← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشاهدُ فيه إضافَةُ (مُدْخلٍ) إلى (الظِلِّ) ونَصْبُ (الرَأس) به على الاتِّساعِ والقَلْبِ، وكانَ الوَجهُ أنْ يقول: مُدْخِلَ رأسِهِ الظِلَّ، لأنّ الرأسَ هو الداخِلُ في الظِلِّ، والظِلُّ المُدْخَلُ فيه، ولذلك سَمّاه سيبويه (٣٨٤) الناصِبَ في تفسيره (٣٨٥) للبيت فقال: (فالوجَهُ (٣٨٦) أنْ يكونَ الناصِبُ مَبْدوءًا به). وَصَفَ هاجِرَةً قد أَلْجَأَتِ الثِيرانَ إلى كُنْسِها فَتَرى الثَورَ مُدْخِلًا لرأسِهِ في ظِلِّ كِناسِهِ لِما يَجِدُ مِن شِدَّةِ الحَرِّ وسائرُهُ بارِزٌ للشَمسِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ صارَ فيه الفاعِلُ بمنزلة الذي فَعَلَ في المعنى وما يَعمَلُ فيه، للمَرّارِ الأسدي (٣٨٧): [١٤٧] أنا ابنُ التارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ … عليه الطَيرُ تَرْقُبُهُ وُقُوعا الشاهدُ فيه إضافَةُ (التارِكِ) إلى (البَكْرِيّ) تشبيهًا بالحَسَنِ الوَجْهِ، لأنّه مِثْلُه في إضافَتِهِ إلى الألفِ واللامِ، وجازَ ذلك مع تقدير الانفصال. وأَجْرَى بِشرًا على لفظ البَكريِّ عَطْفَ بَيانٍ عليه أو بَدَلًا منه وإنْ لم تكُنْ فيه الألفُ واللامُ، وجازَ ذلك لبُعْدِهِ عن الاسمِ المضافِ، ولأنّه تابعٌ والتابعُ يَجوزُ فيه ما لا يَجوزُ في المتبوعِ. وقد خُولِف (٣٨٨) سيبويه في جَرِّ (بِشْرٍ) وحَمْلِهِ على لفظِ (البكريّ)، لأنّك لو وَضَعْتَهُ موضِعَهُ لم يَسُغْ (٣٨٩) لك أنْ تقولَ: أنا ابنُ التارِكِ بِشْرٍ كما لا تقول: الضاربُ زَيدٍ.

стр. 142

والصَحيحُ ما أجازَهُ سيبويه لأخْذِه ذلك عن العَرَبِ وللعِلَّةِ (٣٩٠) التي ذَكَرْنا. وَصَفَ أنّ أباه صَرَعَ رجلًا من بَكْرٍ فوقَعَتْ عليه الطَيرُ وبه رَمَقٌ فجَعَلَتْ تَرقُبُ مَوتَهُ لتَتَناوَلَ منه، والوُقوعُ ها هنا جَمعُ واقعٍ وهو ضِدُّ الطائرِ "ونَصْبُهُ على الحالِ من الطيرِ"، ويَجوزُ نَصبُهُ على الحالِ من الضَميرِ في (تَرقُبُهُ)، ولو رُفِعَ على الخَبَرِ لجازَ. وأنشد في الباب للأعشى (٣٩١): [١٤٨] الواهِبُ المِئَةِ الهِجَانِ وعَبْدِها … عُوذًا تُزَجِّي بينَها أطفالَها الشاهدُ فيه عَطفُ (عَبدِها) على (المِئَةِ) وهو مضافٌ إلى غيرِ الألفِ واللامِ، فهو عندهم مِثلُ الضارِبِ الرجُلِ وعبدِ اللهِ (٣٩٢). وقد غُلِّطَ (٣٩٣) سيبويه في استشهاده بهذا، لأنّ العَبدَ مضافٌ إلى ضميرِ المِئةِ، وضَميرُها بمنزلتها، فكأنّه قال: الواهِبُ المئةِ وعَبدِ المئةِ، فهذا جائزٌ بإجماعٍ وليسَ مِثلَ الضاربِ الرجُلِ وعبدِ اللهِ، لأنّ عبدَ اللهِ اسمُ عَلَمُ كالمُفْردِ لم يُضَفْ إلى ضميرِ الأوّلِ فيكونَ بمنزلتِهِ. والحُجَّةُ لسيبويه أنّه لم يَقْصِد إلى أنْ يكونَ البيتُ شاهدًا على نَصَّ ما قَدّمَهُ، وإنّما أرادَ أنّ المعطوفَ على الألِفِ واللامِ بمنزلته في الجَرِّ، ومَثَّلَ ذلك بِذِكْرِ البيتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ له فيه حُجَّةٌ قاطِعَةٌ في جَوازِ المسألةِ التي قَدَّمَ. يقولُ: يَهَبُ المِئَةَ من الإِبل وراعِيهَا، وخصَّ الهِجانَ لأنَّها أَكرَمُها، والهِجانُ البِيضُ. والعُوذُ: الحديثاتُ النِتاجِ واحدَتُها عائذٌ وهو جَمعٌ غَريبٌ ونظيرُهُ حائلٌ وحُولٌ، وسُمِّيَتْ عائذًا لأنّ وَلَدَها يَعوذُ بها لِصغَرِهِ، وبُنِي على (فاعِلٍ) لأنّه على نِيَّةِ

стр. 143

النَسَب لا على ما يُوجِبُهُ (٣٩٤) التصريفُ كما قالوا: عيشَةٌ راضِيَةٌ والمعنى مَرْضِيَّة، ومعنى تُزَجِّي (٣٩٥) تَسُوقُ سوقًا رَفيقًا. والأطفالُ تَقَعُ على كُلِّ صَغيرٍ من أولادِ الحيوانِ. وممّا أنشَدَه الزَجّاجُ في الباب عن المُبَرِّدِ للفرزدق (٣٩٦) في قولهم: الضاربُ الرَجُلِ: أَبَأْنا بها قَتْلى وما في دمائِها … وَفاءٌ وهُنَّ الشافِياتُ الحوائمِ فأضافَ (الشافياتِ) وفيها الألفُ واللامُ إلى (الحَوائمِ). يقول: ثَأَرْنا بِقَتْلانا فجَعَلْنا دِماءَ مَنْ قَتَلْنا بهم بَواءً لهم أي: قَوَدًا، وليسَ فيها مع ذلك وَفاءٌ لِدِمائنا وإنْ كانَتْ شِفاءٌ لغَيْرِنا ووَفاءً بدمِهِ. والحَوائمُ التي تَحومُ حَولَ الماءِ عَطَشًا، ضَرَبَها مَثَلًا لطَلَبَةِ الدَمِ. وأنشد <سيبويه> في البابِ لابنِ مُقْبلٍ (٣٩٧)، واسمُهُ تَميم بنُ أُبَيّ بن مقبل العَجْلاني: [١٤٩] يا عَيْنِ بَكِّي حُنَيْفًا رأسَ حَيِّهِمُ … الكاسِرينَ القَنَا في عَوْرَةِ الدُبُرِ الشاهِدُ فيه إثباتُ النونِ مع الألفِ واللام في (الكاسِرينَ) وإنْ لم يَثْبُت معها التَنوينُ لقُوَّتِها بالحركةِ وضَعْفِهِ بالسكونِ، ونَصْبُ ما بعدَها. يَرثي قومًا فيقول: كانوا سادَةَ حَيِّهم يحلّونَ محلَّ الرأسِ منهم، وكانوا إذا شَهِدوا الحربَ فانكَسَرَ جَيْشُهم كَرُّوا في أَدبارِ المنهزمينَ وقاتلوا دونَهم وكَسَّروا رماحَهم في حِفظِ

стр. 144

عَوْرَتِهم وحمايَتِها من عَدُوِّهم. وحُنَيْفٌ (٣٩٨): قبيلةٌ من قيس وهم بعضُ أجدادِ ابن مقبِلٍ. والقَنا: الرِماحُ. والعَوْرَةُ ها هُنا: إمْكانُ (٣٩٩) القَومِ من أنفُسِهم وكُلُّ ما أُتِيحَ فهو عَوْرَةٌ. والدُبُرُ: الأدبارُ عندَ الانهزامِ. وأنشد في البابِ للفرزدق (٤٠٠): [١٥٠] أُسَيِّدُ ذو خُرَيِّطَةٍ نَهارًا … مِن المُتَلَقِّطي قَرَدِ القُمَامِ الشاهدُ فيه إضافَةُ (المُتَلَقِّطي) إلى (القَرَدِ) مع الألِفِ واللامِ، وجازَ ذلك لأنّه جَمعٌ تَثْبُتُ نُونُه مع الألفِ واللامِ، ولا تُعاقِبُهما كما تُعاقِبُ التنوينَ، فجازَتْ إضافَتُه كما تَثْبُتُ نُونُه على ما بَيَّنَه سيبويه. وَصَفَ أنّه يَدُسُّ إلى مَنْ يُحِبُّ غُلامًا أُسَيِّدًا حَقيرًا لا يُؤبَه له ملتَقِطًا (٤٠١) للقَرَدِ وهو ما تَراكَبَ مِن القُمامِ وهو ما كُنِسَ، واحدَتُه قُمامَةٌ، والمِقَمَّةُ المِكْنَسَةُ، وأُسَيِّد تصغيرُ أسَوَدَ. وقبلَ البيت (٤٠٢): سيُبْلِغُهنَّ وَحْيَ القَولِ عَنِّي … ويُدْخِلُ رأسَهُ تحتَ القِرامِ والقِرامُ: السِتْرُ. وأنشد في البابِ لرجُلٍ من بَني ضَبَّة (٤٠٣): [١٥١] الفارِجُو بابِ الأميرِ المُبْهَمِ الشاهد فيه إضافَةُ (الفارِجي) وفيه الألِفُ واللامُ إلى ما بعدَهُ، وعِلَّتُه كعِلَّةِ الذي

стр. 145

قبلَه. وَصَفَ قَومًا أشرافًا لا يُحْجَبُونَ عَن الأمَراءِ ولا تُغْلَقُ أبوابُهُم دونَهم، والمُبْهَمُ: المُغْلَقُ، وكُلُّ مُسْتَغْلق (٤٠٤) فهو مُبْهَمٌ. والفارِجُ: الفاتحُ. ونَظيرُ هذا قولُ الآخر (٤٠٥): مِن النَفَرِ البِيضِ الذينَ إذا اعتَزَوْا … وهابَ الرِجالُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعوا وأنشد في الباب لرجلٍ من الأنصارِ (٤٠٦)، ويقال: هو قَيسُ بنُ الخَطيمِ: [١٥٢] الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرةِ لا … يأتِيهمُ مِنْ وَرائِنا نَطَفٌ الشاهِدُ فيه حَذفُ النُونِ من (الحافظينَ) استِخْفافًا لطُولِ الاسمِ، ونَصْبُ ما بعدَه على نِيَّةِ إثباتِ النونِ، ولو خُفِضَ على حذْفِ النُونِ للإضافةِ لجازَ. وَصَفَ أنّهم يَحْفَظون عَورَةَ عَشِيرتهم إذا انهزموا ويَحْمونَها من عَدُوِّهم ولا يَخْذُلونهم فيكونوا نَطِفينَ في فِعْلِهم، <والنَطِفُ: المُذْنِبُ>، والنَطَفُ: الذَنْبُ، ويُروي وَكَفٌ وهو <الإِثْمُ، وقيل: > العَيْبُ. وأنشد في الباب للأخطل (٤٠٧)، واسمُهُ غِياثُ بنُ غَوثٍ التَغْلَبيّ: [١٥٣] أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَميَّ اللَّذَا … قَتَلا المُلوكَ وَفكَّكَا الأغْلالا

стр. 146

الشاهدُ فيه حَذْفُ النُونِ من (اللَّذَيْنِ) تَخفيفًا لطولِ الاسمِ بالصِلَةِ. يَفْخَرُ على جَريرٍ، وهو مِن بَني كُلَيبٍ بن يَربوع، بِمَنْ اشتَهَرَ من قومِه بَني تَغْلِبَ وسادَ كعمرو (٤٠٨) بن كلثوم <التَغْلبي> قاتِلِ عَمرِو بن هند المَلك، وعُصْم (٤٠٩)، أبي (٤١٠) حَنَش قاتِل شُرَحْبيل (٤١١) بن عمرو بنِ حُجْرٍ يوم الكُلاب، وغَيرِهم من ساداتِ تَغْلِب. وأنشد في الباب للأَشْهَبِ بنِ رُمَيْلَة (٤١٢)، ويروى زُمَيْلَةَ بالزاي: [١٥٤] إنَّ الذي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُم … هُمُ القَومُ كُلُّ القَومِ يا أُمّ خالِدٍ الشاهدُ فيه حَذْفُ النُونِ من (الذين) استخفافًا كما تَقَدَّمَ، والدليلُ على أنَّه أرادَ به الجَمعَ قَولُه: دِماؤُهم، ويَجوزُ أنْ يكونَ (الذي) واحدًا يؤدي عن الجمعِ لإبهامِهِ، ويكون الضَميرُ محمولًا على المعنى فَيُجمع كما قالَ الله جَلَّ وعَزَّ: "والذي جاءَ بالصِدْقِ وصَدَّقَ به أولئك همُ المُتَّقون" (٤١٣). رَثَى قَومًا قُتِلوا بفلْجٍ وهو موضعٌ بعَيْنِهِ كانت فيه وَقْعَةٌ. وأنشد في الباب، قال: وزعموا أنّه مصنوعٌ (٤١٤):

стр. 147

[١٥٥] هُمُ القائِلونَ الخيرَ والآمِرونَهُ … إذا ما خَشُوا مِن مُحْدَثِ الأَمرِ مُعْظَما الشاهدُ فيه الجَمعُ بينَ النُونِ والضَميرِ في قوله: الآمِرونَهُ، وحُكْمُ الضَميرِ أنْ يُعاقِبَ النونَ والتنوينَ، لأنَّه بمنزلتهما في الضَعْفِ والانفِصالِ فهو مُعاقِبٌ لهما إذْ كان المُظْهَرُ مع قُوّتِهِ وانفِصالِهِ قد يُعاقِبُهُما. وقد رُدَّ (٤١٥) على سيبويه حَمْلُهُ على هذا التقدير، وجُعِلَت الهاءُ بِيانًا لحركةِ النونِ على نِيَّةِ الوَقْفِ وإثباتها في الوَصْلِ ضَرورةً وتَشبيهًا في الحركةِ بهاءِ الإضمارِ ضرورةً "أيضًا"، وكلا الوجهينِ بَعيدٌ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٤١٦): [١٥٦] ولَمْ يَرْتَفِقْ والناسُ مُحْتَضِرونَهُ … جَميعًا وأَيدِي المُعْتَفِينَ رَواهِقُهْ الشاهدُ فيه قوله: محتضرونَهُ، وعِلَّتُهُ كالذي قَبلَه. يقول: غَشِيّةُ المُعْتَفون وهم السائِلونَ، واحتَضَره الناسُ جميعًا للعَطاءِ فَجَلَسَ لَهُم جُلوسَ مُتَصَرِّفٍ مُتَبَذِّلٍ غَير مُرْتَفِقٍ مُتَوَدّعٍ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ من المصادِرِ جَرَى مجرى الفِعلِ المُضارع (٤١٧): [١٥٧] فَلَولا رَجاءُ النَصْر مِنكَ وَهْبَةٌ … عِقابَكَ قَدْ صاروا لنا كالموارِدِ الشاهدُ فيه تَنوينُ (رَهْبَةٍ) ونَصْبُ ما بعدَها بها على معنى وأن نَرْهَبَ عِقابَكَ. يقول: لولا رَجاؤُنا لنَصْركَ لنا عليهم ورَهْبَتُنا لِعِقابِكَ لنا إن انتَقَمْنا بأيدينا مِنهم

стр. 148

لَوَطِئْناهُم وأذللناهم كما تُوطَأُ الموارِدُ وهي الطُرُقُ إلى الماءِ، وخَصَّها لأنّها أَعمَرُ الطُرُقِ. وأنشد في الباب (٤١٨): [١٥٨] أَخَذْتُ بِسَجْلِهِم فنَفَحْتُ فيه … مُحافَظَةً لَهُنَّ إِخَا الذِمامِ الشاهدُ فيه نَصْبُ إخا الذِمامِ بـ (محافَظَة)، والتقديرُ لأن حافَظْتُ إخا الذِمامِ، أي: راعَيْتُهُ وقارَضْتُ بهِ، والمعنى على إخا الذِمامِ فحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووصل المصدرَ لما فيه من معنى الفِعلِ <فنَصَبَ>. وأراد إخاءَ الذِمامِ فقَصَرَه ضرورةً. والسَجْلُ: الدَلْوُ مَلأى ماءً فضُرِبَتْ مَثَلًا في العَطاءِ والحَظِّ، لأنّ العَيشَ بالماءِ. ومعنى نَفَحْتُ أعطَيْتُ، وأصلُ النَفْح الدَفْعُ بِمَرّةٍ ومنه نَفْحَةُ الطِيب وهي اندفاعُ رائحتِهِ وانتِشارُها. وأنشد في البابِ (٤١٩): [١٥٩] بضَرْبٍ بالسُيوفِ رُؤوسَ قَومٍ … أَزَلنا هامَهُنَّ عَن المَقيلِ الشاهدُ فيه تَنوينُ (ضَرْبٍ) ونَصْبُ (الرؤوس) به، لأنّ التقدير بأن ضَرَبْنا بالسُيوفِ رُؤوسَ قَومٍ. وأراد بالمَقِيلِ الأَعناقَ لأنها مَقيلُ الرؤوسِ وموضعُ مُسْتَقَرِّها، وأضافَ الهامَ إلى الرؤوسِ، والهامُ هي الرؤوسُ اتساعًا ومجازًا، وسَوَّغَ ذلك اختِلافُ اللفظين، ورُبما وَقَع مِثلُ هذا في كلامِهِم كقولهم: مَسْجِدُ الجامعِ ودارُ الآخِرَةِ، والجامِعُ هو المسجِدُ والآخِرَةُ هي الدارُ. وأنشد في الباب للبيد (٤٢٠):

стр. 149

[١٦٠] عَهْدِي بها الحَيَّ الجميعَ وفيهمُ … قبلُ التّفَرُّقِ مَيْسِرٌ ونِدَامُ الشاهدُ فيه نَصْبُ الحَيِّ بـ (عهدي)، لأن معناه عَهِدْتُ بها الحَيِّ. وعَهْدي مبتَدَأُ، وخَبَرُهُ في قوله: وفيهم مَيْسِرٌ ونِدامُ، لأنّ موضعَ الجُملةِ موضِعُ نَصْب على الحال، والحالُ تكونُ خَبَرًا عن المصدرِ كقولك (٤٢١): جُلوسُكَ مُتَّكِئًا، وأَكلُلَك مُرْتَفِقًا، والواوُ مع ما بعدَها تَقَعُ هذا الموقِعَ فتقول: جُلوسُك وأنتَ مُتَّكِئٌ، وأَكلُكَ وأنتَ مُرْتَفِقٌ، وساغَ هذا في المصدر لأنّه يَنوبُ منابَ الفعلِ والفاعِلِ، فكأنّك قلتَ: تَجلسُ مُتَّكِئًا وتأكُلُ مُرتَفِقًا مع أن المُتَّكِئَ، والمُرتَفِقَ غَيرُ الجُلوسِ والأَكْلِ، فَلا يَجوزُ رَفعُهُما على الخَبَر لأنّ الخَبَرَ إنما يرتفعُ إذا كانَ هو الأَوّلَ كقولك: جُلوسُك حَسَنٌ وأَكلُكَ شَديدٌ. وَصَف دارًا خَلَتْ من أَهلِها فذَكَر ما كان عَهِدَ بها من اجتماعِ الحَيِّ مع سَعَةِ الحالِ، والجميعُ: المجتمعونَ، والمَيْسِرُ القِمارُ على الجَزورِ. والنِدامُ: المُنادَمَةُ. وأنشد في البابِ لرؤبة (٤٢٢): [١٦١] ورَأْيُ عَيْنَيَّ الفَتَى أَخَاكا … يُعْطي الجَزيلَ فعَلَيْك ذاكا الشاهدُ فيه نَصْبُ الفَتَى وما بعدَه بقوله: (رَأْيُ عَيْنَيَّ)، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قبله. ويُعْطي في موضع الحالِ النائبةِ منابَ الخَبَرِ على ما تَقَدَّمَ. أنشَدَ في الباب (٤٢٣): [١٦٢] قَدْ كُنتُ دايَنْتُ بها حَسَّانا … مخافَةَ الإفْلاسِ واللَّيَّانا

стр. 150

يُحْسِنُ بَيعَ الأصْلِ والقِيانا الشاهدُ فيه نَصبُ (اللَّيَّانِ والقِيانِ) <حَمْلًا> على معنى الأول، والتقديرُ دايَنْتُ بها من أَجْلِ أنْ خِفْتُ الإفلاسَ واللَّيَّانَ، ويُحْسِنُ أنْ يَبيعَ الأصلَ والقِيانَ. ويجوزُ أنْ يكونَ اللَّيَّانُ مفعولًا له [على] (٤٢٤) <معنى> وللَّيّانِ، فلمّا سَقَط الجارُّ نُصِبَ بالفِعل، ويجوزُ أن يكونَ نَصْبُهُ على تقديرِ ومخافَةَ اللَّيَّانِ، فحَذَفَ المخافَةَ وأقامَ اللَّيَّانَ مقامَها في الإعرابِ كما قال جَلَّ وعَزّ: "وَسْئَلِ القَرْيَةَ [التي كُنّا فيها] " (٤٢٥). واللَّيّانُ مصدرُ لَوَيْتُهُ بالدَيْنِ لَيًّا ولَيّانًا، إذا مَطَلْتَهُ، وهذا المثالُ قليلٌ في المصادر لم يُسْمَع إلّا في هذا وفي قولهم (٤٢٦): شَنِئْتُهُ شَنْانًا فيمَنْ سَكَّنَ النونَ، والقِيانُ: جَمعُ قَيْنةٍ مُغَنِّيَةً كانَتْ أو غيرَ مُغَنَّيَةٍ، والمعنى ظاهِرٌ بَيَّنٌ. وأنشد في الباب (٤٢٧): [١٦٣] ضَعِيفُ النِكايةِ أعداءَهُ … يَخالُ الفِرارَ يُراخي الأَجَلْ الشاهد فيه (٤٢٨) نَصْبُ الأعداءِ بـ (النِكايَةِ) لمَنْعِ الألِفِ واللامِ من الإضافةِ ومعاقَبَتِهما للتنوينِ الموجِبِ للنَصْبِ. ومِنَ النحويين (٤٢٩) مَنْ يُنْكِرُ عَمَلَ المصدرِ وفيه الألِفُ واللامُ لخُروجِهِ عن شَبَهٍ الفِعلِ فينصبُ ما بعدَهُ باضمارِ مصدرٍ منكورٍ <مُنَوّنٍ> فيقدّره ضعيفُ النِكايةِ نِكايّةٍ أعداءَهُ، وهذا يلزمُهُ مع تنوينِ المصدرِ أنّ الفِعلَ لا يُنوَّنُ، فقد خَرَجَ المصدرُ عن

стр. 151

شَبَهِهِ (٤٣٠) الفِعل بالتنوين، فينبغي على مذهبه ألّا يَعمَلَ عَمَلَهُ. يَهجو رجلًا فيقول: هو ضَعيفٌ عن أن يَنْكِيَ أعداءَهُ وجَبانٌ عن أنْ يَثْبُتَ لِقِرْنِهِ، ولكنّه يَلْجأُ إلى الفِرارِ ويَخالُه مُؤخِّرًا لأجَلِهِ. وأنشد في البَابِ للمَرّارِ (٤٣١): [١٦٤] لَقَدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرةِ أنَّني … لَحِقْتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَربِ مِسْمَعَا الشاهدُ فيه نَصْبُ مِسْمَعٍ بـ (الضَربِ) على نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، ويجوُ أن يكونَ <نَصْبُهُ> بلَحِقْتُ، والأوّلُ أَولَى لِقُربِ الجِوارِ، ولذلك اقتَصر عليه سيبويه. يقول: قد عَلِمَ أَوّلُ مَنْ لَقِيتُ من المُغِيرِينَ أنِّي صَرَفْتُهُم عن وَجْهِهِم هازِمًا لهم ولَحِقْتُ عَميدَهم فلم أَنكُلْ عن ضَرْبِهِ بسَيفي، والنُكُولُ: الرُجوعُ عن القِرْنِ جُبْنًا. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابُ الصفةِ المُشَبَهَةِ [باسمِ الفاعِلِ] (٤٣٢)، لزُهير (٤٣٣): [١٦٥] أَهوى لها أَسْفَعُ الخَدَّينِ مُطَّرِقٌ … رِيشَ القَوادِمِ لَمْ تُنْصَبْ له الشَبَكُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (الرِيشِ) بمُطَّرِقٍ تَشبيهًا له في العَملِ باسم الفاعِلِ المُتَعدّي، لأنّه صِفةٌ مِثلُهُ جارٍ على فِعْلِهِ كَجَرْيهِ، ويَلْحَقُهُ من التَثنيةِ والجمعِ والتذكيرِ والتأنيثِ ما يَلْحَقُهُ فَعَمِلَ لذلك فيما كانَ من سَبَيِهِ عَمَلَهُ (٤٣٤). وَصَفَ صَقْرًا انقَضَّ على قَطاةٍ، والسفْعَةُ: سَوادٌ في خَدَّيه. والاطِّراقُ والمُطارَقَةُ: تَراكُبُ رِيشِهِ. والقَوادِمُ: رِيشُ مُقَدَّمِ الجَناحِ. وقولُه: (لَمْ تُنْصَبْ له الشَبَكُ)، أي: هو وَحْشِيٌّ لم يُصَدْ ويُذَلَّل باليَدِ، وذلك أشَدُّ له وأسرَعُ لطَيَرانِهِ.

стр. 152

معنى أهْوَى انقَضَّ، والمعروفُ هوى يَهْوي (٤٣٥)، وقد رُوي في البيت (٤٣٦)، كذلك، أما أهوى فهو بمعنى أَوْمَأَ يقال: أهوَى إليَّ بيده إذا أومَأَ إليه (٤٣٧). وأنشد في البابِ للعَجّاج (٤٣٨): [١٦٦] مُحْتَبِكٌ ضَخْمٌ شُؤونَ الرأسِ الشاهدُ فيه نَصْبُ الشُؤونِ بضَخْم على التَشبيهِ بالمفعولِ < به > كما تَقَدّمَ. وَصَف بعيرًا بِشدَّة الخَلقِ وضِخَم (٤٣٩) الرأسِ. والمُحْتَبكُ: الشديدُ. والشُؤونُ: قَبائلُ الرأسِ ومُلتَقَى أجزائِهِ، وإذا ضَخُمَتْ ونتَأتْ كانَ أشَدَّ له وأوثَقَ وأعظَمَ للهامَةِ. وأنشد في البابِ للنابغةِ: (٤٤٠): [١٦٧] ونَأْخُذُ بَعدَهُ بذِنابِ عَيْشٍ … أجَبَّ الظَهْرَ ليسَ له سَنامُ الشاهدُ فيه نَصْبُ الظَهْرِ بـ (أَجَبَّ) على نِيَّةِ التَنوينِ، ولو كانَ غَيرَ مُنَوَّنٍ في النِيَّةِ لانْجَرَّ ما بعدَه بالإضافَةِ وانْجَرَّ هو لإضافته إليه. وصَفَ مَرَضَ النُعمان بن المنذر وأَنَّه إنْ هَلَك صار الناسُ بعده في أسوَأ حالٍ وأَضْيَقِ عَيش وتَمَسّكوا منه بمِثْلِ ذَنَبِ بَعير أَجَبَّ وهو الذي لا سَنامَ له من الهُزالِ. والذُنابُ والذِنابَةُ والذِنابَى: الذَنَبُ، إلّا أنّ المُستعمَلَ للبعيرٍ ونَحْوه الذَنَبُ وللطائرِ الذُنابَى وللعينِ ونحوها الذِنابَةُ، والسَنَامُ: حَدَبَةُ البَعيرِ. وأنشد في الباب لعمرو بن شأسٍ (٤٤١): [١٦٨] أَلِكْني إلى قومي السَلامَ رِسالَةً … بآيَةِ ما كانوا ضِعافًا ولا عُزْلا

стр. 153

ولا سَيّئي زِيَّ إذا ما تَلَبّسوا … إلى حاجَةٍ يَومًا مُخَيَّسَةً بُزْلا الشاهدُ في إضافةِ (سَيّئي) إلى (زِيّ) وهو نكرةٌ على تقديرِ إثباتِ الألف واللام وحذفها للاختِصار. وَصَفَ أنّه تَغَرَّبَ عن قَومِهِ بني أَسَدٍ فَحَمَّلَ رجُلًا إليهم السلامَ وَجَعل آيَةَ كونِه منهم ومعرفَتِهِ بهم ما وَصَفَهم به مِن القُوَّةِ على العدو ووفادتهم على الملوكِ (٤٤٢) بأحسنِ الزِيِّ. ومعنى أَلِكْني بَلَّغْ عَنّي وكُنْ رسولي، وهو من الألوكةِ وهي الرسالة. والآيةُ: العلامة. والغُزْلُ: الذينَ لا سِلاحَ معهم واحدُهم أَعْزَلُ، ومعنى تَلَبَّسوا رَكبوا وغَشُوا. والمُخَيَّسَةُ: المُذَلَّلةُ بالرُكوبِ يعني الرواحِلَ. والبُزْلُ: المُسِنَّةُ واحدُها بازِلٌ، وهو جَمعٌ غريب. وأنشد في البابِ لحُمَيْد الأرقط (٤٤٣): [١٦٩] لاحِقُ بَطْنٍ بِقَرأ سَمينِ الشاهدُ فيه إضافَةُ (لاحقٍ) إلى (البَطْنِ) مع حَذْفِ الألفِ واللامِ منه للاختصارِ كما تَقَدّم. وَصَف فَرَسًا بضُمْرِ البَطْن ثُمّ نَفَى أنْ يكونَ ضُمْرُهُ من هُزالٍ فقال: بِقَرًا سَمينٍ، واللاحِقُ الضامِرُ، وحَقيقَتُهُ أنْ يَلْحَقَ بَطْنُهُ بظَهْرِه < ضُمْرًا >. والقَرَا: الظَهْرُ. وأنشد في الباب لأبي زُبَيدٍ الطائي (٤٤٤): [١٧٠] كأَنَّ أَثواب نَقّادٍ قُدِرْنَ لَهُ … يَعلو بخَمْلَتِها كَهباءَ هُدَّابَا

стр. 154

الشاهدُ فيه نَصْبُ (الهُدَّابِ) بقوله: (كَهباءَ) لِما فيه من نِيَّة التَنوين. وَصَف أسَدًا، فيقول: كأنّه لبِسٌ أثوابَ نَقّادٍ قَدْ أَعلَى خَمْلَها، أي: جَعَلَه من مارجٍ، والنَقّادُ: راعي النَقَد، والنَقَدُ ضَربٌ من الغَنَمٍ صِغارُ الأجسامٍ، ومعنى قُدِرْنَ أي: طُبِعْنَ عليه وجُعِلْنَ على قَدْرِ جِسمِهِ. وقوله: (يَعْلو بِخَمْلَتِها) أي: يُعْلي خمْلَتَها، والباءُ معاقِبَةٌ للهمزةِ من أَعْلَى. والكَهْباءُ: التي تَضرِبُ إلى الغُبْرَةِ. الهُدّابُ: الهُدْبُ. وأنشد في البابِ لأبي زُبَيْدٍ (٤٤٥) أيضًا: [١٧١] هَيْفاءُ مُقْبِلَةً عَجْزاءُ مُدْبرَةً … مَحْطوطَةً جُدِّلَتْ شَنْباءُ أَنْيابا الشاهدُ فيه نَصْبُ الأَنْيابِ بـ (شَنْباءَ) لِما فيه مِن نِيَّةِ التنوينِ كما تَقَدَّمَ. وَصَف امرأةً بهَيَفِ الخَضْرِ وهو ضُمْرُهُ، وعِظَمِ العَجيزة، وشَنَبِ الثَغْرِ وهو بَرِيقُهُ يَرْدُهُ، فيقول: إذا أقبَلَتْ رأَيتَ لها خَضْرًا أهيَفَ (٤٤٦)، وإذا أدبَرَتْ نَظَرْتَ إلى عَجيزةٍ مُشْرِفَةٍ. والمَحْطوطَةُ: المَلْساءُ الظَهْرِ، والمِحَطَّ: خُشَيْبَةٌ (٤٤٧) تُدْلَكُ بها الجُلودُ، يُريد أنّها غَيرُ مُتَغَضَّنَةِ الجِلْدِ من كِبَرٍ ولا تَرَهُّلٍ. ومعنى جُدَّلَتْ ألطِفَ خَلْفُّها وأُحْكِمَ فالجَديل وهو زمامٌ من أَدَمٍ. وأنشد في البابِ لعَدِيّ بن زَيدٍ (٤٤٨): [١٧٢] مِنْ حَبيبٍ أَو أخِي ثِقَةٍ … أو عَدُوٍّ شاحِطٍ دارا الشاهدُ في نَصْبِ دارٍ بـ (شاحِطٍ) تَشبيهًا بالمفعولِ به كما تَقَدّمَ. والشاحِطُ: البَعيدُ.

стр. 155

وَصَف أنَّ الدَهَر يَعُمُّ بنوائبِهِ الصَديقَ والعَدُوَّ، والقَريبَ والبَعيدَ. وقوله: (أو أخي ثقَةٍ) أَيْ: من صَديقٍ أو حَميمٍ يُوثَقُ به في الشِدَّةِ. وأنشد في البابِ للشَمّاخِ (٤٤٩): [١٧٣] أَمِنْ دِمْنَتَينِ عَرَّسَ الرَكْبُ فيهما … بحَقْلِ الرُخَامَى قَدْ عَفا طَللاهُما أَقَامَتْ على رَبْعَيْهما جارَتَا صَفًا … كُمَيْتا الأعالي جَوْنَتَا مُصْطَلاهُما الشاهدُ في قوله: (جَوْنَتا مصطلاهما)، فجَوْنَتا بمنزلة حَسَنَتا، ومصطلاهما بمنزلة وجُوهِهِما، والضَميرُ الذي في مصطلاهما يَعودُ إلى قوله: (جارَتَا صَفًا) وَهُما الأُثْفِيَّتان، والصَفا: الجَبَلُ وهو الثالثُ لهما (٤٥٠). وقوله: (كُمَيْتا الأَعالي) يعني أنّ الأعالي من الأُثفيتين لم تَسْوَدَّ لبُعْدِهما عن مباشَرَةِ النار فهي على لونِ الجَبَلِ، جَوْنتا مُصْطَلاهما يعني مُسْوَدَّتا المُصْطَلى وهو موضعُ الوَقُودِ منهما. وأَنكَر بعضَ النحوييِّن (٤٥١) هذا على سيبويه وزَعَمَ (٤٥٢) أنّ الضمير من (مُصْطلاهما) عائدٌ على الأعالي لا على الجارتَينِ فكأنّه قال: كُمَيْتا الأعالي جَوْنَتا مُصْطلى الأعالي كما تقول: حَسَنتا الغُلام جَميلَتا وَجْهِهِ أي: وَجْهِ الغُلامِ، وهذا جائزٌ بإجماعٍ، وجَعَل الضَميرَ في مُصْطلاهما وهو مُثَنّى عائدًا على الأعالي وهي جَمعٌ لأنّها في معنى الأعلَيّين، فَرَدَّه على المعنى. والصَحيحُ قَولُ سيبويه، لأنّ الشاعِرَ لم يُرِدْ أنْ يُقَسّمَ الأعالي فيجعل بَعضَها كُمَيْتًا وبَعضَها جَوْنًا مُسْوَدًّا، وإنَّما قَسَّمَ الّأثْفيَّتين فجَعَلَ أعلاهما كُميْتًا لِبُعْدِهِ عن النارِ وأسفَلَهما جَوْنًا لمُباشَرَتِهِ النارَ، وقد بَيَّنْتُ صِحَّةَ مذهَبِهِ واختِلال مذهبِ مَنْ خالَفَهُ < في هذا > في كتاب "النكت" (٤٥٣).

стр. 156

وَصَف دِمْنَتَي دارَينِ خلتا من أَهلهما. والرَبْعُ: موضعُ النُزولِ منهما. والدِمْنَةُ: ما غَيَّرَ الحَيّ من فِنَائها بالرَمادِ والدِمْن وهو البَعرُ ونَحْوُ ذلك. وحَقْلُ الرُخَامَي: موضعٌ بعَيْنِه. والطَلَلُ: ما شَخَصَ من علاماتِ الدارِ (٤٥٤)، وأشرَفَ كالأُثْفِيَّةِ والوَتد ونَحْوِهما، فإنْ لم يكُنْ له شَخْصٌ كأَثَر الرَمادِ ومَلاعِبِ الغِلْمان فهو رَسْمٌ. ومعنى عفا: دَرَسَ وَتَغَيَّرَ. وجَعَل الأثْفيَّتين جارتينِ (٤٥٥) للصَفا لاتصالهما به ومجاورتهما له. والجَوْنَةُ: السَوْداءُ وهي أيضًا البَيضاءُ في غير هذا الموضع (٤٥٦). وأنشد في البابِ لرؤية (٤٥٧): [١٧٤] الحَزْنُ بابًا والعَقُورُ كَلْبًا الشاهدُ فيه نَصْبُ (بابٍ وكَلْبٍ) على قولك: الحَسَنُ وَجْهًا. وَصَفَ رَجُلًا بغِلَظِ الحِجابِ ومَنْعِ الضَيْفِ فجَعَلَ بابُه حَزْنًا وَثيقًا لا يُسْتَطاعُ فَتْحُهُ، وكَلْبَهُ عَقُورًا لِمَنْ حَلَّ بِفِنائه طالِبًا لمعروفِهِ. وأنشد في الباب للحارِث بن ظالم المُرَّيّ (٤٥٨): [١٧٥] فَما قَوْمي بثَعْلَبَةَ بنِ سَعْدٍ … ولا بفَزَارَةَ الشُعْرَى رقابا الشاهدُ فيه نَصْبُ الرقاب بـ (الشُعْرَى) (٤٥٩) على حَدِّ قولك: الحَسَنُ وَجْهًا، ويَجوزُ فيه (الشُعْر الرِقابا) على ما أَنشَدَهُ بَعدُ (٤٦٠)، وهو كقولك: الحَسَنُ الوَجْهَ بالنَصْبِ على التَشْبيهِ (٤٦١) بالمفعول به.

стр. 157

وَصَف ما كانَ من انتقالِهِ عن بني ذُبْيان ولَحاقِهِ بقُرَيش وانتمائِه (٤٦٢) إليهم حينَ عَدَا على بعضِ ساداتِ العربِ وهو خالد بن جعفر (٤٦٣) بن كلاب في جِوار بعضِ ملوك لَخْم فقَتَلَهَ غِيلَةً في خَبَر طويلٍ (٤٦٤) اختصَرْتُهُ، فيقول مُنْتَفِيًا من قَبائل ذُبْيان < لِخِذْلانهم له: فما قَوْمي بثَعْلَبَةَ ولا بفزارَة، وإنّما قَوْمي قُرَيْش لأمْنِي فيهم واستِجارَتي بهم، وثَعْلَبَةُ هذا هو ثَعْلَبَةُ بنُ سَعْدِ بنِ ذُبْيان >، وفَزارَةُ بن ذُبْيان (٤٦٥)، والحارث [من بني يَربوع] (٤٦٦) بن غَيْظِ بن مُرَّةَ بن سَعدِ بن ذُبْيان، ووَصَفَ فَزارة بالغَمَم وهو كَثرة شَعْرِ القفا ومُقَدَّمِ الرأس، لأنّه عندهم مِمّا يُتَشاءَمُ به ويُذَمُّ (٤٦٧)، والمَحمودُ عندهم النَزَعُ وهو انحِسارُ الشَعرِ عن مُقَدَّمِ الرأسِ. والشُعْرَى مُؤنَّثُ الأَشْعَرِ وهو منه كالكُبْرى من الأكبرِ، وأَنَّثهُ لتأنِيثِ القبيلةِ، والشُعْرُ جَمعُ أَشْعَرَ فجَمَعَ لأنه جَعَل كُلَّ واحِدٍ منا أَشْعَر فجمع على المعنى. وأنشد في الباب لخِرْنِق بنتِ هفّان (٤٦٨): [١٧٦] لا يَبْعَدَنْ قَومي الذينَ هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ النازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَيّبونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (مَعَاِيِدِ الأُزْرِ) بقولها: (الطَيِّبون)، تَشبيهًا بالمفعولِ به لأنّه معرفةٌ بإضافَتِهِ إلى الأزْرِ، فهو كقولك: الحَسَنونَ أوْجُهَ الأِخ (٤٦٩).

стр. 158

وَصَفَتْ قَومَها بالظُهورِ على العَدُوِّ، ونَحْرِ الجَزورِ للأضيافِ، والمُلازَمَةِ للحَرْب، والعِفَّةِ عن الفواحِشِ، فجَعَلَتْ قومها سَمًّا لأعدائهم يَقْضِي عليهم، وآفَةً للجُزْرِ لكثرةِ ما يَنْحرونَ منها. والمُعْتَرَكُ: موضعُ ازدِحامِ الناسِ في الحَرْبِ، ويقال: فُلانٌ طَيِّبُ مَعْقِدِ الإزارِ، إذا كانَ عَفيفًا لا يَحلُّه لفاحِشَةٍ. وأنشد في البابِ للربيعِ بن ضَبُع الفَزاري (٤٧٠): [١٧٧] إذا عاشَ الفَتَى مِئَتيْنِ عامًا … فَقَدْ أوْدَى المَسَرَّةُ والفَتَاءُ الشاهدُ فيه إثباتُ النونِ في (مِئَتَينِ) ضرورةٌ ونَضْبُ ما بعدَها، وكان الوَجْهُ (٤٧١) حَذْفَها وخَفْضَ ما بعدَها، إلّا أنّها شُبِّهَتْ في الضرورة (٤٧٢) بالعِشرين ونَحوِها مِمّا تَثْبُتُ نُونُه ويُنْصَبُ ما بعده. وَصَفَ في البيتِ هَرَمَهُ وذهَابَ مَسَرَّتِهِ ولَذَّتِهِ، وكانَ قد عُمِّرَ نَيّفًا على المِئَتَيْنِ فيما يُروى (٤٧٣). ومعنى أودَى ذَهَبَ وانقطَعَ. والفَتاءُ: مصدرُ الفَتِيّ، ويروى (تسعين عامًا)، ولا ضرورة فيه على هذا. وأنشد في الباب (٤٧٤): [١٧٨] أَنْعَتَ عَيْرًا من حَميرِ خَنْزَرَهْ في كُلِّ عَيْرٍ مِئَتانِ كَمَرَهْ الشاهدُ فيه كالشاهدِ في الذي قبله، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. هَجَا أمرأةً فَنَعتَ عَيرًا وهو الحِمارُ وذَكَرَ أنّ في غُرْمولِهِ وهي الكَمَرَةُ مِئَتَي كَمَرَةٍ

стр. 159

وأَدْخَلَهُ في هَنِ المرأةِ المَهْجُوَّةِ. وخَنْزَرَة موضعٌ بعيِنِهِ، وإنّما قال: في كُلِّ أيرٍ (٤٧٥) لا يَكْنِي، فغُيِّرَتْ هَمزَتُهُ إلى العَين فقيل: في كُلِّ عَيْرٍ استقباحًا لذِكْرِهِ. وأنشد في البابِ لعَلْقَمَةَ بنِ عَبَدَةَ (٤٧٦): [١٧٩] بِها جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظامُها … فِبيضٌ وأمّا جلْدُها فَصَليبُ الشاهدُ فيه وَضْعُ الجِلدِ موضعَ الجُلودِ، لأنه اسمُ جِنسٍ يَنوبُ واحِدُهُ عن جَميعِهِ فأَفَرَدَهُ ضَرورةً لذلك. وَصف طريقًا بَعيدًا شاقًّا على مَنْ سَلَكه، فَجِيَفُ الحَسْرَى وهي المُعْيِيَةُ من الإبِلِ مستَقِرَّةٌ فيه. وقوله: (فإمّا عِظامُها فبيضٌ) أي: أكَلَتِ السِباعُ والطَيرُ ما عليها من اللحمِ فَتَعَرَّتْ وبَدَا وَضَحُها. وقوله: (وأَمَّا جِلدُها فصَلِيبُ) أي: مُحَرَّمٌ يابسٌ لأنّه مُلْقىً بالفَلاةِ لم يُدْبَغْ، ويقال: الصَليبُ هنا الوَدَكُ أي: قد سالَ ما فيه من رطوبةٍ لإحْماء الشَمسِ عليه. وأنشد في البابِ للمُسَيَّب بن زيد مَناةَ الغَنَوي (٤٧٧): [١٨٠] لا تُنْكِروا القَتْلَ وقَدْ سُبِينا … في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينا الشاهدُ فيه وَضعُ الحَلْقِ موضعَ الحُلوقِ (٤٧٨)، كالذي تَقَدّمَ قَبلَه. وَصَف أنّهم قَتَلوا من قَومٍ كانوا قَدْ سَبَوا من قَومِه فيقول: لا تُنْكرِوا قَتْلَنا لكم وقد سَبَيْتُم مِنّا، ففي حُلَوقِكم عَظْمٌ بقَتْلِنا لكم وقد شَجِينا نَحنُ [أيضًا] أي: غَصصنا

стр. 160

بسَبْيكم لِمَنْ سَبَيْتُم مِنّا، وهذا مَثَلٌ. وأنشد في البابِ في مِثْلِه (٤٨٠): [١٨١] كُلُوا في بَعضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا … فإنَّ زَمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ الشاهدُ فيه وَضْعُ البَطْنِ موضعَ البُطونِ كما تَقَدَّمَ قَبلَه. وَصَف شِدَّة الزَمانِ وكَلَبَهُ فيقول: كُلُوا في بعضِ بُطونكم (٤٨١) ولا تَملأوها حتّى تَعْتادوا ذلك وتَعِفُّوا عن كثرةِ الأكْلَ وتَقْنَعوا باليَسير فإنّ الزمانَ ذو مخمَصَةٍ وجَذْبٍ. ومِمّا أنشَدَ المازنيُّ (٤٨٢) في البابِ قولُ المُخَبَّلِ السَعْدِي (٤٨٣): أَتَهْجُرُ لَيلَى بالفِراقِ حَبِيبَها … وما كانَ نَفْسًا بالفِراقِ تَطِيبُ الشاهدُ فيه تَقديمُ التَمييزِ وهو قوله: (نَفْسًا) على العامِلِ فيه وهو (تَطيبُ)، وقياسُهُ عند المازني (٤٨٤) قياسُ الحالِ، والحالُ تَتَقدَّمُ (٤٨٥) عند جميعِ النحويين إلّا الجَرْمي (٤٨٦) إذا كانَ العامِلُ فيها فِعْلًا.

стр. 161

وسيبويه (٤٨٧) لا يَرَى تَقديمَ التَمييزِ وإنْ كانَ العامِلُ فيه فِعْلًا، لأنّه منقولٌ عن الفاعِلِ والفاعِلُ لا يتَقَدّمُ، وأمّا الحالُ فهي مفعولٌ كالظَرفِ، فجازَ فيها من التَقديمِ ما يَجوزُ فيه. والرواية الصحيحة (٤٨٨) في البيت: وَمَا كانَ نَفْسي بالفِراقِ تَطِيبُ. وأنشد في بابٍ تَرجَمَتُه: هذا بابُ استعمالِ الفِعلِ في اللفظ لا في المعنى، للنابغة الجعدي، واسمُهُ عبد الله بن قيس (٤٨٩): [١٨٢] كأَنّ عَذِيرَهُم بجُنُوبِ سِلَّى … نَعامٌ فاقَ في بَلَدٍ قِفارِ الشاهدُ فيه حَذفُ العَذيرِ من قوله: (عَذِيرُ نَعامٍ) وإقامَةُ النَعامِ مقامَهُ اختِصارًا ومجازًا. وَصَفَ قومًا انهزمُوا فلَمّا أَخَذَتْ فيهم السِلاحُ ضَرْبًا وطعنًا جَعَلوا يَصيحونَ صِياحَ النَعامِ، وإنّما شَبَّههم بالنَعامِ لشُرودها فجَعَلَ فِرارَهم مُنْهَزمين كفِرارِها، والعَذيرُ هنا الصَوتُ. وسِلّى موضعٌ بعَيْنِهِ، وجُنُوبُه: نَواحِيهِ. ومعنى قاقَ: صَوَّتَ. وَوَصَفَ البَلَدَ وهو اسمٌ واحِدٌ بالقِفارِ وهو جَمعٌ لأنّه اسمُ جنسٍ يَشْتملُ على فَلَواتٍ ومواضِعَ مُقْفِرةٍ. وأنشد بعد هذا بيتًا لعامِر بن الطُفيل وهو (٤٩٠): فَلأبغِيَنَّكُمُ قَنًا وعُوارِضًا … [ولأُقْبِلَنَّ الخَيلَ لابَةَ ضَرْغَدِ] [١٢٠]

стр. 162

وقد مَرَّ تفسيرُه (٤٩١). وأنشد في الباب للحُطَيْأة (٤٩٢): [١٨٣] وشَرُّ المَنايا مَيِّتٌ بينَ أَهْلِهِ … كهُلْكِ الفَتَى قَدْ أَسْلَمَ الحَيُّ حاضِرُهُ الشاهدُ فيه حَذْفُ المَنِيَّةِ من قوله: (مَنِيّةُ مَيِّتٍ)، كالذي قبله. يقول: شَرُّ المَنَايا أَنْ يموتَ الانسانُ حَتْفَ أَنْفِهِ لَقى بين أهلِهِ قد أسلَموه لِما بِهِ، وأرادَ بالحَيِّ المُحْتَضِرَ لأنّه لم يَمُتْ بَعدُ، وحاضِرُهُ مَنْ حَضَرَه عند الموتِ من أَهلِهِ. وأنشد في الباب للنابغة الجعدي (٤٩٣): [١٨٤] وكَيفَ تُواصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ … خلالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ الشاهدُ فيه قَولُه: (كأبي مَرْحَبِ)، والتقديرُ كخلالةِ أبي مَرْحَبِ. والخلالَةُ: الصَداقَةُ وهي مصدرُ خَليلٍ، يقول: خُلَّةً هذه المرأةِ ووِصالُها لا يَثْبُتُ كما لا تَثْبُثُ خُلَّةُ أَبي مَرْحَبٍ هذا الرجل فلا ينبغي أَنْ يُسْتأمَنَ (٤٩٤) إليها ويُعْتَدّ بها، وإنَّما استطرَدَ إلى هَجْوهِ فضَرَبَ لها المَثَلَ بخُلَّتِهِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ وقُوعِ الاسماءِ ظُروفًا، لعَدِيّ بن الرِقاعِ

стр. 163

العاملي (٤٩٥): [١٨٥] فَقُصِرْنَ الشِتاءَ بَعدُ عليه … وهوَ للذَوْدِ أنْ يُقَسَّمْنَ جارُ الشاهدُ فيه نَصبُ (الشِتاءِ) على الظَرفِ جَوابًا < لِمَتَى >، لِما فيه من التَوقيتِ، لأنّه زَمانٌ بعَيْنِهِ، أو جوابًا لِـ (كَمْ) لمِا فيه من الكميةِ المَعلومةِ، لأنّه فَصلٌ يَقْتضي رُبْعَ العامِ. وَصَفَ نوقًا قُصِرَتْ ألبانُها على فَرَسِهِ لعِتْقِهِ وكَرَمِهِ وحمايَتِهِ لها ومَنْعِهِ من أَنْ يُغارَ عليها فَتُقَسَّمَ، وخَصَّ فَصلَ الشِتاءِ لأنَّه أَشَدُّ الزَمانِ عندهم، والجارُ هنا المُجِيرُ المانعُ تقول العربُ: أنا جارُكَ منه، أَيْ: مُجِيرُكَ. وأنشد في البابِ لأبي النجم (٤٩٦): [١٨٦] يَأتي لَها مِنْ أَيْمُنٍ وأَشْمُلِ الشاهدُ فيه قولُهُ: (مِن أَيْمُنٍ وأشْمُلٍ) وإخْراجُهما مِن أنْ يكونا ظَرفًا لدُخولِ (مِن) عليهما. وَصَفَ ظليمًا ونَعامَةً فيقول: كُلَّما أسرَعَتْ إلى أُدْحِيِّها وهو مَبِيضُها عَرَضَ لها يَمينًا وشِمالًا مُزْعِجًا لها، ويُروى (يَبري لها)، أي: يَعْرِضُ لها. وأنشد في البابِ لعَمرو بنِ كُلْثومٍ (٤٩٧):

стр. 164

[١٨٧] وكانَ الكَأسُ مَجْراها اليَمينا الشاهدُ فيه نَصْبُ (اليَمينِ) على الظَرفِ، وكَوْنِهِ في موضعِ الخَبَرِ عن المَجْرَى، والتقديرُ وكانَ الكأسُ جَرْيُها على ذاتِ اليَمينِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ (مجراها) بَدَلًا من الكأسِ، وقوله: (اليمين) خَبَرًا عنه على أنْ تجعَلَها هي المَجْرى على السَعَةِ، وصدرُ البيت: صَدَدْتِ الكَأسَ عَنّا أُمَّ عَمرٍو ويُروى هذا البيت لعمرو بن عَدِيّ (٤٩٨) ابن أُخت جَذِيمَةَ الأبرش (٤٩٩)، وأُمُّ عَمرٍو جاريةٌ للفَتَيَيْن اللَّذّيْنِ وَفَدا به على خالِهِ جَذيمة وهما مالكٌ وعَقيل، وكانَتْ إذا سَقَتْ صاحبيها تَصُدُّ الكأسَ عن عَمروِ هذا، فقال لها البيتَ، وله [خَبَرٌ طويلٌ مشهورٌ] (٥٠٠). وأنشد في البابِ لجرير (٥٠١): [١٨٨] هَبَّتْ جَنُوبًا فذِكْرَى ما ذَكَرْتُكُمُ … عندَ الصَفاةِ التي شَرْقيَّ حَوْرانا الشاهدُ فيه نَصْبُ (الشَرِقيِّ) (٥٠٢) على الظرفِ، ولا يَسوغُ هنا رَفْعُهُ لحَذْفِ الضَميرِ، ولو أُظْهِرَ فقيلَ: التي هي شَرْقيُّ حَوْرانا لجازَ الرَفعُ على الاتساعِ. وَصَفَ أنّه تَغَرّبَ عن أهلِهِ ومَنْ يُحِبُّهُ وصارَ في شِقِّ الشمال. فكلّما هَبَّتِ الجَنوبُ ذَكَرَهم لهُبوبِها من شِقِّهم، وحَوْرانُ مدينةٌ من مُدنِ الشام. وأضمَرَ الرِيحَ في (هَبَّتْ) لِدلالةِ الجَنوبِ عليها. و (ما) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ، والتقدير فذكَرْتُكُم ذِكْرى. والصَفاةُ الصَخرةُ المَلْساءُ وهي هنا موضعٌ بعَيْنِهِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ فيه المصدرُ حِينًا، لرجلٍ من

стр. 165

خَثْعَم (٥٠٣): [١٨٩] عَزَمتُ على إقامَةِ ذي صَباحٍ … لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ الشاهدُ فيه جَرُّ (ذي صَباحٍ) بالإضافَةِ اتساعًا ومجازًا، والوَجْهُ فيه أنْ يستعمَلَ ظَرفًا لِقِلَّةِ تَمَكُّنِهِ، وإذا جازَ أنْ يُضافَ إليه فَيُجَرّ جازّ أنْ يُخْبَرَ عنه فَيُرفَع فتقول: سِيرَ عليه ذو صَباحٍ وذاتُ مَرّةٍ، وهذا قليلٌ لَمْ يُسْمَع إلّا في هذه اللغة. يقول: عَزَمْتُ على الإقامَةِ في الصباحِ وتأخيرِ الغارَةِ على العَدُوِّ إلى أنْ يرتفعَ النهارُ ثِقَةً مِنِّي بقُوَّتي عليهم وظَفَري بهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنّه استَحَقَّ أَنْ يَسُودَ قَومَهُ بما عنده من صِحَّةِ الرأيِ وشِدَّةِ العَزْمِ فقال: لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ، و (ما) زائدةٌ للتوكيدِ. ويروي يُسَوِّدُ أي: عَزَمْتُ على هذا [لأمْرٍ فيه السّؤدد] (٥٠٤) والشَرَفُ يُسَوِّدُ صاحِبَهُ ويُشَرِّفُهُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ من المصادرِ مفعولًا، للراعي (٥٠٥): [١٩٠] نَظّارَةً حينَ تَعْلُو الشَمسُ راكِبَها … طَرْحًا بِعَيْنَي لَياح فيه تَحْديدُ الشاهدُ فيه قولُه: (طرْحًا) ونَصْبُه على المصدر المؤكَّدِ به، لأنّه لَمَا قال: (نَظّارَةً) عُلِمَ أنّها تَطْرَحُ بَصَرَها وتَرْمي به يَمينًا وشِمالًا، فكأنّه قال: تطرَحُ نَظَرها طَرْحًا.

стр. 166

وَصَفَ ناقَةً بالنَشاطِ وحِدَّةِ النَظَرِ عندَ الكَلالِ والسَيرِ في الهَواجر (٥٠٦) إذا صارَتَ الشَمسُ على قِمَّةِ الرأسِ فَعَلَتْ راكِبَها. واللَّيَاحُ < واللِّيَاحُ > الأبيضُ اللائح يعني ثورًا وَحْشِيًّا. والتَحديدُ حِدّةُ النظرِ أو حِدَّةُ النَشاطِ. ويُروى (تَجديدُ) بالجيمِ، وهو من الجُدَّةِ والجُدَّةُ خُطَّةٌ سَوداءُ تُخالِفُ لونَهُ، وكذلك بَقَرُ الوَحْشِ. وأنشد في البابِ لجرير (٥٠٧): [١٩١] ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القّوافي … فَلا عِيًّا بهنَّ ولا اجْتِلابا الشاهدُ فيه جَرْيُ (المُسَرَّحِ) مَجْرى التَسْريح وعَمَلُهُ كَعَمَلِهِ لأنّ معناه كمعناه. يقول: أنا أُسَرِّحُ القَوافي وأُطْلِقُها من عقالها اقتِدارًا عليها، وهذا مَثَل لتَأَتِّيها له وتَيَسُّرها عليه، ثُمّ قالَ: فلا عِيًّا بهنّ < أَيْ: لا أَعْيا بهنَّ عِيًّا > ولا اجتِلابا، أي: لا أجتَلِبُها من شِعرِ غَيرِي، والمعنى لا أسرقُها. وسَكَّنَ الياءَ من القَوافي ضَرورةً، وهي في موضعِ نَصْبٍ بالمُسَرَّحِ. وأنشد في البابِ لابنِ أحمر في مِثْلِه، وهو عمرو بن أحمر بن العَمَرَّد الباهلي (٥٠٨): [١٩٢] تَدَارَكْنَ حَيًّا من نُمَيْرِ بن عامِرٍ … أُسارَي تُسامُ الذُلَّ قَتْلًا ومَحْرَبَا الشاهدُ فيه قوله: (ومَحْرَبا) وهو بمعنى الحَرَبِ فبناه على (مَفْعَلٍ) (٥٠٩)، والحَرَبُ: السَلَبُ، ويجوز أنْ يكونَ مِنَ الغَضَبِ يقال: حَرِبْتُ حَرَبًا ومَحْرَبًا إذا غَضِبْتَ.

стр. 167

وَصَفَ أنّ خَيْلَهُ تَداركَتْ (٥١٠) حَيًّا من نُمَيْرٍ قد أُسِرَ (٥١١) < وَسِيمَ > الذُلَّ والخَسْفَ بقَتْلِ بعضهم وسلبِ بعضهم فاستَنْقَذَتْهم من أَيْدِي العَدُوِّ الآسِرِ لهم، والشاعرُ من باهلةَ ابن أعصُرَ (٥١٢) وهم من قَيْس، < ونُمَيْرُ بنُ عامرٍ من قَيسٍ > (٥١٣) أيضًا، فلذلك ذَكَر استِنقاذَهُم لهم لأنَّهم إخْوَتُهُم. وأنشد في البابِ لحُمَيْد بن ثَورِ الهِلالي (٥١٤): [١٩٣] وما هِيَ إلّا في إزارٍ وعِلْقَةٍ … مُغارَ ابنِ هَمّامٍ علي حَيِّ خَثْعَما الشاهدُ فيه نَصْبُ (مُغارٍ) على الظَرفِ، والتقديرُ زَمَنَ [إغارَةِ] (٥١٥) ابن هَمّامٍ وقد غُلِّطَ سيبويه (٥١٦) في جَعْلِهِ (المُغَارَ) ظَرْفًا وقد تَعَدّى إلى حَيِّ خَثْعَم بـ (على) والظَرفُ لا يَتَعَدّى. وزَعَمَ الرادُّ عليه أَنّ نَصْبَهُ على المصدر المُشَبَّهِ به، والعامِلُ فيه معنى قولِهِ: (وما هِيَ إلّا في إزارٍ وعِلْقَةٍ)، لأنّه دالٌّ على العُرْيِ وقِلَّةِ اللِّباسِ، وكانَ ابنُ هَمّامٍ لا يُغيرُ إلّا عُرْيانًا فيما زَعَم الرادُّ، فكأنّه قال: وما هي إلّا صَغيرةٌ تَتَعَرّى تَعَرِّيَ ابنِ هَمّام إذا أغارَ، فَشَبَّه عُرْيَها بِعُرْيِ ابن هَمّامٍ عند مُغارِهِ، وأوقَعَ التَشْبِيهَ على لفظِ المُغارِ لأنّه سَبَبُ عُرْيِهِ.

стр. 168

وهذا الرَدُّ غَيرُ مُبْطِلٍ لمِا ذَهَب إليه سيبويه مِن جَعْلِهِ ظَرفًا مع التَعَدِّي (٥١٧)، لأنّه أَرادَ مِنْ إغارَةِ ابنِ هَمّامٍ على حَيَّ خَثْعَم وَقْتْ إغارّتِهِ، فحّذَفَ الوقتَ وأقامَ المُغارَ مُقامَهُ في النَصْبِ كما تقولُ: أتَيْتُكَ خُفوقَ النَجْمِ تريدُ وَقْتَ خُفُوقِ النَجمِ. وَصَفَ امرأةً كانْتْ صغيرةَ السِنٍّ تَلْبَسُ العِلْقَةَ، وهي من لِباسِ الجَواري، وهي ثَوبٌ قصيرٌ بلا كُمَّيْن تَلْبَسُهُ الصَبِيَّةُ تلعبُ فيه، ويقال له: الإِتْبُ والبَقِيرةُ، وكانَتْ تَلبّسُهُ في وَقْتِ إغارةِ ابنِ هَمّامٍ على هذا الحَيِّ، وخَثْعَم قَبيلةً مِن اليَمَنِ (٥١٨). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما لا يَعملُ فيه ما قبلَه من الفِعلِ (٥١٩): [١٩٤] < لَقَدْ عَلِمْتُ أَيَّ حِينٍ عُقْبَتي استشهد به على نَصْبِ (أيّ حينٍ) على الظرفِ، وعُقْبَتي مصدرٌ مبتدأ وهو خيرٌ فكأنَّه قال: في أيّ الأحيانِ اعتّقَبْناه. قال سيبويه (٥٢٠): (وبعضُهم يقول: أيُّ حينٍ) بالرَفْعِ، ورَفْعُهُ بالابتداء والخبرِ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعملُ فيه ما قَبله. والعُقْبَةُ في الركوبِ ما أعقَبَهُ المَشْيُ وما أعقَبَ المَشْيَ، وكُلُّ واحدٍ منهما يأتي عقيب صاحبه لا يَجتمعان.> [وأنشَدَ في الباب] (٥٢١) [١٩٥] حَتّى كأَنْ لم يكُنْ إلّا تَذَكُّرُهُ … والدَهرُ أَيَّتَما حينٍ دَهاريرُ (٥٢٢)

стр. 169

الشاهدُ فيه نَصبُ (أيِّتَما) على الظَرفِ، والعامِلُ فيه الدَهاريرُ، والتقديرُ والدهرُ دَهاريرُ كُلَّ حينٍ. والدَهاريرُ: الدَواهي واحدُها دُهرورٌ ودِهْرارٌ، ويقال: الدَهاريرُ أَوّلُ الدَهْرِ، والمعنى والدَهرُ متجدِّدٌ أبَدًا على ما عُهِدَ منه لا يَبْلَى ولذلك قيلَ له: الجَذَعُ، ويقال: الدَهاريرُ جَمعُ دَهْرٍ على غَيرِ قِياسٍ كما قيل: ذَكَرٌ ومَذاكير، والمعنى على هذا والدَهرُ مُتَقَلِّبٌ من حالٍ إلى حالٍ ومُتَصَرّفٌ بخيرٍ وشَرٍّ، فكأنّه [قال]: دُهورٌ لاختِلافِهِ، وقبلَ هذا البيت: وبَينما المَرءُ في الأحياءِ مُغْتَبِطًا … إذْ صارَ في الرمسِ تَعْفوهُ الأعاصِيرُ ويُروى أنّ الفرزدقَ شَهِدَ دَفْنَ رجُلٍ فأنشَدَ مُنشِدٌ هذا الشِعرَ فقال الفرزدق: أتَدرونَ مَنْ قائلُ هذا الشِعر فقالوا: لا، قال: الموضوعُ في حُفْرَتِه. وأنشد في بابٍ < ترجَمَتُه: هذا بابٌ > من الفِعلِ سُمِّيَ الفِعلُ فيه بأسماءٍ لم تُؤخَذْ من أمثلة الفِعلِ الحادِثِ (٥٢٣): [١٩٦] تَرَاكها مِن إبلٍ تَرَاكِها وبعدَه في الباب (٥٢٤): [١٩٧] مَنَاعِها مِن إبِلٍ مَنَاعِها الشاهدُ فيهما (٥٢٥) وَضعُ (تَراكِها ومَنَاعِها) موضعَ اتْرُكْها وامْنَعْها، وهما اسمانِ الفعلِ الأمرِ وَجَب لهما البِناءُ [على الكسرِ] لأنّه مبنيٌّ وكان حَقُّهما السكونَ فكُسِرا

стр. 170

لاِلتقاءِ الساكنينِ، وخُصّا بالكسرِ لأنهما مؤنّثان والكَسرُ يَختصّ به المؤنّثُ. وبعدَهما: أما تَرَى المَوتَ لدى أَوْراكِها وأما تَرَى الموتَ لدى أرباعِها أيْ: هي مَحْميَّةٌ مِن أنْ يغارَ عليها، فاتْرُكْها وانْجُ بنفسِكَ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ مُتَصَرِّفِ رُوَيْدَ، للهُذلي (٥٢٦): [١٩٨] رُوَيْدَ عَلِيًّا جُدَّ ما ثَدْيُ أُمِّهم … إلينا ولكنْ بُغْضُهم مُتَمايِنُ الشاهدُ فيه نَصْبُ عليٍّ بـ (رُوَيْدَ)، لأنّها بَدَلٌ من قولك: أرْوِدْ ومعناه أمْهِلْ. وَصَفَ قَطيعةً كانتْ بينهم وبينَ كِنانَةَ ووَحْشَةً على ما بينَهم من القَرابةِ والأخُوّةِ. وعليٌّ (٥٢٧): حَيٌّ من كِنانَةَ بن خُزَيمَة بنِ مُدْرِكَةَ، والشاعِرُ من هُذيلِ بنِ مُدْركِةَ فيقول: أمْهِلْهُم حتّى يثوبوا (٥٢٨) إلينا بوُدِّهم ويَرجعوا عمّا هُم عليه من قَطيعتِهم وبُغْضِهم، فقطيعَتُهم لنا على غَيرِ أصلٍ وبُغضُهم إيّانا لا حقيقةَ له. ومعنى جُدَّ قُطِع، والمُتمايِنُ: المُتكاذِبُ، والمَيْنُ الكذبُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما جَرَى من الأمرِ والنَهْيِ على إضمارِ الفِعلِ المُستعملِ إظهارُهُ، لجرير (٥٢٩): [١٩٩] خَلِّ الطَريقَ لِمَنْ يَبْني المَنارَ بهِ … وابرُزْ بِبَرْزَةَ حَيثُ اضطَرَّكَ القَدَرُ الشاهدُ فيه إظهارُ الفعلِ قبلَ الطَريقِ والتّصريحُ به، ولو أُضْمِرَ لكانَ حَسَنًا على ما بَيَّنَه.

стр. 171

يُخاطبُ بهذا عُمرَ بنَ لَجَأ التيمي من تَيمِ عدِيٍّ فيقول: تَنَحَّ عن طريقِ الفَضلِ والشَرَفِ والفَخْرِ وخَلِّهِ لمَن هو أحَقُّ به منكَ ممَّنْ يَعْمُرُهُ ويَبني مَنارَهُ وعَلَمَهُ، وابرُزْ إليَّ حيث اضطركَ القَدَرُ من اللُّؤمِ والضَعَةِ. وبَرْزَةُ: إحدى جَدّاتِهِ، فَعَيَّرَهُ بها. وأنشد في البابِ لإبراهيم بن هَرْمَة القرشي (٥٣٠): [٢٠٠] أَخاكَ أَخاكَ إنَّ مَنْ لا أَخَا لَهُ … كَسَاعٍ إلى الهَيْجا بِغَيرِ سلاحِ الشاهدُ فيه نَصبُ (الأخ) بإضمار فعلٍ، والتقديرُ الزَمْ أَخاكَ واحفَظْ أخاكَ، واستشهَدَ به فيما يُستَعمَلُ إظهارُ (٥٣١) الفعل فيه، وهذا التكريرُ يقومُ مقامَ إظهارِ الفعل، فلا يَجوزُ معه الإظهارُ، وإنّما أرادَ سيبويه تَمثيلَ النَصْبِ بإضمارِ فِعلٍ خاصّة وإنْ كانَ هذا مِمَّا لا يَجوزُ إظْهارُهُ. يقول: استَكثِر من الإخوانِ فهم (٥٣٢) عُدَّةٌ يُستظهر بها على الزمان كما قال الرسولُ عليه [الصلاة و] السلام: (المرءُ كثيرٌ بأخِيهِ) (٥٣٣)، وجعلَ من لا أخا له يَستظهرُ به كمن قاتلَ عَدُوَّهُ ولا سِلاحَ معه. والهيجاءُ: الحربُ، تُمَدُّ وتُقصرُ. وأنشد في بابٍ ترجمُهُ: هذا بابُ ما يضمرُ فيه الفعلُ المستعملُ إظهارُهُ بعدَ حرفٍ، لهُدْبَة بن خشرم العذريّ (٥٣٤): [٢٠١] فإن تكُ في أموالنا لا نَضِقْ بها … ذِراعًا وإنْ صبرًا فنصبرُ للصبرِ

стр. 172

الشاهدُ فيه حملُ ما بعدَ (إنْ) على إضمارٍ فعلٍ مع جوازِ النَصبِ والرفعِ فيه، وتقديرُ الرفعِ إن وقعَ صبرٌ، وتقديرُ النَصْبِ إن كان الذي يقعُ ويجبُ صبرًا. والصبرُ هنا الأمرُ الذي يجبُ الصبرُ عليه لما فيهِ من الفَضلِ والشرفِ، وكان قد قَتَلَ ابنَ عمٍّ له غِيلَةً ثُمَّ اعترفَ بقتلهِ فيقول: إنْ أُلْزِمَنا الدِيَةَ لم نَضِقْ بها ذِراعًا (٥٣٣ أ) ولم تَعْجِزْ أموالُنا عنها، وإنْ وجبَ علينا القتلُ ووقعَ صبرنا له < لما فيه > من الكرمِ والفضلِ. [وأنشد في الباب في مثله (٥٣٤ أ): ] [٢٠٢] قَدْ قِيلَ ذلك إن حَقًّا وإن كذبًا … فما اعتذارُك من قولٍ إذا قيلا الشاهد فيه نصبُ (حقّ وكذبٍ) بإضمارِ فعلٍ يقتضيه حرفُ الشرطِ لأنه لا يكونُ إلا بفعلٍ، والتقديرُ إن كان ذلك حقًّا وإنْ كان كذبًا، ورفعُهُ جائزٌ على معنى إن وقعَ فيه حقٌّ أو كذبٌ. وهذا البيتُ يُروى للنعمان بن المنذر قاله للربيعِ بن زيادٍ العبسيّ حين دخل عليه لبيدُ بن ربيعةَ والربيعُ يؤاكلُهُ فقال (٥٣٥): مهلًا أبيت اللعنَ لا تأكل معه أنّ استَهُ من بَرَصٍ ملمَّعهْ فأمسكَ النعمانُ عن الأكلِ، فقال الربيعُ: أبيتَ اللعنَ أنَّ لبيدًا كاذبٌ فقال النعمانُ: قد قيل ذلك … البيت، فيقال: هوَ لهُ ويقال: بل تمثَّل به وهو لغيرهِ.

стр. 173

وأنشد في البابِ لليلى الأخيلية (٥٣٦): [٢٠٣] لا تقربنَّ الدهرَ آلَ مُطَرّفٍ … إن ظالمًا أبدًا وإن مظلوما الشاهدُ فيه نصْبُ ما بعدَ (إن) على ما تَقَدَّمَ، ولا يجوزُ هنا الرفعُ لأنّه صفةٌ للمخاطبِ، والتقديرُ لا تقربنهم إنْ كنتَ ظالمًا أو مظلومًا. تمدحُ قومًا (٥٣٧) من بني عامرٍ وتصفهم بالقوةِ < والعزَّةِ > فتقول: لا تَقْربَنَّهم ظالمًا < لهم > فإنَّك لا تَستطيعُهم ولا مظلومًا فيهم طالبًا للانتصارِ منهم فإنّك تعْجزُ عن مُقاوَمَتهم لِعِزِّتهم وقُوَّتِهم، ويُروى (إلٌّ مُطرِّفٍ) وهو الصحيحُ. وأنشد في الباب (٥٣٨): [٢٠٤] وأحضرتُ عُذْري عليه الشُهودُ … إنْ عاذِرًا لي وإنْ تارِكا الشاهد فيه كالشاهدِ في الذي قَبلَه، والنَصبُ فيه الوَجْهُ لأنّه عَنَى الأميرَ الذي خاطَبَهُ، وكان قد قُذِفَ عندَهُ بذنبٍ فبَيَّنَ عُذْرَه واستشهد على براءَتِهِ فيقول: إنْ <صَحَّ> احضرتُ عُذْري < أي: حُجَّتي > وعليه شُهودٌ يحقِّقونَه كنتَ عاذِيرًا لي أَيُّها الأميرُ أو تاركًا، أي: غيرَ عاذِرٍ [لي]. والرفعُ جائزٌ على معنى إنْ كان لي في الناسِ عاذرٌ أو تاركٌ على العُمومِ، ويكونُ الأميرُ داخلًا فيهم.

стр. 174

وأنشد في البابِ للنابغةِ الذُبياني (٥٣٩): [٢٠٥] حَدِبتْ عليَّ بطونُ ضنَّةَ كُلُّها … إن ظالمًا فيهم وإنْ مظلوما الشاهدُ فيه كالشاهدِ في [الذي قبلَه وهو] بيت ليلى الأخيلية وعِلّتُه كعِلَّتِهِ. يقول هذا منتسِبا إلى ضِنَّةَ وهي قبيلةٌ من عُذْرة (٥٤٠)، وكان هو وأهلُ بَيْتِه يُنْسَبون إليها وينفونَ عن بني ذبيان، فحقَّقَ انتسابَهُ إلى عُذْرة فقال: حَدِبَتْ عليَّ بطونها (٥٤١)، أي: عَطَفَتْ لأنّي منهم ونَصَرَتْني ظالمًا كنتُ. أو مظلومًا لأنّي أحَدُهُم. ويروى (ضَبَّة) وهو تصحيفٌ. وأنشد في البابِ (٥٤٢): [٢٠٦] وبلدةٍ ليسَ بها أنيسُ [إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ] استشهَدَ به لإضمارٍ حرفِ الجَرِّ، والتقديرُ ورُبِّ بلدةٍ، وجَعَلَ هذا تَقْويَةٌ لإضمارٍ الفعلِ مع قُوَّته إذ جازَ إضمارُ حرفٍ الجرِّ مع ضعْفِهِ. والواو عندَه حرفُ عطفٍ غير عوضٍ من (رُبّ) إلا أنّها دالَّةٌ عليها فأُضْمِرتْ لذلك، وهي عند غيره (٥٤٣) عوضٌ من (رُبّ) وواقعةٌ موقِعَها كما كانتْ هاءُ التنبيهِ عِوَضًا من الواوِ في قولهم: لا هاء الله، والمعنى لا واللهِ، وكلا التقديرينِ صحيحٌ إن شاءَ الله.

стр. 175

وأنشد في الباب (٥٤٤): [٢٠٧] مِنْ لَدُ شَوْلًا فإلى إتلائها الشاهدُ فيه نَصْبُ (شَولٍ) على إضمارِ (كانَ) لوقوعها في مثلِ هذا كثيرًا، والتقديرُ عنده من لَدُ أنْ كانَتْ شَوْلًا، وهي التي ارتَفَعَتْ ألبانُها للحملِ إلى إتلائها، < أي > إلى أن صارتْ مُثْلِيةً يتلوها أولادُها بعدَ الوَضعِ. ويجوزُ جرُّ الشَولِ على تقديرين: أحدهما أنْ يُريدَ الزَمانَ فكأنَّه قالَ: من لَدُنْ زَمانِ شَوْلِها، أي: ارتفاعِ لبنها، ويكونُ الشَولُ مصدرًا على هذا التقدير ثُمَّ يُحْذَفُ الزمانُ ويقامُ الشولُ مقامَهُ. والتقديرُ الثاني من لَدُن كونِ شَولِها ووقوعِهِ [إلى إتلائها] (٥٤٥)، فتحذف الكونَ وتُقيم الشَولَ مقامهُ كما تَقَدَّمَ في التَقديرِ الأولِ. و (لَدُ) محذوفةٌ من (لَدُنْ) لكثرةِ الاستعمال. وأنشد في البابِ لدريد بن الصمَّة (٥٥٦): [٢٠٨] لَقَدُ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ فاكْذِبَنْها … فإنْ جَزَعًا وإنْ إِجمالَ صَبْرِ الشاهدُ في قوله: فإنْ جزعًا وإنْ إجمالَ صبرٍ، والمعنى فإمّا (٥٥٧) جَزَعًا وإمّا إجمالًا، فحَذَفَ (ما) من (إمّا) ضرورةٌ: ولا يجوزُ أنْ تكونَ (إنْ) ها هنا للشرطِ (٥٥٨) لوقوعِ الفاءِ قَبلَها، فلو كانت شَرطًا لكانَ مستأنَفًا لا جَوابَ له لمنعِ الفاءِ < مِن > أن يكونَ جوابُهُ فيما قَبلَه.

стр. 176

يقولُ مُعَزِّيًا لنفسِهِ عن أخيهِ عبدِ الله بن الصِمَّةَ وكان قد قُتِلَ: لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ فيما مَنَّتْكَ به من الاستِمتاعِ بحياةِ أخيك فاكْذِبَنْها في كُلِّ ما تُمَنِّيكَ به بَعدُ، فإمّا أن تَجْزَعَ لفَقْدِ أخيك وذلك لا يُجْدِي عليك شَيئًا، وإمّا أنْ تُجْمِلَ الصَبَر فذلك أجْدَى عليكَ. وأنشد في البابِ للنَمِرِ بنِ تَوْلَبٍ (٥٥٩): [٢٠٩] سَقَتْهُ الرواعِدُ مِنْ صَيِّفٍ … وإنْ مِن خَريفٍ فَلَنْ يَعْدَما (٥٦٠) الشاهدُ فيه كالشاهدِ في الذي قَبلَه، وتقديرُه عند سيبويه سَقّتهُ الرواعِدُ إمّا مِنْ صَيفٍ وإمّا من خريفٍ فلنْ يَعْدَمَ الريَّ البتَّةَ، فَحَذَفَ (إمّا) في أوّل البيتِ ضرورةٌ لدلالةِ (إمّا) الباقية (٥٦١) عليها لأنّها لا تَقَعُ إلا مكرّرَةٌ، ثُمَّ < حَذَفَ > (ما) من (إمّا) الباقيةِ ضرورةٌ كما تَقَدَّمَ فقال: وإن من خريفٍ < وهو يُريدُ وإمّا من خَريفٍ >. وقد خالَفَ سيبويه في هذا التقدير الأصمعيُّ (٥٦٢) وغيرُهُ وقالوا: إنَّما هي (إنْ) التي للجزاءِ حُذِفَ الفِعلُ بعدَها لِما جَرَى من ذِكْرِه قبلَها، والفاءُ جَوابُها، والتقديرُ عندهم، سَقَتْهُ الرواعِدُ من صَيِّفٍ وإنْ سَقَتْهُ من خَريفٍ فلَنْ يَعَدَمَ الريَّ. وتقديرُ سيبويه أولى لما فيه من عُمومِ الريِّ في كُلِّ وَقْتٍ من صَيفٍ وخَريفٍ، ولا يصحُّ هذا المعنى على تقدير الأصمعيّ وأصحابِهِ لأنّهم جَعَلوا رِيَّهُ لسَقْي الخَريفِ له خاصةٌ. وَصَفَ وَعِلًا يألفُ روضةٌ (٥٦٣) مُخْصِبَةٌ في جَبَلٍ حَصينٍ لا يُوصَلُ إليه والأمطارُ

стр. 177

مُلازِمَةٌ له لا تَغُبّه (٥٦٤) فلا يحتاجُ إلى أنْ يُسْهِلَ فَيُصادَ وهو مع ذلك لا يَنجو من الحَتْفِ، وقَبلَ هذا البيت (٥٦٥): إذا شاءَ طالَعَ مَسْجورةٌ … تَرَى حَولَها النَبْعَ والساسَما والمَسجورَةُ: الروضَةُ المملوءَةُ عُشْبًا < وماءً >، والنَبْعُ والساسَمُ من شَجَرِ الجِبالِ. والصَيِّفُ: مَطَرُ الصيفِ، وأرادَ بالخريفِ مَطَرَ الخَريفِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ على إضمار الفعلِ المتروكِ إظهارُهُ، لعمرو بن معدِ يكرب (٥٦٦): [٢١٠] أُريدُ حباءَهُ ويُريدُ قَتْلي … . عذيركَ مِن خَليلِك من مُرادِ الشاهدُ فيه نَصبُ (عَذيرِك) ووَضْعُهُ موضعَ الفعل بَدَلًا منه، والمعنى هاتِ عُذْرَك وقرِّبْ عُذْرَك، والتقديرُ أعذِرني منه عُذْرًا. واختُلِفَ في العَذيرِ، فمنهم من جعله مصدرًا بمعنى العذرِ وهو مذهبُ سيبويه (٥٦٧)، ومنهم من جَعَلَه بمعني عاذرٍ كعَليمٍ وعالِمٍ (٥٦٨)، والمعنى عندَهُ هاتِ عاذِرَكَ وأحِضْر عاذِرَكَ، وامتنع أن يَجعَلَه بمعنى العُذْرِ لأنَّ فَعِيلا لا يُبْنَي (٥٦٩) عليه المصدَرُ إلا في الأصواتِ نحو الصَهيلِ والنَهيقِ والنبيحِ وما أشبَهَهُ. والأولَى مذهَبُ سيبويه لأنّ المصدرَ يَطّرِدُ وضْعُهُ موضعَ الفِعلِ بَدَلًا منه لأنَّه اسمُهُ ولا يَطّرِدُ ذلك في اسمِ الفاعِلِ، وقد جاءَ فَعِيلٌ في غَيرِ الصوتِ كقولهم: وَجبَ القَلبُ وجِيبًا إذا اضطَرَبَ.

стр. 178

يقول < هذا > لقيسِ بن مكشوحِ المُرادي (٥٧٠) وكانا صديقينِ ثُمَّ أَظلَمَ ما بَينَهما لأمرٍ أوجَبَ ذلك فيقول: أُريدُ حِباءَهُ ونَفْعَهُ مع إرادَتِهِ قَتْلِي وتَمَنِّيِه مَوْتي فَمَنْ يَعْذِرُني منه. والحِباءُ: العَطِيَّةُ، ويُروى أُريدُ حياتَهُ. وأنشد في الباب للكُميتِ بن زيدٍ الأسدي (٥٧١)، وقيلَ: هو للكميت بن معروف (٥٧٢): [٢١١] نَعاءِ جُذامًا غَيرَ مَوتٍ ولا قَتْلِ … ولكنْ فِراقًا للدَعائمِ والأصْلِ الشاهدُ فيِه وَضعُ (نَعاءِ) موضعَ الفِعلِ وبَدَلًا منَ اللفظِ به، والمعنى انْعَ جُذامًا، وعِلْتُهُ كعِلَّةِ: تَراكِها من إبِلٍ تَراكِها [١٩٦] وقد مَرَّ تَفسيرُهُ (٥٧٣). يقولُ هذا مُنكِرًا على جُذامَ انتِسابَها إلى عَدِيّ بنِ عمرو بن سبأ ومؤاخاتها لِلَخْمِ بن عَدِيّ بن عَمرو، والكُميت (٥٧٤) من أسدِ بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة وكانَ مُتَعصِّبًا لمُضَرَ وهاجيًا لليَمَنِ، وجُذامُ (٥٧٥) فيما يَزعُمُ بعضُ النَسَّابين من وَلَدِ < أسدة بن خُزَيْمة أخي > أسَد بن خُزَيمة، لَحِقوا باليَمَنِ وانَتَسبوا إليهم، فقال الكُميتُ مُحَقّقًا لذلك: انْعَ جُذامًا غيرَ مَيتِّين ولا مَقْتولين، ولكنْ مُفَارقين لأصْلِهم من مُضَرَ ومُنْتَسبين إلى غَيرهم من اليَمَن.

стр. 179

وأنشد في الباب لذي الاصبَع العَدواني (٥٧٦)، < واسمُهُ حُرثانُ بن عَمرو >: [٢١٢] عَذِيرَ الحَيِّ من عَدْوا … ن كانوا حَيَّةَ الأرْضِ الشاهدُ فيه كالشاهدِ في بَيتِ عَمرو بنِ معدِ يكرب قبلَه وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. وَصَفَ ما كانَ مِن تَفَرُّقِ عَدْوانَ (٥٧٧) بن عَمرو بنِ سعدِ بن قيسِ عَيْلان، وتَشَتُّتِهم في البلادِ مع كَثْرتهم وعِزَّتِهم [في البلادِ]، لكثرةِ ساداتِهم وبَغْيِ بَعْضِهم على بَعضٍ فيقول: من يَعْذِرُهُم في فِعْلِهم أو مَنْ يَعْذِرُني منهم. وقوله: كانوا حَيَّةَ الأرضِ، أيْ: كانوا يُتَّقَى منهم لكثرتهم وعِزَّتهم كما يُتَّقَى من الحَيَّة المُنكَرَةِ. وأنشد في بابٍ ترجُمَتُهُ: هذا بابُ ما يكونُ معطوفًا < في هذا الباب > على الفاعلِ المُضْمَرِ في النِيَّةِ، لجرير (٥٧٨): [٢١٣] إيَّاكَ أنتَ وعَبْدَ المَسِيـ … . حِ أنْ تَقْرَبا قِبلَةَ المَسْجِدِ الشاهدُ فيه عَطْفُ (عبدِ المَسيحِ) على (إيّاك) على تقدير حَذَّرْ نَفْسَكَ وعَبدَ المَسيحِ، ويَجوزُ الرَفعُ عَطفًا على (أنتَ) أي: احذَرْ أنت وعبدَ المَسيحِ. يُخاطبُ بهذا الفرزدقَ لِمَيْلِهِ مع الأخطل < عليه > يقول: لا تَقْرَبِ المسجِدَ فلَسْتَ على المِلَّةِ لمَيلِكَ إلى النَصَارى ومُداخَلَتِك لهم. وأنشد في البابِ (٥٧٩): [٢١٤] إيّاكَ إيّاكَ المِراءَ فإنَّه … إلى الشَرِّ دُعَاءٌ وللشَرِّ جالِبُ

стр. 180

الشاهدُ في نَصْبِ (المِراءِ) بعدَ (إيّاكَ) مع إسقاطِ حَرفِ العَطفِ ضَرورَةٌ، والمعروفُ في الكلامِ إيّاكَ والمِراءَ وإيّاكَ والأسَدَ، ولا يجوزُ إيّاك الأسَدَ كما لا يَجوز اتَّقِ نَفْسَك الأسَدَ على ما بَيَّنَه سيبويه (٥٨٠). ويَجوزُ أن يكون (المِراءُ) منصوبًا بإضمارِ فعلٍ دَلَّ عليه (إيّاك) كأنّه قال: إيّاك تَجَنُّبِ المِراءَ، فلا تكونُ فيه ضَرورةٌ على هذا. ويَجوزُ (٥٨١) أن يكون مفعولًا له فَحُذِفَ منه حرفُ الجَرِّ تَشْبيها بـ (أن) وما عَمِلَتْ فيه إذا قلتَ: إيّاك أنْ تَفْعَلَ كذا، تُريد إياكَ < أَعِظُ لأنْ تَفعَلَ ومِن أَجْلِ أنْ تَفَعَلَ فكأنّه قال: إياكَ > أعِظُ (٥٨٢) أن تُماري، ثم وَضَع المِراءَ موضِعَهُ. والمِراءُ: المُخالَفَةُ في الكلام والملاجَّةُ فيه. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا شيَءٌ يُحْذَفُ منه الفِعلُ لكثرته في كلامهم، لذي الرُمَّة (٥٨٣): [٢١٥] دِيارُ مَيَّةَ إذْ مَيَّ تُساعِفُنا … ولا يَرَى مِثْلَها عُجْمٌ ولا عَرَبُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (دِيارِ مَيَّةَ) بإضمارِ فِعلٍ تُرِك استعمالُه. وقامَتْ بما تَقَدَّمَ دِلالَتُهُ فَحُذِفَ، وتقديرُه أذكُرُ دِيارَ مَيَّةَ وأَعنِيها. ومعني تُساعِفُنا تُواتينا على ما نُريدُ وتُساعِدُنا. ورَخَّمَ مَيَّةَ في غيرِ النداءِ ضَرورة، ويقال: كانَتْ تُسَمّى مَيًّا ومَيَّةَ. وأنشد في الباب (٥٨٤): [٢١٦] اعْتادَ قَلْبَكَ من سَلمَى عَوائدُهُ … وهاجَ أهواءَكَ المكنونَةَ الطَلَلُ
следующие страницы →