأكل لبنا لم يحنث٨، خلافا لبعض أصحاب الشافعي٩.
ولا يأكل رأسا ولا بيضا، حنث بأكل رأس طير وسمك وجراد١٠ وبيض ذلك١١ خلافا لأبي الخطاب١٢.
стр. 138
وقال الشافعي١: لا يحنث إلا بأكل رؤوس بهيمة الأنعام/٢.
وقال أبو حنيفة٣: لا يحنث بأكل رؤوس الإبل.
وقال صاحباه٤: لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم٥.
وإن حلف لا يأكل فاكهة/٦ حنث بأكل بطيخ وكل ثمر شجر غير بري كبلح وعنب ورمان وتفاح وكمثرى وخوخ ومشمش وسفرجل وتوت وتين وموز وأترج وجميز٧، ولو كان يابسا كصنوبر وعناب وجوز ولوز وبندق وفستق وتمر وتوت/٨ وزبيب ومشمش وإجاص٩ ونحوها لأن يبسها لا يخرجها عن كونها فاكهة١٠.
وبهذا قال الشافعي١١، وأبو يوسف، ومحمد١٢.
стр. 139
وقال أبو حنيفة١، وأبو ثور٢: لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان، لقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ٣ والمعطوف يخالف المعطوف عليه٤.
وكذلك لا يحنث بأكل العنب عند أبي حنيفة٥.
ولنا٦: أن العطف للتشريف كعطف جبريل وميكال٧ على الملائكة وهما منهم. وفي اليابس احتمال: أنه ليس من الفاكهة٨، أي: فلا حنث بأكله كما قاله الشارح٩.
وهو قول في مذهب الشافعي١٠.
ولا يحنث بأكل قثاء، وخيار، وزيتون، وبلوط١١، وبطم١٢،
стр. 140
وزعرور١ أحمر٢،وآس٣ وسائر ثمر شجر بري لا يستطاب كالقيقب٤ والعفص٥ بخلاف الخروب٦، ولا بأكل قرع وباذنجان، ولا بأكل ما يكون بالأرض كجزر ولفت وفجل وقلقاس٧ وكمأة ونحوه٨.
ومن حلف لا يأكل رطبا أو بسرا فأكل مذنبا٩ أو منصفا حنث١٠.
стр. 141
وبه قال أبو حنيفة١ ومحمد٢ والشافعي٣.
وقال بعض أصحاب الشافعي٤: لا يحنث لأنه لا يسمى رطبا ولا تمرا٥.
ولا يحنث إن حلف لا يأكل رطبا أو بسرا بأكل الآخر، ولا يأكل تمرا فأكل رطبا أو بسرا أو دبسا أو ناطفا٦ معمولين من التمر لم يحنث٧، قال الشارح٨: "لا نعلم خلافا".
وإن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل بيض وشواء وجبن وملح وتمر وزيتون ولبن وخل وكل مصطبغ به كالمرق والخل والزيت والشيرج٩ والسمن والحليب١٠.
وبهذا قال الشافعي١١، وأبو ثور١٢.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف١٣: ما لا يصطبغ به فليس بأدم لأنه
ولا ببلع ذوب سكر في فيه، بحلفه: "لا يأكل سكرا١" ولا يأكل مائعا فأكله بخبز٢،أو: "لا يشرب من النهر أو البئر" فاغترف بإناء وشرب حنث٣،لا: إن٤ حلف: "لا يشرب من الكوز"، فصب منه في إناء وشربه٥.
وفي التنوير٦: "لا يشرب من دجلة فعلى الكرع، بخلاف من ماء دجلة، وفيما لا يتأتى به الكرع كالبئر والجب يحنث بالشرب بالإناء مطلقا، ولو تكلف الكرع فيما لا يتأتى فيه ذلك لا يحنث٧"
ولا "يأكل من هذه الشجرة "، حنث بثمرتها فقط، ولو لقطها من تحتها٨.
стр. 144
فصل: الحلف على لبس شيء
...
(فصل)
ومن حلف/١ "لا يلبس شيئا" فلبس ثوبا أو درعا أو جوشنا٢ أو قلنسوة٣ أو عمامة أو خفا أو نعلا حنث٤، خلافا لبعض أصحاب الشافعي في الخف والنعل٥.
ولا يلبس ثوبا حنث كيف لبسه، ولو تعمم به أو ارتدى بسروايل أو اتزر بقميص لا بطيه وتركه على رأسه، ولا بنومه عليه٦ أو تدثره٧ به٨، ولا بإدخال يده في الخف أو النعل٩، ولا بلبس القلنسوة في رجله١٠.
ولا يلبس قميصا فارتدى به حنث١١، لا إن اتزر به١٢، ولا يلبس حليا
стр. 145
فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر١، أو لبس منطقة٢ محلاة٣ أو خاتما من ذهب أو فضة أو دراهم، أو دنانير/٤ في مرسلة٥ حنث٦.
وقال الشافعي٧: لا يحنث بلبس الخاتم في غير الخنصر؛ لأن اليمين تقتضي لبسا معتادا وليس هذا معتادا.
ولا يحنث٨ إن لبس عقيقا أو سبجا٩ أو حريرا أو درعا، أو خرز زجاج١٠.
ومن حلف لا يدخل دار فلان أو لا يركب دابته أو لا يلبس ثوبه حنث بما جعله لعبده وبما آجره أو استأجره١١، لا بما استعاره١٢.