وقال الشارح١: "وقال أكثر الفقهاء ليس بكناية ولا يقع به طلاق وإن نوى لأن هذا لا يؤدي معنى الطلاق، ولا هو سبب له، ولا حكم فيه، فلم يصح التعبير به عنه كما لو قال: غفر الله لك" انتهى.
وإن قال: "أنت طالق لا شيء، أو ليس بشيء، أو لا يلزمك، أو طلقة لا تقع عليك، أو لا ينقص بها عدد الطلاق" طلقت٢. قال الشارح٣: "لا نعلم فيه مخالفا".
وإن قال: "أنت طالق أولا"، أو "أنت طالق واحدة أولا" لم تطلق٤، خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف٥.
ومن كتب صريح طلاق امرأته بما يبين: وقع وإن لم ينوه لأن الكتابة صريحة فيه٦.
فلو قال: لم أرد إلا تجويد خطي، أو غم أهلي، قبل على الصحيح٧؛ لأنه أعلم بنيته وقد نوى محتملا٨.
стр. 212
قال الشارح١: "وإن لم ينو شيئا فقال أبو الخطاب٢: قد خرجها القاضي الشريف٣ في (الإرشاد) على روايتين٤:
إحداهما: يقع، وهو قول الشعبي، والنخعي، والزهري٥.
والثانية: لا يقع إلا بنية، وهو قول أبي حنيفة٦، ومالك٧، ومنصوص الشافعي٨" انتهى.
وإن كتبه بشيء لا يبين مثل: أن كتبه بأصبعه على وسادة أو في الهواء لم يقع٩،
стр. 213
خلافا للشعبي١، وتبعه أبو حفص٢ العكبري٣.
ولا يقع الطلاق بغير لفظ إلا في موضعين٤:
أحدهما: إذا كتب الطلاق ونواه.
والثاني: من لا يقدر على الكلام كالأخرس إذا طلق بالإشارة طلقت زوجته. وبهذا قال مالك٥ والشافعي٦ وأصحاب الرأي٧، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم٨ قاله في الشرح الكبير٩.
ويقع الطلاق ممن لم/١٠ تبلغه الدعوة إلى الإسلام لعدم المانع١١.
стр. 214
وصريح الطلاق بلسان العجم: "بهشتم" -بكسر الباء الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة فوق- فإذا قاله من يعرف معناه وقع ما نواه من طلقة أو أكثر بلا خلاف، فإن زاد: "بسيار" فثلاث، وإن قال: "بهشتم" عربي لا يعرف معناه، أو نطق به عجمي بلفظ/ الطلاق ولا يفهمه لم يقع وإن نوى موجبه.
وأطلق في "المنتهى" فقال: "وإن أتى به –أي ببهشتم- أو بصريح الطلاق من لا يعرف معناه لم يقع، ولو نوى موجبه" انتهى.
стр. 215
فصل: كنايات الطلاق
...
وصريح الطلاق بلسان العجم: "بهشتم" -بكسر الباء الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة فوق- فإذا قاله من يعرف معناه وقع ما نواه من طلقة أو أكثر بلا خلاف، فإن زاد: "بسيار" فثلاث، وإن قال: "بهشتم" عربي لا يعرف معناه، أو نطق به عجمي بلفظ/ الطلاق ولا يفهمه لم يقع وإن نوى موجبه.
وأطلق في "المنتهى" فقال: "وإن أتى به –أي ببهشتم- أو بصريح الطلاق من لا يعرف معناه لم يقع، ولو نوى موجبه" انتهى.
стр. 216
((فصل))
وكنايات الطلاق نوعان: ظاهرة، وهي خمس عشرة١: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وحبلك على غاربك، وتزوجي من شئت، وحللت للأزواج، ولا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك، وأعتقتك، وغط شعرك، وتقنعي.
وخفية وهي عشرون٢: اخرجي، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وخليتك، وأنت مخلاة، وأنت واحدة، ولست لي بامرأة، واعتدي، واستبرئي، واعتزلي، والحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، وما بقي شيء، وأغناك الله، وإن الله قد طلقك، والله قد أراحك مني، وجرى القلم، ولفظ: "فراق"، و"سراح" وما تصرف منهما غير أمر ومضارع، ومفرقة، ومسرحة بكسر الراء اسم فاعل.
ولا يقع طلاق بكناية –ولو ظاهرة- إلا بنية مقارنة للفظ٣ أو ما يقوم مقام النية كحال خصومة، وغضب٤، وجواب سؤالها٥ فيقع، فلو لم يرد
стр. 217
الطلاق أو أراد غيره حال خصومة، أو غضب، أو سؤال طلاقها دين ولم يقبل حكما١/٢.
ويقع بكناية ظاهرة ثلاث وإن نوى واحدة٣؛ لأنه قول علماء الصحابة كابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة٤.
قال الشارح٥ -بعد أن ذكر أنه يقع الثلاث-: "والرواية الثانية يقع ما نواه اختاره أبو الخطاب٦ لحديث ركانة٧، وإن لم ينو عددا وقع واحدة، وهو مذهب الشافعي" انتهى٨
стр. 218
وقال الحنفية١ والثوري٢: إن نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى اثنتين أو واحدة وقعت واحدة فقط.
ويقع بكناية خفية طلقة رجعية في مدخول بها وإن نوى أكثر وقع٣.
وبه قال الشافعي٤.
وقال أبو حنيفة في الكنايات٥: لا يقع اثنتان وإن نواهما، ويقع واحدة. قاله في الشرح٦.
وقوله: "أنا طالق، أو بائن، أو حرام، أو بريء" أو زاد: "منك" و"كلي، واشربي، واقعدي٧، وبارك الله عليك، وأنت مليحة أو قبيحة" ونحوه، لغو لا يقع به طلاق وإن نواه٨.
وهذا مذهب أبي حنيفة٩.
وخالف مالك١٠، والشافعي١١ في "أنا طالق"١٢، وبعض أصحاب
стр. 219
الشافعي١ في "كلي، واشربي" فقط.
ومن قال: حلفت بالطلاق وكذب دين ولزمه حكما٢
стр. 220
فصل: تحريم الزوجة
....
(فصل)
وإن قال لزوجته: أنت علي حرام، أو: ما أحل الله علي حرام، فظهار١، ولو نوى به طلاقا٢، وإن قاله لمحرمة عليه بحيض أو نحوه، ونوى أنها محرمة به، فلغو٣، وما أحل علي حرام، أعني به: الطلاق، يقع ثلاث نصا٤، وأعني به: طلاقا، يقع واحدة، نصا. ٥
стр. 221
وقال ابن القيم١: "الحلف بالحرام له صيغتان:
إحداهما: إن فعلت كذا فأنت علي حرام، أو ما أحل الله علي حرام.
والثانية: الحرام يلزمني لا أفعل كذا.
فمن قال في "الطلاق يلزمني": أنه ليس بصريح ولا بكناية، ولا يقع به شيء ففي قوله: "الحرام يلزمني" أولى، ومن قال: إنه كناية إن نوى به الطلاق كان طلاقا وإلا فلا فهكذا يقول في "الحرام يلزمني" إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليق، وإن نوى به ما حرم الله علي يلزمني تحريمه، لم يكن تحريما ولا يمينا ولا طلاقا ولا ظهارا، ولا يجوز أن يفرق بين الرجل وبين امرأته بلفظ لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارة يمين وبهذا أفتى ابن عباس، ورفعه إلى النبي ﷺ ، فصح/٢ بأصح إسناد٣: "الحرام يمين يكفرها" ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٤.
وصح عن مسروق ٥: "ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد"٦.
وصح عن الشعبي –في تحريم المرأة -: "لهو أهون علي من نعلي"٧.
стр. 222
وقال أبو سلمة١: "لا أبالي٢ أحرمت٣ امرأتي، أو حرمت ماء النهر٤.
وقيل٥: ثلاث تطليقات.
وقيل٦: إنها تحرم عليه بهذا القول.
وقيل بالوقف، وهو قول الشعبي٧ قال: "قال علي في (الحلال علي الحرام) : "ما أنا بمحلها ولا محرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر".
وقيل: إن نوى به الطلاق فهو طلاق وإلا فيمين، وبه قال الشافعي٨ لأنه عنده كناية في الطلاق.
وقيل: فيه كفارة الظهار٩، وصح عن ابن عباس أيضا، وأبي قلابة١٠
стр. 223
وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهذا أقيس الأقوال وأفقهها١، ويؤيده أن الله تعالى لم يجعل للمكلف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه سبحانه، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فإذا قال: "أنت علي كظهر أمي" أو قال: "أنت علي حرام" فقد قال المنكر من القول والزور وكذب فأوجب عليه أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار٢.
وقيل: إنه ينوي فيه أصل الطلاق وعدده إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهو مول، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه٣.
وقيل: هو يمين يكفره ما يكفر اليمين على كل حال. صح ذلك أيضا عن أبي بكر/٤ الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعائشة، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور وخلق سواهم٥.
стр. 224
وقيل: إنه طلاق١، ثم إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة وما/٢ فوقها، وإن كانت مدخولا بها فهو ثلاث وإن نوى أقل منها، وهو مشهور أقوال خمسة عن مالك٣.
انتهى ما قاله ابن القيم بالمعنى مختصرا٤.
وقال في التنوير٥: "قال لامرأته "أنت علي حرام" إيلاء إن نوى التحريم أو لم ينو شيئا، وظهار إن نواهن وهدر إن نوى الكذب، وتطليقة بائنة إن نوى الطلاق، وثلاث إن نواها، ويفتى بأنه طلاق وإن لم ينوه، ولو كان له نسوة وقع على/٦ كل واحدة منهن طلقة، وقيل: تطلق واحدة، وإليه البيان وهو الأظهر" انتهى.
стр. 225
فصل: قول الزوج (أمرك بيدك)
...
(فصل)
وقوله لامرأته: "أمرك بيدك" كناية ظاهرة تملك بها ثلاثا١، خلافا لأبي حنيفة٢، ومالك٣، والأوزاعي٤.
وقال الشافعي٥: إن نوى ثلاثا فلها أن تطلق ثلاثا، وإن نوى غير ذلك لم تطلق ثلاثا.
وعن ابن عباس٦، وطاووس٧: لا يقع شيء.
وقوله لها: "اختاري نفسك" كناية خفية، ليس لها أن تطلق بها، ولا بـ"طلقي نفسك" أكثر من واحدة ولها أن تطلق نفسها متى شاءت ما لم٨ يحد لها حدا، أو يفسخ٩ ما جعل لها، أو يطأ، إلا في قوله "اختاري نفسك"
стр. 226
فيختص بالمجلس ما لم يشتغلا بقاطع، نصا١.
وإن جعل أمرها في يد غيرها فكذلك٢، وفاقا للشافعي٣.
وقال الحنفية٤: يختص بالمجلس لأنه نوع تخيير أشبه ما لو قال: "اختاري".
ومتى اختارت، أو طلقت: وقعت واحدة رجعية٥.
وقال أبو حنيفة٦: هي واحدة بائنة.
ويقع بكنايتها مع نية الطلاق ولو جعله لها بصريح٧.
ولا يقع طلاق بقولها "اخترت بنية" الطلاق، حتى تقول: "نفسي، أو أبوي أو الأزواج"٨.
وكذا لا يقع بقولها: "أنت طالق"، أو"أنت مني طالق"، أو "طلقتك"، أو "أنا طاق"، بل صفة طلاقها: "طلقت نفسي" أو "أنا منك طالق"٩.
ومتى اختلفا في وجود نية فقول موقع، وفي رجوع: فقول زوج، ونص أحمد أنه لا يقبل قول زوج في رجوع بعد إيقاع طلاق/١٠ ممن جعل له إلا ببينة تشهد
стр. 227
أنه كان رجع قبله.
قال المنقح: "وهو أظهر".
وإن قال لزوجته: "وهبتك" ونحوه، "لأهلك" أو "لنفسك" فمع قبول: تقع رجعية وإلا فلغو.
وقال أبو حنيفة والشافعي فيها كقولهما في الكنايات الظاهرة.
وقال مالك: هي ثلاث قبلوها أو ردوها، قاله الشارح بمعناه.
стр. 228
وبه قال مالك١ والشافعي٢.
ولنا رواية٣: لا يقع إلا واحدة.
وبه٤ قال الثوري٥ والأوزاعي٦ والحنفية٧.
ومن معه زوجات وثم نية، أو سبب يقتضي/٨ تعميما أو تخصيصا عمل به وإلا وقع بكل واحدة طلقة٩.
وقال في الفروع١٠: "واختار شيخنا١١ فيمن حلف بطلاق أو عتق وحنث يخير بين أن يوقعه أو يكفر، كحلفه بالله ليوقعنه، وذكر أن "الطلاق يلزمني" ونحوه يمين باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء" انتهى.
وقال القاضي محب الدين من متأخري الحنفية١٢ في منظومته١٣:
стр. 229
لو حلف الشخص بأن قال علي ... طلاق زوجتي فلا يقع شيء/١
قالوا وإن نوى به الوقوعا ... وقد غدا مقررا مشروعا
لأن ذا إضافة الشيء إلى ... غير محله كما قد نقلا
وهذا اختيار القفال٢ في فتاويه٣، ونصره قوم من الشافعية٤، وغيرهم٥.
فمن٦ الشافعية المتأخرين: الشيخ نور الدين الزيادي٧، وكان يلقب بالشافعي الصغير، لأنه عندهم كناية، والكناية إنما يترتب عليها الحكم في الإيقاع لا في الإلزام.
стр. 230
وذكر أبو القاسم بن يونس١ في شرح التنبيه٢: أن الحالف إذا قال: "الطلاق يلزمني" أو: "لازم لي" ففيه ثلاثة أوجه٣:
أحدهما: إن نوى وقوع الطلاق وقع وإلا فلا.
والثاني: يقع؛ لأن ذلك قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.
والثالث: لا يقع به طلاق وإن نواه٤.
стр. 231
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين١: "اليمين بالطلاق والعتاق إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في صحيح البخاري٢/٣ عن نافع، قال: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت، فقد بانت٤ منه وإن لم تخرج فليس بشيء".
فذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من فصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة في الوقوع وعدمه، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها، فأما الوقوع المحفوظ عنهم: ما ذكره البخاري عن ابن عمر٥، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي٦، عن ابن مسعود ﵁ في رجل
стр. 232
قال لامرأته: "إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق ففعلته" قال: "هي واحدة، وهو أحق بها"١، على أنه منقطع٢.
وكذلك ما رواه البيهقي٣، وغيره٤، عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: "هي طالق إلى سنة" قال: يستمتع إلى سنة".
ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر٥ فقال: "إن عدت سألتيني فأنت طالق"٦.٧
وأما الآثار عنهم في خلافه، فصح عن عائشة وابن عباس/٨ وحفصة،
стр. 233
وأم سلمة فيمن حلفت بأن كل مملوك لها إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته: أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما١.
وقال الدارقطني٢: "ثنا أبو بكر النيسابوري٣، ثنا٤ محمد بن عبد الله الأنصاري٥ ثنا أشعث٦ ثنا بكر٧ بن عبد الله
стр. 234
المزني١ عن أبي رافع٢ أن مولاة له أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃، فكلهم قال لها: "أتريدين أن تكفري٣ مثل هاروت وماروت؟ " فأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما٤.٥
وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء/٦ -كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية
стр. 235
ونصرانية، إن لم تطلق امرأتك- كفارة يمين واحدة١.
وإذا صح عن الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول، أثر عثمان ابن أبي حاضر٢ في قول الحالف: عبده حر إن فعل: أنه فاعل٣ يجزيه كفارة يمين٤، ولم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى، فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى٥، كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب الحالف بالطلاق: أنه لا شيء عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف.
قال٦ عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي٧، المعروف بابن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق٨: " (الباب الثالث) في حكم اليمين بالطلاق والشك فيه: وقد قدمنا في (كتاب الأيمان) اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق، والعتق، والمشي وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟، فقال علي بن أبي طالب، وشريح، وطاووس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضى بالطلاق على من حلف به
стр. 236
بحنث ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة/١" هذا لفظه بعينه٢.
وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة، وبالفعل تارة، وبالقول تارة، وبالشك تارة، ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه، فلأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلف "أيمان المسلمين تلزمني" عند من ألزمه بالطلاق، فدخولها في قول رب العالمين ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٣ أولى وأحرى/٤، وإذا دخلت في قول الحالف "إن حلفت يمينا فعبدي حر" فدخولها في قول رسول الله ﷺ : "من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" ٥ أولى وأحرى٦.
وإذا دخلت في قول النبي ﷺ : "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك" ٧ فدخولها في قوله: "من حلف على اليمين ٨ ... الحديث"٩ –فإن الحديث أصح وأصرح- أولى١٠.
стр. 237
وإذا دخلت في قوله: "من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" ١، فدخولها في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ٢ إلى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ٣ أولى بالدخول أو مثله٤.
وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ٥ فلو حلف بالطلاق كان موليا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى؛ لأن الإيلاء نوع من اليمين٦، فإذا دخل الحلف بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليهن فإن النوع مستلزم الجنس، ولا ينعكس٧.
وإذا دخلت في قوله: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" ٨ فكيف لا يدخل في بقية نصوص الأيمان؟، وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص؟ ٩.
стр. 238
وإذا دخلت في قوله: "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق" ١ فهلا دخلت في غيره من نصوص اليمين! وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا أو لغة؟ ٢.
وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ٣ فهلا دخلت في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ ٤، وإذا دخلت في قول الحالف: "أيمان البيعة تلزمني" وهي الأيمان التي رتبها الحجاج، فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟ ٥.
فإن كان/٦ يمين الطلاق يمينا شرعية –بمعنى أن الشرع اعتبرها- وجب أن تعطى حكم الأيمان، وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع، فلا يلزم الحالف بها شيء، كما صح عن/٧ طاووس: "ليس الحلف بالطلاق شيئا"٨، وصح عن عكرمة٩: "أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء"، وصح عن/١٠
стр. 239
شريح قاضي علي، وابن مسعود، أنها لا يلزم بها طلاق١.
وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه٢، سواء كان بلفظ التنجيز: كـ "علي الطلاق" أو "يلزمني" ونحوه، أو التعليق: كـ "إن فعلت كذا فأنت طالق" أو "إن جاء رأس الشهر" ونحوه وهو قول بعض أصحاب مالك٣ في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: "إن كلمت فلانا فأنت طالق" فقال: لا تطلق إن كلمته؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلقت وإن شاءت أمسكت" انتهى كلام ابن القيم٤ مختصرا٥.
стр. 240
ومن أوقع١ طلقة ثم قال: "جعلتها ثلاثا" ولم ينو استئناف طلاق بعدها فواحدة٢.
стр. 241
فصل: ما يختلف به عدد الطلاق
...
(فصل: فيما يختلف به عدد الطلاق)
الطلاق بالرجال: فيملك الحر، والمعتق١ بعضه ثلاث طلقات وإن كان تحته أمة، ويملك العبد ولو مكاتبا أو مدبرا أو معلقا عتقه بصفة أو طرأ رقه كذمي تزوج ثم لحق بدار الحرب فاسترق قبل أن يطلق طلقتين وإن كان تحته حرة٢.
وبه قال مالك٣ والشافعي٤/٥.
وقال أبو حنيفة٦: الطلاق بالنساء فيملك زوج الحرة ثلاثا وإن كان عبدا، وزوج الأمة اثنتين وإن كان حرا.
ويقع الطلاق بائنا في أربع مسائل٧: إذا كان على عوض، أو قبل الدخول أو في نكاح فاسد، أو بالثلاث.
وقول الزوج للزوجة: "أنت طالق"، أو: "الطلاق"٨، أو "يلزمني" أو: "لازم لي" أو "علي" ونحوه صريح منجزا أو معلقا أو محلوفا به، ويقع به واحدة ما لم ينو أكثر٩.
стр. 242
فصل: قول الزوج: انت طالق كل الطلاق ونحوه
...
(فصل)
وإن١ قال: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثره، أو جميعه، أو منتهاه، أو غايته، أو بعدد الحصى، أو القطر، أو الرمل، أو الريح، أو التراب، أو النجوم، ونحوه، فثلاث ولو نوى واحدة؛ لأن له أقل وأكثر، فأقله واحدة وأكثره ثلاث٢.
وجزء طلقة كهي٣، وإن قال: كعدد الماء أو التراب ٤ وقع ثلاث٥، وقال أبو حنيفة٦: يقع واحدة بائن لأن الماء والتراب من أسماء الأجناس لا عدد له.
وإن قال: أنت طالق كمائة، أو ألف فهي ثلاث، إلا أن ينوي كألف في صعوبتها٧.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف٨: إن لم تكن له نية وقع٩ واحدة لأنه لم يصرح بالعدد وإنما شبهها بالألف وليس الموقع المشبه به.
وإن قال: أشد الطلاق، أو أغلظه، أو أطوله، أو أعرضه، أو على سائر
стр. 243
المذاهب١، أو ملء البيت أو الدنيا، أو مثل الجبل، أو عظمه ونحوه فطلقة رجعية إن لم ينو أكثر٢.
وقال أبو حنيفة٣: تكون بائنا لأنه وصف الطلاق بصفة زائدة فيقتضي الزيادة عليه وهي البينونة.
وإن قال "أنت طالق كل يوم" فواحدة٤، "وأنت طالق في كل يوم"/٥ فتطلق في كل يوم واحدة٦.
وإن قال: "أنت طالق من واحدة إلى ثلاث" فثنتان٧.
وبهذا قال أبو حنيفة لأن ما بعد الغاية لا يدخل فيما قبلها٨.
وقال زفر: تطلق واحدة؛ لأن ابتداء الغاية ليس منها٩.
وقال أبو يوسف ومحمد: تطلق ثلاث/١٠ لأنها تطلق بها فلم يجز إلغاؤها كقوله: بعت هذا الثوب من أوله إلى آخره١١.
стр. 244
وإن قال: "أنت طالق طلقة في ثنتين" ونوى طلقة معهما: فثلاث، وإن نوى موجبه عند الحساب وهو يعرفه أو: لا فثنتان، وإن لم شيئا وقع من حاسب ثنتان ومن غيره طلقة١.
وقال الشافعي٢: إن أطلق لم يقع إلا واحدة.
وقال أبو حنيفة٣: لا يقع إلا واحدة سواء قصد به الحساب أو لم يقصد؛ لأن الضرب إنما يصح فيما له مساحة، فأما ما لا مساحة له فلا حقيقة فيه للحساب، قاله في الشرح٤.
стр. 245
فصل: تخالف به بالمدخول بها غيرها
...
((فصل: فيما تخالف به المدخول بها غيرها))
وإن قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق طلقت ثلاثا إلا أن ينوي بتكراره تأكيدا متصلا أو إفهاما١.
وبه قال الشافعي٢.
وقال الحنفية٣: يدين في قصد التكرار ولا يقبل في الحكم.
وإن قال: أنت طالق طالق طالق، وقع واحدة ما لم ينو أكثر٤.
وبه قال مالك٥، والشافعي٦.
وقال الحنفية٧ فيها كالتي قبلها٨.
وإن أكد الأولى بثالثة لم يقبل للفصل٩ بينهما١٠، وأنت طالق، وطالق، وطالق فثلاث١١.
стр. 246
ويقبل حكما تأكيد ثانية بثالثة، لا أولى بثانية، وكذا الفاء، وثم، وإن غاير الحروف لم يقبل، ويقبل حكما تأكيد في: أنت مطلقة، أنت مسرحة، أنت مفارقة، لا مع واو أو فاء، أو ثم، ومعلق في هذا كمنجز، فلو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت الدار طلقت ثلاثا.
وبه قال أبو يوسف، وأصحاب الشافعي في أحد الوجهين.
وقال أبو حنيفة: يقع واحدة.
ويقبل منه –أي المعلق أيضا- تأكيد ثانية/ لا أولى بثالثة، وغير مدخول بها تبين بالأولى ولا يلحقها ما بعدها.
وإن قصد إفهاما، أو تأكيدا في مكرر مع جزاء: كإن قمت فأنت طالق، إن قمت فأنت طالق، فواحدة./
стр. 247
فصل: تعليق الطلاق بالشروط
...
(فصل: في تعليقه بالشروط)
التعليق ترتيب شيء غير حاصل على شيء حاصل أو غير حاصل، بإن أو إحدى أخواتها من أدوات/١ الشرط الجازمة٢.
ويصح مع تقدم شرط وتأخره بصريح: كأنت طالق٣ إن قمت، وكناية: كأنت مسرحة إن قمت مثلا مع قصد الطلاق بالكناية٤.
ولا يضر فصل بين شرط وجوابه بكلام منتظم: كأنت طالق يا زانية إن قمت٥. ويقطعه سكوته، وتسبيحه ونحوه٦.
стр. 248
فائدة١:
رجل قال لامرأته –وهي في ماء جار-: إن خرجت من هذا الماء فأنت طالق، وإن لم تخرجي فأنت طالق، لا تطلق خرجت أم لم تخرج؛ لأنع جرى وانفصل. نقله الرافعي٢ في فروع الطلاق. انتهى من طبقات ابن السبكي٣ الكبرى٤.
وهذا مذهب الحنفية٥ مطلقا٦.
وقيد الحنابلة: قال في الإقناع وشرحه ما لفظه٧: "وإن حلف وهو في ماء: "لا أقمت في هذا الماء ولا خرجت منه" فإن كان الماء جاريا لم يحنث أقام
стр. 249
أو خرج إذا نوى ذلك الماء بعينه، كذا في المقنع١ وغيره٢؛ لأن الماء المحلوف عليه جرى وانفصل٣ وصار في غيره ضرورة كونه جاريا فلم تحصل المخالفة في المحلوف عليه، وفي المنتهى٤: "لا يحنث إلا بقصد أو سبب". انتهى.
فعلى كلام المصنف يحنث مع الإطلاق وعلى كلام صاحب المنتهى: لا يحنث، وإن كان الماء واقفا حنث ولو حمل منه كرها لأنا ألغينا نسبة الخروج إليه منه فهو مقيم فيه فيحنث أيضا وقال في المقنع٥: "إذا كان واقفا حمل منه مكرها". انتهى كلام شرح الإقناع٦.
وأنت طالق إن فعلت، أو فعلت كذا، ففعلته، أو فعله مكرها، أو مجنونا، أو مغمى عليه، أو نائما لم يقع، وإن فعلته أو فعله ناسيا أو جاهلا وقع٧.
وقال في إغاثة اللهفان من مكايد٨ الشيطان٩:
"وأما تعليق/١٠ الطلاق بوقت يجيء لا محالة، كرأس الشهر والسنة١١
стр. 250
وبآخر النهار ونحوه، فللفقهاء في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا تطلق بحال. وهذا مذهب ابن حزم١، واختيار أبي عبد الرحمن صاحب الشافعي٢ وهو من أجل أصحاب الوجوه.
وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط/٣ كما لا يقبله النكاح، والبيع، والإجارة، والإبراء٤.
قالوا: والطلاق لا يقع في الحال، ولا عند مجيء الوقت، أما في الحال فلأنه لم يوقعه منجزا، وأما عند مجيء الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ، ولم يتجدد سوى مجيء الزمان، ومجيء الزمان لا يكون طلاقا.
وليس مع أحد ممن خالفهم ما ينقض عليهم٥.
وقابل هذا القول آخرون وقالوا: يقع الطلاق في الحال، وهذا مذهب مالك٦ وجماعة من التابعين٧.