← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يقولُ مُعَزِّيًا لنفسِهِ عن أخيهِ عبدِ الله بن الصِمَّةَ وكان قد قُتِلَ: لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ فيما مَنَّتْكَ به من الاستِمتاعِ بحياةِ أخيك فاكْذِبَنْها في كُلِّ ما تُمَنِّيكَ به بَعدُ، فإمّا أن تَجْزَعَ لفَقْدِ أخيك وذلك لا يُجْدِي عليك شَيئًا، وإمّا أنْ تُجْمِلَ الصَبَر فذلك أجْدَى عليكَ. وأنشد في البابِ للنَمِرِ بنِ تَوْلَبٍ (٥٥٩): [٢٠٩] سَقَتْهُ الرواعِدُ مِنْ صَيِّفٍ … وإنْ مِن خَريفٍ فَلَنْ يَعْدَما (٥٦٠) الشاهدُ فيه كالشاهدِ في الذي قَبلَه، وتقديرُه عند سيبويه سَقّتهُ الرواعِدُ إمّا مِنْ صَيفٍ وإمّا من خريفٍ فلنْ يَعْدَمَ الريَّ البتَّةَ، فَحَذَفَ (إمّا) في أوّل البيتِ ضرورةٌ لدلالةِ (إمّا) الباقية (٥٦١) عليها لأنّها لا تَقَعُ إلا مكرّرَةٌ، ثُمَّ < حَذَفَ > (ما) من (إمّا) الباقيةِ ضرورةٌ كما تَقَدَّمَ فقال: وإن من خريفٍ < وهو يُريدُ وإمّا من خَريفٍ >. وقد خالَفَ سيبويه في هذا التقدير الأصمعيُّ (٥٦٢) وغيرُهُ وقالوا: إنَّما هي (إنْ) التي للجزاءِ حُذِفَ الفِعلُ بعدَها لِما جَرَى من ذِكْرِه قبلَها، والفاءُ جَوابُها، والتقديرُ عندهم، سَقَتْهُ الرواعِدُ من صَيِّفٍ وإنْ سَقَتْهُ من خَريفٍ فلَنْ يَعَدَمَ الريَّ. وتقديرُ سيبويه أولى لما فيه من عُمومِ الريِّ في كُلِّ وَقْتٍ من صَيفٍ وخَريفٍ، ولا يصحُّ هذا المعنى على تقدير الأصمعيّ وأصحابِهِ لأنّهم جَعَلوا رِيَّهُ لسَقْي الخَريفِ له خاصةٌ. وَصَفَ وَعِلًا يألفُ روضةٌ (٥٦٣) مُخْصِبَةٌ في جَبَلٍ حَصينٍ لا يُوصَلُ إليه والأمطارُ

стр. 177

مُلازِمَةٌ له لا تَغُبّه (٥٦٤) فلا يحتاجُ إلى أنْ يُسْهِلَ فَيُصادَ وهو مع ذلك لا يَنجو من الحَتْفِ، وقَبلَ هذا البيت (٥٦٥): إذا شاءَ طالَعَ مَسْجورةٌ … تَرَى حَولَها النَبْعَ والساسَما والمَسجورَةُ: الروضَةُ المملوءَةُ عُشْبًا < وماءً >، والنَبْعُ والساسَمُ من شَجَرِ الجِبالِ. والصَيِّفُ: مَطَرُ الصيفِ، وأرادَ بالخريفِ مَطَرَ الخَريفِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ على إضمار الفعلِ المتروكِ إظهارُهُ، لعمرو بن معدِ يكرب (٥٦٦): [٢١٠] أُريدُ حباءَهُ ويُريدُ قَتْلي … . عذيركَ مِن خَليلِك من مُرادِ الشاهدُ فيه نَصبُ (عَذيرِك) ووَضْعُهُ موضعَ الفعل بَدَلًا منه، والمعنى هاتِ عُذْرَك وقرِّبْ عُذْرَك، والتقديرُ أعذِرني منه عُذْرًا. واختُلِفَ في العَذيرِ، فمنهم من جعله مصدرًا بمعنى العذرِ وهو مذهبُ سيبويه (٥٦٧)، ومنهم من جَعَلَه بمعني عاذرٍ كعَليمٍ وعالِمٍ (٥٦٨)، والمعنى عندَهُ هاتِ عاذِرَكَ وأحِضْر عاذِرَكَ، وامتنع أن يَجعَلَه بمعنى العُذْرِ لأنَّ فَعِيلا لا يُبْنَي (٥٦٩) عليه المصدَرُ إلا في الأصواتِ نحو الصَهيلِ والنَهيقِ والنبيحِ وما أشبَهَهُ. والأولَى مذهَبُ سيبويه لأنّ المصدرَ يَطّرِدُ وضْعُهُ موضعَ الفِعلِ بَدَلًا منه لأنَّه اسمُهُ ولا يَطّرِدُ ذلك في اسمِ الفاعِلِ، وقد جاءَ فَعِيلٌ في غَيرِ الصوتِ كقولهم: وَجبَ القَلبُ وجِيبًا إذا اضطَرَبَ.

стр. 178

يقول < هذا > لقيسِ بن مكشوحِ المُرادي (٥٧٠) وكانا صديقينِ ثُمَّ أَظلَمَ ما بَينَهما لأمرٍ أوجَبَ ذلك فيقول: أُريدُ حِباءَهُ ونَفْعَهُ مع إرادَتِهِ قَتْلِي وتَمَنِّيِه مَوْتي فَمَنْ يَعْذِرُني منه. والحِباءُ: العَطِيَّةُ، ويُروى أُريدُ حياتَهُ. وأنشد في الباب للكُميتِ بن زيدٍ الأسدي (٥٧١)، وقيلَ: هو للكميت بن معروف (٥٧٢): [٢١١] نَعاءِ جُذامًا غَيرَ مَوتٍ ولا قَتْلِ … ولكنْ فِراقًا للدَعائمِ والأصْلِ الشاهدُ فيِه وَضعُ (نَعاءِ) موضعَ الفِعلِ وبَدَلًا منَ اللفظِ به، والمعنى انْعَ جُذامًا، وعِلْتُهُ كعِلَّةِ: تَراكِها من إبِلٍ تَراكِها [١٩٦] وقد مَرَّ تَفسيرُهُ (٥٧٣). يقولُ هذا مُنكِرًا على جُذامَ انتِسابَها إلى عَدِيّ بنِ عمرو بن سبأ ومؤاخاتها لِلَخْمِ بن عَدِيّ بن عَمرو، والكُميت (٥٧٤) من أسدِ بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة وكانَ مُتَعصِّبًا لمُضَرَ وهاجيًا لليَمَنِ، وجُذامُ (٥٧٥) فيما يَزعُمُ بعضُ النَسَّابين من وَلَدِ < أسدة بن خُزَيْمة أخي > أسَد بن خُزَيمة، لَحِقوا باليَمَنِ وانَتَسبوا إليهم، فقال الكُميتُ مُحَقّقًا لذلك: انْعَ جُذامًا غيرَ مَيتِّين ولا مَقْتولين، ولكنْ مُفَارقين لأصْلِهم من مُضَرَ ومُنْتَسبين إلى غَيرهم من اليَمَن.

стр. 179

وأنشد في الباب لذي الاصبَع العَدواني (٥٧٦)، < واسمُهُ حُرثانُ بن عَمرو >: [٢١٢] عَذِيرَ الحَيِّ من عَدْوا … ن كانوا حَيَّةَ الأرْضِ الشاهدُ فيه كالشاهدِ في بَيتِ عَمرو بنِ معدِ يكرب قبلَه وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. وَصَفَ ما كانَ مِن تَفَرُّقِ عَدْوانَ (٥٧٧) بن عَمرو بنِ سعدِ بن قيسِ عَيْلان، وتَشَتُّتِهم في البلادِ مع كَثْرتهم وعِزَّتِهم [في البلادِ]، لكثرةِ ساداتِهم وبَغْيِ بَعْضِهم على بَعضٍ فيقول: من يَعْذِرُهُم في فِعْلِهم أو مَنْ يَعْذِرُني منهم. وقوله: كانوا حَيَّةَ الأرضِ، أيْ: كانوا يُتَّقَى منهم لكثرتهم وعِزَّتهم كما يُتَّقَى من الحَيَّة المُنكَرَةِ. وأنشد في بابٍ ترجُمَتُهُ: هذا بابُ ما يكونُ معطوفًا < في هذا الباب > على الفاعلِ المُضْمَرِ في النِيَّةِ، لجرير (٥٧٨): [٢١٣] إيَّاكَ أنتَ وعَبْدَ المَسِيـ … . حِ أنْ تَقْرَبا قِبلَةَ المَسْجِدِ الشاهدُ فيه عَطْفُ (عبدِ المَسيحِ) على (إيّاك) على تقدير حَذَّرْ نَفْسَكَ وعَبدَ المَسيحِ، ويَجوزُ الرَفعُ عَطفًا على (أنتَ) أي: احذَرْ أنت وعبدَ المَسيحِ. يُخاطبُ بهذا الفرزدقَ لِمَيْلِهِ مع الأخطل < عليه > يقول: لا تَقْرَبِ المسجِدَ فلَسْتَ على المِلَّةِ لمَيلِكَ إلى النَصَارى ومُداخَلَتِك لهم. وأنشد في البابِ (٥٧٩): [٢١٤] إيّاكَ إيّاكَ المِراءَ فإنَّه … إلى الشَرِّ دُعَاءٌ وللشَرِّ جالِبُ

стр. 180

الشاهدُ في نَصْبِ (المِراءِ) بعدَ (إيّاكَ) مع إسقاطِ حَرفِ العَطفِ ضَرورَةٌ، والمعروفُ في الكلامِ إيّاكَ والمِراءَ وإيّاكَ والأسَدَ، ولا يجوزُ إيّاك الأسَدَ كما لا يَجوز اتَّقِ نَفْسَك الأسَدَ على ما بَيَّنَه سيبويه (٥٨٠). ويَجوزُ أن يكون (المِراءُ) منصوبًا بإضمارِ فعلٍ دَلَّ عليه (إيّاك) كأنّه قال: إيّاك تَجَنُّبِ المِراءَ، فلا تكونُ فيه ضَرورةٌ على هذا. ويَجوزُ (٥٨١) أن يكون مفعولًا له فَحُذِفَ منه حرفُ الجَرِّ تَشْبيها بـ (أن) وما عَمِلَتْ فيه إذا قلتَ: إيّاك أنْ تَفْعَلَ كذا، تُريد إياكَ < أَعِظُ لأنْ تَفعَلَ ومِن أَجْلِ أنْ تَفَعَلَ فكأنّه قال: إياكَ > أعِظُ (٥٨٢) أن تُماري، ثم وَضَع المِراءَ موضِعَهُ. والمِراءُ: المُخالَفَةُ في الكلام والملاجَّةُ فيه. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا شيَءٌ يُحْذَفُ منه الفِعلُ لكثرته في كلامهم، لذي الرُمَّة (٥٨٣): [٢١٥] دِيارُ مَيَّةَ إذْ مَيَّ تُساعِفُنا … ولا يَرَى مِثْلَها عُجْمٌ ولا عَرَبُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (دِيارِ مَيَّةَ) بإضمارِ فِعلٍ تُرِك استعمالُه. وقامَتْ بما تَقَدَّمَ دِلالَتُهُ فَحُذِفَ، وتقديرُه أذكُرُ دِيارَ مَيَّةَ وأَعنِيها. ومعني تُساعِفُنا تُواتينا على ما نُريدُ وتُساعِدُنا. ورَخَّمَ مَيَّةَ في غيرِ النداءِ ضَرورة، ويقال: كانَتْ تُسَمّى مَيًّا ومَيَّةَ. وأنشد في الباب (٥٨٤): [٢١٦] اعْتادَ قَلْبَكَ من سَلمَى عَوائدُهُ … وهاجَ أهواءَكَ المكنونَةَ الطَلَلُ

стр. 181

رَبْعٌ قَواءٌ أَذاعَ المُعْصِراتُ به … وكلُّ حَيْران سارٍ ماؤُهُ خَضِلُ الشاهِدُ فيه رَفْعٌ (الرَبْعِ) على إضمار مبتدأٍ والتقديرُ ذاك رَبْعُ، وجازَ ذلك لِما تَقَدَّمَ من ذِكرِ (٥٨٥) الطَلَلِ الدالِّ عليه، ولو نُصِبَ على أَعْنِي وأذكرُ لكانَ حَسَنًا. يقول: قد كنتُ سَلَوْتُ عن حُبٍّ سَلمى هذه المرأة، فلمَّا نَظَرتُ إلى آثارِ دارِها (٥٨٦) متغيِّرةً ذَكرتُها فعاوَدَ قلبي حُبُّها. ومعنى هاجَ حَرَّكَ. والمكنونَةُ <هنا> المَسْتورةُ، وأصلُها المَصُونَةُ يقال: كَنَنْتُ الشَيءَ إذا صُنْتَهُ، وأكْنَنْتُهُ في نفسي إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ. والرَبْعُ: المنزلُ والقَوَاءُ: القَفْرُ. ومعنى أذاعَ فَرَّقَ وَغَيَّرَ ومنه إذاعَةُ السِرِّ وهو نَشْرُهُ. والمُعْصِراتُ: السَحابُ بما ذَواتُ المَطَر ويقال: الرِياحُ؛ أي: غَيَّرَتْهُ وأزالَتْ بَهْجَتَهُ الأمطارُ بما مَحَتْ منه والرياحُ بما أَذْرَتْ عليه. وأرادَ بالحَيْرانِ سَحابًا تَرَدَّدَ بمطرِهِ عليه ولازَمَهُ فجَعَلَه كالحَيْرانِ لذلك. والخَضِلُ: الغَزِيرُ. وأنشد في الباب في مِثْلِه (٥٨٧): [٢١٧] هَلْ تَعْرِفُ اليومَ رَسْمَ الدارِ والطَلَلا … كما عَرَفتَ بجَفْنِ الصَيْقَلِ السخِلَلا دارٌ لِمَرْوَة إذْ أَهْلِي وأَهْلُهُمُ … بالكانِسِيَّةِ نَرْعى اللَّهُوَ والغَزَلا القَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. شَبَّهَ رسومَ الدار في اختِلافِها وحُسنِها في عَيْنِهِ بتَوْشِيَةِ الخِلَلِ، وهي أغشِيَةُ جُفونِ السُيوفِ، واحدَتُها خِلَّةٌ. والكانِسِيَّةُ موضعٌ بعينه <ويروى بالكامِسِيّة>. ومعنى نَرعَى اللَّهو والغَزَلا نَلتزِمُهُما وتُحافظُ عليهما. والغَزَلُ: مُغازَلَةُ النِساءِ.

стр. 182

وأنشد في الباب لعمر بن أبي ربيعة (٥٨٨): [٢١٨] قَوَاعِديهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ … أو الرُّبَى بَيْنَهما أَسْهَلا الشاهِدُ فيه نَصْبُ (أسهَلَ) بإضمارِ فِعلٍ دَلَّ عليه ما قَبلَه؛ لأنَّه لمَّا قال: فَوَاعِدِيه سَرْحَتَيْ مالكٍ أو الرُبَى بينهما، عُلِمَ أنَّه مُزْعِجٌ لها داعٍ إلى إتْيانِ أحدِهما فكأنَّه قال: اثْني أسهَلَ الأمرين عليكِ. وغيرُ سيبويه يُقَدِّرُه <تقديرَ> يَكُنْ أسهَلَ عليكِ، وقَدْ بَيَّنَ بُطْلَانَ مِثل هذا وعِلَّةَ امتناعِهِ. وسَرْحَتا مالكٍ موضعٌ بعينه، والسَّرْحْتان: شَجَرتان شُهِرَ الموضعُ بهما. والرُبَى جَمعُ رَبْوةٍ وهي المُشْرِفُ من الأرضِ. وأنشد في الباب للقُطامي (٥٨٩): [٢١٩] فكَرَّتْ تَبْتَغِيهِ فَوَافَقَتُهُ … على دَمِهِ ومَصْرَعِهِ السِباعا الشاهِدُ فيه نَصْبُ (السِباعِ) على إضمارِ الموافَقَةِ، لِما جَرَى من ذِكرِها في صَدِر البيتِ، والتقديرُ فَكَرَّتْ تَبْتَغيهِ فوافَقَتْهُ ووافَقَتِ السِباعَ على دَمِهِ ومَصْرَعِهِ، هذا تقديرُ سيبويه. وقد رُدَّ (٥٩٠) البيتُ وغُلِّطَ فيما تأوَّلَهُ فيه وأجازَهُ؛ لأنَّ الحَملَ على المعاني إنَّما يكونُ

стр. 183

بعدَ تَمامِ الكلامِ كقولك: وافَقْتُ زيدًا وعندَه عُمروٌ وبِشْرًا، تريد ووافَقْتُ بِشرًا عندَهُ؛ لأنَّ المعنى قَدْ تَمَّ في قوله: وعندَهَ عَمروٌ، ولو قُلْتَ: وافَقْتُ زيدًا وعندَهُ عَمرًا لم يَجُزْ عند غير سيبويه في شعرٍ ولا غَيرِهِ لنُقْصَانِ الكَلامِ دونَ الآخِرِ المحمولِ على المعنى. والحُجَّةُ لسيبويه أنَّ الشِعرَ موضِعٌ ضَرورةٍ يُحْتَمَلَ فيه ما لا يحتمل في غيره، فإذا جازَ الحَملُ في الكلامِ على المعنى مع التَمام جازَ في الشِعر ضرورةً مع النُقصانِ، مع أخذِهِ هذا عن العَرَب وروايِتِهِ له عنهم، وغُيرُ سيبويه يَرْويه: فَكَرَّتْ ذاتَ يومٍ تَبْتَغيهِ … فأَلَقَتْ فُوقَ مَصْرَعِهِ السِباعا وسيبويه أوثَقُ من أن يُتَّهَمُ فيما نَقَلَه ورواه. وَصَفَ بقَرةً فَقَدَتْ وَلَدَها فجَعَلَتْ تَطْلُبُه فوافَقَتِ السِبَاعَ عليه. وأنشد في البابِ لابنِ قيسِ الرُقَيّات (٥٩١): [٢٢٠] لَنْ تَراها ولو تأمَّلتَ إلَّا … وَلَها في مَفارِقِ الرأسِ طِيبًا الشاهِدُ فيه كالشاهِدِ في الذي قَبْلَه، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ؛ لأنَّه لَمَّا قَال: لَنْ تراها ولو تأمَّلتَ، عُلِمَ أنَّ الطيبَ داخِلٌ في الرُؤية، فكأنَّه (٥٩٢) قال: لَن تراها إلَّا رأيتَ لها في مفارِقِ الرأسِ طِيبًا. ومَفَارِقُ الرأسِ: الفُروقُ بينَ خُصَلِهِ واحدُها مَفْرِقُ وفَرقٌ. وأنشد في الباب لعمرو بن قَميئة (٥٩٣): [٢٢١] تَذَكَّرَتْ أَرضًا بها أَهْلُهَا … أَخْوَالَها فيها وأَعْمامَها

стр. 184

الشاهِدُ فيه نَصْبُ (الأخوالِ والأعمامِ) بإضمارِ فِعْلٍ، وهذا جائزٌ عندَهم بإجماعٍ؛ لأنَّ الكلامَ قَدْ تَمَّ في قوله: تَذَكَّرَتْ أَرْضًا بها أُهْلُها، ثُّمَّ حَمَلَ ما بعدَهُ على معنى التذَكُّرِ، فكأنَّه قال: تَذَكَّرَتْ أَخوالَها وأَعمامَها. ولو نَصَبَ الأهلَ على ما نَصَبَ عليه السِباعَ والطِيبَ لجازَ على بُعْدِهِ. وأنشد في الباب (٥٩٤): [٢٢٢] إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَني … ولو تَغَرَّبْتُ عنها أُمّ عَمَّارِ الشاهِدُ فيه حَمْلُ (أُمَّ عَمَّارٍ) على فِعلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عليه ما قَبْلَه؛ لأنَّه لمَّا قال: هَيَّجَني، عُلِمَ أنَّه يتَذَكَّرُ مَنْ يُحِبّ، فكأنَّه قال: هَيَّجَني (٥٩٥) فَذَكَّرني أُمَّ عَمَّارٍ. وقد تَقَدَّمَ تَفسيرُ الوُرقِ (٥٩٦). وأنشد في الباب للعَجَّاج (٥٩٧): [٢٢٣] قَدْ سَالَمَ الحَيَّاتُ منه القَدَما الأفعُوانَ والشُجَاعَ الشَجْعَما وذاتَ قَرْنَينِ ضَمُوزًا ضِرْزِما الشاهِدُ فيه نَصْبُ (الأفُعُوان والشُجاعِ) وما بعدَهما وحَمْلُه على المعنى؛ لأنَّه لمَّا قال: قَدْ سالَمَ الحَيَّاتُ منه القَدَما عُلِمَ أنَّ القَدَمَ مُسالِمَةُ للحَيَّاتِ؛ لأنَّ ما سالَمَ شيئًا فَقَد سالَمَهُ الآخَرُ، فكأنَّه قال: سالَمَتِ القَدَمَ الأفُعُوانَ. وَصَفَ رَجُلًا بخُشُونَةِ القَدَمينِ وغِلَظِ جِلْدِهما فالحَيَّاتُ (٥٩٨) لا تُؤثِّر فيهما. والأفعُوانُ: الذَكَرُ من الأفاعي. والشُجاعُ: ضَربٌ مِن الحَيَّاتِ. والشَجْعَمُ:

стр. 185

الطَويلُ، وذاتُ قَرْنَينِ: ضَرْبٌ منها أيضًا. والضَموزُ: الساكنةُ المُطْرِقةُ التي لا تَصفرُ لخُبْثِها فإذا عَرَضَ لها إنسانٌ ساوَرَتْهُ وَثْبًا. والضِرُزِمُ: المُسِنَّةُ وذلك أخبَثُ لها وأَوْحَى لِسُمَها، ويقال: الضِرْزمِ الشديدةُ (٥٩٩). وأنشد في البابِ لأوس بنِ حَجَرٍ (٦٠٠): [٢٢٤] تُواهِقُ رِجُلاها يَداها ورأسُهُ … لها قَتَبٌ خَلْفَ الحَقيبِة رادِفُ الشاهِدُ فيه رَفْعُ (اليَدَينِ) حَمْلًا على المعنى؛ لأنَّ الرِجْلَيْنِ لَمَا لابَسَتُهما بالمواهَقَةٍ وهي المُلاحَقَةُ والمُدارَكَةُ لابَسَتْهُما اليَدانِ بالمواصَلَةِ للسَيرِ والمُسابَقَةِ. وقد غُلِّطَ سيبويه (٦٠١) في جَوازِ هذا لأنَّ الكلام غَيرُ تامٍّ دونَ اليدَينِ فَيُحملانِ على المعنى، ولأنَّ المُواهَقَةَ لا تَصحُّ إلَّا للرِجْلَين لأنَّهما التابعتانِ لليَدَينِ اللاحِتَعينِ لهما. وقد بَيَّنْتُ التِباسَ فِعلِ بعضِهما ببعضٍ فلذلك جازَ ما ذَهَبَ إليه سيبويه على بُعْدِهِ. وَصَفَ حِمارَ وَحْشٍ وأتَانًا يَسوقُها إلى الوَجْهِ الذي يُريده ويُزعِجُها نَحْوَهُ، فَرأسُهُ في موضعِ الحقيبةِ منها وهي مؤخَّرُ الرَحْلِ، فهو كالقَتَبِ الموضوعِ خَلْفَها. والرادِفُ من رَدِفْتُ الشَيءَ إذا صِرْتَ خَلْفَهُ. وأنشد في البابِ للبيد (٦٠٢): [٢٢٥] لِيُبْكَ يَزيدُ ضارعٌ لخُصُومَةٍ … ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَوائحُ

стр. 186

الشاهِدُ فيه رَفْعُ (الضارعِ) بإضمارِ فِعْلٍ دَلَّ عليه ما قَبلَه؛ لأنَّه لمَّا قال: لِيُبْكَ مزيدُ، عُلِمَ أنَّ ثَمَّ باكيًا [يَبْكيه] يَجبُ بُكاؤُهُ عليه كأنّه قال: لِيَبْكِهِ (٦٠٣) ضارعٌ خُصُومَةٍ. ومُخْتَبِطٌ مُحتاجٌ. وَصَفَ أنَّه كانَ مُقيمًا لحُجَّةِ المَظلومِ ناصرًا له ومُواتِيًا للفقير المُحتاجِ مُفْضِلًا عليه. والضارعُ: الذَليلُ الخاضعُ. والمُخْتَبِطُ: الطالبُ المعروفِ، وأصلُ الاختِباطِ ضَرْبُ الشَجَرِ للإبِلِ ليَسقُطَ وَرَقُها فتعلفهُ [الإبِلُ]. ومعنى تُطِيحُ تُذْهِبُ وتُهْلِكُ، قَال: أطاحَتْهُ السنونُ إذا ذَهَبَتْ به في طَلَبِ الرِزقِ وأَهْلكَتُهُ (٦٠٤)، وكانَ ينبغي أنْ يقول: المَطاوِحُ لأنَّه جَمعُ مُطِيحَةٍ، فجَمَعَهُ على حذف الزيادةِ كما قال جَلَّ وعَزَّ: وأرسَلْنا الرياحَ لَواقِحَ" (٦٠٥) واحدَتُها مُلْقِحَةٌ. وأنشد في البابِ (٦٠٦): [٢٢٦] وَجَدْنا الصالحينَ لهم جَزاءٌ … وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا الشاهِدُ فيه حَمْلُ (الجَنَّاتِ والعَيْنِ) على المعنى، ونَصْبُهما بإضمارٍ فِعلٍ كما تقدَّمَ، والتقديرُ وَجَدْنا لهم جَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا. والسَلْسَبيلُ: السلسُ العَذبُ. ولو نسبَ الجَزاءَ على ما تَقَدَّمَ لجازَ على قُبْحِهِ؛ لأنَّه داخِلٌ في الوجْدانِ. وأنشد في البابِ (٦٠٧): [٢٢٧] أَسقَى الإلهُ جَنَباتِ الوادِي وجَوْفَهُ كُلّ مُلِثٍّ غادي

стр. 187

كُلُّ أجَشَّ حالِكِ السَوادِ الشاهِدُ فيه رَفْعُ كُلِّ (أجَشّ) وحَمْلُه على المعنى؛ لأنَّه لمَّا قال: أَسْقى الإله جَنَباتِ الوادي كُلُّ مُلِثٍّ غادٍ، عُلِمَ أنَّ ثَمَّ سَحابًا يَسْقيها فكأنَّه قال: سَقاها كُلُّ أجَشَّ. والأجَشُّ: الشَديدُ صَوتِ الرَعْدِ. والحالِكُ: الشَديدُ السَوادِ وذلك أَخْلَقُهُ للمَطَرِ. والمُلِثُّ من المَطَرِ: الدائمُ الملازمُ، ويقال: أَلَثّ بالموضع إذا أقامَ به. ومعنى أَسْقَى جَعَلَ (٦٠٨) لها سُقْيًا تقول: سَقَيْتُك ماءٌ إذا ناوَلْتَهُ إيَّاه يَشْرَبه، وأَسقيك إذا جَعَلْتَ (٦٠٩) له سُقْيًا. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ على إضمارِ الفِعلِ المتروكِ إظهارُهُ في غَيرِ الأمرِ والنَهْيِ، للعَبَّاس بن مرداس (٦١٠): [٢٢٨] أَبا خُراشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذا نَفَرٍ … فإنَّ قَومِيَ لم تَأكُلْهُمُ الضَبُعُ الشاهِدُ فيه حَمْلُ (ذا نَفَرٍ) على إضمارِ (كانَ)، والتقديرُ لأنْ كنتَ ذا نَفَرٍ، فَحُذِفَتْ (كانَ) وجُعِلَتْ (ما) لازِمَةٌ لِـ (أَنْ) عِوَضًا من حَذْفِ الفِعلِ بعدَها، ومعنى الكلامِ الشَرطُ ولذلك دَخَلتِ الفاءُ جَوابًا لِـ (أَمَّا)، وقد بَيَّنْتُ [عِلَّةَ] هذا على مذهبِ سيبويه في كتابِ "النكت" (٦١١). والضَبُعُ هنا السَنَةُ الشَديدةُ؛ أي: أنْ كُنْتَ كثيرَ القومِ عَزيزًا؛ فإنَّ قَومي مَوْفورون لم تُهْلِكُهم السِنونَ.

стр. 188

وأنشد في البابِ لطُفَيْل الغَنَويّ (٦١٢): [٢٢٩] وبالسَهْبِ مَيْمونُ النَقِيبةِ قَولُه … لمُلْتَمِس المَعروفِ: أَهْلٌ ومَرْحَبُ الشاهِدُ فيه رَفْعُ (أَهْلٍ وَمَرْحَبٍ) على إضمارِ مبتدأٍ والتقديرُ هذا أهلٌ وَمَرْحَبٌ، أو يكونْ مبتدأً على معنى أهلٌ وَمَرْحَبٌ. يَرثي رَجُلًا دُفِنَ بالسَهْبِ وهو موضعٌ بعَيْنِهِ، وأصلُهُ ما انخفضَ من الأرضِ وسَهُلَ. والنَقِيبةُ: الطَبيعةُ. وأنشد في البابِ (٦١٣): [٢٣٠] إذا جِئتُ بَوَّابًا لَهُ قالَ مَرْحَبًا … ألا مَرْحَبٌ وادِيكَ غَيرُ مَضِيقِ الشاهِدُ فيه رَفْعُ (مَرْحَبٍ)، وتَفسيرُهُ كالذي قَبلَه. والمعنى أنَّ بَوَّابَهُ قد اعتادَ الأضيافَ فيتلَقَّاهم مُسْتَبْشِرًا بهم لِما عَرَفَ من حِرصِ صاحِبِه عليهم، ثُمَّ قال: (أَلَا مَرْحَبٌ)؛ أَيْ: عندَكَ الرُحْبُ والسَعَةُ فَلا يَضيقُ وادِيك بمَنْ حَلَّهُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يُضْمَرُ (٦١٤) فيه الفِعلُ ويَنْتصبُ. فيه الاسمُ (٦١٥): [٢٣١] فكُونوا أَنتمُ وبَنِي أَبِيكُم … مَكانَ الكُلْيَتَيْنِ مِنَ الطِحالِ

стр. 189

الشاهِدُ فيه حَمْلُ (وبَنِي) على إضمارِ الفِعلِ، لِما فيه من معنى وُصولِهِ إليه بتَوَسُّطِ (مع)، والتقديرُ كُونوا مع بَني أبيكم، فلمَّا حُذِفَتْ (مع) تَعَدّي الفِعلُ فنَصَبَ، وجُعِلَتِ الواوُ مُؤدِّيَةٌ < عن > معنى < مَعَ >. حَضَّهم على الائْتِلاف والتَقارُبِ في المذهبِ، وضَرَبَ لهم المَثَلَ بُقرْبِ الكُلْيَتين من الطِحالِ واتصالِ بَعضِهما بِبَعِضٍ. أنشَدَ في الباب لكَعْب بن جُعَيْلٍ (٦١٦): [٢٣٢] وكانَ وإيَّاها كَحَرَّانَ لَمْ يُفِقْ … عَن الماءِ إذْ لاقاهُ حتَّى تَقَدَّدًا الشاهِدُ فيه قولُه: (وإيَّاها) والمعنى فكانَ مَعَها، والقَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْلَه. يقول: كانَ غَرِضًا إليها، فلمَّا لَقِيَها قَتَلَهُ الحبُّ سُرورًا بها فكانَ كالحَرَّانِ وهو الشَديدُ العَطشِ، أمكَنَهُ الماءُ وهو بآخِرِ رَمَقٍ فلم يُفِقُ عنه حَتَّى انقَذُ بَطْنُهُ؛ أَيْ: انشَقَّ، يقال: قَدَدْتُ الأديمَ إذا شَقَقْتَهُ، وهذا مَثَلُ. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابٌ معنى الواو فيه كمعناها في الأولِ (٦١٧) [٢٣٣] يا زِبْرِقانُ أخا بَنِي خَلَفٍ … ما أنتَ وَيْبَ أَبِيكَ والفَخْرُ (٦١٨) الشاهِدُ فيه رَفْعُ (الفَخْرِ) عَطْفًا على (أنتَ) مع ما في الواوِ من معنى (مع)، وامتناعُ النَصبِ فيه إذْ ليسَ قَبلَه فِعلٌ يتعدَّى إليه فينصبُهُ كما كانَ في الباب الذي قَبلَه. ومعنى وَيْبَ أبيكَ التَصغيرُ له والتَحقيرُ. وبَنو خَلَفٍ (٦١٩) رَهطُ الزِبْرِقانِ بنِ بَدْرٍ الأدنى إليه مِن تَميم.

стр. 190

وأنشد في الباب في مِثْلِهِ (٦٢٠). [٢٣٤] وأنت امرؤٌ من أهلِ نَجْدٍ وأَهْلُنَا … تَهامٍ وما النَّجْدِيُّ والمُتَغَوَّرُ الشاهِدُ فيه قولُه: (والمُتَغَوَّرُ)، وهو كالذي قَبْلَه. والتِهامِيُّ منسوبٌ إلى تِهامَةَ. والنَجْدِيُّ منسوبٌ إلى نَجْدٍ، والغَوْرُ وتِهامَةُ: ما انخَفَضَ من بلادِ العربِ، ونَجْدٌ: ما ارتَفَعَ منها. وأنشد في البابِ (٦٢١): [٢٣٥] وكُنتَ هناكَ أنتَ كريمَ قَيْسٍ … وما القيسِيُّ بَعدَكَ والفِخارُ الشاهِدُ فيه رَفْعُ (الفِخار) عَطْفًا على (القَيْسِيّ)، والقَولُ فيه كالقول في الذمي قَبْلَه. يَرْثي رجُلًا من سادات قَيْسٍ فيقول: كنتَ كريمَها ومُعْتَمَدَ فَخْرِها، فلم يَبقَ لهم بعدَكَ مَفْخَرٌ. وأنشد في البابِ لزِياد الأَعْجَم (٦٢٢): [٢٣٦] تُكَلِّفُنِي سَوِيقَ الكَرْمِ جَرْمٌ … وما جَرْمُ وما ذاك السَوِيقُ الشاهِدُ فيه إظهارُ (ما) في قوله: وما ذاكَ السَوِيقُ، ولو حَذَفَها لاستُغْنِيَ عنها كما استُغنِيَ في الأبياتِ التي قَبلَه عنها، فجَعَل سيبويه إظهارَها تَقْوِيةً لرَفْعِ المعطوفِ في قولك: ما أنتَ وزيدٌ؛ لأنَّ المعنى ما أنتَ وما زيدٌ، كما (٦٢٣) أنَّ معنى ما جَرْمٌ وذاكَ السَوِيقُ

стр. 191

كمعنى ما جَرْمُ وما ذاك السَوِيقُ. يقولُ هذا مُحتَقِرًا لجَرْمٍ ومُستَنْكِرًا لهم شُربَ الخَمرِ، وسَمّى الخَمرَ سَوِيقًا لانْسِياقها في الحَلْقِ، لأنَّ السَوِيقَ يُشْرَبُ في الأكثرِ ولا يُؤكل، وبعده (٦٢٤): وما عَرَفَتْهُ جَرْمٌ وهو حِلٌّ … وما غالَى بها إذْ قامَ سُوقُ فلمّا أُنزِلَ التَحرْيمُ فيها … إذا الجَرْمِيُّ عنها لا يُفيقُ وأنشد في الباب لشَدّادٍ (٦٢٥) أبي عنترةَ بنِ شَدّادٍ العَبْسِيّ: [٢٣٧] فَمَنْ يَكُ سائلًا عَنِّي فإنِّي … وجِرْوَةَ لا تَمودُ ولا تُعارُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (جِرْوَة) عَطْفًا على المنصوبِ بـ (إنَّ)، ومعنى الواو فيه معنى (مع)، إلّا أنّ ما بَعدَها محمولٌ على ما قَبلَها في (إنَّ) كما كانَ في الابتداءِ لِعَدَمِ الفِعلِ كما تَقَدَّمّ، وهو كقولِ العربِ: (إنَّكَ ما وخَيْرًا) (٦٢٦) أَيْ: إنَّكَ مع خَيرٍ، أي: مُقْتَرِنٌ "به" ومُصاحِبٌ له، والتقديرُ إنَّكَ والخَيْرَ مَقْرونان، فاستَغْنَى عن ذِكرِ الخَبَرِ لتَضَمُّنِ الواوِ معنى الصُحْبَةِ والاقِترانِ. وجِرْوَة: اسمُ فَرَسِهِ. ومعنى تَرودُ تَجِيءُ وتذهَبُ، أيْ: هي مُرْتَبطَةٌ بالفِناءِ لِعِتْقِها وكَرَمِها لا تُهْمَلُ ولا تُعارُ وتُبْتَذَلُ. وأنشد في البابِ لأسامَة بنِ حَبيبٍ الهُذَلِيّ (٦٢٧): [٢٣٨] فَما أنا والسَيْرَ في مَتْلَفٍ … يُبَرِّحُ بالذَكْرِ الضابِطِ

стр. 192

الشاهدُ فيه نَصْبُ (السَيرِ) بإضمارِ المُلابَسَةِ، لأنّ معنى ما أنا والسَيرَ، مالي لابِسُ السَيرَ وأَتَشَبَّثُ به، فكأنّه قال: ما أنا ومُلابَسَتي السَيْرَ. وقَدَّرَهُ سيبويه ما كُنتُ والسَيْرَ، وكيفَ أكونُ والسَيْرَ، ليَسْهُلَ (٦٢٨) نَصْبُهُ بذِكْرِ لفِعلِ، لأنّ الواوَ لا يُنْصَبُ ما بعدَها على معنى (مع) حَتّى يكونَ قَبلَها لفِعلُ أو يشتملَ الكَلامُ على معناه. ولو رُفِعَ السَيرُ هنا عَطْفًا على (أنا) لكانَ أجوَدَ كما قَدَّمَ في الذي قَبْلَه. يقولُ: مالي أتَجَشَّمُ السَيرَ في الفَلَواتِ الشاقّةِ المُبَرِّحَةِ المُتْلِفَةِ، وأرادَ بالذَكَرِ جَمَلًا لأنّه أَقوى من الناقَةِ. والضابِطُ: القَويُّ. والتَبْرِيحُ: المَشَقَّة. وأنشد في الباب (٦٢٩): [٢٣٩] أَتُوعِدُني بقَومِكَ يا ابنَ جَحْلٍ … أُشاباتٍ يُخالُونَ العِبَادا ما جَمَّعْتَ من حَضنٍ وعَمرٍو … وما حَضَنٌ وعَمرٌو والجِيادا الشاهدُ فيه نَصْبُ (الجِيادِ) حَمْلًا على معنى الفِعلِ، والتقديرُ ما حَضَنٌ وعَمرٌو مُلابَسَتُهما الجِيادَ، أيْ: لَيْسا منها في شَيءٍ، وتقديرُهُ كتقديرِ البيتِ الذي قَبَله، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ. والأُشاباتُ: الأخلاطُ. ومعنى يُخالُونَ يُظَنُّونَ، وأرادَ بالعِبادِ هنا العَبيدَ. ونَصَبَ الأُشاباتِ "هنا" على الذَمِّ، ويَجوزُ أنْ يكونَ بَدَلًا من القَومِ. وحَضَنٌ وعَمرٌو قَبيلتان. وأنشد في الباب للأعشى ويُروى للراعي (٦٣٠):

стр. 193

[٢٤٠] أَزْمانَ قَوْمي والجَماعَةَ كالذي … مَنَعَ الرِحالَةَ أنْ تَمِيلَ مَمِيلا الشاهدُ فيه نَصْبُ (الجَماعةِ) على ما تَقَدَّمَ على "تَقديرِ" إضمارِ الفِعلِ، فكأنّه قال: أزمانَ كان قَومي مع الجماعةِ على ما بَيَّنَهُ سيبويه. وَصَفَ ما كانَ مِن استِواءِ الزمانِ واستِقامةِ الأمورِ قبل قَتْل عثمان [﵁] وشُمولِ الفِتنةِ، وأرادَ التزامَ قَومِهِ الجماعَةَ وتَرْكَهُم الخُروجَ على السُلطَانِ. والمعنى أَزْمانَ قومي والتزامُهُم الجماعَةَ وتَمَسُّكُهم بها كالذي تَمَسَّكَ بالرِحالَةِ ومَنَعها "من" أنْ تَمِيلَ فتسقُطَ. والرِحالَةُ: الرَحْلُ، وهي أيضًا السَرْجُ، ضَرَبَها مَثَلًا. وأنشد بعدَ هذا تَقْوِيةٌ للحملِ على المعنى قَولَ صِرْمَةَ الأنصاري (٦٣١) ويُروى لزهير (٦٣٢): بَذَا لِيَ أَنِّي لَستُ مُدْرِكَ ما مَضَى … ولا سابقٍ شَيئًا إذا كانَ جائيا [١٢٣] وقولَ الأخْوص الرِياحي (٦٣٣): مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحينَ عَشيرةً … ولا ناعبٍ إلّا بِبَيْنٍ غُرابُها [١٢٤] فَحَملَ قولَه: (ولا سابقٍ) على معنى الباءِ في قوله: (مُدْرِكَ)، لأنّ معناه ليستُ بِمُدْركٍ، فَتَوهَّمَ الباءَ وحَمَلَ عليها كما تَوَهَّمَ (كانَ) في البيتِ الأوّلِ، وكذلك، تَوَهَّمَ الباء في قوله: لَيْسوا مُصْلِحينَ فخَفَضَ قَولَهُ: (ولا ناعبٍ)، فإذا جازَ تَوَهُّمُ حَرْفِ (٦٣٤) الجَرِّ مع ضَعْفِهِ فالحَملُ على إضمارِ الفِعلِ (أَولَى وأحْرَى) (٦٣٥) لِقُوَّتِهِ.

стр. 194

وقَدْ رُدَّ (٦٣٦) هذا على سيبويه، ولم يُجِز الرادُّ فيه إلّا النَصْبَ، لأنّ حَرفَ الجرِّ لا يُضْمَرُ، وقد بَيَّنَ سيبويه (٦٣٧) ضَعْفَهُ وبُعْدَهُ مع أَخْذِهِ لذلك عن العَرَبِ سَماعًا، فلا معنى لِرَدِّ ذلك عليه. وقد تَقَدّم هذان البيتان بتفسيرهما (٦٣٨). وأنشد في البابِ لعامِرِ بنِ جُوَيْنٍ الطائي (٦٣٩): [٢٤١] فَلَمْ أَرَ مِثْلَها خُباسَةَ واحِدٍ … ونَهْنَهْتُ نَفْسي بعدما كِدْتُ أَفْعَلَه الشاهدُ فيه نَصْبُ (أَفْعَلَه) باضمارِ (أنْ) ضرورةً، ودُخولُ (أنْ) على (كادَ) لا يُستعمَلُ في الكلامِ، فإذا اضطُرَّ الشاعرُ أدخَلَها عليها تَشبيهًا لها بعَسَى لاشتراكهما في معنى المُقارَبَةِ، فلمّا أدخلوها بَعدَ (كادَ) في الشِعرِ ضَرورةٌ تَوَهَّمَها هذا الشاعِرُ مُستعمَلَةٌ ثُمَّ حَذَفَها ضرورةٌ، هذا تَقديرُ سيبويه. وقد خُولِفَ (٦٤٠) فيه، لأنّ (أنْ) مع ما بَعدَها اسمُ فَلا يَجوزُ حَذْفُها، وحَمَلَ الرادُّ الفِعلَ على إرادَةِ النُونِ الخفيفةِ وحَذَفَها ضَرورةٌ، والتقديرُ عنده بَعدَما كِدْتُ أَفْعَلَنْهُ (٦٤١). وهذا التقديرُ أيضًا بَعيدُ لتَضَمُّنِهِ ضَرورتينِ وهُما إدخالُ النُونِ في الواجبِ ثُمَّ حَذْفُها، فَقَولُ سيبويه أَولَى لأنّ (أنْ) قد أَتَتْ في الأشعارِ محذوفةً كثيرًا. وَصَفَ ظُلامَةً هَمَّ بها ثُمَّ صَرَفَ نَفْسَهُ عنها. والخُباسَةُ: الظُلامَةُ، ورجلٌ خَبوسٌ أي: ظَلومٌ. ومعنى نَهْنَهْتُ "أي": كَفَفْتُ. وذَكَّرَ الضَميرَ لأنّ الظُلامَةَ والظُلْمَ بمعنًى [واحِدٍ].

стр. 195

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ يُضمرون فيه الفِعلَ لقُبْحِ الكلامِ إذا حُمِلَ آخِرُهُ على أَوَّلِهِ، لمسكين الدارِمِيّ (٦٤٢): [٢٤٢] فَما لَكَ والتَلَدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ … وقد غَصَّتْ تِهامَةُ بالرِجالِ الشاهدُ فيه نَصبُ (التَلَدُّدِ) بإضمارِ المُلابَسَةِ، إذْ لم يُمكِنْ عَطْفُهُ على المُضمَرِ المجرورِ، وقد كانَ النَصبُ فيما يُمكِنُ فيه النَصبُ من نَحْو قولك: ما أنتَ وزيدًا جائزًا فصارَ هنا لازِمًا. يقول: مالَكَ تُقِيمُ بنَجْدٍ وتَتَرَدَّدُ فيها مع جَدْبِها وتَتركُ تِهامَةَ مع لَحاقِ الناسِ بها لِخِصْبِها. والتَلَدُّدُ: الذَهابُ والمَجيءُ حَيْرَةً، والتَلَدُّدُ أيضًا التَلَفُّتُ (٦٤٣)، وأصلُهُ من اللَّدِيدَينِ وهُما صَفْحَتا العُنُقِ. ومعنى غَصَّتْ تَمَلأتْ، وأصلُ الغَصَصِ الاختِناقُ بالطَعامِ، فضَرَبَهُ (٦٤٤) مَثَلًا. وأنشد في البابِ "في مِثْلِه" (٦٤٥): [٢٤٣] وما لَكُمُ والفَرْطَ لا تَقْرَبُونَهُ … وقد خِلْتُهُ أَدْنَي مَرَدٌّ لعاقِلِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (الفَرْطِ) على ما تَقَدَّمَ. والفَرْطُ هنا اسمُ جَبَلٍ. والعاقِلُ: الصاعدُ فيه، يقول: لِمَ لا تَقرَبونَ هذا الموضعَ مع حَصَانَتِهِ ورَدِّهِ عَمَّن عَقَل فيه وتَحْرَّزَ به. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَنتصبُ من المصادرِ على إضمارِ الفِعلِ غَيرِ

стр. 196

المُستعمَلِ إظهارُهُ، لابن مَيّادة (٦٤٦)، واسمُهُ الرَمّاحُ بنُ أبرّدَ: [٢٤٤] تَفاقَدَ قَومي إذْ يَبيعونَ مُهْجَتي … بجارِيَةٍ بَهْرًا لهم بَعدَها بَهْرا الشاهدُ فيه قَولُهُ: (بَهْرًا)، وهو على ما فَسِّرَهُ سيبويه بمعنى تَبًّا، وهو بَدَلٌ من اللفظِ بالفِعلِ والتَقديرُ بُهِروا بَهْرًا، ويقال: معناه هنا غَلَبَةً لهم وقَهْرًا، أيْ: غُلِبوا وقُهِروا، ومنه قَولُهم: القَمَرُ الباهِرُ لغَلَبَةِ نُورِهِ. يقول: فَقَدَ بَعضُ قَومي بعضًا، حيثُ لم يُعينوني على جاريةٍ شُغِفْتُ بحُبِّها، وعَرَّضوني لتَلَفِ مُهْجَتي حُبًّا لها، فَغُلِبوا غَلَبَةً وقَهَرَهم العَدُوُّ قَهْرًا. وقولُه: بَعدَها، أيْ: بَعدَ هذه الفعلَةِ. وأنشد في البابِ لأبي زُبَيدٍ الطائيّ (٦٤٧): [٢٤٥] أَقامَ وأَقوَى ذاتَ يَومٍ وخَيْبَةٌ … لأوّلِ مَنْ يَلْقي وشَرٌّ مُيَسِّرُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (خَيْبَةٍ) بالابتداءِ، وهو نكرةٌ لِما فيها من معنى النَصْبِ على المصدرِ المَدْعُوِّ به على ما بَيَّنَهُ سيبويه، ولم يُرِدْ به الدُعاءَ في الحقيقةِ، ولكنّه أَمْرٌ مُتَوَقَّعٌ مُنْتَظَرٌ، فهو كالدُعاءِ في هذا، وحُكمُهُ كحُكْمِهِ في جَوازِ الرَفعِ والنَصبِ. وَصَفَ، أسدًا، ومعنى أَقْوَى نَفِدَ ما عندَهُ من زادٍ، يقال: أَقْوَى الرجُلُ إذا نَفِدَ [زادُهُ] (٦٤٨)، وأَقْوَى إذا صارَ في القَواءِ وهو القَفْرُ، فيقول: مَنْ لَقِيَ هذا الأسَدَ في هذه الحالِ فالخَيبةُ له والشَرُّ.

стр. 197

وأنشد في البابِ (٦٤٩): [٢٤٦] عَذِيرُكَ مِن مَوْلًى إذا نِمْتُ لم يَنَمْ … يَقولُ الخَنَا أو تَعْتَريكَ زَنابِرُه الشاهدُ فيه قولهُ: (عَذيرُك) بالرفعِ على الابتداءِ، وخَبَرُهُ في المجرورِ بعدَه، والوَجهُ فيه النَصبُ لوَضْعِهِ موضعَ الفِعلِ على ما تَقَدّمَ. وتقديرُ رَفْعِهِ أنْ يُجعَلَ خَبَرًا مُضَمِّنًا معنى الأمرِ، فكأنّه قال: إنّما عُذْرُك إيّايَ اللازُم لك أنْ تَعْذِرَني مِن مَوْلًى هذا أَمْرُه. والمَوْلَى هنا ابنُ العَمِّ، وأرادَ بالزَنابِرِ ما يَغْتابُهُ به. وأنشد في البابِ لحَسّان (٦٥٠): [٢٤٧] أَعاجَيْتُمُ حَسّانَ عندَ ذَكائِهِ … فَغَيٌّ لأولادِ الحِماسِ طَويلُ الشاهدُ فيه قولُه: (فَغَيٌّ) ورَفْعُهُ، وهو نكرةٌ لِما فيه من معنى المنصوبِ كما تَقَدَّمَ. والغَيُّ: الضَلالُ. والذَكاءُ: انتِهاءُ السِنِّ، أَيْ: هاجَيْتموهُ عندَ اجتماعِ عَقْلِهِ وعِلْمِهِ بالهجاءِ وحُنْكَتِهِ ضَلالًا منكم وغَيًّا. والحِماسُ: حَيٌّ من بني الحارث بن كعب وهم رَهْطُ النَجاشيّ، وكانت بَينَه وبينَ حَسَانَ بنِ ثابتٍ مُهاجاةٌ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما جَرَى مِن الأسماءِ مَجرى المصادِرِ التي يُدْعَى بها (٦٥١):

стр. 198

[٢٤٨] لَقَدْ أَلَبَ الواشونَ أَلْبًا لبَيْنِهم … فَتُرْبٌ لأفواهِ الوُشاةِ وجَنْدَلُ الشاهدُ فيه قَولُه: (فَتُربٌ لأفْواهِ الوُشاةِ)، ورَفْعُهُ بالابتداء وهو نكرةٌ لِما فيه من معنى المنصوبِ على ما تَقَدَّمَ في المصادر المَدْعُوِّ بها. والتُرْبُ والجَنْدَلُ كِنايَةٌ عن الخَيْبَةِ، لأنّ مَنْ ظَفِرَ مِن حاجَتِهِ بهما لم يَظْفَر بشيءٍ ينتفعُ به، يقول: أَلَبُوا عليَّ أَي: جَمَعوا إليّ جَمْعَهم مُتعاونين على إفسادِ ما بَينَه وبينَ منْ يُحِبُ فَخَيَّبَهم اللَّهُ [ ]. وأنشد في البابِ (٦٥٢): [٢٤٩] تَحَسُّبَ هَوّاسُ وأَقْبَلَ أَنَّني … بها مُفْتَدٍ من واحِدٍ لا أُغامِرُه فَقُلْتُ له: فاها لِفيكَ فإنّها … قَلوصٌ آمرِئٍ قارِيكَ ما أَنتَ حاذِرُه الشاهدُ فيه قَولُه: (فاها لِفيكَ) أَيْ: فَمُ الداهيةِ لفيكَ، ونَصْبُهُ على إضمارِ فعلٍ، والتقديرُ أَلصَقَ اللَّهُ فاها لفيك، وجَعَل فاها إلى فِيكَ (٦٥٣)، ونحو هذا من التقدير، وَوُضِعَ موضعَ دَهاكَ اللَّهُ فلذلك أُلْزِمَ النَصبَ لأنّه بَدَلٌ من اللفظِ بالفِعلِ، يجرى في النصب مجرى المصدرِ، وخُصَّ الفَمُ في هذا دونَ سائرِ الأعضاءِ لأنّ أكثرَ المتالِفِ تكونُ منه بما يُؤكَلُ أو يُشْرَبُ مِن السُمومِ، ويقال: معنى فاها لفيك، أَيْ: تم الخَيْبَةِ (٦٥٤) لفيك، فمعناه على هذا خَيَّبَكَ اللَّهُ، والأوّلُ تقديرُ سيبويه، وكلاهما صَحيحٌ. وَصَفَ أَسدًا عَرضَ له طامِعًا في راحلتِهِ، ومعنى تَحَسَّبَ وحَسِبَ وظَنَّ واحدٌ.

стр. 199

والهَوّاسُ من صِفاتِ الأسدِ، وهو مِن هُسْتُ الشَيءَ إذا كَسَرتَهُ ودَقَقْتَهُ. وأرادَ بالواحدِ الأسَدَ. والمغامَرَةُ: المُحارَبَةُ والمُّدافَعَةُ، وأصلُها الدُخولُ في الغَمَراتِ وهي الشَدائدُ. والقَلُوصُ: الناقَةُ الفَتِيَّةُ. وقولُه: قارِيكَ ما أنتَ حاذِرُهُ، أَيْ: لا قِرى لك عندي إلّا السَيفَ والمكروهَ. وأنشد في البابِ للخَنْساءِ (٦٥٥): [٢٥٠] وداهيةٍ مِنْ دَواهي المَنُو … نِ يَرْهَبُها الناسُ لا فا لَها استشهَدَ به لِما فيه من الدِلالَةِ على أنَّ قولُهم: (فاها لفيك) يُرادُ به فَمَ الداهيةِ على ما بَيِّنْتُ من تَفسيرِ مذهبه. ومعنى (لا فا لَها) لا مَدْخَلَ إلى مُعاناتها والتَداوِي منها، أي: هي داهيةٌ مُشكِلَةٌ. والمَنُونُ الدَهرُ، وهو أيضًا المَنِيَّة. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما أُجرِيَ مُجرى المصادِرِ المَدْعُوِّ بها من الصفاتِ، للأخطلِ (٦٥٦): [٢٥١] إلى إمامٍ تُغادِينا فَواضِلُهُ … أَظْفَرَهُ اللَّهُ فَلْيَهْنِئْ له الظَفَرُ الشاهدُ فيه قولُه: (فَلْيَهْنِئْ له الظَفَرُ) وتَصْريحُهُ بالفِعلِ، فدَلَّ "هذا" على أنّ معنى هَنيئًا له الظَفَرُ كمعنى ليَهْنِئْ له الظَفَرُ، وأَنَّه موضوعٌ موضِعَهُ، فلذلك لَزِمَهُ النَصبُ خاصَّة. أرادَ بالإِمامِ عبدَ الملكِ بنَ مروان. والفَواضِلُ: العَطايا، وأرادَ أَظْفَرَهُ اللَّهُ بقيسِ

стр. 200

عيلانَ، وكانوا من أَشياع ابن الزُبير (٦٥٧). وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٦٥٨): [٢٥٢] هَنيئًا لأرْبابِ البُيوتِ بُيْوتُهم … وللعَزَبِ المِسْكينِ ما يَتَلَمَّسُ القولُ فيه كالقَولِ في الذي قبلَه. والعَزَبُ: الذي لا زَوجَ له، والأُنْثى عَزَبَةٌ وعَزَبٌ أيضًا، وهو في الأصلِ مصدرٌ وُصِفَ به ولا فِعْلَ له يَجْري عليه، ولكن يقال: تَعَزَّبَ الرجُلُ إذا صارَ عَزَبًا. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما ينتصبُ من المصادِرِ في غيرِ الدُعاءِ، لبعضِ مَذْحَج (٦٥٩): [٢٥٣] عَجَبٌ لتلكَ قَضِيَّةً وإقامتي … فيكم على تِلكَ القَضِيَّةِ أَعْجَبُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (عَجَبٍ) على إضمارِ مبتدأٍ، والتقديرُ أَمْرِي عَجَبٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ مرفوعًا بالابتداءِ وإنْ كانَ نكرةً لوقوعه موقع المنصوبِ، ويَتَضَمّنُ من الوقوعِ موقعَ الفِعلِ ما يَتَضَمَّنُ المنصوبُ، فيستَغْني عن الخَبرِ لأنه كالفِعلِ والفاعلِ فكأنّه قال: أعجبُ لتلك قَضية، ويجوزُ أنْ يكونَ خَبرُهُ في المجرور بَعدَه، ونَصْبُ (قضيْةِ) على التمييز النوعِ الذي أشارَ إليه بتلك.

стр. 201

وكانَ هذا الشاعرُ مِمَّنْ يَبَرَّ أُمَّهُ ويَخْدُمُها، وكانت مع ذلك تُؤثِرُ أخًا لَهُ عليه يقال: جُندبٌ، وقَبْلَه: وإذا تكونُ كريهَةٌ أُدْعَى لها … وإذا يُحاسُ الخَيْسُ يُدْعَى جُندبُ فَعَجِبَ من ذلك ومِن صَبْرِه عليه. وأنشد في الباب (٦٦٠): [٢٥٤] فقالَتْ: حَنَانٌ ما أَتَى بكَ ها هُنا … أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنتَ بالحَيِّ عارِفُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (حَنانٍ) باضمارِ مبتَدَإٍ، والتقديرُ أَمْرُنا حَنانٌ ونَحْوُهُ مِمّا يَقومُ به المعنى، وهو مع رَفْعِهِ نائبٌ منابَ المَصْدرِ الموضوعِ بَدَلًا من اللفظِ بالفعلِ، فلذلك جَرَى مَجْراه في الإِفْرادِ والتنكيرِ. وَصَفَ أَنَّه فاجَأَها فأنكَرَتْهُ وتَعَّرفَتِ السَبَبَ الموجِبَ لإِتْيانِهِ، هل هو لنَسَبٍ بَيْنَهُ وبينَ حَيِّها أَوْ (٦٦١) لمعرفةٍ كانت بَينَه وبينَهم، فكأنَّها تَوَقَّعَتْ عليه قَومَها فلذلك تَحَنَّنَتْ عليه، والحَنانُ: الرَحمَةُ. وأنشد في البابِ (٦٦٢): [٢٥٥] يَشْكُو إليَّ جَمَلِي طُولَ السُرَي … صَبْرٌ جَميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى الشاهدُ فيه رَفْعُ (صَبْرٍ جَميلٍ) مع وَضْعِهِ موضعَ الفِعلِ، والوَجْهُ فيه النَصْبُ لأنّه أَمْرٌ لا يقع موقِعَهُ الخَبَرُ، وتقديرُ سيبويه في هذا أن يحملُه على إضمارِ مبتدأٍ أو إضمارِ

стр. 202

خَبَرٍ، فكأنَّه قال: أَمْرُكَ صَبْرٌ جَميلٌ أو صَبْرٌ جَميلٌ أَمثَلُ. والقَولُ عندي إنّه مبتدأ لا خَبَرَ له، لأنّه اسمُ فِعلٍ نابَ منابَ الفِعلَ والفاعِلِ ووَقَعَ موقِعَهُ وتَعَرَّى من العوامِلِ فوجَبَ رَفْعُهُ واستَغْنَى عن الخَبَرِ لِما فيه من معنى الفِعلِ والفاعِلِ، ونَظيرُهُ من كلامِ العربِ في الاكتِفاءِ به وَحْدَهُ دونَ خَبَر قولُهم: حَسْبُكَ يَنَمِ الناسُ، لأنّ معناه اكفُفْ ولذلك أُجيبَ كما يُجابُ الأمرُ، وهذا بَيَّنٌ إنْ شاء اللَّهُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ أيضًا من المصادِرِ ينتصبُ على إضمارِ الفِعلِ المتروكِ إظْهارُهُ (٦٦٣): [٢٥٦] عَمَّرْتُكِ اللَّهَ إلّا ما ذَكَرْتِ لَنا … هلْ كنْتِ جارَتَنا أَيّامَ ذي سَلَمِ الشاهدُ فيه قولُهُ: (عَمَّرْتُكِ اللَّه) ووَضْعُهُ موضعَ عَمْرَكَ اللَّهَ، فاستَدَلّ سيبويه على أنّ عَمْرَكَ وُضِعَ بَدَلًا من اللفظِ بالفِعلِ فلَزِمَهُ النَصْبُ بذكرِ الفِعلِ مُجَرَّدًا في البيتِ. ومعنى عَمَّرْتُكِ اللَّه ذَكَّرْتُكَ به، وأَصلُه من عِمَارَةِ الموضعِ، فكأَنّه جَعَلَ تذكيرَهُ عِمارَةً لقلْبِهِ. وذو سَلَمٍ: موضعٌ بعينِهِ. و (ما) بعدَ (إلّا) زائدةٌ للتوكيدِ، و (إلّا) جَوابٌ لقوله: عَمَّرْتُكِ بمنزلةِ اللام في قوله: "عَمْرَكَ" اللَّه لتَفْعَلَنَّ، وقد بَيَّنْتُ عِلَّةَ دُخولها في مثلِ هذا على اللام في كتاب "النكت" (٦٦٤). وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٦٦٥): [٢٥٧] عَمَّرْتُك اللَّه الجَليلَ فَإنَّنِي … أَلْوِي عليكَ لَو أنَّ لُبَّكَ يَهْتَدِي القَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْلَه. ومعنى أَلْوِي أَعْطِفُ وأُعَرِّجِّ. واللُّبُّ العَقْلُ، أَيْ: قَدْ وَعَظْتُكَ وتَهَمَّمْتُ بإرشادِكِ

стр. 203

لو اهتَدَيْتَ. وجَعَلَ الفِعلَ لِلُّبِّ مجازًا لأنّه سَبَبُ اهتدائِهِ. وجَوابُ عَمَّرْتُك فيها (٦٦٦) بعدَ البيتِ. وأنشد في فَصْلٍ ترجَمَتُهُ: وهذا ذِكْرُ معنى سُبْحانَ، للأعشى (٦٦٧): [٢٥٨] أَقولُ لَمّا جاءَني فَخْرُهُ … سُبْحانَ مِنْ عَلْقَمَة الفاخِرِ الشاهدُ فيه نَصبُ (سُبْحانَ) على المصدرِ، ولُزومُها للنَصْبِ من أَجْلِ قِلّةِ التَمَكُّنِ، وحَذْفُ التَنوِينِ منها لأنّها وُضِعَتْ عَلَمًا للكلمةِ فَجَرَتْ في المَنْعِ من الصَرْفِ مَجرى عُثمانَ ونَحْوِه، ومعناها البَراءَةُ والتَنْزِيهُ. يقولُ هذا لعلقمةَ بنِ عُلاثَةَ الجَعْفَريّ (٦٦٨) في مُنافَرَتِهِ لعامِرِ بنِ الطُفَيل، وكانَ الأعشى قد فَضَّلَ عامِرًا وتَبَرَّأَ مِن علقمةَ وفَخْرِه على عامِرٍ. وأنشد في البابِ لأُمَيَّةَ بنِ أبي الصَلْت (٦٦٩): [٢٥٩] سَلامَكَ رَبَّنا في كُلِّ فَجْرٍ … بَريئًا ما تَغَنَّثُكَ الذُمومُ الشاهدُ فيه قوله: (سَلامَك)، ونَصْبُهُ على المصدر الموضوعِ بَدَلًا مِن اللفظِ بالفعلِ، ومعناه البَراءةُ والتَنْزِيهُ، وهو بمنزلة سُبْحانك في المعنى وقلَّةِ التمكُّنِ. ونَصَبَ (بريئًا) على الحالِ المؤكِّدَة والتقدير أُبرِئك بريئًا، لأنّ معنى (سَلامَك) كمعنى أُبرِئك. ومعنى تَغَنَّثُكَ تَعلَقُ بك، وهو (٦٧٠) بالثاءِ ثَلاثَ نُقَطٍ، والذُّمومُ جَمعُ ذَمٍّ، أَيْ: لا تَلحَقُكَ صفةُ ذَمٍّ.

стр. 204

وأنشد في الباب لأُمَيَّةَ أيضًا (٦٧١): [٢٦٠] سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا يَعودُ لَهُ … وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ الشاهدُ فيه قولُه: (سُبْحانًا) (٦٧٢)، وتنكيرُهُ وتَنوينُهُ ضَرورةً، والمعروفُ فيه أنْ يُضافَ إلى ما بعدَهُ، أو يُجعَلَ مفردًا معرفةً كما تقدَّمَ في بيت الأعشى (٦٧٣)، ووجهُ تنكيرِهِ وتَنوينِهِ أنْ يُشَبَّه بـ (براءةٌ) لأنّه في معناها. والجُودِيُّ والجُمُدُ جَبلان. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ من النكرةِ، "لجرير" (٦٧٤): [٢٦١] كَسَا اللُّؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً في جُلودها … فَوَيْلًا لِتَيْمٍ من سَرابِيلها الخُضْرِ الشاهدُ فيه قوله: (فَوَيْلًا) بالنَصْبِ، والأكثرُ في كلامهم رَفْعُهُ بالابتداءِ وإنْ كانَ نكرةً، لأنَّه في معنى المنصوبِ كما تقدّمَ. ومعنى الوَيْلِ القُبوحُ، وهو مصدرٌ لا فِعْلَ له يجري عليه، لاعتِلالِ فائه وعَيْنِهِ، وما يَلْزمُ من النَقلِ في تصريفِ فِعْلِهِ لو استُعمِلَ فاطُّرِحَ لذلك. هَجا تَيْمَ بنَ عبدِ مَناةَ بنِ أُدّ، وهم تَيمِّ عَدِيٍّ رَهْطُ عُمَرَ بن لَجَأ الخارجي، وجَعَل لها سَرابيلَ سُودًا مِن اللُّؤمِ بادِيةً عليهم على طريقِ المَثَل لأنّهم يقولون في الكريم النَقِيِّ العِرضِ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوبِ أبيضُ السِربالِ. والخُضْرةُ هنا السَوادُ. والسِربالُ: القَميصُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ فيه المصدرُ، للخنساء (٦٧٥): [٢٦٢] تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حتَّى إذا ادَّكَرَتْ … فإنَّما هي إقبالٌ وإدْبَارٌ

стр. 205

الشاهدُ فيه رَفْعُ (إدْبارٍ وإقْبالٍ) على السَعَةِ، والمعنى ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ، فحُذِفَ المضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إليه مُقامَهُ، ولو نُصِبَ على معنى فإنّما هي تُقبِلُ إقْبالًا وتُدْبِرُ إدبارًا، ووُضِعَ المصدرُ موضعَ الفِعلِ لكانَ أجوَدَ كما أنشَدَ لجرير (٦٧٦) "قبلَ هذا": أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافي … فلا عِيًّا بهنَّ ولا اجتِلابا [١٩١] أَيْ: فلا أعْيا بهنّ "عِيًّا" ولا اجتلبهنَّ اجتِلابا، وقد تقدّمَ البيتُ بتفسيرِهِ (٦٧٧). ومعنى تَرتَعُ تَرعى، وَصَفَت (٦٧٨) ناقةً أو بقرةً فقَدَتْ وَلَدها، فكُلّما غَفَلَتْ عنه رَتَعَتْ فإذا ذكَرَتْهُ (٦٧٩)، حَنَّتْ إليه فأَقبَلَتْ وأدْبَرَتْ، فضَرَبَتْهُ مَثَلًا لفَقْدِها أخاها صَخْرًا. وأنشد في البابِ لمُتَمّم بنِ نُوَيرة (٦٨٠): [٢٦٣] لَعَمْري وما دَهْرِي بتَأبِينِ هالِكٍ … ولا جَزَعٍ ممّا أصابَ فأَوْجَعا الشاهدُ فيه قولُه: (بتَأبِينِ هالِكٍ ولا جَزَعٍ)، والمعنى بدهرِ تأبِينٍ ولا جَزَعٍ، فَحُذِفُ اختصارًا واتساعًا، ويَجوز أنْ يكونَ تقديرُهُ وما دَهْري بذِي تأبينٍ، فيُجْعَلُ الفعلُ للدهرِ اتساعًا ثُمَّ يُحذَفُ المضافُ إلى التأبينِ اختِصارًا ومَجازًا كما تَقَدّمَ في البيت الذي قَبلَه. يَرثي أخاه مالكَ بنَ نُوَيرةَ (٦٨١)، وهو الذي يُقالُ فيه: فَتًى ولا

стр. 206

كمالِكٍ (٦٨٢)، فيقول: لا أَرْثي بعدَهُ هالكًا ولا (٦٨٣) أبكي عليه ولا أجزَعُ مِن شَيءٍ يُصيبُني بعدَه. والتَأبِينُ مَدحُ الرَجُّل مَيَّتًا، والتَقْرِيظُ مَدْحُهُ حَيًّا. وأنشد في البابِ للعجّاج (٦٨٤): [٢٦٤] أَطَرَبًا وأنتَ قِنَّسْرِيُّ الشاهدُ فيه نَصْبُ (طَرَبٍ) على المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفِعلِ، والتقديرُ أتَطربُ طَرَبًا. والمعنى أَتَطربُ وأَنتَ شَيخٌ، والطَرَبُ خِفَّةُ الشَوقِ هنا، والطَرَبُ أيضًا خِفَّةُ السَّرورِ. والقِنَّسْرِيُّ: الشَيخُ، وهو غَيرُ معروفٍ في اللغة ولم يُسمَعْ إلّا في هذا البيت وَحْدَه (٦٨٥). وأنشد في البابِ "لجرير" (٦٨٦): [٢٦٥] أَعَبْدًا حَلَّ في شُعَبَي غَريبًا … أَلُؤْمًا لا أَبا لَكَ واغتِرابا الشاهدُ فيه قوله: (أَلُؤْمًا واغتِرابًا)، وانتِصابُهُ لوقوعه موقعَ الفِعلِ كما تَقَدَّم. هَجَا رجلًا فجَعَلَه عَبدًا لئيمًا نازِلًا في غيرِ أهلِهِ غريبًا، فأنكَرَ عليه أنْ يَجمعَ بينَ اللُّؤمِ والغُربَةِ. وشُعَبَي: اسمُ موضعٍ. ونَصْبُ (عَبْدٍ) على النِداءِ المنكورِ، ويَجوزُ نَصْبُه على الحالِ وتقديرُ العامِلِ فيه أَتَفْخَرُ عَبدًا على ما فَسَّره سيبويه (٦٨٧) بَعدَ هذا. وأنشد في البابِ (٦٨٨): [٢٦٦] سَماعَ اللَّهِ والعُلَماءِ أَنِّي … أعوذُ بحَقْوِ خالِكَ يا ابنَ عَمْرو

стр. 207

الشاهدُ فيه قولُه: (سَماعَ اللَّهِ)، ونَصْبُهُ على المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفِعلِ، والتقديرُ أَسْمِعُ اللَّه والعُلَمَاءَ إسْماعًا، ووضَعَ (سَماعًا) موضعَ (إِسْماعٍ) كما قالوا: أعطَيَّتُه عَطاءً أي: إعطاءً، والمعنى أُشْهِدُ اللَّه والعُلَماءَ إشْهادَ مُسْمِعٍ مُبينٍ لإِشهادِهِ أَنّي أعوذُ بخالك من شَرِّكَ، وذَكَرَ الحَقْوَ وهو الخَصْر لأنّه موضعُ احتِضانِ الشَيء وسترِهِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما ينتصبُ من الأسماءِ التي أُخِذَت من الأفعالِ انتِصابَ الفِعلِ، لعبدِ اللَّهِ بن الحارثِ السَهْمي (٦٨٩) من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ : [٢٦٧] أَلْحِقْ عَذابَكَ بالقَومِ الذينَ طَغَوْا … وعائذًا بكَ أَنْ يَعْلُوا فَيُطْغُوني الشاهدُ فيه وَضْعُ (عائذٍ) موضعَ المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفِعلِ، والتقديرُ وعِياذًا بِكَ. والمعنى وأَعوذُ بكَ أنْ يَعْلوا المسلمينَ ويَظْهَروا عليهم فَيُطْغُوني وإيّاهُم. وأنشد في الباب (٦٩٠): [٢٦٨] أَراكَ جَمَعْتَ مَسألَةً وحِرْصًا … وعِندَ الحَقِّ زَحّارًا أُنانا الشاهدُ فيه وَضْعُ (زَحّارٍ) -وهو تكثيرُ زاحِرٍ- موضعَ الزَحيرِ بعد أنْ قُدِّرَ الزَحِيرُ بَدَلًا من اللفظِ بتَزْحَرُ فانتَصَبَ لذلك. والمعنى أراكَ جَمَعْتَ مَسألةَ الناسِ والحِرصَ على ما في أيديهم، وعندما يلزَمُك من حَقَّ تَزْحَرُ وتَثِنُّ بُخْلًا. ونَصْبُ (أُنانٍ) على المصدرِ المؤكِّدِ، والمعنى تَزحَرُ أَنِينًا "أيْ: تَئِنُّ أَنينًا"، والأتانُ: الأَنِينُ. والزَحِيرُ: السُعَالُ. وأنشد في باب ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما جَرَى من الأسماءِ التي لم تُؤخَذْ مِن الفِعلِ

стр. 208

مجرى الأسماءِ التي أُخِذَتْ من الفِعلِ (٦٩١): [٢٦٩] أَفي السَلْمِ أَعْيارًا جَفاءً وغِلْظَةً … وفي الحَربِ أَشْباهَ النِساءِ العَوارِكِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (الأعْيارِ) بإضمارِ فِعلٍ وُضِعَتْ موضِعَهُ بَدَلًا من اللفظِ به كما فعلَ في البابِ قَبلَه. والمعنى أتَتَحوَّلونَ في السلمِ أَعْيارًا جَفاءً، وفي الحربِ نِساءٌ حُيْضًا جُبْنًا وضَعْفًا. والسلمُ: الصُلْحُ وهو بالفتحِ والكسرِ. والأعْيارُ جَمعُ عَيْرٍ وهو الحِمارُ. والغِلْظَةُ: القَسْوَةُ. والعَوارِكُ: الحُيَّضُ واحدَتُها عارِكٌ. وأنشد في الباب في مِثْلِهِ (٦٩٢): [٢٧٠] أَفِي الوَلائمِ أَوْلادًا لِواحِدَةٍ … وفي العِيادَةِ أَولادًا لِعَلّاتِ الشاهدُ فيه نَصبُ (أولادٍ) بإضمارِ فِعلٍ وُضِعَتْ موضِعَهُ بَدَلًا من اللفظِ به. والمعنى أَتصيرونَ أولادًا لواحدةٍ وتنتقلونَ إلى هذه الحال في الولائمِ، وهي جَمعُ وَليمةٍ، وتَصيرونَ أولادًا لِعَلَّاتٍ وهُنَّ الأُمّهاتُ الشّتَّى، واحدتهنّ عَلَّةٌ، في عِيادةِ المرضى، أي: تَتَعاونونَ على شُهودِ الطَعامِ وتَتَّفِقون، وتَتَخاذلون عندَ عِيادةِ المريضِ وتَتَقاطعون. وأنشد في الباب للفرزدق (٦٩٣): [٢٧١] ألَمْ تَرَني عاهَدْتُ رَبِّي وإنَّني … لَبَيْنَ رِتاجٍ قائمًا ومَقامَ على حَلْفَةٍ لا أَشْتِمُ الدَهْرَ مُسلِمًا … ولا خارجًا مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ

стр. 209

الشاهدُ فيه قولُه: (ولا خارجًا)، ونَصْبُهُ لوقوعِهِ موقعَ المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفِعلِ على مذهبِ سيبويه، والتقديرُ عاهدتُ رَبِّي لا يخرجُ من فِيِّ زُورُ كلامٍ خُروجًا. ويَجوزُ أنْ يكونَ قوله: (ولا خارجًا) منصوبًا على الحالِ، والمعنى عاهدتُ رَبِّي غَيرَ شاتمٍ ولا خارجٍ، أي: عاهَدْتُهُ صادِقًا، وهذا على مذهب عيسى ابن عُمر (٦٩٤)، وقد ذَكَره سيبويه عنه، ولا شاهِدَ فيه على هذا التقدير. يَقولُ هذا حينَ تابَ عن الهجاءِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ، وعاهَدَ اللَّه على ذلك بين رِتاج بابِ الكعبةِ ومقامِ إبراهيم صلى [اللَّه على نَبيّنا محمد وعليه] (٦٩٥). وإنّما فَصَل سيبويه (٦٩٦)، هذا البيت (٦٩٧) من البابِ الأوّل لِما احتَمَلَ من التأويلين على مذهبه ومذهَب عيسى بنِ عُمَرَ، وقد بَيَّنْتُ الحقيقةَ في المذهبين في كتاب "النكت" (٦٩٨). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَجيءُ من المصادرِ مُثَنّى، لطَرَفة بنِ العَبْد (٦٩٩): [٢٧٢] أَبا مُنْذِرٍ أَفْنَيتَ فاستَبْقِ بَعْضَنا … حَنَانَيكَ بعضُ الشَرِّ أَهْوَنُ من بَعضِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (حَنانَيْكَ) على المصدرِ الموضوعِ موضعَ الفِعلِ، والتقديرُ تَحَنَّنَّ علينا تَحَنُّنًا، وثُنِّيَ مبالغةً وتكثيرًا، أي: تَحَنَّنْ تَحَنُّنًا بعدَ تَحَنُّنٍ، ولم يُقْصَد بهذا قَصْدَ التثنيةِ خاصَّةً، وإنّما يُرادُ به التكثيرُ فَجُعِلَت التثنيةُ عَلَمًا لذلك، لأنّها أوّلُ تَضْعيفِ

стр. 210

العدد وتكثيرِهِ، وكذلك ما جاءَ من نحوهِ في الباب. خاطب، عمرو بنَ هندٍ الملك، وكُنْيّتُهُ أبو المُنْذِر حينَ أمَرَ بقَتْلِهِ، وذَكَرَ قَتْلَه لِمَنْ قُتل مِن قومه تحريضًا لهم على طلب ثأرهِ. وأنشد في الباب لعبدِ بني الحسْحاسِ (٧٠٠)، واسمُهُ سُحَيْم الأسود: [٢٧٣] إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْدِ مِثْلُهُ … دَوَاليكَ حتْى لَيسَ للبُرْدِ لابِسُ الشاهدُ فيه قولُهُ: (دواليك)، ونَصْبُهُ على المصدرِ الموضوعِ موضعَ الحالِ، دلْنَّي لأنَّ المُداولة من اثنين، والمعنى اعتْوَرْنا هذا الفِعلَ مُتَداولينَ لَهُ، والكافُ للخطاب ولا حظَّ لها في معنى الإضافةِ، فلذلك لم يَتَعَرَّفْ ما قبلَها بها وَوَقَعَ حالًا. وكان الرجُلُ إذا أراد تأكيد المودَّةِ بينَه وبين مَنْ يُجبَ واستِدامَةَ مواصَلَتِهِ شَقَّ كُلُّ واحدٍ منهما بُرْد صاحبِه يرى أنّ ذلك أبقَى للمَوَدّةِ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٧٠١): [٢٧٤] ضَرْبًا هذاذَيْكَ وطَعْنًا وَخْضَا الشاهدُ فيه قولُهُ: (هَذَاذَيْكَ)، والقَولُ فيه كالقَولِ في [الذي قَبْلَه، أعْنِي] دَوَالَيْكَ، والمعنى ضَرْبًا يَهُدُّ هَذًّا بَعْدَ هذٌّ على التكثيرِ، وهو صفةٌ للضربِ أو بَدَلٌ منه، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن نكرةٍ. والهَذُّ: السُرعَةُ في القَطعِ وغَيرِهِ. والوَخْضُ: الطَعنُ الجائفُ، أَيْ: يضربُ الأعناقَ ويَطعنُ في الأجْوافِ.

стр. 211

وأنشد في الباب (٧٠٢): [٢٧٥] أَهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أَبَاَلَكَا [وحَسِبوا أنّكَ لا أَخَالَكَا] وأنا أَمشِي الدَأَلّي حَوَالَكا الشاهدُ فيه قوله: (حَوَالَكَا) وإفرادُهُ، والمُستعمَلُ فيه التثنيةُ يقال: حَوْلَكَ وحَوَالَيْكَ، وحَوَالَكَ قَليلٌ كما أنّ حَوْلَيْكَ قليلٌ، وانَّما ذكر سيبويه هذا مُحْتَجًّا لحَوَالَيْكَ ولَبَّيْكَ ونحوه ممَّا يُثَنّى للتكثيرِ، ورُبَّما أفْرِدَ فقيلَ: حَنانٌ (٧٠٣) ولَبٌّ كما يُفْرَدُ حَوَالَيْكَ فَيُقال: حَوَالَكَ. وزَعَم أبو عُبَيْدة (٧٠٤) أنّ هذا من قَولِ الضَبِّ للحِسْلِ أيّامَ كانت الأشياءُ تتكلّمُ فيما تَزْعُمُ الأعْرابُ. [والدَألُ: مَشْيٌ]، والدَأَلَى: مِشْيَةٌ فيها تَتَاقُلّ يقال: مَرَّ يَدْأَلُ بِجِمْلِهِ. وأنشد في البابِ (٧٠٥): [٢٧٦] دَعَوْتُ لما نابَنِي مِسْوَرًا … فَلَبّي فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ الشاهدُ فيه قَولُهُ: (فَلَبَّيْ يَدَيْ) بإثباتِ الياءِ، لأنَّها ياءُ التثنيةِ، وإنّما احتَجَّ به

стр. 212

على يونس (٧٠٦) لزَعْمِهِ أنَّ (لَبَّيْكَ) اسمٌ مفرّدٌ بمنزلةِ (عليكَ) وأنَّ ياءَهُ كيائها، فأخَذَهُ سيبويه بقولِ الشاعرِ: (فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرٍ) وإظهارُهُ الياءَ معَ الإضافةِ (٧٠٧) إلى الظاهِرِ، ولو كانَ بمنزلةِ (عليكَ) لقال: فَلَبَّى يَدَيْ كما تقول: على يَدَيْهِ ونحوه. يقول: دَعَوْتُ مِسْوَرًا لِدَفْع نائبةٍ نابَتْني فأَجابَني بالعَطاءِ فيها وكَفَاني مُؤْنَتَها، وكأنّه سَأَلَهُ في دِيَةٍ، وإنّما لَبّي يَدَيْه لأنّهما الدافِعَتانِ إليه ما سَأَلَهُ منه فَخَصَّهما بالتَلْبيلةِ لذلك. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ (٧٠٨) ينتصبُ فيه المصدرُ المُشَبِّهُ بهِ، للنابغة الذبياني (٧٠٩): [٢٧٧] مَقْذوفَةٍ بدَخِيسِ النَحْضِ بازِلُهما … لسه صَرِيفٌ صَريفَ القَعْوِ بالمَسّدِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (صَرِيفِ القَعْوِ) على المصدر المُشَبَّهِ به، والعاملُ فيه فِعلٌ مُضْمَرٌ دَلَّ عليه قولُهُ: (لَهُ صَريفَّ)، فكأنَّه قال: بازِلُها يصرفُ صَرِيفًا مِثلَ صَرِيف القَعْوِ، ورَفْعُهُ على البَدَلِ جائزٌ. وَصَفَ ناقةٌ بالقُوَّةِ والنَشاطِ فيقول: كأَنَّما قُذِفَتْ باللحمِ قَذْفًا لتراكُمِهِ عليها. والنَحْضُ: اللحمُ، ودَخِيسّهُ: ما تَداخَلَ منه وتراكَبَ. والبازِلُ: سِنٌّ تخرجُ عندَ بُزولِها وذلك "في" العام التاسع من سِنِّها، وعند ذلك تكمُلُ قُوَّتُها ويقالُ لها: بازِلُ. والصَريفُ: صَوتُ أَنيابِها إذا حَكَّتْ بعضَها ببعض نَشاطًا أو إعياءً، وأرادَ "ها" هنا النَشَاطَ خاصَّة. والقَعْوُ: ما تَدورُ فيه البكرةُ إذا كانَ مِن خَشَبٍ، فإذا كانَ من حَديدٍ فهو خُطّافٌ. والمَسَدُ: حبلٌ من ليفٍ أو جِلْدٍ، ولا يُسَمّى مَسّدًا إلّا

стр. 213

كذلك، ويقال: مَسَدْتُهُ إذا أَحْكَمْتَ فَتْلَهُ، وحَبْلُ مَمْسودٌ، والمَسَدُ الاسمُ. وأنشد في البابِ للنابغة الجَعْديَ، واسمُهُ قَيسُ بنُ عبدِ اللَّه ويقال: عبدُ اللَّهِ بن قيس (٧١٠): [٢٧٨] لَها بَعْدَ إسْنادِ الكَليمِ وهَدْئِهِ … وَرَنَّةِ مَنْ يبكي إذا كانَ باكِيا هَدِيرٌ هَدِيرَ الثَورِ يَنْفُضُ رأسَهُ … يَذُبُّ برَوْقَيْهِ الكِلابَ الضَوارِيا الشاهدُ فيه نَصْبُ (هَديرِ الثَورِ) على إِضمارٍ فِعْلٍ دَلَّ عليه قَولُهُ: (لها هَديرٌ)، لأنَّ معناه تَهدِرُ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ. وَصَفَ طَعنةٌ جائفةٌ تهدِرُ عندَ خُروجٍ دَمِها وَفَوْرِهِ. والكَليمُ: المّجْروحُ وإسْنادُهُ: إقُعادُهُ معتمدًا بظَهْرِهِ على شَيءٍ يُمْسِكُهُ لِضَعْفِهِ. وهَدْؤُهُ: سُكونُهُ ونَوْمُهُ. والرَنَّةُ: رَفْعُ الصَوتِ بالبُكاءِ. والضَواري: التي ضَرِيَتْ على الصَيْدِ واعتادَتْهُ. والرَوْقُ: القَرْنُ. وأنشد في الباب (٧١١): [٢٧٩] إذا رَأتْنِي سَقَطَتْ أَبْصارُها دَأْبَ بِكارٍ شايَحَتْ بِكارُها الشاهدٌ فيه قولُه: (دَأْبَ بِكارٍ)، ونَصْبُهُ على المصدر المشبه به كالذي تَقَدّمَ، والعامِلُ فيه معنى قوله: إذا رَأَتْني سَقَطَتْ أَبصارُها، لأنّه دال على دؤوبها في ذلك. والمعنى، "يقول": كُلَّما رَأَتْني سَقَطَتْ أَبصارُها وخشعتُ هَيْبةً لي كما (٧١٢) تَفْعَلُ البِكارُ، وهي جَمعُ بكرةٍ من الإبِلِ إذا جَدَّتْ فُحولُها في اعتِراضِها. ومعنى

стр. 214

شايَحَتْ: جَدَّتْ، والمُشِيحُ من الرِجالِ "والشيح": الجادُّ الماضي. ويقال: شايَحَتْ [بمعنى حاذَرَتْ] (٧١٣)، فيكون المعنى على هذا دَأب بِكارٍ شايَحَتْ هي، أيْ: حاذَرَتْ، ثُمَّ وَضَعَ البِكارَ موضعَ الضَميرِ وأضافَهُ إلى الضَميرِ نَفْسِهِ توكيدًا لاختِلافِ اللفظين كما قال (٧١٤): أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقِيلِ [١٥٩] بعدَ ذِكْرِ الرُؤوسِ، أي: أَزَلْناها عن المَقيلِ، وقد بَيَّنْتُ عِلَّةَ جَوازِهِ (٧١٥). والدَأبُ: العادَةُ. وأنشد في الباب لرُؤية (٧١٦): [٢٨٠] لَوَّحَها مِن بَعْدِي بُدْنٍ وسَنَقْ تَضْمِيرَكَ السابق يُطوى للسَبَقْ الشاهدُ فيه قولُه: (تَضْمِيرَكَ السابقَ)، ونَصْبُهُ على إضمارِ فِعْلٍ دَلَّ عليه قولُهُ: (لَوْحَها)، لأنّه في معنى ضَمَّرَها، واللائحُ: الضامِرُ، وأصلُهُ من اللوحِ وهو العَطَشُ. وَصَفَ ناقَةَّ ضَمَرَتْ لدُؤوبِ السَيرِ. والبُدْنُ: السِمَنُ. والسَنَقُ: أنْ يُكْثَرَ لَها مِن العَلَفِ حتَى تَسْنَقَ وتتخم، وشَبَّهَ ضُمْرَها بضُمْرِ السابقِ من الخَيلِ المُعَدِّ للرِهانِ، ومعنى يُطْوَى يُضَمَّر. والسَبَقُ: الخَطَرُ، ويجوزُ أنْ يُريدَ السَبْقَ فَحَرَّكَ ضرورةً. وأنشد في البابِ للعجّاج (٧١٧):

стр. 215

[٢٨١] تاجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وَجَفا طَيَّ اللَّيالي زُلَفًا فَزُلَفا سَماوَةَ الهِلالِ حتّى احقَوْقَنا الشاهدُ في قوله: (طَيَّ اللّيالي)، ونَصْبُه على المصدر المُشَبَّهِ به دونَ الحالِ لأنّه معرفةٌ، ولهذا (٧١٨) ذَكَرَهُ سيبويه ولم يَقْصد فيه ما قَصَدَ في الذي قَبْلَه مِن أنْ يَجْعَلَه على إضمارِ فِعْلٍ من غير لَفْظِهِ كما تَأَوَّلَ عليه مَنْ غَلَّطَه (٧١٩) ونَسَبَ إليه أنّه استَشْهَدَ بنَصْبِ سَماوَةٍ على المصدر المُشَبَّهِ به. وَصَفَ بَعيرًا أَضْمَرَهُ دُؤوبُ السَير حَتّى اعوَجَّ من الهُزالِ، كما تَمْحَقُ الليالي القَمَرَ شَيئًا بعدّ شَيءٍ حتّى يعودَ هِلالا مُحْقَوْقِفًا مُعْوَجًّا. والناجي: السَريعُ. والوَجِيفُ: سَيرٌ سَرِيعٌ. والأيْنُ: الإِعْياءُ والفُتورُ، ولم يُرد أنّ الإِعْياءَ طَواهُ وإنّما أرادَ سَيْرَهُ الشَديدَ المُفْضِي به إلى الإِعْياءِ فَجَعَلَ الفِعلَ له مجازًا. والزُلَفُ: الساعاتُ المتقاربَةُ، واحدتُها زُلْفَةٌ، وأرادَ بها الأوقاتَ التي يطلع بها بَعْدَ منتصفِ الشَهْرِ وبَعضُها يتأخَرُ عن بعض تَأَخُرًا قريبًا. وسَماوَةً كُلِّ شَيءٍ أعلاهُ، ونَصَبَها بالطَيِّ نَصْبَ المفعولِ به. والمُحْقَوقِفُ: المُعْوَجُّ، والحِقْتُ: ما اعوَجِّ من الرَملِ، وكانَ ينبغي أَنْ يقولَ: سَماوَةَ القَمَر ولكنّه سَمّى القَمَرَ هِلالًا لِما يَؤُولُ إليه. وأنشد في البابِ لأبي كبير الهُذَلي (٧٢٠): [٢٨٢] ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلّا مَنْكِبٌ … منه وحَرْفٌ الساقِ طَيِّ المِحْمَلِ الشاهدٌ فيه نَصْبُ (طَيِّ المِحْمَلِ) بإضمارِ فِعلٍ دَلَّ عليه قولُهُ: ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلّا مَنْكِبٌ [منه] وحَرفُ الساقِ، لأنّ ذلك لانْطِواءِ كَشْحِهِ وضَّمْرِ بَطْنِهِ، فكأنّه قال: طُوِيَ طَيًّا مِثلَ طَيِّ المِحْمَلِ.
следующие страницы →