← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صحيحًا فلا يَضُرُّ ذلك سيبويه لأنّ القياس يَتْضُدُه. وقَدْ ألْفَيْتُ في بعضِ ما رأيتُ، لزيد الخيلِ بن مهلهل الطائي بَيتًا في تَعَدِّي فَعِلٍ، وهو قوله (٢٥٠): أَتَاني أَنَّهم مَزِقونَ عِرْضِي … جِحاشَ الكِرْمِلَيْنِ لَها فَدِيدُ فقال: مَزِقوَن عِرْضي كما تَرَى، وأجراه مُجرى مُمَزقينَ، وهذا لا يحتملُ غيرَ هذا التأويلِ، فقد ثَبَتَ صِحَّةُ القِياسِ بهذا الشاهِد القاطع. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (٢٥١) في مِثلِ ما تَقَدَّمَ: [٨٩] برأسِ دَمّاغٍ رُوُسَ العِزِّ الشاهِدُ فيه نَصْبُ رُؤُوسِ العزِّ بـ (دَمّاغٍ)، لأنّه تكثيرُ دامغٍ وهو الذي يَبْلُغُ بالشَجَّةِ إلى الدِماغِ، وأرادَ رُؤوسَ أهلِ العزِّ فحَذَفَ كما قال جَلَّ وعَزّ: "وسْئَلِ القَرْيَةَ" (٢٥٢). وأنشد في الباب لساعدةَ بن جُؤيَّة (٢٥٣): [٩٠] حَتَّى شَآها كَلِيلٌ مَوْهِنًا عَمِلٌ … باتَتْ طِرابًا وباتَ الليلَ لم يَنَمٍ الشاهدُ في نَصْبِ مَوْهِن (٢٥٤) بـ (كَليلٍ)، لأنَّه بمعنى مُكِلٍّ مُغَيَّرٌ منه لمعنى التكثير. وقد رُدَّ (٢٥٥) هذا التأويلُ على سيبويه لِما قَدَّمْنا من أَنَّ فَعِيلًا وفَعِلًا بِناءان لِما لا يتعدّى في الأصلِ، وجَعَل الرادُّ نَصْبَ مَوْهنٍ على الظَرفِ، والمعنى عنده إنّ البَرقَ ضَعيفُ الهُبوبِ كَلِيل في نفسه. وهذا الردُّ غيرُ صحيحٍ، لأنّه لو كانَ كليلًا لم يَقُل: عمِلٌ وهو الكثيرُ العَمَلِ، ولا

стр. 107

وَصَفَه بقوله: باتَ الليلَ لم يَنَم. والمعنى على مذهب سيبويه أنَّه وَصَف حمارًا وأُتْنًا نَظَرَتْ إلى بَرقٍ مُستطير دالٍّ على الغَيْثِ يُكِلُّ المَوْهِنَ بُروقُه (٢٥٦) وتَوالي لمعانِه كما يقال: أُتْعَبْتَ لَيْلَك، أي: سِرتَ فيه سيرًا حَثيثًا مُتْعِبًا مُتواليًا، والمَوْهِنُ: وقتٌ من الليلِ، فشَآها ذلك البَرقُ أي: ساقَها وأزْعَجَها من [موضعها إلى الموضع الذي كان منه البرقُ] (٢٥٧)، فباتَتْ طَرِبَةً إليه مُنْتقِلَةً نَحْوَه. وفَعلٌ في معنى مُفْعِلٍ موجودٌ كثيرًا، يقال: بَصيرٌ بمعنى مُبْصِرٍ، وعذابٌ أليمٌ بمعنى مؤلمٍ، وداعٍ سَميعٌ بمعنى مُسْمِعٍ، كما قال عمرو بن معد يكرب (٢٥٨): أَمِنْ رَيْحانَةَ الداعي السمِيعُ أي: المُسْمِعُ، وكذلك كَلِيلٌ في معنى مُكِلٍّ، وإذا كانَ بمعناه عَمِلَ عَمَلَهُ لأنّه مُغَيَّرٌ منه للتكثير كما تَقَدَّمَ. وأنشد في الباب للكُمَيت (٢٥٩): [٩١] شُمٌّ مَهَاوِينٌ أَبْدانَ الجَزورِ مَخَا … مِيصُ العَشِيّاتِ لا خُورٌ ولا قُزُمُ الشاهد [في] نَصْبِ أَبْدانِ الجَزورِ بقوله: مَهَاوِين، لأنَّه جَمعُ بهْوانٍ، ومِهْوانٌ تكثيرُ مُهِينٍ كما كانَ مِنْحارٌ ومِضْرابٌ تكثيرَ ناحِرٍ وضاربٍ، فَعَمِلَ الجَمعُ عَمَلَ واحِدِه كما تَقَدَّمَ. وَصَفَ قَومًا بالعِزَّةِ والكَرَمِ فيقول: هم شُمُّ الأنوفِ أعِزّةٌ، فَجَعَلَ الشَمَمَ كِنايةً

стр. 108

من العِزّةِ والأنَفَةِ كما يقالُ للعزيزِ: شامِخُ الأنْفِ وللذليلِ خاشِعُ الأنْفِ. ثُمَّ قالَ: يُهينون للأضيافِ والمساكينِ أَبْدانَ الجَزورِ وهو جَمعُ بَدَنَةٍ وهي الناقةُ المُتَّخَذَةُ للنَحْرِ المُسمنةُ وكذلك الجَزورُ. وقوله: مَخَاميِصُ العَشِيَّاتِ، أي: يُؤخّرونَ العَشَاءَ تَرَبُّصًا على ضَيْفٍ يَطرُقُ، فُبُطونُهُم خَميصَةٌ في عَشِيّاتِهم لتأخِيرِهم الطَعامَ، والخُورُ: الضُعَفاءُ عند الشِدَّةِ، والقُزُمُ والقَزَمُ: الحُقَراءُ: الأرْذالُ، وأصلُ القزمِ رُذالُ الغَنَمِ. ويروى (أَبْداءَ الجَزورِ)، وهي أفضَلُ أعْضائها إذا فُصِلَت، واحِدُها بَدْءٌ ومنه قيلَ للسَيِّدِ: بَدْءٌ لِفَضْلِهِ. وأنشد في الباب (٢٦٠): [٩٢] يَمُرّونَ بالدَهْنا خِفَافًا عِيابُهُم … ويَخْرُجْنَ مِن دارِينَ بُجْرَ الحَقَائِبِ علي حِينِ ألْهَي الناسَ جُلُّ أمورِهم … فَنَدْلًا زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثَعالِبِ الشاهد في نَصْبِ المالِ بقوله: (نَدْلًا)، لأنّه بَدَلٌ من قولك: (انْدُلْ) كما تقولُ: ضَرْبًا زيدًا بمعنى اضْرِبْ زيدًا. ولَكَ في نَصْبِ (نَدْلًا) تقديران، إنْ شِئتَ جَعَلْتَ الفِعلَ المُضْمَرَ هو العامل فيه و (نَدْلًا) دالٌّ عليه مؤكِّدٌ له، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نَصْبَهُ بفِعْلٍ آخَر كأنّه قال: أَوقِعْ نَدْلًا ونحوه مِن التقدير، فيكونُ العاملُ فيه غَيرَ فِعْلِهِ. وَصَفَ تجارًا وقيل < وَصَف > لُصوصًا فيقول: يَمُرُّون بالدَهْنا وهي رَمْلَةٌ من بلادِ تَميمٍ خِفافًا عِيَابُهُم لا شَيءَ فيها، ثُمَّ قال: (ويَخْرُجْنَ من دارِينَ) فأخْبَرَ عن رواحِلِهم ولذلك أنثَ، ودارينُ: اسمُ سُوقٍ يُنْسَب إليه المِسْكُ يقال: مِسْكٌ دارِيٌّ. والبُجْرُ: المُمْتَلِئةُ، وأصلُ البُجْرَةِ نُتُوءُ السُرَّةِ، والحَقائِبُ: جَمعُ حَقِيبةٍ وهي

стр. 109

ما يَحْتَقِبُهُ الراكِبُ خَلْفَهُ من سُفْرةٍ وعَيْبَةٍ ونحو ذلك. ثم قالَ: (على حين أَلْهَى الناسَ جُلُّ أُمورهم)، فَدَلّ هذا على أنَّهم لُصوصٌ يفترِضونَ الناسَ عندما يَعْنيهم من أُمورهم فَيَلُهَونَ به عَن حِفْظِ أموالِهم وإنْ كانوا تجارًا، فيقول: هم مُواظبون على التِجارَةِ والكَسْبِ وإنْ كانَ الناسُ في شُغْلٍ عن ذلك لِما هُمْ فيه من اختِلافِ أَهْوائهم وتَشَعُّبِ أُموِرِهِم. وزُرَيْق اسمُ قبيلةٍ (٢٦١)، وهو منادَىً. والنَدْلُ هنا الأخْذُ باليَدَينِ، ومِنه اشتِقاقُ المِنْديلِ، والنَذْلُ أيضًا السُرْعَةُ في السَير، ويقال في المَثَل: (هو أَكْسَبُ من ثَعْلَبٍ) (٢٦٢)، لأنَّه يَدَّخِرُ لنفِسِه ويأتي على ما يَعْدو عليه من الحَيَوانِ إذا أَمْكَنَهُ، والدَهْنا تُمَدُّ وتُقْصَرُ. وأنشد في البابِ في نَحْوِه (٢٦٣): [٩٣] أَعَلاقَةً أَمَّ الوُلَيِّد بَعْدَما … أَفْنانُ رأسِكَ كالثَغَام المُخْلِسِ الشاهدُ في نَصْبِ الأمِّ بقوله: (عَلاقةً)، لأنّها بَدَلٌ من لفظِ تَعْلَقُ فَعَمِلَتْ عَمَلَهُ. وَصَفَ كِبَرَهُ وأنّ الشَيْبَ قد شَمِلَهُ فَلا يَليقُ به الصِبا واللَّهْوِّ، وأَفْنانُ الرأس: خِصَلُ شَعرِهِ، وأصْلُ الفَنَنِ الغُصْنُ، والثَغامُ: شَجَرٌ إذا يَبِسَ ابيَضَّ، ويقال: هو نَبْتٌ له نَوْرٌ أبيضُ فشَبَّهَ بَياضَ الشَيبِ في سَوادِ الشَعر ببياض النَوْرِ في خُضْرَةِ النَبت، والمُخْلِسُ: ما اختَلَطَ فيه البياضُ بالسَوادِ، يقال: أخْلَسَ الشَعرُ والنَبْتُ إذا كانَ فيه لَوْنان. والعَلَاقَةُ والعَلَقُ: أنْ يَعْلَقَ الحُبُّ بالقَلْبِ، ومنه: نَظْرةٌ من ذي عَلَقٍ (٢٦٤)، أي: مِن ذي هَوىً قد عَلِقَ قَلْبَهُ.

стр. 110

وأَولَى (بعدَما) الجملةَ في قوله: (بعدَما أَفنانُ رأسِكَ)، وبَعْدَ لا تَليها الجُمَلُ، وجازَ ذلك لأنً (ما) وُصِلَتْ بها لُتهَيَّأَ للجملةِ بعدَها كما فُّعِل بقَلَّما ورُبمَّا، و (ما) مع الجملةِ في موضع جَرٍّ بإضافَتها إليها، والمعنى بعدَ شَبهِ رأسِكَ بالثَغامِ المُخْلِسِ. وصَغَّرَ الوَليدَ ليدلَّ على < فَتاءِ > سِنَّ المرأةِ، لأنّ صِغَرَ (٢٦٥) وليدِها لا يكونُ إلّا في عَصرِ شَبابها وما يَتّصلُ به من زَمانِ وِلادِها (٢٦٦). وأنشد في بابٍ ترجمَتُه: هذا بابُ الأفعالِ التي تُستعملُ وتُلْغَى، لِلَّعِينِ المِنْقَري يهجو العجاج (٢٦٧): [٩٤] أَبِالأراجِيزِ يا ابنَ اللُّوُمِ تُوعِدُني … وفي الأراجيزِ خِلْتُ اللُّوُمُ والخَوَرُ الشاهِدُ في رَفْعِ اللُّؤم والخَوَر بعدَ (خِلْتُ) لِما تَقَدّمَ عليها من الخَبَرِ ويُنْوَى فيها مِنَ التأخير، والتقديرُ وفي الأراجِيزِ اللُّوْمُ والخَوَرُ خِلْتُ ذلك. وَصَفَ أنّه راجِزٌ لا يُحْسِنُ القَصِيدَ والتَصَرُّفَ في أنواعِ الشِعرِ، فجَعَل ذلك دلَالةٌ على لُؤمِ طَبْعِهِ (٢٦٨) وخَوَر نَفْسِهِ، والخَوَرُ: الضَغْفُ. وأنشد في الباب لأبي ذؤيب الهُذَلي (٢٦٩): [٩٥] فإنْ تزْعُمِيني كُنتُ أَجْهَلُ فيكُمُ … . فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بالجَهْلِ

стр. 111

الشاهِدُ في إِعْمالِ (تَزْعُمين) فيما بعدَهُ؛ لأنَّه مُقَدَّمٌ عليه فلا يَحْسُنُ إلْغاؤُهُ. وَصَفَ أنه رَجَعَ عن الصِبا بعدَ خَوْضِهِ فيه لِما وَعَظَه من الشَيبِ الزاجِرِ له فيقول: إنْ كُنت تَزْعُمين أنِّي كنتُ أجْهَلُ في هَوايَ لكُم وصُبُوتي إليكم، فقد شَرَيْتُ بذلك الجَهْلِ والصِبَا حِلْمًا وعَقْلًا ورَجَعتُ عَمَّا كُنتُ عليه. وأنشد في الباب للنابغة الْجَعْدِيّ في مِثْلِهِ (٢٧٠): [٩٦] عَدَدْتَ قُشَيْرًا إِذْ عَدَدْتَ فَلَمْ أُسَأ … بذاك ولم أزْعُمَكَ عن ذاكَ مَعْزِلا الشاهِدُ في نَصْبِ الضَمير في قوله: ولم أزْعُمْكَ، لتَقَدُّمِ الزّعْمِ عليه، ونَصْبِ (مَعْزِلٍ) على المفعولِ الثاني، والتقديرُ ولم أزْعُمْكَ ذَا مَعْزِلٍ عن ذلك. ويَجوزُ أنْ يكونَ نَصَبَهُ على الظَرفِ الواقِعِ موقعَ المفعول الثاني؛ لأنَّك تقول: أنتَ مَعْزِلًا عن ذاك تُريدُ في مَعْزِلٍ منه وبِمَعْزِلٍ، كما تقول: أنتَ مِنِّي مَرْأى ومَسْمَعًا تريدُ بمَرْأَىً ومَسْمَعٍ. وَصَفَ رَجُلًا من قُشَيْرٍ، وهي قبيلةٌ من بني عامِرٍ (٢٧١)، فاخَرَهُ بكَثرةِ سادات، قُشَيْرٍ وعَدَدِهم، فذَكَر النابِغَةُ وهو من بني جَعْدَةَ، وجَعْدَةَ (٢٧٢) أختُ قُشَيْرٍ من بني عامِرٍ، أنَّ قَومَهُ أكثَرُ منهم وأعَزُّ، فلم يَسُؤْد ما عَدَّدَهُ القُشَيْريُّ من قَومِهِ ولم يَخَلْهُ بمَعْزِلٍ عن ذلك فَيَفْجَأهُ من فَخْرِهِ بهم وتَعْدِيدِهِ لهم ما يَسُوؤهُ. وأنشد في الباب للكُمَيت (٢٧٣): [٩٧] أجُهّالًا تقولُ بَني لُؤيٍّ … لَعَمْرُ أَبيكَ أَمْ مُتَجاهِلينا

стр. 112

الشاهِدُ في إعْمالِ (تقولُ) عَمَلَ (تَظُنُّ) (٢٧٤)؛ لأنَّها بمعناها ولم يُرِدْ قَولَ اللسانِ إنَّما أرادَ اعتِقادَ القَلْبِ، والتقدير أَتَقولُ بني لُؤيّ جُهَّالًا؛ أيْ: أتَظُنُّهُم كذلك وتعْتقدُه فيهم. وأراد ببني لُؤيٍّ جمهورَ قُرَيش وعامَّتها؛ لأنَّ أكثَرَها يَنْتهي في النَسَبِ (٢٧٥) إلى لُؤيٍّ بن غالبِ بن فِهْرِ بن مالك بن النَّضْر وهو أبو قُرَيش (٢٧٦)، كُلِّها. وهذا البيتُ من قصيدة يَفْخَرُ فيها على اليَمَن ويذكُرُ فَضْلَ مُضَر عليهم، فيقول: أَتَظُنُّ قُرَيشًا جاهلين أو متجاهلينَ حينَ استعملوا اليمانيين في ولاياتهم وآثروهم على المُضَريين مَعَ فَضْلِهم عليهم. والمُتَجاهِلُ: الذي يَستعمِلُ الجَهْلَ وإنْ لم يَكُنْ من أَهلِهِ. وأنشد في الباب لعمر بن أبي ربيعة في مِثلِه (٢٧٧): [٩٨] أمَّا الرَحِيلُ فدونَ بَعْدِ غَدٍ … فمتَى تقولُ الدارَ تَجْمَعُنا الشاهِدُ في نَصْبِ الدار بِـ (تَقولُ)، لخُروجها إلى معنى الظَّنِّ كما تَقَدَّمَ. يقول: قد حانَ رَحِيلُنَا عَمنّ نُحِبُّ ومُفَارَقَتُنَا له في غَدٍ، وَعَّبَر عن ذلك بقوله: (دُونَ بَعدِ غَدٍ)، فمَتَى تَجْمَعُنا الدارُ فيما تُقَدِّرُ وتَعْتقدُ، ولم يُرد بالدرِ دارًا بِعَيْنِها إنَّما أراد موضِعًا يَحلّونَهُ منتجعينَ فيجمعه ومَنْ يُحِبّ، فكُلٌّ موضعٍ يَحلّونَهُ (٢٧٨) فهو دارٌ ومُسْتَقَرٌّ. وأنشد في باب ترجَمَتُهُ: هذا بابٌ من الاستفهامِ يكونُ الاسمُ فيه رَفْعًا (٢٧٩).

стр. 113

أَكُلّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ [٩٩] يُلْقِحُهُ قَومٌ وتَنْتِجُونَهُ الشاهِدُ في رَفْعِ (نَعَمٍ)؛ لأنَّ قولَه: تَحْوونَهُ في موضِع وَصْفِهِ فلا يَعملُ فيه؛ لأنَّ النَعْتَ من تَمامِ المَنعوتِ فهو كالصِلةِ من الموصولِ، فكما لا يَعملُ فيه لا يكونُ تفسيرًا لِفِعلٍ مُضْمَرٍ في معناه. وَصَفَ قومًا بالاستِطالةِ على عَدُوِّهم وشَنَّ الغارةِ فيهم، فكُلَّمَا أَلْقَحَ عَدُوُّهُم إبلَهُ أَغاروا عليها فَنُتِجَتْ عندَهم، والإلقاحُ: الحَمْلُ على الناقَةِ حتى تُلْقِحَ أيْ: تَحْمِل، ويقال: نَتَجْتُ الناقَةَ أَنْتِجُها، أَنْتِجُها (٢٨٠) إذا نُتِجَتْ عندَك فكأنَّكَ وَلِيت ذلك منها. ونَصَبَ (كُلَّ عامٍ) على الظَرفِ وإنْ كانَ بعدَهُ (النَعَمُ) وهو جُثَّةٌ؛ لأنَّ المعنى أتَحُوونَ النَعم (كُلَّ عامٍ)، فالظَرفُ على الحقيقة إنَّما هو للاحتِواء لا للنَعَمِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ التقديرُ أكُلَّ عامٍ حدوثُ نَعَمٍ مَحْوِيّ، فَحُذِفَ اختصارًا لِعْلْمِ السامع كما قيلَ: اللَّيلة الهِلالُ أي: طُلُوعُهُ وحُدوثُهُ. وأنشد في الباب لزَيْدِ الخَيْل (٢٨١): [١٠٠] أَفِي كُلِّ عامٍ مَأتَمُ تَبْعَثونَهُ … على مِحْمَرٍ ثَوَّبْتُموهُ وما رُضا الشاهِدُ في رَفْعِ (مأتَمٍ)؛ لأنَّ (تبعثونه) في موضعِ الوَصْفِ له فلا يَعملُ فيه كما تَقَدَّمَ. وَصَفَ فَرَسًا أُهْدِيَ إليه ثَوابًا عن يَدٍ كانَتْ منه إلى مُهْديه فيقول: نَدِمْتُم على ما أَهْدَيْتُم إلينا <مِنْه> وحَزنْتُم حُزْنَ مَنْ فَقَدَ حَمِيمًا فَجَمع له مأتَمًا، والمأتَمُ: النِساءُ يجْتَمعنَ في الخَيرِ والشَرِّ، وأرادَ به ها هنا اجتماعَهُنَّ في الشَرِّ خاصَّةً. ثم وَصَفَ أنَّ ذلك الفَرَسَ مِحْمَرٌ أي: هَجينٌ أَخْلاقُهُ كأخلاقِ الحَميرِ، ومعنى

стр. 114

ثَوَّبْتُموه جَعْلْتُموه لنا ثَوابًا. وَرُضًا بمعنى رُضِيَ وهي لُغة لطَيئ، يكرهون مَجِيءَ الياء بعد الكسرة متحرِّكةٌ فيفتحونَ ما قبلَها لتنقَلِبَ إلى الألفِ لِخِفَّتِها (٢٨٢). وبعدَ هذا البيتِ في البابِ (٢٨٣) بيتُ جَرِيرٍ (٢٨٤) وَبَيْتُ الْحَارِث بْنِ كَلَدَةَ (٢٨٥)، وَقَد [مَرّا بَتَفُسيرِهما] (٢٨٦) فَأَغْنَى ذَلِكَ عن إعادتهما. وأنشد فِي الْبَابِ للنَّمِرِ بن تَوْلَب (٢٨٧): [١٠١] لَا تَجْزَعِي إِنْ مُنْفِسًا أَهْلَكْتُهُ … وَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعي الشاهِدُ فِي نَصْبِ (مُنْفِسٍ) بِإِضْمَارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي الْفِعْل مُظْهَرًا أَو مُضْمَرًا. وَصَفَ أَنَّ امْرَأَتَهُ لامَتْهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ جَزَعًا مِنْ الْفَقْرِ فَقَالَ لهَا: لَا تَجْزَعِي مِن إهْلَاكِي لِنَفِيس الْمَالِ فَإِنِّي كَفِيلٌ بإخْلافِهِ بَعْدَ التَّلَفِ، وَإِذَا هَلَكْتُ فَاجْزَعِي فَلَا خَلف لَك مِنِّي. وأنشد فِي بَابِ تَرْجَمتُهُ: هَذَا بَابُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (٢٨٨): [١٠٢] وَقَائِلَةٍ خُوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ … . وَأُكْرُومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا

стр. 115

الشاهِدُ فِي قَوْلِهِ: (خَولَانٌ فَانْكِحْ فَتَاتَهم)، فَرَفْعُ خَوْلَان عِنْدَهُ عَلَى مَعْنَى هَؤُلَاءِ خَوْلَانُ، لِامْتِنَاعِهِ مِن أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْفَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى خَبَرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ عَلَى الابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ. وَالْقَوْلُ عِنْدِي إن رَفْعَهُ عَلَى الابْتِدَاء، وَالْخَبَرُ فِي الْفَاءِ وَمَا بَعْدَهَا لِأَنَّهُ فِي معنى الْمَنْصُوب إذَا قُلْت: خَوْلَانَ فَانْكِحْ فَتَاتَهم، وَالْفَاء دَاخِلَةٌ عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ دَلَالَةٌ عَلَى تَعَلقِهِ بِأَوَّل الْكَلَام، لِأَنّ حُكْمَ الْأَمْرِ أَنْ يُصْدِّرَ بِه، فَمِنْ حَيْثُ جَازَتِ الْفَاءُ مَعَ النَّصْبِ جَازَتْ مَعَ الرَّفْع، وَلَوْ جَازَ زَيْدًا، فَضَرَبْتُ لِجَازَ زَيْدٌ فَضَرَبْتُه، وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّةً هَذَا فِي كتاب "النُّكَت" (٢٩٠). يَقُول: رُبَّ قَائِلةٍ حَضَّتني عَلَى نِكَاحِ هَذِه الْمَرْأَةِ مِنْ خَوْلَان وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ، وَالْأكْرَمَةُ: اسْمٌ للغَرَمِ كالأحْدوثَةِ اسْم لِلْحَدَث، فَوَصْفَ الْمَرْأَةَ بِهِ عَلَى معنى ذَات أُكْرومَةٍ، وَوَضَعَهَا مَوْضِعَ كَرِيمَةٍ، وَنَسَبَهَا إلَى الْحَيَّين كَأَنَّهُ يُرِيدُ حَيّ أَبِيهَا وَحَيّ أُمِّهَا، وَالْخِلْوُ: الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَقَوْلُه: كَمَا هِيَ، أَي: كَمَا عُهِدَتْ بِكْرًا فِي أَوَّلِ حَالِهَا. وأنشد فِي الْبَابِ لِعَدِيِّ بْنِ زيد (٢٩١): [١٠٣] أَرْوَاحٌ مُوَدَّعٌ أَمْ بُكُورٌ … أَنتَ فَانْظُرْ لِأَيّ حَالٍ تَصِيرٌ الشاهِدُ فِي قَوْلِهِ: (أَنْت فانْظُرْ)، وَتَقْدِيُرِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ (أنتَ) مَحْمُولًا عَلَى فِعْلِ مُضْمَرٌ يُفسِّرهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُون في المرفوع عَلَى حَدَّهِ فِي الْمَنْصُوب إذَا قُلْت: زَيْدًا فَأَضْرِبُه. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَنْت الهالكُ

стр. 116

فانْظُر. و [الْوَجْهُ] الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: الْهَالِكُ أَنْت، وَقَدْ بَيَّنَ سيبويه (٢٩٢) الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَة. وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ (أَنْتَ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ (فانْظُر) كَمَا هُوَ، لِأَنَّ مَعْنَى أَنْتَ فَانْظُرْ وَأَنْت انْظُرْ سَوَاءٌ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِأَوَّل الْكَلَامِ كَمَا بَيَّنْتُ فِي قَوْلِهِ: خَوْلانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَرْوَاحٌ أَنْتَ عَلَى مَعْنَى أذ رَوَاحٍ أَنْت. وَصْفَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْجَأ رَواحًا فَجِيءَ بُكُورًا وَلَا بُدَّ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى الْهَلَاكِ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْن، وَلَمْ يُرِدْ الْوَقْتَيْن خَاصّةً وَإِنّمَا يُريدُ فِي لَيْلٍ أَو نَهَارٍ. وَجَعَل التَّوْدِيعَ لِلرَّوَاحِ اتِّسَاعًا <وَمَجَازًا>، وَالْمَعْنَى أَأَنْت ذُو رَوْاحٍ تُرَدِّعُ فِيهِ أَمْ ذُو بُكُورٍ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : "وَالنَّهَار مُبْصِرا" (٢٩٢ أ)، أَي: يُبْصَرُ فِيه، وَإِذَا وُدِّعَ فِيهِ فَهُوَ ذُو تَوديعٍ فَجَرَى عَلَى لَفْظِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ. وأنشد فِي الْبَابِ لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيّ (٢٩٣): [١٠٤] أَمِيرانِ كَانَا آخَيَاني كِلاهُما … فكُلًّا جَزَاهُ اللَّهُ عَنِّي بِمَا فَعَلْ الشاهِدُ فِي نَصْبِ (كُلٍّ) بِإِضْمَارِ فِعْلٍ فَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَصْفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أُمَرَاءِ قُريش آخَيَاه وَأَحْسَنا إلَيْهِ فَدَعَا لَهُمَا بِحُسْنِ الْجَزَاءِ. وأنشد فِي بَابِ تَرْجَمَتُه: هَذَا بَابٌ حُروفٍ أُجْرِيَتْ مُجْرى حُرُوفِ الاسْتِفْهامِ، لهُدْبَةَ بْنُ خَشْرَم العُذري (٢٩٤): [١٠٥] فَلَا ذَا جَلَالٍ هِبْنَهُ لجَلالِهِ … وَلَا ذَا ضَيَاعٍ هُنَّ يَتْرُكنَ للفَقْرِ

стр. 117

الشاهِدُ فِي نَصْب ذِي جَلَالٍ وَذِي ضَيَاعٍ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ حُرُوفَ النَفْي تَقْتَضِي الْفِعْلَ مُظْهَرًا أَو مُضْمَرًا. وَصَفَ الْمَنَايَا وعُمومها لِلْخَلْقِ فَيَقُول: لَا يَترُكْنَ الْجَلِيلَ هَيْبَةً لِجَلَالِهِ وَلَا الضائعَ الْفَقِيرَ إشْفَاقًا لِضَيَاعِه وَفَقْرِه. وأنشد فِي الْبَابِ لِزُهَيْر فِي مِثْلِهِ (٢٩٥): [١٠٦] لَا الدَّارِ غَيْرِهَا بَعْدِي الأنِيسُ وَلَا … بِالدَّار لَوْ كَلَّمَتُ ذَا حَاجَةٍ صَمَمُ الشاهِدُ فِي نَصَبِ (الدَّار) بِإِضْمَارِ فِعْلٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَصَفَ دَارًا خَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَمْ يُخْلِفْهُم وغَيرُهِم فِيهَا فَيُغَيِّرُوا مَا عَهِدَ مِنْ آثَارِهَا ورُسومِها. وَيُرْوَى (بُعْدُ الْأَنِيسِ)، أَيْ: هِيَ بَاقِيَةٌ الْآثَارِ كَمَا عُهْدَتُهَا لَمْ يُغَيِّرْهَا بُعْدُ مَنْ عَهِدْتُ مِن الْأَنِيسِ فِيهَا. والأنيسُ: مِنْ يُؤنَسُ بِهِ مِنْ الناسِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَفْتُ بِهَا فسَألتُها ونادَيْتُها بمقدارِ مَا أُسْمِعُها لَو أَجَابَتْ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تُجِبْ فَكَأنَّ بِهَا صَمَمًا. وأنشد فِي الْبَابِ لجرير (٢٩٦): [١٠٧] فَلَا حَسَبًا فَخَرْتَ بِهِ لِتَيْمٍ … وَلَا جَدًّا إذَا ازْدَحَمَ الْجُدُودُ الشاهِدُ فِي نَصْبِ (الْحَسَب) بِإِضْمَارِ فِعْلٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْفِعْل الْمُقَدَّرُ هنَا فِعلٌ وَاصِلٌ إلَى الْمَفْعُولِ بِذَاتِهِ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ الظَّاهِرِ، وَالتَّقْدِيرُ فَلَا ذَكَرْتَ حَسَبًا فَخَرَّتَ بِهِ وَنَحْوُهُ. يُخَاطِبُ عُمَرَ بنَ لَجَأٍ وَهُوَ مِنْ تَيْمِ عَدِيّ فَيَقُول: لَمْ تَكْسَبْ لَهُم حَسَبًا يَفْخَرُونَ به

стр. 118

ولا لَكَ جَدٌّ شريفٌ تُعَوِّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ ازْدِحَامِ النَّاسِ للمَفَاخِر، أَي: ليسَ لَك قَديمٌ وَلَا حَدِيثٌ. وأنشد فِي الْبَابِ (٢٩٧) (بَعْدَ هَذَا) (٢٩٨) أَبْيَاتًا قَدْ مَرَّتْ بِتَفْسِيرِهَا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِها (٢٩٩). وأنشد فِي الْبَابِ للمَرَّار الْأَسَدِيّ (٣٠٠): [١٠٨] فَلَو أَنَّهَا إيَّاك عَضَّتْكَ مِثْلُها … جَرَرْتَ عَلَى مَا شِئْتَ نَحْرًا وَكَلْكَلا الشاهِدُ فِيه نَصْبُ (إيَّاك) بِإِضْمَارِ فِعْلٍ فَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ، وَإِذَا مَثَّلْتَه لَزِمَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ بَعْد إيَّاك لِأَنَّه ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ لَا يجوزُ اتِّصَالُهُ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ فَتَقُول: فَلَو أَنَّهَا إيَّاك عَضَّتْ غَضَّتْكَ مِثْلِهَا. وَصَفَ دَاهِيَةً شَدِيدَةً لَا يَضْطَلَعُ بِهَا فَيَقُولُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ: لَو عَضَّتْكَ [مِثْلِهَا لكَبَّتْكَ <عَلَى> وَجْهِك] (٣٠١)، فجَرَرْتَ عَلَى مَا قَابَلْتَ فِي صَرْعَتِك نَحْرِكَ وكَلْكَلَك وَهُوَ الصَّدْرُ. وأنشد فِي بَابِ تَرْجَمَتُه: هَذَا بَابٌ مِنْ الْفِعْلِ يُسْتَعْمَلُ فِي الاسْمِ ثُمّ يُبْدَلُ مكانَ ذَلِكَ الاسْمُ اسْمٌ آخرُ (٣٠٢): [١٠٩] وَذَكَرْت تَقْتُدَ بَرْدَ مائِها … وعَتَكُ الْبَوْلِ عَلَى أَنْسائِها

стр. 119

الشاهِدُ فِي نَصْبِ (بَرْدَ مَائِهَا) عَلَى الْبَدَلِ مِنْ (تَقْتُدَ) لاشتِمالِ الذِكْرِ عَلَيْهَا. وَصَفَ نَاقَةً بَعُدَ عَهْدُهَا بِوُرُودِ الْمَاءِ لإدْمانها السَيْرَ فِي الفَلاةِ فَيَقُول: ذَكَرْت بَرْدَ مَاءِ تُقْتُدَ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِعَيْنِهِ، وَأَثَرُ بَوْلِهَا عَلَى أَنْسائها ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِخثارَتِهِ، وَإِذَا قَلَّ وُرُودِهَا لِلْمَاءِ خَثُرَ بَوْلُهَا وَغَلُظَ وَاشْتَدَّت صُفَرَتْه، وَعَتَكُ الْبَوْلِ: أَنْ يَضْرِبَ إلَى الْحُمْرَةِ، وَمِنْه قَوْسٌ عَاتِكَةٌ، إذَا قَدُمَتْ واحْمَرَّتْ. وَيُرْوَى (وَعَبَكُ الْبَوْلِ) وَهُو اخْتِلَاطُه بِوَبَرِها وتَلَبُّدُهُ بِه، والأنْساءُ جَمْعُ نَسَىً وهو عِرْقٌ يَسْتَبْطِنُ الْفَخِذَ وَالسَّاقَ. وأنشد فِي بَابٍ تَرْجَمَتُه: هَذَا بَابُ وَجْهٍ اتِّفَاق الرَفْعِ وَالنَّصْبِ، لَعِبْدَةَ بن الطَّبِيب (٣٠٣): [١١٠] فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكَهُ هُلْكُ واحِدٍ … وَلَكِنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما الشاهِدُ فِي رَفْعِ (هُلْكِ واحدٍ) ونَصْبِهِ، عَلَى جَعْلِ هُلْكِهِ بُدَلًا مِنْ قَيْسٍ أَوْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ فِيمَا بَعْدَهُ. رُئِيَ فِي الْبَيْتِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيّ (٣٠٤) وَكَانَ سَيِّدَ أَهْلِ الْوَبَرِ مِنْ تَمِيمٍ فَيَقُول: كَأَنِّي لِقَوْمِهِ وجيرَتِهِ مَأوىً وَحِرْزًا فَلَمّا هَلَكَ تَهَدَّمَ بُنْيانُهم وَذَهَب عِزُّهُم. وأنشده فِي الْبَابِ لِرَجُلٍ مِنْ خَثْعَمَ أَو بَجيلَة (٣٠٥): [١١١] ذَرِيني أَنْ أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعا … وَمَا أَلْفَيْتِني حِلْمِي مُضَاعا

стр. 120

الشاهِدُ فِي حَمْلِ الْحِلْمِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ بَدَلًا مِنْهُ لِاشْتِمَالِ المعنى عَلَيْه. يُخَاطِبُ عاذِلَتَهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ فَيَقُول: ذَرِيني مِنْ عَذْلِكَ فَإِنِّي لَا أَطِيعُ أَمْرِك، فَالْحِلْمُ وصِحَّةُ التَّمْيِيزِ وَالْعَقْل يَأْمُرُنِي بِإِتْلَافِه فِي اكْتِسَابِ الْحَمْد، فَلَا أُضْيَعُ <ذَلِك>. وأنشد فِي الْبَابِ فِي نَحْوِهِ مِنْ الْبَدَلِ (٣٠٦): [١١٢] إِنَّ عَلِيَّ الله أَنْ تُبَايَعَا … تُؤْخَذ كَرْهًا أَو تَجِيءَ طائِعا الشاهِدُ فِي حَمْلِ (تؤخَذَ) عَلَى (تُبَايَع) لِأَنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ: (أَو تَجِيء) تَفْسِيرُ لِلْمُبَايَعَة؛ إذْ لَا تَكُونُ إلَّا <عَلَى> أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ إكْرَاهٍ أَو طَاعَةٍ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: (اللَّه) القَسَمَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عَلِيَّ وَاَللَّه، فَلَمَّا حَذَفَ الْجَارَّ نَصَبَ. وأنشد فِي بَابٍ تَرْجَمَتُه: هَذَا بَابٌ مِنْ الْفِعْلِ يُبْدَلُ فِيهِ الْآخِرُ مِنْ الْأَوَّلِ ويُجرْى عَلَى الاسْم، لِجَرِير (٣٠٧): [١١٣] لَقَد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُرَى … وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ الشاهِدُ فِي الْإخْبَارِ عَنْ اللَّيْل بالنوم اتِّسَاعًا وَمَجَازًا، وَالْمَعْنَى وَمَا الْمَطِيُّ بنائمٍ فِي اللَّيْلِ. وَصَفَ أَنَّه عُذِلَ فِي إدْمَانِ <السَّيْرِ> وَمُوَاصَلَةِ سُرَى اللَّيْلِ فَقَالَ: يَلومُنا فِي ذَلِكَ مِنْ نَنَام عَنْه ونَصْلَى شِدَّتُه دُونَهُ لِمَا نَرْجُو مِنَ الْفَائِدَةِ فِي غِبِّهِ فَلَا نُصْغي إلَى لَوْمِه فِيه وعَذْلِه.

стр. 121

وأنشد في الباب مستشهِدًا في مِثْلِه (٣٠٨): [١١٤] أَمَّا النَهارُ ففي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ … والليلُ في جَوْفِ مَنْحوتٍ من الساجِ الشاهِدُ في إخبارهِ عن النَّهارِ بكونِه في <قَيْدٍ و> سلسلةٍ، وعن الليلِ باستِقرارِه في جَوْفِ مَنْحوتٍ اتِّساعًا ومَجَازًا. وَصَفَ محبوسًا يُقَيَّدُ بالنهارِ ويُغَلُّ في سِلْسِلَةٍ، ويوضَعُ بالليلِ في خَشَبَةٍ مَنُحوتةٍ، والنَحْتُ: حَفْرٌ في خَشَبَةٍ أُو حَجَرٍ، والساجُ: شَجَرٌ معروفٌ من شَجَر الهِنْدِ. وأنشد في الباب (٣٠٩): [١١٥] فكأَنَّه لَهَقُ السَرَاةِ كأنَّهُ … ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادٍ الشاهِدُ في بَدَلِ الحاجبينِ من الضمير المتصلِ بكأنَّ، و (ما) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ للكلامِ، ورَدَّ قوله: (مُعَيَّنٌ بِسَوادٍ) على الضمير لا على الحاجبين وهو في المعنى خَبَرُ عنهما؛ لأنَّ الخَبَرَ إنّما يكون عن البَدَلِ لا عَن المُبْدَلِ منه لأنَّ المُبَدَلِ منه ساقِطً في التقديرِ فكأنَّه لَغْوٌ. وَصَفَ ثورًا وَحْشِيًّا شَبَّه به بعيرَه في حِدَّتِهِ (٣١٠)، ونَشَاطِهِ فيقول: كأنّه ثَورٌ لَهِقٌ السراةِ؛ أي: أبيضُ أَعلى الظَهرِ، وسَراةُ الظَهْر أعلاه، أسْفَعُ الخَدّين كأنّما عُيِّنَ بسَوادٍ وكذلك بَقَرُ الوَحْشِ بِيْضٌ كُلِّها إلَّا سُفْعَةٌ في خُدودِها ومَغَابِنِها وأَكارِعِها، ويقالُ للأبيضِ: لَهِقٌ ولَهَقٌ.

стр. 122

وأنشد في الباب للنابغةِ الجَعْديّ (٣١١): [١١٦] مَلَكَ الخَوَرْنَقَ والسدِيرَ ودانَهُ … ما بينَ حِمْيَرَ أَهْلِها وأَوَالِ الشاهِد في بَدَل الأهْل من حِمْيَرَ، وأراد بحِمْيَرَ البلدةَ سَمَّاها باسمها [لنزولِهِ فيها] (٣١٢). أخبَرَ عن بعضِ مُلوكِ لَخْمٍ فيقول: مَلَكَ الخَوَرْنَقَ والسَدِيرَ وهما قَصْران بالعراقِ بقُرْبِ الحِيْرَةِ، ودانَهُ أي: طاعَ له والدِينُ: الطاعَةُ - ما بينَ بلادِ حِمْيَرَ باليَمَنِ وأُوَالِ وهي بَلَدٌ بعينهِ ممَّا يلي الشامَ. وأنشد في الباب لجرير (٣١٣): [١١٧] مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُرَى … حَتَّى ذَهَبْنَ كَلَاكِلًا وصدورا الشاهِدُ في نَصْب الكَلاكلِ والصُدورِ بقوله: (ذَهَبْنَ) نَصْبَ التَمييزِ لا نَصْبَ الشبيهِ بالظَرفِ في قولهم: مُطِرْنا السَهْلَ والجَبَلَ ونَحوُه من مسائل الباب. وعَبَّرَ سيبويه (٣١٤) عَمَّا أراد من نَصْبِ هذا ونَحْوِه على التمييزِ بذكره الحال لِما بينَ التمييزِ والحالِ من المُناسَبَةِ لوُقوعهما نكرتين بعدَ تمامِ الكلامِ، وتبيينهما للشيء المقصودِ من النوعِ أو النِصْبَةِ كما فَعَل في قوله: هذه جُبَّتُكَ خَزًّا، فسَمَّى الخَزَّ حالًا، وإنَّما هو تمييز لأنّه جرى في التَنزيلِ النِصْبَ مجمع قولك: هذه جارِيَتُكَ منطلقةٌ، وذلك أنَّك تقول: جُبَّتُكَ خَزٌّ كما تقول: جارِيَتُكَ منطلقةٌ، ثُمَّ تقولُ: هذه جارِيَتُكَ كما تقول: هذه جُبَّتُكَ، ثُمَّ تُمَيِّزُ جِنْسَ (٣١٥) الجُبَّةِ فتقول: هذِهِ جُبَّتُكَ خَزًّا كما تُميِّزُ نِصْبَةَ الجاريةِ فتقول: هذه جارِيَتُكَ منطلقةً، فكذلك تقول: ذَهَبَ زيدُ ظَهْرًا وصَدْرًا، وتَغَيَّرَ

стр. 123

وَجْهًا وجِسْمًا، تريد ذَهَب ظَهْرُهُ وصَدْرُهُ، وتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وجِسْمُه، ثُمَّ تَشْغَلُ الفِعلَ باسمِهِ فتنصبُ هذه الأعضاء على التمييزِ كما تقول: ذَهَب زيدٌ مُسرِعًا وانطَلَقَ راكبًا، فتنصبُ هذه الصِفاتِ لاشتِغالِ الفِعل بالاسم المذكورِ قبلَها، ولو أُخْلِصَ لها الفِعلُ لارتَفَعَتْ به، فلمَّا كان التمييزُ والحالُ بمنزلةٍ واحدةٍ في هذه الأشياء عَبَّرَ <سيبويه> عن التمييز بالحالِ (٣١٦)، وعلى هذا تجري سائرُ الأبيات. وَصَفَ رَوَاحِلَ أَنْضاها دُؤبُ السَيرِ في الهَواجِرِ والليلِ حتَّى ذَهَبَتْ لُحومُ كَلَاكِلِها وصُدورها ونَحلَتْ، والكَلاكِلُ: الصدورُ، واحدُها كَلْكَلٌ وكَلْكالٌ، وكأنَّه أرادَ بالكَلْكَل هنا أَعلَى الصَّدرِ فلذلك ذَكَر معه الصَدرَ، ويكونُ أيضًا ذَكَرهما للتوكيد، ومعنى مَشَقَ أذْهَبَ لُحومَهُنَّ، والمَمْشوقُ: الضَريبُ اللَّحْمِ الخَفيفُ الجسمِ. وأنشد في الباب لعمرو بن عَمَّار النَهْدِي (٣١٧) في مِثْلِه: [١١٨] طَويلُ مِتلُّ العُنْقِ أشرَف كاهِلًا … وأَشَقُّ رَجِيبُ الجَوْفِ معتَدِلُ الجِرْمِ الشاهِدُ فيه نَصْبُ (الكاهِلِ) على التَمييزِ لا على التّشبيهِ بالظَرف، وقد تَقَدَّمَ القَولُ فيه. وَصَفَ فَرَسًا فيقول: هو طَويلُ العُنُق، مُشرِفُ الكاهل، رَحِيب الجَوف، طويلُ الخَلْقِ، معتَدِلُ الشَكْلِ، والمِتَلُّ: العُنُقِ الطَويلُ الغَليظُ المَغْرز، وأضافَهُ إلى العُنُقِ ليبينَ نوعَ المِتَلّ فكأنّه قال: طويل الشيء المِتَلِّ الذي هو العُنُق، والكاهِلُ: فُروعُ الكَتِفَين، والأشَقُّ: الطَويلُ الشِقِّ وهو الجانِبُ، والرَحْبُ والرَحِيبُ: الواسِعُ، والجِرْمُ: الجِسْمُ.

стр. 124

وأنشد في الباب للعُمَّاني الراجز (٣١٨): [١١٩] إذا أَكَلْتُ سَمَكًا وفَرْضا … ذَهَبْتُ طُولا وذَهَبْتُ عَرْضا الشاهِدُ في نَصْب الطُولِ والعَرْضِ على التَمييزِ؛ لأنَّ المعنى ذَهَبَ طُولي وعَرْضي أي: اتَّسَعا وتَمَلأ شِبَعًا. والطُولُ والعَرْضُ هنا عبارةٌ عن جميعِ جَسَده، فهما في التَحصيلِ جَوْهَرٌ وإنْ كانا في اللفظ اسمَي (٣١٩) فِعلٍ، فنَصْبُهما إذًا كَنَصْبِ الكَلاكِلِ والصُّدور في البيت المتقدِّمِ وعِلَّتُهما واحدةٌ. والفَرْضُ: ضَربٌ من التَمر لأهلِ عُمان، والفَرضُ: التَمرُ الذي يؤخَذُ في فَرضِ الزَكاةِ وكذلك الزَبيب، وأَصْلُ الفَرضِ في اللُّغةِ القَطْعَ، قالَهُ الزَّجَاجُ في المعاني. وأنشد في الباب لطُفَيل الغَنَوي، والصَحيحُ أنَّه لعامر بن الطُّفَيل (٣٢٠): [١٢٠] فلأبْغِيَنَّكُمُ قَنًا وعُوارِضًا … ولأَقْبِلَنَّ الخَيلَ لابَةَ ضَرْغَدِ الشاهِدُ في نَصْب قَنًا وعُوارضَ على إسقاطِ حَرفِ الجَرِّ ضَرورةً؛ لأنَّهما مكانان مُختصَّان لا ينتصبانِ انتصابَ الظَرفِ، وهما بمنزلةِ ذَهبتُ الشامَ في الشُّذوذِ والحَذْفِ. تَوَعَّدَ في البَيت أَعداءَهُ بتَتَبُّعِهم والإيقاع بهم حيثُ حَلَّوا من المواضع المَنيعةِ، ومعنى لأبْغِيَنَّكُمُ لأطْلُبَنَّكُمْ، وقَنًا وعُوارِضُ موضعان، واللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وَضَرْغَدٌ: جَبَلٌ بعينِهِ، ومعنى لأقْبِلَنَّ الخَيلَ لأورِدَنَّها هذه الحَرَّةَ ولأقْبِلَنَّها <بها>.

стр. 125

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ من اسمِ الفاعِلِ، لامرِئ القَيس، ويروى للنَمِرِ بن تَوْلب (٣٢١): [١٢١] إنِّي بحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلي … وبريشِ نَبْلِكِ رائشٌ نَبْلي الشاهِدُ فيه تنوينُ (واصل ورائشٍ) ونَصْبُ ما بعدَهما تَشبيهًا بالفِعلِ المضارعِ؛ لأنَّهما في معناه ومِن لفظِهِ، فجَرَيا في العَمَلِ مجراه كما جرى في الإعرابِ مجراهُما. يُخَاطِبُ محبوبَتَهُ فيقولُ لها: أَمْرِي مِن أَمْرِكِ ما لَم تَتَشَبَّثي بَغَيْرِي وتَمِيلي بهَواكِ إليه، وبعدُهُ (٣٢٢): ما لَمْ أَجِدْكِ على هُدَى أَثَرٍ … يَقْفو مَقَصَّكِ قائفٌ مِثْلي ويُروى بفَتْحِ الضَمير على خِطابِ الصَديقِ والصاحِبِ، وضَرَبَ وَصلَ الحَبْلِ مَثَلًا للمَوَدَّةِ والتَواصُلِ، ورِيشَ النَبْل مَثَلًا للمُخالَطَةِ والتَدَاخُل. وأنشد في الباب لعُمَر بنِ أبي ربيعة (٣٢٣): [١٢٢] ومِنْ مالِئٍ عَيْنَيه من شيءِ غَيرهِ … إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البِيضُ كالدُمَى (٣٢٤)

стр. 126

الشاهِدُ فيه تَنوينُ (مالِئٍ) ونَصْبُ (العَينينِ) به تَشبيهًا بالفِعلِ المضارعِ له كما تقدم. وَصَفَ أنَّ المُحِبَّ العاشقَ يلقى بمِنىً عندَ رَمْيِ الجِمارِ مَنْ يُحِبُّ فيَمْلأُ عَيْنيهِ منه وَيَلَذُّ بنَظَرِهِ إليه. والبيضُ: النِساءُ، والدُّمَى: صُوَءُ الرُخام، شُبِّهَ بها النِساءُ لأنَّ الصانعَ لها لا يُبْقِي غايَةٌ في تَحْسِينها وتَلْطيفٍ شَكْلِها وتَخْطِيطها، ويُرادُ أيضًا مع ذلك السَكِينةُ والوَقارُ. وأنشد في الباب لزهير <في مِثْلِه> (٣٢٥): [١٢٣] بَدَا لِي أنِّي لَسْتُ مُدْركَ ما مَضَى … ولا سابِقًا شيئًا إذا كانَ جائيا الشاهِدُ فيه تُنوينُ (سابقٍ) ونَصْبُ ما بعدَهُ كالذي تَقَدَّمَ. يقول: اختَبَرْتُ حالَ الزَّمانِ وتَقَلُّبي فيه، فبَدَا لي أَنِّي لا أُدرِكُ ما فاتَ منه ولا أَسبِقُ ما لم يَجيء بَعُدُ فيه قبلَ وَقْتِه، والمعنى أنَّ الإنسانَ مُدَبِّرٌ لا يَملِكُ لنفسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا. وأنشد في البابِ للأخْوَص الرِياحيّ (٣٢٦). [١٢٤] مَشائيمُ لَيْسوا مُصلحِينَ عَشِيرةً … ولا ناعِبًا إلَّا ببَيْنٍ غُرابُها الشاهِدُ فيه إثباتُ النونِ في (مُصْلحين) ونَصْبُ (العَشيرةِ) <به>، وعِلَّتُهُ

стр. 127

كعِلَّةِ ما قبلَهُ لأنَّ النونَ فيه بمنزلةِ التنوينِ في واحِدِه وكلاهما (٣٢٧) يمنَعُ من الإضافةِ ويُوجِبُ نَصْبَ ما بعدَهُ. يَهْجو قَومًا ويَنسُبُهم إلى الشُؤمِ وقِلَّةِ الصَلاحِ والخَيرِ فيقول: لا يُصلِحونَ أَمْرَ العَشيرةِ إذا فَسدَ ما بينهم، ولا يأتمِرونَ لخيرٍ فَغُرابُهم لا يَنعبُ إلَّا بالتَشْتيتِ والفِراقِ، وهذا مَثَلٌ للتَطَيُّر منهم والتَشَؤُّمِ بهم، والنَعيبُ: صوتُ الغُرابِ ومَدُّهُ (٣٢٨) عُنْقَهَ عند ذلك، ومنه ناقَةٌ نَعُوبٌ ومِنْعَبُ؛ إذا مَدَّتْ عُنُقَها في السَيرِ. وأنشد في الباب للفرزدق (٣٢٩): [١٢٥] أَتَاني على القَعْساءِ عادِلَ وَطْبِهِ … بِرِجْلَيْ لَئيمٍ وآسْتِ عَبدٍ تُعادِلُهْ الشاهِدُ فيه حَذْفُ التَنوينِ من (عادِلٍ) استخفافًا وإضافَتُهُ إلى ما بعدَهُ وتنكيرُه (٣٣٠) وإنْ كان مُضافًا إلى معرفةٍ لما يُنْوَى فيه مِنَ التنوين، والتقدير أَتانِي عادِلًا وَطْبَهُ. هَجا رجلًا وجَعَلَه راعِيًا فيقول: أَتاني راكبًا على راحِلَةٍ قَعْساءَ وهي المُحْدَوْدِبَةُ من الهُزالِ قد عَدَلَ وَطْبَهُ وهو زِقُّ اللَّبَن باسْتِهِ ورِجْلَيهِ؛ أي: جَعَلهما عَدْلًا له. وقد قيلَ: أرادَ بالقَعْساءِ أَتَانًا، والأوَّلُ أَولَى لذِكرِه الوَطْبَ؛ لأنَّ الراعي إنَّما يَرتحِلُ من الإبِلِ التي يَرْعاها. وأنشد في الباب للزِبْرِقانِ بن بَدْر (٣٣١): [١٢٦] مُسْتَحْقِبِي حَلَقِ الماذِيِّ يَحْفِزُهُ … بالمَشْرَفي وغابٌ فَوقَهُ حَصِدُ

стр. 128

الشاهِدُ في حَذْفِ النونِ من (مستحقيين) استخفافًا وإضافَتِه إلى ما بعدَه. وَصَفَ جَيْشًا فقال مُخْبِرًا عن فُرسانِهِ: مستحقبي حَلَقِ الماذِيّ؛ أي < قد > جَعَلوها في حَقَائبهم وهي مَآخِيرُ الرِحالِ مُعَدَّةً للبأسِ، والماذيُّ: الدروعُ الصافيةُ الحَديدِ اللَّيِّنَةُ المَسِّ (٣٣٢)، واحدَتُهَا ماذِيَّةٌ، وقوله: (يَحفِزُهُ) إخْبارٌ عن الجيشِ فلذلك وَحَّدَهُ، والهاءُ عائدةٌ على الماذيّ لأنَّه اسمُ جِنْسٍ، والمَشْرَفيُّ السَيفُ، نُسِبَ إلى المَشارِفِ [وهي] قُرىً بالشام تُطْبَع بها السُّيوفُ، ومعنى يَحفزُهُ بالمَشرَفِيّ يَرفَعُهُ [بحَمائِلِه ويُشَمِّرُ ذُيولَهُ] (٣٣٣)، وأرادَ بالغابِ الرِماحَ، سَمّاها بمَنْبِتِها، والغابُ جَمعُ غابَةٍ وهي الغَيْضَةُ. والحَصِدُ: المقطوعُ لأنَّ الرِماحَ تُقْطَعُ مِن أَجَمَتِها، فَوَصَفَها بذلك، ويقال: الحَصِدُ المُلْتَفُّ من قولهم: استَحْصَدَ الشَيءُ إذا قَوِيَ واشتَدَّ، وحَبلٌ مُحْصَدٌ أي: مُحْكَمُ الفَتْلِ شديدٌ. وأنشد في الباب للسُلَيْكِ بنِ السُلَكَة (٣٣٤): [١٢٧] تَرَاها مِنْ يَبِسِ الماءِ شُهْبًا … مُخَالِط دِرَّةٍ مِنها غِرارُ الشاهِدُ فيه حَذْفُ التنوين من (مُخالِطٍ) وإضافَتُهُ إلى الدِرَّةِ، والمعنى [(معنى ثَبَاتِ] (٣٣٥) التنوين والنَصبِ، ويَدُلُّ على ذلك ارتفاعُ (غِرارٍ) به، والتقدير يُخالِطُ دِرَّتَها غِرارٌ. وَصَفَ خَيلًا فيقول: إذا يَبِسَ العَرَقُ عليها ابيَضَّ فرَأَيْتَها شُهْبًا وكذلك عَرَقُ الخَيلِ، وأمَّا عَرَقُ الإِبِلِ فَيَصْفَرُّ إذا يَبِسَ، ثُمَّ وَصَفها باعتِداِل العَرَقِ وتَوَسُّطِهِ للكثرةِ والقِلَّةِ فقال: يُخالِطُ دِرَّةَ عَرَقِها وهي كَثرتُهُ ودُفْعَتُه غِرارٌ وهو تَبَجُّسُه شَيئًا بعدَ شَيءٍ وقِلَّتُهُ

стр. 129

وهو المُسْتَحَبُّ، ويُكْرَهُ إفراطُهُ لأنَّ ذلك يَجْهَدُهُ، ويُكْرَهُ انقِطاعُهُ وعَدَمُهُ لِما يُتَوَقَّعُ عليه من الرَبْوِ لذلك. وأنشد في الباب للنابغة الذُبياني (٣٣٦): [١٢٨] أُحْكُمْ كَحُكُمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ … إلى حَمامٍ شِراعٍ وارِدٍ الثَمَدِ الشاهِدُ فيه إضافَةُ (وارِدٍ) إلى (الثَمَدِ) علي نِيَّةِ التَنوينِ والنَصْبِ، ولذلك نُعِتَتْ به النكرةُ مع إضافته إلى المعرفةِ إذْ كانَتْ إضافَتُه غَيرَ مَحْضَةٍ. يُخاطبُ النُعمان بنَ المنذرِ (٣٣٧) فيقول: كُنْ حَكيمًا في أَمْرِي أَيْ: مُصيبًا للحَقِّ فيه والعَدلِ، وكانَ واجِدًا عليه، وضَرَبَ له المَثَل بإصابةِ الزرقاء في حَزْرِها للحمامِ التي مَرَّت طائرةً بها فحضرت عددها مع كَثرتها وتَراكُمِها، وخَبرها مشهورٌ يَسْتَغني عن التَفسير. والشِراعُ: الوارِدَةُ، والشَرِيعةُ المَوْرِدُ، والثَمَدُ: الماءُ القُليلُ على وَجْهِ الأرضِ. وأنشد في الباب للمَرَّارِ الأسدي (٣٣٨): [١٢٩] سَلِّ الهُمومَ بكُلِّ مُعْطِي رأسِهِ … ناجٍ مخالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّس الشاهِدُ فيه إضافَةُ (مُعْطٍ) إلى (الرأس) مع نِيَّةِ التنوين والنَصْبِ، والدليلُ على ذلك إضافَةُ (كُلٍّ) إليه لأنَّ (كُلًّا) هنا لا تضاف إلَّا إلى نكرةٍ، ونَعْتُهُ بـ (ناجٍ) وما بعدَهُ وهو نكرةٌ.

стр. 130

والمعنى سَلِّ هُمومَك اللازِمَةَ لكَ بفِراقٍ مَنْ تَهْواه ونَأيِهِ عنكَ بكُلِّ بَعيرٍ ترتَحِلُهُ للسَفَرِ مُعْطٍ رأسَهُ أي: ذَلول مُنْقادٌ، ناجٍ؛ أَيْ: سَريعٌ، والنَجَاءُ: السُرْعَةُ والفَوتُ، والصَّهْبَةُ: أنْ يَضِربَ بَياضُهُ إلى الحُمْرَةِ وهو نِجارُ الكَرَمِ والعِتْقِ، والمُتَعَيِّسُ والأعْيَسُ: الأبيضُ وهو أفضَلُ ألوانِ الإبلِ، وبعدَه في بعضِ النُسَخِ (٣٣٩): مُغْتالِ أحْبُلِهِ مُبِينٍ عُنْقُهُ … في مَنِكِبٍ زَبَنَ المَطِيِّ عَرَنْدَسِ وسَيُفَسّر في موضِعِه من الكتابِ (٣٤٠) إنْ شَاء الله. وأنشد في الباب (٣٤١): [١٣٠] فألْفَيْتُهُ غَيرَ مُسْتَعْتِبٍ … ولا ذاكِرِ الله إلَّا قليلا الشاهِدُ فيه حَذْفُ التنوين من (ذاكرٍ) لالتقاء الساكنين ونَصْبُ ما بعدَهُ وإنْ كان الوَجْهُ إضافَتَهُ كما تَقَدَّمَ. وفي حَذْفِ تَنْوينه لالتقاء الساكنينِ وجهان: أحدُهما أنْ يُشَبّهَ بحذفِ النونِ الخفيفةِ إذا لَقِيَها ساكِنٌ كقولك: اضْرِبَ الرجُلَ تُريدُ اضرِبْنْ، والوجهُ الثاني أَنْ يُشَبَّهَ بما حُذِفَ تَنْوينُهُ من الأسماءِ الأعلامِ إذا وُصِفَ بابْنِ مُضافٍ إلى عَلَمٍ كقولك: رأيتُ زيدَ بنَ عَمرٍو. وأحسَنُ ما يكونُ حَذْفُ التنوين للضرورةِ في مثل قولك: هذا زيدٌ الطويلُ؛ لأنَّ النَعتَ والمنعوتَ كاسم (٣٤٢) واحدٍ فيُشَبَّه بالمُضافِ والمضافِ إليه. وأنشد بعدَ هذا البيت بَيتًّا لجرير (٣٤٣) فيما حُمِلَ على المعنى وهو قوله:

стр. 131

جِئْنِي بمِثْلِ بَني بَدْرٍ لقَوْمِهِم … أوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظورِ بنِ سَيّارِ [٧٦] وقد مَرَّ تفسيرُهُ (٣٤٤). وأنشد في الباب لكَعبْ بن جُعَيْل التَغْلَبِيّ (٣٤٥): [١٣١] أَعِنِّي بخَوّارِ العِنانِ تَخَالُهُ … إذا راحَ يَرْدِي بالمُدَجَّجِ أحْرَدا وأبيَضَ مَصْقولَ السِطامِ مُهَنَّدًا … وذا حَلَقٍ من نَسْجِ داوُدَ مُسْرَدا الشاهِدُ فيه (٣٤٦) حَمْلُ (أَبيضَ) على معنى (أَعِنِّي بخَوّارِ العِنانِ) لأنّ معناه أَعْطِني وناوِلْنِي، فكأنّه (٣٤٧): ناوِلْنِي خَوّارَ العِنانِ وأبيضَ مَصْقولَ السِطامِ. وجعل سيبويه (٣٤٨) هذا تَقْويَةً لنَصْبِ المعطوفِ في قولك: هذا ضارِبُ زيدٍ وعَمْرًا لأنّ المعنى يَضْربُ زيدًا وعَمْرًا. أرادَ بخَوّارِ العِنانِ فَرَسًا مُنْقادًا مُتَأَنِّيًا بين العِنانِ عندَ الجَذْبِ والتَصريفِ، والخَوّارُ: الضَعيفُ اللَّيِّنُ. والرَدَيانُ أَنْ يَضربَ بيديهِ عندَ السَيرِ ضَرْبًا لمَرَحِهِ، ويُقالُ لِما تُكْسَرُ به الحِجارَةٌ مِرْداةٌ من هذا. والمُدَجّجُ: اللابِسُ للسلاحِ، وهو بالكسرِ والفتحِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وشَبَّه الفَرَسَ بالأحْرَدِ لأنّه يَميلُ بيديهِ عن القَصْدِ لِمَرَحِهِ، وأصلُ الحَرَدِ داءٌ يُصيبُ البَعيرَ في يديه من العقالِ. وأرادَ بالأبيضِ سَيفًا صَقيلًا، والسِطامُ: جَوانِبُهُ ولا يُعرَفُ لها واحدٌ، والمُهَنَّدُ: الهِنْدِيُّ ولا فِعْلَ له، ولكنّه لَفظٌ موضوعٌ لمعنى النَسَب ومِثلُهُ

стр. 132

غَرِيبٌ. وأرادَ بالحَلَقِ حَلَقَ الدِرْعِ، ونَسَبَها إلى داود ﵇ لأنّه أَوّلُ مَنْ عَمِلَ الدُروعَ، والمُسْرَدُ: المتتابعُ النَظْمِ، والمعروفُ في اللغةِ سَرَدْتُ الدِرعَ فهي مَسْرودَةٌ، ويَجوزُ على هذا أسْرَدْتُها فهي مُسْرَدَةٌ، وهو قَليلٌ. وأنشد في البابِ (٣٤٩): [١٣٢] بَيْنا نَحنُ نَرْقُبُهُ أَتانا … مُعَلَّقَ وَفْضَةٍ وزِنادَ راعي الشاهد فيه نَصْبُ (زِنادٍ) حَمْلًا على موضعِ (الوَفْضَةِ)، لأنّ المعنى يُعَلَّقُ وَفْضَةً وزِنادَ راعٍ. والوَفْضَةً: الكِنانَةُ. وأنشد في الباب (٣٥٠): [١٣٣] هَلْ أنتَ باعِثُ دِينارٍ لحاجَتِنا … أوْ عَبْدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بنِ مخْراقِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (عَبْدِ رَبٍّ) حَمْلًا على موضعِ (دينارٍ)، لأنّ المعنى هَلْ أنتَ باعِثٌ دينارًا أو عَبْدَ رَبٍّ. ويَحْتمِلُ دِينارٌ هنا وجهينِ: [أحدهما] أنْ يكونَ أرادَ أحَدَ الدَنانيرِ، أو يكون أرادَ رَجُلًا يُقال له: دِينارٌ، لأنّه من أسمائهم. وأنشد في البابِ فيما حُمِلَ على المعنى لمُزاحِم العُقَيْليّ (٣٥١):

стр. 133

[١٣٤] يَهْدِي الخَمِيسَ نِجَادًا في مَطالِعِها … إمّا المِصاعَ وإمّا ضَرْبَةٌ رُغْبُ الشاهِدُ فيه حَمْلُ (الضَربةِ) على معنى (إمّا المِصاعَ)، لأنّ معناه إمّا أَمرُهُ المِصاعُ [وإمّا ضَرْبَةٌ رُغُبٌ]، وأمّا نَصْبُ (المِصاعِ) فَعَلى المصدر، والعامِلُ فيه فِعْلُهُ الذي جُعِلَ بَدَلًا من اللفظِ به وهو يُماصِعُ. والمِصاعُ: القِتالُ. والنِجادُ جَمعُ نَجْدٍ وهو الطريقُ في الجَبَلِ، والنَجْدُ أيضًا ما ارتَفَعَ من الأرضِ. ونَصَبَ (النِجاد) بِـ (يَهْدِي) على إسقاطِ حَرْفٍ الجَرِّ والتقديرُ يَهْدي الخميسَ إلى النِجادِ وفي النِجادِ. والرُغُبُ: الواسِعَةُ وهو مصدرُ وُصِفَ به. وأنشد في الباب لكَعْب بن زهير (٣٥٢): [١٣٥] فلَمْ يَجدا إلّا مُناخَ مَطيَّةٍ … تَجافَى بها زَوْرٌ نَبِيلٌ وكَلْكَلُ ومَفْحَصَها عنها الحَصَى بِجِرانِها … ومَثنَى نَواجٍ لم يَخُنْهُنَّ مَفْصِلُ وسُمْرٌ ظِماءٌ واتَرَتْهُنٌ بعدَما … مَضَتْ هَجْعَةٌ من آخِرِ الليلِ ذُبَّلُ الشاهد في الأبياتِ رَفْعُ (السُمْرِ الظِماءِ) حَمْلًا على المعنى، لأنّه لمّا قال: فَلَمْ يَجِدا إلّا مُناخَ مطيّةٍ ومَفْحَصَها عنها الحَصَى، عُلِمَ أَنّ بالمنزِل الذي وَصَفَ هذه الأشياء، فكأنّه قال: فيه كذا وكذا وسُمْرٌ ظِماءٌ. وَصَفَ مَنزلًا رَحَلَ عنه فطَرَقَه ذِئبان (٣٥٣) يَعْتَسَّانه، فلم يَجِدا به إلّا موضعَ إناخَةِ

стр. 134

مطيَّةٍ وموضعَ فَحْصِها الحَصَى عند البُروكِ بِجِرانِها وهو باطِنُ عُنقِها، ومواضعَ قوائمها وهي المَثْنَى لأنّها تَقَعُ بالأرضِ مَثْنيةً، والنواجي: السريعةُ يعني قوائمها. ووَصَفَها بتَجافِي الزَوْر < بها > لنُتوئِهِ وضُمْرِها، فإذا بَرَكَتْ تَجافَى بَطْنُها عن الأرضِ، والزَورُ: ما بينَ ذِراعَيْها من صَدرها، والنَبيلُ: المُشرِفُ الواسِعُ، والكَلْكَلُ: الصَدرُ. وأرادَ بالسُمْرِ الظِماءِ بَعرَها، ووَصَفَها بهذا لعَدَمِها المَرعى الرَطْبَ وقِلَّةِ ورودها للماءِ لأنها في فَلاةٍ. ومعنى واتَرَتْهُنَّ تابَعَتْ بينهنَّ عندَ انبعاثِها، وذلك من فِعْلِها معروفٌ. والهَجْعَةُ: النَومَةُ في الليلِ خاصَّة، وأراد بها نَومَة المُسافِرِ في آخِرِ الليلِ. والذُّبَّلُ من وَصْفِ السُمْرِ الظِماءِ. ورَفْعُها الذي اضطرُه إلى القَطْعِ والحَملِ على المعنى، وكانَ الوَجهُ النَصْبَ لو أَمْكَنَهُ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٣٥٤): [١٣٦] بادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مع البِلَى … إلّا رَواكِدَ جَمْرُهنَّ هَباءُ ومُشَجَّجٌ أمّا سَواءٌ قَذَالِهِ … فبَدَا وغَيَّرَ سَارَهُ المَعْزاءُ الشاهدُ فيهما حَمْلُ (مُشَجَّجٍ) على المعنى، لأنّه لمّا قال: (إلّا رَواكِدَ) فاستَثْناهنَّ من آيِ الدِيارِ عُلِمَ أَنَّها مُقيمةٌ بها ثابِتَةٌ، فكأنّه قال: بها رَواكِدُ ومُشَجَّجٌ. وأرادَ بالرَواكِدِ الأثافِيَّ، ورُكودها ثُبوتُها وسُكونُها. ووصفَ الجَمْرَ بالهَبَاءِ لِقِدَمِهِ وانسِحاقِهِ، والهَباءُ: الغُبارُ وما يبدو عن شُعاعِ الشَمسِ إذا دَخَلَتْ مِنْ كُوَّةٍ. وأَرادَ بالمُشَجَّجِ وَتِدًا مِن أَوْتادِ الخِباءِ، وتَشْجِيجُهُ: ضَربٌ رأسِهِ ليَثْبُتَ، ومنه الشَجَّةُ في الرأسِ. وسَواءٌ قَذَالِهِ: وسطُهُ، ويُروى سوادُ قَذَالِهِ وسَوادُ كُلِّ شَيءٍ شَخْصُهُ، وأرادَ بالقَذَالِ أعلاه وهو مِنَ الدابَّةِ مَعْقِدُ العِذارِ بينَ الأذُنَينِ. وقوله: (غَيَّر سارَهُ) أراد

стр. 135

< غَيَّرَ > سائِرَهُ، فحَذَفَ الفِعلَ لاعتِلالِهِ، ونظيرُهُ هارٍ بمعنى هائرٍ وشاكٍ بمعنى شائكٍ. والمَعْزاءُ: أرضٌ صُلْبَةٌ ذاتُ حَصىً، وكانوا يَتَحَرَّونَ النُزولَ في الصَلابةِ ليكونوا بمَعْزِلٍ عن السَيلِ ولتَثْبُتَ أوتادُ (٣٥٥) الأبنيةِ. ومعنى (بادَتْ) تَغَيَّرَتْ وبَلِيَتْ، وأَضمَرَ الفاعِلَ في (غَيَّرَ) لدِلالةِ بادَتْ عليه، والمعنى وغَيَّرَ بُيُودُها آيَهُنَّ، والآيُ جَمعُ آيةٍ وهي علاماتُ الدِيارِ، والبِلَى تَقَادُمُ العَهْدِ. وممّا أَنشَدَه الأخفَشُ في البابِ (٣٥٦): فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ … زَجَّ القَلُوصَ أبي مَزادَهُ (٣٥٧) الشاهِدُ فيه الفَصلُ بينَ الزَجِّ وأبي مَزادَةَ بالقَلُوصِ و < هي > مَفْعولُهُ، والتقديرُ زَجَّ أبي مَزادَةَ القَلْوصَ، ومِثلُ هذا لا يَجوزُ في شِعرٍ ولا غَيرِه، وإنّما يَجوزُ في الشِعرِ بالظَرفِ خاصّةً (٣٥٧ أ)، لأنّه موجودٌ وإنْ لم يُذْكَر فأُقْحِمَ لذلك. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ < ما > جَرَى مَجرى الفاعِلِ الذي يَتَعَدّاه فِعْلُهُ إلى مَفْعولين، للشَمّاخ (٣٥٨): [١٣٧] رُبَّ ابْنِ عَمٍّ لِسُلَيْمَى مُشْمَعِلّ … طَبّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ الشاهدُ فيه إضافَةُ (طَبّاخٍ) إلى (الساعاتِ) ونَصْبُ الزادِ على التَعَدِّي، والتقديرُ طَبّاخِ ساعاتِ الكَرَى على تَشْبيهِ (الساعاتِ) بالمفعولِ به لا على الظرفِ،

стр. 136

ولا تجوزُ الإضافَةُ إليها وهي مُقَدّرَةٌ على أصلها مِن الظرفِ، لأنّ الظَرفَ يُقَدّرٌ فيه حرفُ الوِعاءِ وهو (في)، والإِضافَةُ إلى الحَرفِ غَيرُ جائزةٍ وإنّما يُضافُ إلى الاسمِ. ولمّا أضافَ الطَبّاخَ إلى الساعاتِ على هذا التأويلِ اتِّساعًا ومجازًا عَدّاه إلى الزادِ لأنّه المفعولُ به في الحقيقة. والمُشْمَعِلُّ: الجادُّ في أَمْرِهِ المُشَمَّرُ، يقول: إذا كَسِلَ أصحابُهُ عن طَبْخِ الزادِ عندَ تَغْرِيسهم وغَلَبَة الكَرَى عليهم كَفاهُم ذلك وشَمَّرَ في خِدْمَتِهم، والعَرَبُ تَفْخَرُ [بمِثْلِ هذا] (٣٥٩). ويَجوزٌ إضافَةُ (طَبّاخٍ) إلى (الزادِ) والفَصْلُ بالظَرفِ ضَرورةً، والأوّلُ أجوَدُ. وأنشد في البابِ للأخطل (٣٦٠) في مِثْلِه: [١٣٨] وكَرّارِ خَلْفِ المُجْحَرِينَ جَوادَهُ … إذا لمْ يُحامِ دونَ أُنْثَى حَلِيلُها الشاهِدُ فيه إضافَةُ (كَرَّارٍ) إلى (خَلْف) ونَصْبُ (الجوادِ) به، والقولُ فيه كالقولِ في البيت الذي قبلَه، إلّا أنّ الإِضافَةَ إلى (خَلْف) أَضْعَفُ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِها في الأسماءِ. ويَجوزُ فيه [مِن الفصل] ما جازَ في الأوّلِ، والأوّلُ أجْوَدُ. وَصَفَ رَجُلًا بالشَجاعةِ والإِقْدامِ فيقول: إذا فَرَّ الرجالُ عَنْ أَزواجهم منهزمين وأَسْلَموهُنّ للعَدُوِّ كَرَّ جَوادَه خلفَ المُجْحَرِينَ وهم المُلْجَؤُونَ المَغْشِيّون فقاتَلَ في أَدبارِهِم. وأنشد في الباب (٣٦١):

стр. 137

[١٣٩] ويَومٍ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا … قَليلٍ سِوى الطَعْنِ النِهالِ نَوافِلُهْ الشاهدُ فيه نَصبُ ضَميرِ اليومِ بالفِعلِ تَشبيهًا بالمفعولِ به اتساعًا ومجازًا، والمعنى شَهِدْنا فيه. وسُلَيْمٌ وعامِرٌ قَبيلتان (٣٦٢) من قيسِ عَيْلان، والنوافِلُ هنا الغَنائمُ، يقول: [يوم] لم نَغْنَم فيه إلّا النُفوس لِما أَوْلَيْناهم من كَثرةِ الطَعْنِ. والنِهالُ: المُرْتَوِيَةٌ بالدَمِ، وأصلُ النَهَلِ أوّلُ الشُربِ، والعَلَلُ: الشُربُ بعدَ الشُربِ، والطَعْنُ هنا جَمعْ طَعنةٍ. وأنشد في الباب لعَمرو بن قَميئة (٣٦٣): [١٤٠] لَمّا رأَتْ ساتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ … لِلّهِ دَرُّ اليَومَ مَنْ لامَها الشاهدُ فيه إضافَةُ (الدَرِّ) إلى (مَنْ) مَعَ جوازِ الفَصلِ بالظَرفِ ضَرورَةً، إذْ لم يُمْكِنْهُ إضافةُ الدَرِّ إليه ونَصْبُ (مَنْ) به لأنّه ليسَ باسمِ فاعلٍ ولا اسم فِعلٍ فيَعمل عَمَلَ الفِعل. وَصَفَ امرأةً نَظَرَتْ إلى (ساتِيدمَا) وهو جَبَلٌ بعَيْنِه بَعيدٌ من دِيارها فتَذكَّرَتْ (٣٦٤) به بلادَها فاستَعْبَرَتْ شوقًا إليهم، ثُمّ قال: لِلّهِ دَرُّ اليومَ مَنْ لامَها على استِعْبارها وشَوقِها إنكارًا على لائِمِها لأنّها استَعْبَرَتْ بحَقٍّ فلا يَنبغي أنْ تُلامَ. ويقال: إنْ هذا الجَبَلَ لَمْ يَمُرّ عليه يومٌ من الدَهرِ لم يُسْفْك (٣٦٥) فيه دَمٌ فلذلك سُمِّيَ ساتِيدما، واللهُ أعلم. وأنشد في البابِ لأبي حَيَّةَ النُّمَيْرِيّ (٣٦٦):

стр. 138

[١٤١] كما خُطَّ الكِتابُ بكَفِّ يَومًا … يَهودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ الشاهدُ فيه إضافَةُ (الكَفِّ) إلى (اليَهوديّ) مع الفَصلِ بالظَرفِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قبلَه، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. وَصَفَ رسومَ الدارِ فشَبَّهها بالكتابِ في دِقَّتِها والاستِدلالِ بها، وخَصّ اليهودَ لأنّهم أهلُ كتابٍ، وجَعَل كتابَتَهُ بعضُها متقارِبٌ وبعضُها مُفتَرِقٌ مُتَباينٌ الاقتِضاءِ آثارِ الدارِ (٣٦٧) تلك الصفةَ والحالَ. ومعنى يُزيلُ يُفَرِّقُ ما بينَها ويُباعِدُ، يقال: زالَ الشَيءُ يَزيلُ وأَزَلْتُه وزِلْتُهُ (٣٦٨)، إذا مَيَّزْتَ بعضَهُ من بعضٍ وفَرَّقْتَهُ، وزَيَّلْتُهُ فتَزَيَّلَ. وأنشد في الباب للأعشى (٣٦٩): [١٤٢] ولا نُقاتِلُ بالعِصِيْـ … يِ ولا نُرامِي بالحِجارَهْ إلّا عُلالَةَ أَو بُدَا … هَةَ قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهُ الشاهِدُ فيه إضافَةُ (العُلالَةِ) إلى (القارحِ) مع الفَصْلِ بالبُداهةِ ضَرورةً، وسَوّغَ ذلك أَنَّهما يقتضيانِ الإِضافة إلى القارحِ اقتِضاءً واحدًا، فأُنْزِلَتا منزلةَ اسمٍ واحدٍ مضافٍ إلى القارحِ كما قالوا: (يا تيمَ تَيمَ عَدِيٍّ)، وقد مَرّ تَفسيرُه (٣٧٠). وتقديرُ هذا قبلَ الفَصلِ إلّا عُلالَةَ قارحٍ أو بُداهَتَهُ، فلما اضطُرّ إلى الاخْتِصارِ والتقديمِ حَذَفَ الضميرَ وقَدَمَ البُداهَة وضَمّها إلى العُلالَةِ، فَلَقِيَتِ [القارِحَ واتصَلَتْ به فأُضِيفَتْ إليه] (٣٧١)، وقد كانت العُلالَةُ مضافَةً إلى القارحِ قَبْلَ تَقديمِ البُداهَةِ فَبَقيتْ

стр. 139

على إضافَتِها. هذا تقديرُ سيبويه، وقد خُولِفَ (٣٧٢) فيه، والصَحيحُ [ما قالَهُ إنْ شاء الله] (٣٧٣). وَصَفَ أَنَّه وقَومَهُ أصحابُ حُروبٍ (٣٧٤)، يُقاتلونَ على الخَيلِ لا أصحابُ إبِلٍ يَرْعَوْنَها فيُقاتِلُ بعضُهم بعضًا بالعِصِيِّ والحجارةِ، والعُلالَةُ: آخِرُ جَرْيِها. والبُداهَةٌ: أوَّلُه. والنَهْدُ: الغَليظُ. والجُزارَةُ: القوائمُ والرأسُ، ويُسْتَحَبُّ غِلظُها [مع قِلَّةِ لحمها] (٣٧٥)، وإنّما سُمِّيَتْ جُزارَةً لأنّها كانتْ من الجَزورِ أُجْرَةَ الجازِرِ فبقيَ عليها الاسمُ. وأنشد في الباب لذي الرُمّة (٣٧٦): [١٤٣] كأنَّ أَصْواتَ مِنْ إيغالِهنَّ بِنا … أواخِرِ المَيْسِ أصْواتُ الفَراريجِ الشاهِدُ فيه إضافَةُ (الأصواتِ) إلى (أواخِرِ المَيْسِ) مع فَصْلِهِ بالمجرورِ ضرورةً، والتقديرُ كأنّ أصواتَ أواخر المَيْسِ مِن شِدَّةِ سَيرِ الإِبلِ بنا واضطرابِ رِحالِها عليها أصواتُ الفَراريِج. والمَيْسُ: شَجَرٌ تُعمَلُ منه الرِحالُ، ويقال: هو النَشَم. والإيغالُ شِدّةُ السَيرِ. وأنشد في الباب لدُرْنا بنت عَبْعَبَةَ من بني قيس بن ثعلبة (٣٧٧): [١٤٤] هُما أَخَوا في الحَربِ مَنْ لا أخالَهُ … إذا خاف يومًا نَبْوَةً فَدَعاهُما

стр. 140

الشاهدُ فيه إضافَةُ الأخَوَينِ إلى (مَنْ) مع الفَصلِ بالمجرورِ، وهو كالذي تَقَدّم (٣٧٨). رَثَتْ أخَوَيها فتقول: كانا لمَنْ لا أَخًا لَهُ في الحَربِ ولا ناصِرَ أَخَوَينِ يَنْصُرانه إذا غَشِيَهُ العَدُوُّ فخافَ أنْ يَنْبُوَ عن مُقاوَمَتِهِ، وأصلُ النَبْوَةِ أنْ يُضْرَبَ بالسَيفِ فَيَنْبو عن الضَريبةِ (٣٧٩) ولا يَمضِي فيها. وأنشد في الباب للفرزدق (٣٨٠): [١٤٥] يا مَنْ رأَى عارِضًا أُسَرُّ بهِ … بينَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ الشاهدُ فيه إضافَةُ (الذراعينِ) إلى (الأسَدِ) مع الفَصلِ بالجَبْهَةِ، والقَولُ فيه كالقولِ في بيتِ الأعشى قبلَه (٣٨١)، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. وَصَفَ عارِضَ سَحابٍ اعتَرَضَ بينَ نَوْءِ الذِراعِ ونَوْءِ الجَبْهةِ وهُما من أنواءِ الأسدِ، وأنواؤهُ أَحمَدُ الأنْواءِ، وذَكَر الذِراعينِ والنَوءُ الذراعُ المقبوضَةُ منهما لاشتراكهما في أعضاءِ الأسَدِ والتَسْميةِ، ونَظيرُ هذا قَولُه : "يَخْرُجُ منهما اللُّؤلُؤ والمَرْجانُ" (٣٨٢) يريدُ مِنَ البَحْرَينِ المِلْحِ والعَذْبِ، وإنَّما يَخْرُجُ اللَّؤلؤُ والمَرْجانُ من المِلْحِ منهما. وأنشد في الباب (٣٨٣): [١٤٦] تَرَى الثَورَ فيها مُدْخِلَ الظِلِّ رأسَهُ … وسائرُهُ بادٍ إلى الشَمسِ أجْمَعُ

стр. 141

الشاهدُ فيه إضافَةُ (مُدْخلٍ) إلى (الظِلِّ) ونَصْبُ (الرَأس) به على الاتِّساعِ والقَلْبِ، وكانَ الوَجهُ أنْ يقول: مُدْخِلَ رأسِهِ الظِلَّ، لأنّ الرأسَ هو الداخِلُ في الظِلِّ، والظِلُّ المُدْخَلُ فيه، ولذلك سَمّاه سيبويه (٣٨٤) الناصِبَ في تفسيره (٣٨٥) للبيت فقال: (فالوجَهُ (٣٨٦) أنْ يكونَ الناصِبُ مَبْدوءًا به). وَصَفَ هاجِرَةً قد أَلْجَأَتِ الثِيرانَ إلى كُنْسِها فَتَرى الثَورَ مُدْخِلًا لرأسِهِ في ظِلِّ كِناسِهِ لِما يَجِدُ مِن شِدَّةِ الحَرِّ وسائرُهُ بارِزٌ للشَمسِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ صارَ فيه الفاعِلُ بمنزلة الذي فَعَلَ في المعنى وما يَعمَلُ فيه، للمَرّارِ الأسدي (٣٨٧): [١٤٧] أنا ابنُ التارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ … عليه الطَيرُ تَرْقُبُهُ وُقُوعا الشاهدُ فيه إضافَةُ (التارِكِ) إلى (البَكْرِيّ) تشبيهًا بالحَسَنِ الوَجْهِ، لأنّه مِثْلُه في إضافَتِهِ إلى الألفِ واللامِ، وجازَ ذلك مع تقدير الانفصال. وأَجْرَى بِشرًا على لفظ البَكريِّ عَطْفَ بَيانٍ عليه أو بَدَلًا منه وإنْ لم تكُنْ فيه الألفُ واللامُ، وجازَ ذلك لبُعْدِهِ عن الاسمِ المضافِ، ولأنّه تابعٌ والتابعُ يَجوزُ فيه ما لا يَجوزُ في المتبوعِ. وقد خُولِف (٣٨٨) سيبويه في جَرِّ (بِشْرٍ) وحَمْلِهِ على لفظِ (البكريّ)، لأنّك لو وَضَعْتَهُ موضِعَهُ لم يَسُغْ (٣٨٩) لك أنْ تقولَ: أنا ابنُ التارِكِ بِشْرٍ كما لا تقول: الضاربُ زَيدٍ.

стр. 142

والصَحيحُ ما أجازَهُ سيبويه لأخْذِه ذلك عن العَرَبِ وللعِلَّةِ (٣٩٠) التي ذَكَرْنا. وَصَفَ أنّ أباه صَرَعَ رجلًا من بَكْرٍ فوقَعَتْ عليه الطَيرُ وبه رَمَقٌ فجَعَلَتْ تَرقُبُ مَوتَهُ لتَتَناوَلَ منه، والوُقوعُ ها هنا جَمعُ واقعٍ وهو ضِدُّ الطائرِ "ونَصْبُهُ على الحالِ من الطيرِ"، ويَجوزُ نَصبُهُ على الحالِ من الضَميرِ في (تَرقُبُهُ)، ولو رُفِعَ على الخَبَرِ لجازَ. وأنشد في الباب للأعشى (٣٩١): [١٤٨] الواهِبُ المِئَةِ الهِجَانِ وعَبْدِها … عُوذًا تُزَجِّي بينَها أطفالَها الشاهدُ فيه عَطفُ (عَبدِها) على (المِئَةِ) وهو مضافٌ إلى غيرِ الألفِ واللامِ، فهو عندهم مِثلُ الضارِبِ الرجُلِ وعبدِ اللهِ (٣٩٢). وقد غُلِّطَ (٣٩٣) سيبويه في استشهاده بهذا، لأنّ العَبدَ مضافٌ إلى ضميرِ المِئةِ، وضَميرُها بمنزلتها، فكأنّه قال: الواهِبُ المئةِ وعَبدِ المئةِ، فهذا جائزٌ بإجماعٍ وليسَ مِثلَ الضاربِ الرجُلِ وعبدِ اللهِ، لأنّ عبدَ اللهِ اسمُ عَلَمُ كالمُفْردِ لم يُضَفْ إلى ضميرِ الأوّلِ فيكونَ بمنزلتِهِ. والحُجَّةُ لسيبويه أنّه لم يَقْصِد إلى أنْ يكونَ البيتُ شاهدًا على نَصَّ ما قَدّمَهُ، وإنّما أرادَ أنّ المعطوفَ على الألِفِ واللامِ بمنزلته في الجَرِّ، ومَثَّلَ ذلك بِذِكْرِ البيتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ له فيه حُجَّةٌ قاطِعَةٌ في جَوازِ المسألةِ التي قَدَّمَ. يقولُ: يَهَبُ المِئَةَ من الإِبل وراعِيهَا، وخصَّ الهِجانَ لأنَّها أَكرَمُها، والهِجانُ البِيضُ. والعُوذُ: الحديثاتُ النِتاجِ واحدَتُها عائذٌ وهو جَمعٌ غَريبٌ ونظيرُهُ حائلٌ وحُولٌ، وسُمِّيَتْ عائذًا لأنّ وَلَدَها يَعوذُ بها لِصغَرِهِ، وبُنِي على (فاعِلٍ) لأنّه على نِيَّةِ

стр. 143

النَسَب لا على ما يُوجِبُهُ (٣٩٤) التصريفُ كما قالوا: عيشَةٌ راضِيَةٌ والمعنى مَرْضِيَّة، ومعنى تُزَجِّي (٣٩٥) تَسُوقُ سوقًا رَفيقًا. والأطفالُ تَقَعُ على كُلِّ صَغيرٍ من أولادِ الحيوانِ. وممّا أنشَدَه الزَجّاجُ في الباب عن المُبَرِّدِ للفرزدق (٣٩٦) في قولهم: الضاربُ الرَجُلِ: أَبَأْنا بها قَتْلى وما في دمائِها … وَفاءٌ وهُنَّ الشافِياتُ الحوائمِ فأضافَ (الشافياتِ) وفيها الألفُ واللامُ إلى (الحَوائمِ). يقول: ثَأَرْنا بِقَتْلانا فجَعَلْنا دِماءَ مَنْ قَتَلْنا بهم بَواءً لهم أي: قَوَدًا، وليسَ فيها مع ذلك وَفاءٌ لِدِمائنا وإنْ كانَتْ شِفاءٌ لغَيْرِنا ووَفاءً بدمِهِ. والحَوائمُ التي تَحومُ حَولَ الماءِ عَطَشًا، ضَرَبَها مَثَلًا لطَلَبَةِ الدَمِ. وأنشد <سيبويه> في البابِ لابنِ مُقْبلٍ (٣٩٧)، واسمُهُ تَميم بنُ أُبَيّ بن مقبل العَجْلاني: [١٤٩] يا عَيْنِ بَكِّي حُنَيْفًا رأسَ حَيِّهِمُ … الكاسِرينَ القَنَا في عَوْرَةِ الدُبُرِ الشاهِدُ فيه إثباتُ النونِ مع الألفِ واللام في (الكاسِرينَ) وإنْ لم يَثْبُت معها التَنوينُ لقُوَّتِها بالحركةِ وضَعْفِهِ بالسكونِ، ونَصْبُ ما بعدَها. يَرثي قومًا فيقول: كانوا سادَةَ حَيِّهم يحلّونَ محلَّ الرأسِ منهم، وكانوا إذا شَهِدوا الحربَ فانكَسَرَ جَيْشُهم كَرُّوا في أَدبارِ المنهزمينَ وقاتلوا دونَهم وكَسَّروا رماحَهم في حِفظِ

стр. 144

عَوْرَتِهم وحمايَتِها من عَدُوِّهم. وحُنَيْفٌ (٣٩٨): قبيلةٌ من قيس وهم بعضُ أجدادِ ابن مقبِلٍ. والقَنا: الرِماحُ. والعَوْرَةُ ها هُنا: إمْكانُ (٣٩٩) القَومِ من أنفُسِهم وكُلُّ ما أُتِيحَ فهو عَوْرَةٌ. والدُبُرُ: الأدبارُ عندَ الانهزامِ. وأنشد في البابِ للفرزدق (٤٠٠): [١٥٠] أُسَيِّدُ ذو خُرَيِّطَةٍ نَهارًا … مِن المُتَلَقِّطي قَرَدِ القُمَامِ الشاهدُ فيه إضافَةُ (المُتَلَقِّطي) إلى (القَرَدِ) مع الألِفِ واللامِ، وجازَ ذلك لأنّه جَمعٌ تَثْبُتُ نُونُه مع الألفِ واللامِ، ولا تُعاقِبُهما كما تُعاقِبُ التنوينَ، فجازَتْ إضافَتُه كما تَثْبُتُ نُونُه على ما بَيَّنَه سيبويه. وَصَفَ أنّه يَدُسُّ إلى مَنْ يُحِبُّ غُلامًا أُسَيِّدًا حَقيرًا لا يُؤبَه له ملتَقِطًا (٤٠١) للقَرَدِ وهو ما تَراكَبَ مِن القُمامِ وهو ما كُنِسَ، واحدَتُه قُمامَةٌ، والمِقَمَّةُ المِكْنَسَةُ، وأُسَيِّد تصغيرُ أسَوَدَ. وقبلَ البيت (٤٠٢): سيُبْلِغُهنَّ وَحْيَ القَولِ عَنِّي … ويُدْخِلُ رأسَهُ تحتَ القِرامِ والقِرامُ: السِتْرُ. وأنشد في البابِ لرجُلٍ من بَني ضَبَّة (٤٠٣): [١٥١] الفارِجُو بابِ الأميرِ المُبْهَمِ الشاهد فيه إضافَةُ (الفارِجي) وفيه الألِفُ واللامُ إلى ما بعدَهُ، وعِلَّتُه كعِلَّةِ الذي

стр. 145

قبلَه. وَصَفَ قَومًا أشرافًا لا يُحْجَبُونَ عَن الأمَراءِ ولا تُغْلَقُ أبوابُهُم دونَهم، والمُبْهَمُ: المُغْلَقُ، وكُلُّ مُسْتَغْلق (٤٠٤) فهو مُبْهَمٌ. والفارِجُ: الفاتحُ. ونَظيرُ هذا قولُ الآخر (٤٠٥): مِن النَفَرِ البِيضِ الذينَ إذا اعتَزَوْا … وهابَ الرِجالُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعوا وأنشد في الباب لرجلٍ من الأنصارِ (٤٠٦)، ويقال: هو قَيسُ بنُ الخَطيمِ: [١٥٢] الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرةِ لا … يأتِيهمُ مِنْ وَرائِنا نَطَفٌ الشاهِدُ فيه حَذفُ النُونِ من (الحافظينَ) استِخْفافًا لطُولِ الاسمِ، ونَصْبُ ما بعدَه على نِيَّةِ إثباتِ النونِ، ولو خُفِضَ على حذْفِ النُونِ للإضافةِ لجازَ. وَصَفَ أنّهم يَحْفَظون عَورَةَ عَشِيرتهم إذا انهزموا ويَحْمونَها من عَدُوِّهم ولا يَخْذُلونهم فيكونوا نَطِفينَ في فِعْلِهم، <والنَطِفُ: المُذْنِبُ>، والنَطَفُ: الذَنْبُ، ويُروي وَكَفٌ وهو <الإِثْمُ، وقيل: > العَيْبُ. وأنشد في الباب للأخطل (٤٠٧)، واسمُهُ غِياثُ بنُ غَوثٍ التَغْلَبيّ: [١٥٣] أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَميَّ اللَّذَا … قَتَلا المُلوكَ وَفكَّكَا الأغْلالا
следующие страницы →